ياسمينة خضرا
فضل الليل على النهار
ترجمة محمد ساري.
في وهران، كما في مكان آخر، بسبب نقص الوقت والتفكير، نكون مجبرين على أن نحب بعضنا بعضا دون أن نعرف.
ألبير كامو: الطاعون.
"أحب الجزائر لأنني أحسَست بها جيدا".
غابريال غارسيا ماكيز.
I
جنان جاتو
1.
كان أبي سعيدا.
لم أتصوّره قادرا على ذلك.
أحيانا، تربكني سحنته المحررة من قلقه.
كان مقرفصا على كومة من الحجر، ذراعاه حول ركبتيه، ينظر إلى الريح التي تعانق ضمور الأكواخ، تنحني فوقها، وتخضها بفظاظة. تتمايل حقول القمح مثل عُرُف آلاف الأحصنة تركض عبر السهل. إنها رؤية شبيهة بالتي يمنحها البحر حينما تخصبه أمواج متلاطمة. وكان أبي يبتسم. لا أتذكَّر أنني رأيته يبتسم؛ ليس من عاداته إظهار رضاه –هل كان يعرف الرضا حقا؟... حياته عبارة عن سلسلة لا نهائية من الانكسارات، فقد صقلته المحَن، ونظرته دوما هلعة؛ يحذر من تقلبات الغد الخائن المتملص مثل حذره من القرع.
لا أعرف له أصدقاء.
كنا نعيش منزوين في أرضنا أشبه بأشباح سُلّمت للقدر، في صمت فلكي لأولئك الذين ليس لديهم شيء مُهِم يقولونه: أمّي في ظل كوخها، منحنية فوق قِدْرها، تحرك بكيفية آلية حساءً من عساقل بطعم مشكوك فيه؛ زَهْرَة، أختي التي تصغرني بثلاث سنوات، منسية في عمق ركن، كتومة إلى حدّ أننا في الغالب لا ننتبه إلى حضورها؛ وأنا، طفل نحيف ووحيد، لم أكد أتفتح حتى ذبلت، أحمل سنواتي العشر كأعباء ثقيلة.
ليسَت حياة؛ كنا مَوجودين على وجه الأرض، هذا كل ما في الأمر.
إنّ استيقاظنا صباحا يُعَد من المعجزات، وفي الليل، حينما نستعد للنوم، نتساءل إن لم يكن من المنطقي أن نغمض عيوننا للأبد، مقتنعين أننا تفحصنا جميع الأشياء وانتهينا إلى أنّها لا تستحق ما يجعلنا نبذل جهدا زائدا من أجلها. تتشابَه الأيام بشكل يائس؛ لا تأتي بالجديد أبدا، ولا تقوم عند مغادرتها إلا بتجريدنا من آخر أوهامنا النادرة التي تتدلى في طرف أنوفنا، أشبه بحبات الجزر التي تحرّك الحمير.
في هذه الأيام من 1930، كان البؤس والأوبئة يبيدان العائلات والحيوانات بعدوانية عجيبة، فيُجبران الناجين على الهجرة أو على التشرّد. لا يُظهر أقرباؤنا القلائل أية إشارة لوجودهم على قيد الحياة. أما الأسمال الرثة التي نرى أشباحها بعيدا، كنا متيقنين أنها تمر مرور الريح. لقد كاد يُمْحى الدرب الذي يَجرّ حُفره إلى غاية كوخنا.
لم يكن أبي يكترث للأمر.
يحب البقاء وحيدا، مُتشبّثا بمحراثه، شفتاه بيضاوان من الزبد. أحيانا، يبدو لي كربّ يعيد خلق عالمه، وأبقى الساعات الكاملة أراقبه، مُنبهرا من صلابته واستبساله.
حينما تتكفل أمي بحمل أكله، ليس من مصلحتي أن أتأخر في الضواحي. يتناول أبي غذاءه في أوقات محدّدة، مُكتفيا بالقليل، مستعجلا استئناف عمله. كنْت أحب أن يقول لي كلمة لطيفة أو أن يعتني بي دقيقة؛ لم توجد عينا أبي إلا لأرضه. لم يكن يشعر بالراحة إلا في هذا المكان، وسط كونه الأشقر. ليس لأحد القدرة على إلهائه، ولا حتى أعزّ الناس لديه.
في المساء، عندما نلتحق بكوخنا، كان لمعان عينيه يتلطّف مع غروب الشمس. فيتحوّل إلى شخص آخر، شخص عادٍ، بلا جاذبية ولا فائدة؛ يكاد يخيّب أملي.
ولكنه يكاد يَطير فرحا منذ بضعة أسابيع. موسم الحصاد يعد بالكثير، يتجاوز التقديرات... كبّلت الديون كاهله، فقام برهن أرض الأجداد وأدرك أنه يخوض آخر معركته، أنه يستخدم آخر خرطوشة له. يجهد نفسه كما عشرة أنفار، بلا توقف، وبأحشائه استبسال مميت؛ كانت السماء الصافية ترعبه، كما أنّ أدنى غيمة تكهربه. لم أشاهده أبدا يصلي ويجهد نفسه بمثل هذا العناد. وحينما جاء الصيف وغطى القمح السهل بسنابل لامعة، اتّخذ أبي مكانا فوق ركام الحجر ولم يتحرّك. ينكمش تحت "مِظَل" الحلفاء، ويقضي معظم أيامه يتأمل المحصول الذي يعد أخيرا بفرجة أكيدة بعد سنوات عجاف من الجدب وقحولة الأرض.
الحصاد على الأبواب. كلما اقترب، كلما فقد أبي هدوءه. يرى نفسه يَحصد السنابل بملء ذراعيه، يحزم مشاريعه بالمئات ويجني آماله بأعداد لا تحصى.
أسبوع قبل ذلك، أقعدني بجانبه فوق العربة واتجهنا نحو القرية، على بعد أميال قليلة خلف الهضبة. في العادة، لا يأخذني إلى أي مكان. ربما فكّر بأن الأمور بدأت تتحسّن وينبغي معها إصلاح طرق تعاملنا واكتشاف ردات فعل جديدة، ذهنية جديدة. أثناء الطريق، طفق يدندن لحنا بدويا. إنها المرة الأولى في حياتي أسمعه فيها يغني. كان صوته يتسرّب عبر جميع الاتجاهات، يضجر بغلا؛ ولكن بالنسبة لي، كان حفلا بحيث لا يضاهيه أشهر المغنين. فجأة، تماسك، مندهشا من انطلاقه، خجولا من التهريج أمام ولده.
لم تكن القرية ذات شأن. إنّها مكان مُقفر، مثيرة للحزن، بأكواخها الترابية الرازحة تحت ثقل البؤس، بأزقتها الهلعة التي لا تعرف أين تجري لإخفاء قبحها. تقضم معزاة بضْعة أشجار ضامرة، واقفة في عذابها كما المشانق. عند أسفل جذوعها، يقرفص البطالون الذين لا يختلفون كثيرا عنها. يشبهون الفزازيع المهملة، المتروكة هنا إلى أن تبعثرها الزوابع في الطبيعة.
أوقَف أبي العربة قرب حانوت كئيب يلتف حوله أطفال يرتدون، كما لو أنّها جلابيب، أكياسا من الخيش، مُرقعة بفظاظة، وهم حفاة الأقدام. كانت رؤوسهم محلقة ومبقّعة بأنداب متقيّحة، وتمنح لسحنهم علامة لا رجعة فيها، هي أشبه بلعنة. أحاطونا بفضول رهط من الضغابيس التي تستنكر تدنيس إقليمها. أبعَدهم أبي بحركة من اليد قبل أن يدفعني بداخل الحانوت حيث كان رجل يتناعس وسط رفوف فارغة. لم يكلف الرجل نفسه القيام لاستقبالنا. قال أبي:
- أنا بحاجة إلى رجال وعتاد للحصاد.
ردّ الحانوتي بوَهن:
- هذا فقط؟ أبيع أيضا السكر والملح والزيت والدقيق.
- نترك هذا ليوم آخر. هل يمكن الاعتماد عليك؟
- لأي يوم تحتاج الرجال وعتادهم؟
- الجُمعة الأخرى...
- أنت صاحب الشأن. تصفّر ونكون عندك في اللحظة.
- إذن، أنتظركم جمعة الأسبوع المقبل.
غمغم الحانوتي وهو يسوي عمامته الساقطة على وجهه:
- اتفقنا. أنا مسرور لأنك أنقذت موسمك.
ردّ أبي وهو يبتعد:
- بل أنقذت روحي.
- قبل هذا، عليك أوّلا أن تملكها.
ارتجف أبي عند عتبة الحانوت. بدا كما لو أنّه أدرك تلميحا مسموما في أقوال البقال. بعد أنْ حكّ مؤخرة رأسه، انزلق فوق العربة وعُدنا إلى الدار. تأثرت حساسيته بشكل لافت. انطفأت نظرته التي كانت مشعة هذا الصباح. يكون قد قرأ في ردّ الحانوتي نذير شؤم. هكذا الحال مع أبي؛ يكفي أن تناقض قوله كي تحضّره للأسوإ، أن تمدح حماسه للعمل كي تعرّضه لعين الحسود. كنت متأكدا أنّه بدأ يحسّ بالندم في قرارة نفسه، لأنه اندفع للابتهاج بانتصاره بيد أنّ لا شيء قد تحقّق بعد.
أثناء طريق العودة، انكمش على نفسه مثل حنش ولم يتوقف عن سوط ردف البغلة؛ كانت حركاته مطبوعة بغضب مبهم.
في انتظار يوم الجمعة، أخرج من مخابئها مِحْطبَه العتيق ومناجل متخلخلة وعتادا آخر لتصليحه. كنت أتابعه من بعيد بصحبة كلبي، مترقبا أمرا سيجعلني أصلح لشيء ما. لم يكن أبي يحتاج إلى أحد. يعرف بالتدقيق ما سيفعله وأين يجد ما هو بحاجة إليه.
ثمّ، ذات ليلة، بلا أدنى إخبار، انقضّت علينا المصيبة. كان كلبنا ينبح، ينبح... بدا لي كما لو أنّ الشمس انفصلت عن السماء وسقطت على أراضينا. كانت الساعة حوالي الثالثة صباحا، ومع ذلك أضيء كوخنا كما في وضح النهار. شدّت أمّي رأسها بيديها، مذهولة عند عتبة الباب. حرّكت حولي انعكاسات الأضواء الخارجية ظلها المتعدّد على الجدران. انكمشت أختي في ركنها، مربعة على حصيرها، أصابعها بداخل فمها والعينان منطفئتان.
ركضت نحو الحَوْش، فرأيت هديرا من النيران الهائجة تلتهم حقولنا؛ تصاعدت أنوارها إلى الذروة الخالية من أية نجمة حارسة.
كان أبي يتخبّط كالمجنون، بصدره العاري، الملوّث بلطخات سوداء، يَتصبّب عرقا. يَغطس دلوا صدئا في حوض مياه شرب الحيوانات، ينقض على الحريق، يختفي وسط النيران، يرجع لأخذ الماء ويعود إلى الجحيم. لم يدرك وضعه المثير للسخرية الذي يعاقب رفضه بقبول أمر الواقع، وأنه لا يستطيع فعل شيء، وأنّ لا دعاء ولا معجزة ستمنع أحلامه من التبّخر كما الدخان. فهمت أمّي أننا خسرنا كلّ شيء. نظرَت إلى زوجها وهو يتخبّط كما الشقي وانتابها خوف من عدم رؤيته يخرج من النار الملتهبة. كان أبي قادرا على ضمّ السنابل بذراعيه وترك نفسه يحترق معها. ألم يكن في أوّج انسجامه وسط حقوله؟
عند طلوع النهار، لم يزل أبي يواصل تبليل نفثات الدخان المنبعثة من الباقات المفحّمة. لم يبق شيء من المحصول، ومع ذلك يعاند في عدم الاعتراف بذلك. من الغيظ.
يا له من ظلم !
قبل ثلاثة أيام من بداية الحصاد.
على مسافة خطوتين من النجاة.
على بعد نفَس من الانبعاث.
في نهاية الصبيحة، سلّم أبي بالأمر الواقع. أخيرا، والدلو لا يزال معلقا في ذراعه، تجرأ على رفع عينيه على اتساع الكارثة. لمدّة طويلة، ترنّح على ساقيه المرتخيتين، بعينين داميتين وسحنة متشنّجة؛ وبعد ذلك، سقط على ركبتيه، انبطح على بطنه، ثمّ، وتحت أعيننا المنذهلة، ترك نفسك يقوم بشيء لا يفعله رجل أبدا أمام الملأ، انفجر بالبكاء... ذرف جميع دموع جسمه.
أدركت حينها أن الأولياء الصالحين نكرونا إلى غاية يوم الحساب وأنّ الشقاء أصبح قدرنا المحتوم.
توقف الزمان بالنسبة إلينا. طبعا، واصل النهار تملصه أمام الليل، والمساء يخلف الفجر، والكواسر تحلق في السماء، ولكن في نظرنا، كما لو أنّ الأشياء استنفذت كل ما عندها من سبل. انفتحت صفحة جديدة ولم نكن مُسجلين بها. لم يتوقف أبي عن ذرع مسافات حقوله المخرّبة. من الفجر إلى الغروب، يهيم على وجهه وسط الأشباح والأنقاض. تخاله شبحا أسيرا بداخل أطلاله. أمّي تراقبه من ثقب بالجدار يقوم مقام الكوّة. كلّما ضرب فخذيه أو لطم خديه إلا وتمتمت تعاويذ راجفة، مستنجدة بأسماء الأولياء الصالحين المنتشرين في المنطقة؛ كانت مقتنعة أن زوجها فقد عقله.
بعد أسبوع، جاء رجل يبحث عن أبي. كان بهيئة سلطان، مُتدثرا أفخَم الملابس، لحيته محلقة بعناية وصدر سترته مرصّع بالميداليات. إنه القايَد، محاطا بحرسه الخاص. دون أن ينزل من عربة "الكاليش" الفاخرة، أمر أبي بدمغ بصمات يده على الوثائق التي أسرع فرنسي ضامر وشاحب، يرتدي الأسود من الرأس إلى القدمين، بإخراجها من محفظته. لم يفكر أبي ولم يتردّد لحظة. وضع أصابعه بداخل إسفنج مبلل بالحبر وطبعها على الأوراق. انسحب القايَد مباشرة بعد توقيع الوثائق. بقي أبي منغرسا في الحَوْش، ينظر تارة إلى أصابعه الملوّثة بالحبر، وتارة إلى عربة "الكاليش" التي تبتعد باتجاه مرتفع الهضبة. لا أحد منا، أنا وأمي، وجد الشجاعة الكافية للاقتراب منه.
في الغد، لمّت أمي أطراف بؤسها وكدّستها فوق العربة...
انتهى كل شيء.
سأتذكّر طوال حياتي هذا اليوم الذي مرّ فيه أبي إلى الجهة الأخرى من المرآة. كان يوما مفكّكا، بشمسه الجاثمة فوق الجبل وآفاقه المتملصة. مع أنّ الوقت كان منتصف النهار، إلا أنني كنت أشعر بالذوبان داخل ظلام شفاف حيث تجمّدت فيه جميع الأشياء، وتراجعت فيه الضوضاء، وانسحب فيه الكون كي يعزلنا أكثر في هلعنا.
يمسك أبي اللجام، رقبته بداخل كتفيه، العينان تائهتان، تاركا البغلة تقودنا لا أعرف إلى أين. تقوقعَت أمي في ركن على حافة المركبة، مندسة في حايَكِها، لا تكاد تُميَّز وسط صُرَرها. أما أختي الصغيرة فحافظت على أصابعها داخل فمها، بصرها غائب. لمْ يدرك والديّ أن البنت لم تعد تتغذى، وأنّ شيئا تحطّم بذهنها منذ تلك الليلة التي اختارت جهنم أن ترمي نارها على حقولنا.
تبعنا كلبنا عن بعد، بسحنة منتكسة. كان يتوقف من حين لآخر عند قمة مرتفع ترابي، يقعى على مؤخرته ليرى إن كان قادرا على الصبر، إلى أن نختفي، ثمّ يقفز عبر الدرب ويسرع للالتحاق بنا، يكاد خطمه يكشط الأرض. تتباطأ سرعته كلما قلّص المسافة بينه وبيننا، ثم ومن جديد، يبتعد عن الدرب ويتوقف بائسا حائرا. أدرك أنّ المكان الذي نقصده لا يتسع له. لقد أفهمه أبي ذلك عندما رماه بالحجر عند خروجنا من الكوخ.
أحببت كلبي كثيرا. كان صديقي الوحيد الذي أبوح له أوجاعي. تساءلت عما سيحدث لنا الآن بعدما افترقت طرقنا.
قَطَعنا أميالا لا نهائية دون أن نصادف أيّ كائن حيّ. خُيِّل إليّ أن القدر أفرغ المنطقة من سكانها عمدا كي يتفرغ لتعذيبنا. كان الدرب يسري أمامنا، منفكا، كئيبا، أشبه بتيهنا.
أخيرا، عند نهاية الظهيرة، وقد صرعتنا الشمس، لمحنا نقطة سوداء بعيدة. وجّه أبي البغلة نحوها. إنّها خيمة لتاجر خضر، عبارة عن إسقالة مشكوك في أمرها، مصنوعة من أوتاد وقماش من الخيش، نصِّبت وسط قفار، كما لو أنّها انبثقت من هلوَسَة. أمر أبي أمّي بانتظارنا قرب صخرة. في عاداتنا، تبقى النساء جانبا حينما يلتقي الرجال؛ لا توجد إهانة للزوج أكثر من رؤية رجل يطيل النظر في زوجته. انصاعَت أمّي للأمر، وذهبت تقرفص في المكان المشار إليه، وهي تحمل زهرَة بين ذراعيها.
كان التاجر قصير القامة، جاف البَشرة، بعيني جرذ لاصقتين في عمق وجه مبرقش ببثور سوداء. يرتَدي ثوبا عربيا ممزقا فوق نِعال مشققة تنزلق منها أصابع بلا شكل. كان صِداره البالي يجد صعوبة في إخفاء ضمور صدره الكبير. ترقبَنا تحت ظل خيمته البائسة، ويده تمسك عصا. حينما أدرك أننا لسنا لصوصا، ترك عصاه وتقدّم بخطوة تحت الضوء. قال موجها كلامه إلى أبي:
- الناس ملاعين، يا عيسى. إنها طبائعهم. لا يفيدنا لومهم في شيء.
أوقف أبي العربة عند مستوى الرجل وجذب رافعة الفرملة. فهم تلميحات التاجر ولكنه لم يجب. ضرب التاجر بيديه في هيئة سخط.
- في تلك الليلة، عندما رأيت النيران عن بعد، أدركت أنّ شقيا فقيرا يعود إلى الجحيم، ولكنني لم أكن أتصوّر أن الأمر يتعلق بك.
ردّ أبي: - إنها مشيئة الله.
- غير صحيح، وأنتَ تعرف هذا جيدا. لا دخل لمشيئة الله في مكان يعيش فيه البشر. ليس من العدل أن ننسب إليه الأفعال الشريرة التي لا يقوم بها إلا بني البشر. مَن يحقد عليك إلى حدّ التجاسر بحرق محصولك، يا عيسى، يا طيّب؟
قال أبي: - الله هو الذي يقرّر ما يصيبنا.
هزّ التاجر كتفيه:
- لمْ يخترع البشر الربّ إلا لتسلية عفاريتهم.
وفيما كان أبي يستعد للترجل، التصق طرف من عباءته بالمقعد، فاستنتج أنه نذير شؤم جديد. تشنج وجهه من غيظ مكتوم. سأل التاجر:
- هل أنت ذاهب إلى وَهْران؟
- من قال لك هذا؟
- عندما نفقد كل شيء، نتوّجه دوما إلى المدينة... احذَر يا عيسى. ليس هو المكان اللائق بالنسبة إلينا. وَهْران تعجّ بلصوص دون رحمة ولا شفقة، أخطر من الثعابين، وأمكر من إبليس.
ردّ أبي مستنكرا:
- لماذا تحكي لي هذه الخزعبلات؟
- لأنّك لا تَعرف أين تضع قدميك. المدن ملعونة. تفتقر إلى بَرَكة الأجداد. إنّ الذين غامروا بدخولها لم يرجعوا أبدا.
رفع أبي يده ليطلب منه أن يحتفظ بهذه الترهات لنفسه.
- أقترح عليك شراء العربة. العجلات والإطار الخشبي في وضع جيد، والبغلة لم تتجاوز الأربع سنين. ثمنك هو ثمني.
رمى التاجر نظرة سريعة على مطيتنا.
- أخشى أن لا أجد شيئا ذا قيمة أمنحه لك، يا عيسي. لا تتصوّر أنني أستغل الوضع. لا يزور هذا القفار إلا قليل جدا من المسافرين، وفي غالب الأحيان تتكدسّ السلعة وتتعفن وتأكلها المزبلة.
- سأقتنع بما تعطيه لي.
- في حقيقة الأمر، أنا لست بحاجة إلى عربة، ولا إلى بغلة... لديّ بعض النقود مخبأة وسأتقاسمها معك بكل سرور. لقد ساعدتني مرارا في السنوات الماضية. أما مطيتك، فاتركها أمانة عندي، حتما سأجد لها شارٍ. وعُد وقت ما شئت لأخذ نقودك. سوف أحتفظ بها لك، أمانة في رقبتي.
لم يفكّر أبي في اقتراح التاجر. لم يكن لديه اختيار. مدّ يدا راضية.
- أنت من طينة طيبة يا ميلود. أعرف أنك لا تغش.
- لا يغش الإنسان إلا على حساب نفسه، يا عيسى.
أسند إليّ أبي صرّتين، وتكفل بالباقي. ثم أخفى القطع النقدية القليلة التي مدّها له التاجر، وأسرع إلى الالتحاق بأمي دون أن يلقي أية نظرة على الأشياء التي تركها وراءه.
مشينا إلى أنْ فقدنا الإحساس بأقدامنا. كانت الشمس تسحقنا؛ إنّ لمعانها الذي تعكسه على وجوهنا أرض جدباء ومقفرة بشكل يرثى له يجرح عيوننا. تترنّح أمي خلفنا، مثل شبح ملفوف في كفنه، لا تتوقف إلا لتغيّر أختي إلى الكتف الأخرى. تجاهلها أبي الذي واصل سيره قدّامه، بخطى ثابتة، مجبرا إيانا على الإسراع. لم يكن في نيتنا، لا أنا ولا أمي، أن نطلب منه انتظارنا قليلا. كان حلقي يشتعل عطشا وقدميّ داميتين من تمزق حذائي البالي، ومع ذلك واصلت السير. ولكي أخادع التعب والعطش، أركز بصري على ظهر والدي الفوّار، وعلى طريقته في حمل الأثقال وعلى خطاه المنتظمة الفظة والتي يبدو أنها تركل الأرواح الشريرة. لمْ يلتفت ولو مرّة واحدة لينظر إنْ كنّا دائما خلفه.
بدأت الشمس تميل نحو المغيب عندما وصلنا إلى طريق الرومي، تلك الطريق العريضة والمزفّتة. اخْتار أبي زيتونة منعزلة خلف مرتفع ترابي، بعيدة عن الأنظار الفضولية، وباشر في نزع الحشائش والأشواك كي نتمكن من الاستراحة. ثمّ تأكّد بنفسه إن كنا حقا في منأى عن أنظار عابري الطريق، قبل أن يأمرنا بالتخلص من أثقالنا. حَطّت أمي زَهْرَة النائمة عند قدم الشجرة، غطتها بحصير، ثمّ أخرجت من القفة إناءً وملعقة من الخشب. قال أبي:
- لا نشعل النار. سنأكل اليوم اللحم المُجفّف.
- لا لحم لدينا، فقط بعض البيضات الطازجة.
- قلت لا نشعل النار. لا أريد أن يَعرف أحَد أننا هنا. سنكتفي بحبات طماطم وبصل.
انخفضت الحرارة، وبدأت نسمة خفيفة تحرك الأوراق على أغصان الزيتونة. نسمع حفيف العضايا وهي تزحف على العشب الجاف. تدفقت الشمس على الغروب مثل بيضة مكسّرة.
تمدّد أبي تحت صخرة، رافعا ركبة إلى السماء، العمامة ساقطة على وجهه. لم يذق طعم الأكل. بدا كما لو أنّه استاء منّا.
قبل سقوط الليل بقليل، ظهر رجل على قمة الهضبة وأشار إلينا بحركات عريضة من يديه. لم يُرد الاقتراب منا بسبب تواجد أمي بيننا. عادات احتشام واحترام. بعثني أبي لأَسْأله عما يريد عندنا. إنه راعي غنم، يرتدي أسمالا، بوجه ذابل ويدَين خشنتين. اقترح علينا المبيت والأكل. رفض أبي الضيافة. ألحّ الراعي. سوف لن يغفر له الجيران ترك عائلة تَبيتُ في العراء بقرب كوخه. رَدَّ أبي برفض قاطع، مُغمغما: "لا أريد أن أدين بشيء لأحد". اغتاظ الراعي. عاد إلى قطيع معزه الضامرة، مدمدما وضاربا التراب بقدمه في غضب ظاهر.
قضينا الليلة تحت ضَوء القمر. أمي وزَهْرة عند قدم الزيتونة. أنا تحت عباءتي. وأبي حارس على صخرة، سيف بين فخذيه.
في الصباح، عند نهوضنا، كان أبي شخصا آخر. لقد حلّق ذقنه، وغسل وجهه في عين وارتدى ملابس نظيفة؛ صِدار فوق قميص فقد لونه، سروال تركي بقَعر به ثنايا، لم أرَه قد لبسه يوما و"صبّاط" جلدي قديم نظّفه جيدا.
وصلت الحافلة في الوقت الذي أشرقت فيه الشمس. كوّم أبي أمتعتنا على سقف المركبة قبل أن يجلسنا على مقعد في الخلف. إنها المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها حافلة. حينما تدحرجت في الطريق، تشبثت بمقعدي، مبهورا وهلعا في آن واحد. يغفو بعض المسافرين هنا وهناك، روميون في غالبهم، يرتدون بذلا تعيسة. لم أملّ من تأمل المناظر التي تتتابع من جهتي الزجاج. أبهرني السائق هناك في الأمام. لم أكن أرى إلا ظهره، عريضا مثل جدار قلعة، وذراعَيه القويتَين تلويان المقود بنفوذ كبير. على يميني، عجوز أدرد، يتمايل مع الدورات، وقُفّة مُهترئة عند قدميه. عند كل دورة، يغطس يدا بداخل القفة ليتأكّد إن كان كل شيء في نظامه الأصلي.
انتهت الرائحة العصية الاحتمال والوجوه المتشنجة إلى صرعي؛ فغفوت، ببطن مخضوض والرأس دائري مثل كرة مِمْرغية.
توقفت الحافلة في مساحة محاطة بالأشجار، مُقابل بناية كبيرة بالآجر الأحمر. هجم المسافرون على أمتعتهم. في تسرّعهم، رفس بعضهم قدميّ؛ لم أنتبه للأمر. ذُهِلت لما أرى بحيث نسيت مساعدة أبي في استرجاع أمتعتنا.
ها هي المدينة !...
لم أكن أتصوّر وجود تجمعات سكانية بهذه الضخامة. إنه لشيء مبهر حقا. في لحظة ما، تساءلت إن لم يكن التوعك الذي أصابني داخل الحافلة هو الذي جَعلني أهذي وأرى أشياء غريبة. خلف الساحة، تَتراصَف المنازل إلى ما لا نهاية، في تدرّج جميل، الواحدة وراء الأخرى، بشرفات مُزهرة ونوافذ عالية. قارعة الطرق معبّدة ومحاطة بالأرصفة. اندهشت ولم أكن أستطيع وضع أسماء على تلك الأشياء التي تقفز إلى عينيّ كما الومضات الضوئية. ترتفع المنازل الجميلة جدا من جميع الجهات، منسحبة خلف سياجات حديدية مدهونة بالأسود، مهيبة وأنيقة. تستريح العائلات بداخل الشرفات، حول طاولات بيضاء مزينة بقنينات وكؤوس عصير البرتقال الطويلة، فيما كان أطفال بخدود موّردة وشعر مذهّب اللون يقفزون في الحدائق؛ كانت ضحكاتهم الرنانة تنبثق وسط أوراق النباتات مثل فوارة ماء. تنبعث من هذه الأمكنة المحظوظة سكينة ورفاهية لم أتصور أنها ممكنة الوجود. إنها على نقيض تام من الرائحة التي تعفن قريتنا حيث تحتضر البساتين تحت الغبار، وتئن أكواخنا تحت بؤس يفوق بؤس حظائر الحيوانات.
كنت في كوكب آخر.
أركض وراء أبي، مبهورا بالمساحات الخضراء التي تحدّها جدران صغيرة مصنوعة بالأحجار المنحوتة أو بسياجات من الحديد المطرّق، والشوارع العريضة المشمسة، والمصابيح الجامدة في بهائها، الشبيهة بحراس مضيئين. والسيارات... قمت بعدّ أكثر من عشرة ثم توقفت. تنبثق من أي مكان، في هدير صَخّاب كما النيازك، ثم تختفي في آخر الأزقة قبل حتى أن نتَمتِم دعاءً.
سألت أبي: - ما هذا البلد؟
- اسْكت وامشِ. انْظر أمامك إنْ أردت أن لا تسقط في حفرة.
إنّها مدينة وهران.
كان أبي يمشي في خطوات ثابتة، متأكدا من قوة اندفاعه، غير مبهور بالأزقة المستقيمة والبنايات المدوّخة التي تتفرّع وتتشعّب أمامنا بلا انقطاع، متماثلة إلى حدّ يبدو لنا أننا لا نزال نبرح في مكان واحد. الشيء الغريب هو أن النساء لا يرتدين الحايك. يتجوّلن بوجوه مكشوفة؛ تضع العجائز قبعات غريبة فوق الرؤوس؛ أما الفتيات فيتبخترن في أجساد نصف عارية، الشعر المسترسل على الأكتاف معرض للريح، غير منزعجات من اختلاطهن بالرجال.
بعد مدّة، قلّت الحركة. دخلنا أزقة مظللة وهادئة، غارقة في صمت لا يعكّر صفوه إلا مرور عربات خيل من نوع "الكليش" أو اصطفاق ستار حديدي. كان بعض الشيوخ الأوربيين يجلسون قرب أبواب منازلهم، الوجوه قرمزية اللون. يرتدون سراويل قصيرة وقمصان مفتوحة على بطونهم وقبعات عريضة فوق الرؤوس. أرهقهم القيظ، فتجدهم يتبادلون أطراف الحديث حول كؤوس الأنيزات الموضوعة على الأرض مباشرة، وهم يحركون بطريقة آلية مراوح للتبريد. مرّ أبي قربهم دون أن يحييهم ولا حتى أن ينظر إليهم. تَصرَّف كما لو أنهم غير موجودين، ولكن اندفاعه فقد فجأة شبرا من طاقته الأولية.
وصلنا إلى شارع ينشغل فيه متسكعون بالتفرج على الواجهات الزجاجية. انتظر أبي مرور الترامواي كي يعبر القارعة. أشار لأمي إلى مكان وطلب منها أن تنتظرنا هناك، وضعنا قربها جميع أمتعتنا، وأمرني بمتابعته إلى غاية صيدلية في طرف الزقاق. ألقى نظرة متفحصة عبر الزجاج ليتأكّد أنه لم يخطئ العنوان، ثمّ سوى عمامته ومسح على صِداره ودخل. كان رجل طويل القامة ونحيف يخط على دفتر خلف المِصرَف، مُتحزِّما في بدلة من ثلاث قطع، وطربوش أحمر على رأسه الأشقر. له عينان زرقاوان، ووجه رقيق الخطوط تتوسطه حاشية شارب زادت من إضعاف الشق الذي يخط فمه. حينما رأى دخول أبي، قطّب حاجبيه، ثمّ رفع قطعة خشب جانبا واستدار المصرف كي يستقبلنا.
ارتمى الرجلان في حضني بعضهما البعض.
كان العناق قصيرا، ولكن الشدّة كانت متينة.
قال الغريب وهو يقترب مني:
- هذا حفيدي؟
- نعم، ردّ أبي.
- إلهي ! ما أجمله...
إنه عمي. كنت أجهل وجوده. لم يحدثني أبي أبدا عن أفراد عائلته. ولا عن أحد. كان كلامه معنا قليلا جدا.
قرفص عمّي ليضمني إلى صدره.
- عندك رجل ما شاء الله، عيسى.
فضل أبي عدم التعليق. من خلال حركات شفتيه، فهمت أنه يتلو آيات قرآنية لإبعاد عين الحسود.
وقف الرجل وواجه أبي. بعد صمت، عاد إلى خلف مصرفه وواصل تفرس أبي.
- ليس من السهل إخراجك من جحرك، يا عيسى. أتصور أنّ شيئا خطيرا قد حدث لك. مرّت سنوات دون أن تأتي لزيارة أخيك الكبير.
لم ينتظر أبي ولم يتردّد. روى دفعة واحدة ما حدث له في القرية، الحريق الذي عصف بالمحصول، مرور القايَد... استمع إليه عمي بعناية، دون توقيفه. كنت أرى يديه تتشبثان تارة بالمصرف، وتنغلقان تارة أخرى. عند نهاية القصة، دفع بطربوشه إلى خلف رأسه وجفف جبينه بمنديل. كان منهارا، ولكنه تحكم في نفسه بالقدر الذي استطاع.
- كان بإمكانك أن تطلب مني المال الذي كنت بحاجة إليه يا عيسى عوض رهن أرضنا. كنت تعرف جيدا ماذا يعني رهن الأرض للقايَد. لقد انجذب الكثير من أمثالنا إلى الطعم المفخّخ وقد رأيت بنفسك المآل الأسود الذي انتهوا إليها. كيف وقعت بدورك في هذا الفخّ؟
لم يكن في أقوال عمي عتاب أو لوم، وإنما يأس مهول. قال أبي وقد افتقد إلى أي حجة يبرّر بها إخفاقه:
- إن الذي وقع قد وقع. هي مشيئة الله...
- ليس الله هو الذي أمَر بحرق حقولك... لا علاقة لله بخبث البشر. وإبليس أيضا.
رفع أبي يده ليضع حدا للنقاش.
- جئت أقيم بالمدينة. إن زوجتي وابنتي تنتظران في طرف الزقاق.
- لنذهب أوّلا إلى بيتي. تستريحون عندي بضعة أيام ثمّ ننظر ما يمكن أن أفعله.
قال أبي بنبرة قاطعة:
- لا. مَن يريد الخروج من قاع البئر عليه أن يبدأ بالصعود مباشرة بعد السقوط. أريد سقفا لي، اليوم وليس غدا.
لم يلح عمي. يعرف جيدا تعنت أخيه الصغير كي يأمل في تعقيله. أخذنا إلى الجهة الأخرى من المدينة... لا يوجد أقبَح من تقلبات المدينة. يكفي أن تبتعد قليلا عن البنايات الشاهقة الجميلة كي تجد نفسك تنتقل من النهار إلى الليل، من الحياة إلى الموت.
إلى اليوم، لا أستطيع منع نفسي من الرعشة كلما تذكرت هذه التجربة الصاعقة.
لقد أوقف الحي الذي هَبَطنا فيه وبضربة واحدة كل المغريات التي أبهرتني قبل ساعات قليلة فقط. كنا دائما في وهران، ولكننا كنا وراء الديكور. تركتْ المنازل الجميلة والشوارع المزهرة المكانَ لفوضى عارمة من الأكواخ القبيحة، والبراريك العفنة وخيم البدو المفتوحة للرياح ليل نهار، وزرائب البهائم. قال عمي:
- ها هو جنان جاتو. اليوم يوم سوق.
ثم أضاف بعد صمت كي يطمئننا.
- في العادة، يكون أهدأ.
جنان جاتو: مزبلة من الأكواخ والأجمات المتنوعة، الغاصة بالعربات المفكّكة والمتسوّلين والباعة المتجولين والحَمّارين المتخاصمين مع بهائمهم وحاملي المياه والمشعوذين والأطفال بأسمال رثة؛ أدغال صلصالية مُحرقة، معبأة بالغبار والعفن، ملقحة بأسوار المدينة كما الورم الخبيث. في هذه الأماكن العصية عن الوصف، يتجاوز البؤس جميع التصورات. أما الرجال، هذه المآسي المتنقلة، فإنهم يذوبون حتما في ظلالهم. يشبهون المنبوذين الملفوظين من جهنم، بلا حكم ولا إشعار، ليرموا في هذا الجحيم؛ لوحدهم، يختزلون شقاءات الدنيا كلها.
قدّم لنا عمّي رجلا قصير القامة، بنظرة مريبة ورقبة غائبة. إنه سمسار يدعى ْبليس، من أصحاب آكلي الجِيَف، المتربصين دوما بضحايا للبقر. في ذلك العهد، كان القناصّون النهابون من أمثال هذا الإبليس يملئون الأحياء الفقيرة. إن الهجرة الزاحفة التي تنقضّ على المدينة جعلتهم يلتصقون بها كما اللعنة. وسمسارنا لم يكن ليشذّ عن القاعدة. كان داركا بغرقنا ويعرفنا تحت رحمته. أتذكر أنه كان يحمل لحية عفريت بدت كما لو أنها أطالت ذقنه بشكل مفرط وشاشية متعفنة فوق رأس كبير أصلع ومتورّم. لم يعجبني من اللحظة الأولى بسبب ابتسامته الأفعوية وطريقته في حك اليدين ابتهاجا كما لو أنه يستعد لالتهامنا ونحن أحياء.
حيّ أبي بحركة رأس وهو يستمع إلى عمّي يشرح له وضعنا. قال السمسار الذي يبدو أنه يعرف عمي جيدا:
- أظن أنّ لديّ شيئا لأخيك، دكتور. إذا كان الوضع مؤقتا سوف لن تجدوا أحسَن منه. إنه ليس قصرا ولكن المكان هادئ والجيران طيبون.
قادنا إلى غاية حَوْش بمظهر إسطبل، قابعا في عمق شبه ثقب ذي روائح نتنة. طلب منا السمسار انتظاره في الزقاق، ثمّ تقدّم إلى العتبة وتنحنَح بصوت مرتفع لإبعاد النساء -عوائد يلتزم بها الرجال في المساكن المشتركة. بعد خلاء الطريق، أشار إلينا بأن نتبعه.
يتشكل المكان من فناء داخلي صغير، تحيطه من جميع الجهات غرف منفصلة تتكدّس بداخلها عائلات منهكة فرّت من الجوع والتيفوس اللذين يتسيّدان المناطق الريفية.
قال السمسار وهو يزيح ستارا عن مدخل غرفة شاغرة:
- ها هو البيت...
غرفة عارية وبلا نافذة، أكبر بقليل من حجم قبر ولا تقل عنه كآبة. تنبعث منها روائح بول القطط والدجاج العفن والقيء. الجدران سوداء وتسيل رطوبة، وحدها المعجزة أبقتها واقفة؛ وفوق الأرضية الترابية افترشت طبقة سميكة من البراز وبعر الجرذان.
أضاف السمسار مزهوا:
- سوف لن تجدوا كراءً بثمن أقل في هذه الناحية.
أطال أبي بصره على حشد من الصراصير تجمعت فوق بلّوعة تقطر أوساخا، ثمّ رفع رأسه إلى أنسجة العناكب المزينة بذباب ميت، وكان السمسار يراقبه بطرف العين، أشبه بزاحفة تحرس فريستها. قال أبي:
- موافق.
وبدأ مباشرة في تكديس أمتعتنا في ركن من الغرفة. تنفس السمسار الصعداء وقال مبتهجا:
- المراحيض الجماعية في عمق الفناء. توجد بئر ولكنها جافة في هذه الأيام. يجب السهر على عدم اقتراب الأطفال من البئر. لقد سقطت بداخلها طفلة صغيرة في السنة الماضية لأن غبيا نسي إعادة الغطاء فوق الثقب. باستثناء هذا، الأمور الأخرى على أحسن ما يُرام. المستأجرون ناس يلتزمون حُدودهم وبلا مشاكل. أتوا جميعا من أعماق البلد للارتزاق ولا يشتكون أبدا. إذا احتجتم إلى أي شيء، اتصلوا بي، بي وحدي، أضاف ملحا. لي معارف كثيرة وبإمكاني أن أدبّر لكم أي شيء تطلبونه، في النهار كما في الليل، إذا عندكم المال طبعا. وأذكركم أنني أكري الحصائر والأغطية والمصابيح والمواقد البترولية. يكفي أن تطلبوا. سآتيكم بالعين في قبضة يدي إنْ دفعتم ثمنها.
لم يكن أبي يستمع إليه؛ بدأ يكرهه. وفيما كنا ندخل قليلا من النظام لبيتنا الجديد، رأيت عمي يُبعد السمسار ويدس خلسة شيئا ما في يده.
- هذا يكفي لتبتَعد عنهم بعض الوقت.
عرض السمسار الورقة النقدية إلى الشمس وتملاها بابتهاج خبيث. ثم وضعها ضد جبهته وبعد ذلك ضد فمه ونبح:
- ربما ليست للنقود رائحة، ولكن إلهي كم أشمّ فيها رائحة طيبة.