(3)

7 0 00

(3)

بعد أن صحوت، وجدتني مستجماً مستريحاً. راودتني نفسي في أن أجتمع به.

وأحن إلى الديار ((ديار سلمى)).

ولكن تراني أخشى العلوق، وأرهق. و.....

وأنا سائر كانت نجمة الصبح قبالتي، ياسمينة، تشع متألقة في وسط لوحة الخالق المبدعة في هذا الكون الساجي....

ثم رياح لوافح هبت على وجهي:

حصان أبلج كالفجر، برق لي من خلف فجاج واسعة. قد اعتلى صهوته فارس ذو عمامة خضراء.

أجل ثمة أمر جديد!...

أأمدّ نظري؟...

تماهيت في عالم ((سروتي)) ورأيت.

بل فجرت عيني بشكل هائل. كان يرتدي قباءً فضفاضاً، وعباءة خشنة سوداء.

ترجل.

كانت لـه قامة ارتفعت عن سطح الأرض بل ارتفعت عن سطح الصحراء.

إذن المكان في البادية، واحة تحف بها الرمال من كل جانب.

تفرست فيه. الرجل نفسه، بملامح العينين وقسمات الوجه إلا قليلاً، بسبب لفح الصحراء...

لم أحسب الزمن الذي مات من خلفي. بل سألته: أين نحن الآن يا سعيد؟...

افترّ ثغره كالعادة، نحن موجدان حيث يسعد الإنسان بالشمس الساطعة في النهار، والسماء الصافية في الليل. النجوم تداعبها والقمر يغازلها.... هنا يعيش المرء مع المناظر الجميلة، بما تصدره النجوم والكواكب ومجرات هذا الكون العظيم المطلق. فتندغم النفس ببهاء شعاع ناغم بارد، ممزوج بنسائم الأسحار، ومشاهد الفجر المضرجة بخضاب الشفق.

ثم أسر إلي: ((كل هذه اللطائف، تجعل الإنسان قريباً من الله، ويتحول إلى كائن خالص من الخير والروح معاً)).../.

وصمت.

***

بعد أن جالسته في أحد مضاربه المنتشرة، فوق الرمل الحواري تنهد: ((البادية هي بداية الدنيا، بداية الخلق. يعني بداية الحياة والإنسان. و....). واسترسل يحلل معنى البادية ومعنى سكانها منذ عصور الإنسان الأول.

-((الإنسان القديم تعلم في البادية الحياة –بالفطرة-وكيف يمكن أن يمارس العيش. كان يسرح مع قطعان الحيوانات، وأسراب الطيور، جنباً إلى جنبٍ، دون عداء.....

((البجعات والرهوات مع الأيايل والفهود، وبقية الأنعام مع بني آدم يتواقفون جميعاً على برك الماء. الكل يشرب بسلام، ثم يعود إلى مرتعه)).

وركز على((موضوعة)) السلام بين جميع المخلوقات: الحيوانات والإنسان ولهذا ((كان الإنسان يشاهد خالقه بأم عينيه، فيباركه بفضائله ويغدق عليه نعمه وخيراته. في هذه البراري الشاسعة من باديته الجافة الآن...)).

-((أجل، أجل كانت هذه البادية في ذاك الزمان، تظللها الغيوم، وهي مثقلة بحبات المطر. إذ سرعان ما تدلهم فوقها، وتتحول إلى سحب هاطلة، فينبت الغيث، في ترابها الخصب الخيرات العميمة. يتغذى الإنسان بها والحيوان والطير على حد سواء.....)).

وكأن نَدَهَ: ((انظر إلى ما تراكم، الآن، تحت اللون الأزرق، تراها ادلهمت، وتكاد تهمي.....)).

أتهمي حقيقة الآن؟...

وحين تيقنت، تلاشت أمداء البادية، في نظري، وأحلولك الفضاء وكانت قزع من الغيوم قد احتلت مساحة واسعة من سماء الربدة التي يقبع فيها شيخي سعيد، وكم سعدت برؤية الغيوم، فوق هذا الدو وتذكرت في الحال طبيعة الجبال وكيف كان يتساقط المطر فوق رأسي، ويملأ المكان عبقاً برائحة اندغامه بالأرض.

راحت حبات المطر تقرع سقف الخيمة.

نطق: ((سيتوقف هذا المطر وينتهي. كما سيتوقف وينتهي كل شيء على سطح هذه الأرض)).

بعد قليل توقف المطر. لكم يطفح قلبه بالأسرار!...

تأوه، وتابع: ((الحياة هنا كلها سراب))!...

وشرح معاناته في الحياة التي يحياها الآن، في بادية ((الربدة)) التي نفي إليها لتعيد الحياة فيها بدايتها.

نطقت: الزمان؟...

-((خط مستقيم ينتهي طرفاه في وسطه، كما يتعادل طرفا معادلة رياضية في نقطة الوسط، فالوسط خير الأمور. الوسط هو المنجاة......)).

كاد يغشى علي.لم أعد أعي فلسفة الزمن هذه. وفلسفة الوسط والموجودات الرياضية و.....)).

عرف، فنطق: يعني الزمن حاضر دوماً، أي متوقف.

-والمكان؟..

-المكان وعاء، والقيمة للمضمون.

-والزي؟

-كذلك لا قيمة لكل مظاهر (الظاهر).

-أي.....؟...

-نعم القيمة للجوهر و((والثلاثة)) بجوهر واحد، طالما ((سلكهم)) في النهج واحد، والهدف واحد، وهو الخلاص والوصول إلى غاية الغايات الحقيقة الخالدة. والنعيم الدائم في بلوغ السعادة القصوى. ثم تأوه: آه كم كانت الحياة هنا في بدايتها، في البادية، بريئة ، ووديعة وفاضلة كما قلت لك، حينما كان الإنسان يعيش فيها نباتياً، لا ساحقاً ماحقاً للمخاليق!...

ونغمة الإنسان النباتي، والإنسان الحيواني عادت تطرق مسامعي، من جديد كعقيدة ملازمة مرافقة لـه في كل أدواره وطرق سلكه، سأتغابى وأعدل عما رمى إليه. حتى لا أعود وأفلق رأسي بها مرة ثانية:

-العيش هنا حياة يا.... سعيد!.. أنت هنا تنعم في هذه البادية الطلقة بمشاهدة الطبيعة البكر، التي تخلب اللب بفطرتها السمحة وبراءتها الخالصة !...

غضن تضاعيف سحنته السمراء أكثر: لا تخف ما كنت قد أدرته في بالك....

-أنّى لي أن أمكر عليه فكرة ما قد تتسرب خلسة إلى خاطري.؟...

تابع: أنا هنا لا أعيش في عزلة، كما سوف أعيش في ذلك المعبد المشيد في رأس الجبل. بل هنا أقوم بما سوف أعيده في القصر، أي أنا هنا أشتغل بقضايا الناس....

حقيقة. تذكرت ما مرَّ عليَّ، من سيرته الفعالة، وهو يعيش في القصر، من سياسة المعارضة والدفاع عن المظلومين، من أبناء الأمة.

قال: وتذكر أيضاً صعلكته. حين كان قاطع طريق ينهب أموال الأغنياء المتنفذين الجائرين، ويوزعها على الفقراء المساكين. وتذكر أيضاً استقامته على المبادئ التي يطرح والعقيدة التي يعتنق، وشجاعته. فهو كان أول من صرح بالشهادتين علانية في مكة، في بدء الدعوة. وقد نال بعد ذلك الأمرين من أهل مكة المشركين...

بعد لحظة سكوت عاد ونطق: ولكن سأبقى في عزلة، كما خمنت...

وتوقف فجأة عن الكلام. لا أدري لماذا؟...

* * * * * * *

بعد أن أخذ نفساً حاراً، كحر صحرائه لـهج، وهو يشد قبضته، كأنه يشد على شيء مقدس:

-((العزلة تبقى في الجوهر، ففي معبد الجبل سوف أعيش عزلة فردية مجردة، أعبر فيها غلاف هذه الأرض تلبية لنداء يأتي من صوب ذلك اللون الأزرق. فأعيشها في فضائه، مملوءة ببوح الروح والأنس والاستشعار بالوجود الكلي. لعل الحظوة بالسعادة القصوى تحل عليَّ. وأما عزلتي، هنا على وجه هذه الأرض المعذَّبة، والمعذِّبة في آن واحد، فهي عزلة اجتماعية، ناتجة عن مقارعة البشر ذوي العقول المغلقة، الذين أشاحوا عن نور العقل، وأصبحوا بشهوات ترابيتهم، عرضة، بل مطية، لنزعات ((أنواتهم)) الشريرة، وهكذا أمسوا كالمفترسين.....

ثم أخذ نفساً حاراً آخر.

بعد أن استراح استأنف: ((فأراني أدافع عن الجياع وأخوض غمار معارك شتى ضد أصحاب الباطل والبطش والتسلط، من أجل رفع الظلم والحيف عن المعذبين المغمورين، مهضومي الحقوق، من الأرامل والأيتام، والأيامى، والفقراء المستضعفين. ))

ثم سرد لي كيف كان يتردد على أهل (الصفة)، وهم فقراء المدينة الذين كانوا ينامون في المسجد، على الطوى. لعدم وجود قوت ومأوى لـهم.

يؤازرهم ويواسيهم حيواتهم المدقعة، وهم بدورهم كانوا يصنعون أضرحة لأحلامهم الخائبة في هذه الحياة الدنيا...((فكرهني الأغنياء وطفيليو الحكم وسموني بعدو الثروات....

هذا ناهيك عن صرخاتي التي كنت أطلقها ضد العبودية والرق)).

كنت أطامن رأسي.ثم نبست: وماذا بعد ذلك، يا..........؟.

-((من استجاب من هؤلاء الطغاة –هكذا لفظ- كان طمعاً منه في أن يتفجر لـه الكون ينابيع من اللبن والعسل، وحوريات. أبدانهن تلمع كالبلور...)).

سكت على ضيم. شعرت أنه يغلي في جوفه. لم أحرك ساكناً علّه يهدأ.

ثم ثار:

-((تراني قضيت قرابة خمسين عاماً، من عمري أعيش على حافة الحقيقة. -الحمد لله تعالى-وأعمل على نصرة الحق-والحمد لله تعالى.....)).

وصمت.

وها أجدني أجلس معه كوحيدين في معبد الصمت. غبنا تجوّلنا في معالمنا الداخلية. فطنت:

-((ندهتك: (يا حق ما تركت لي صاحباً). انتشرت، يا.... سعيد، في الأصقاع كافة)).

أغمض عينيه وغاب في ملكوت أعماقه ثانية. ثم رفع رأسه: ((على المرء أن يفتح عقله. ويستنير بهداه......)).

واستأنف: ((على الإنسان أن يستعمل هذه الخاصة البشرية –العقل- الذي امتاز بها عن سائر المخلوقات. جاءته هدية من الله تعالى. منحه إياها قبساً من نوره الشعشعاني.......)).

نطقت بعفويتي المعهودة: على الإنسان ألا يهمل هدية الله.

أعلنت ذلك بحماسة. وارتفعت معنويتي في نفسي كشلاّل فرح!

ابتسم. وألقى نظرة غائمة على المكان، ثم شرع يشرح عصمة العقل، فيما يسمى بـ((النفس الولية))، وأن العقل لا يأتيه الباطل من خلفه، ولا يصدر عنه وسعادته تكمن في الفضيلة نفسها)).

وحكم عليَّ أن أقول: وماذا؟...

-((ومن غلبت عليه شقوته بـ((نفسه الضدية)) يكون قد أهمل عقله –هدية الله- وهكذا يميل إلى الشهوات وعبث نزعات الغرائز))....

****** *** ***

لم يعد يخفى أن ((الرجل) ظهر في هذا الزمن المبكر من ((الدعوة))، ليمثل بسلوكه تياراً متنوراً في مجتمع جديد لم تستقر أوضاعه بعد.

ثم ينفى. أو يبعد، إلى((الربدة)). لتكون هذه البقعة الحارة من العالم مقراً لـه. وقد اتخذ القميص البدوي رداءه يقارع به أصحاب النفوذ والقادة وأهل الردة العصبية والقبلية. من أجل إحقاق الحق وسيادة العدل ورفع الظلم عن المحرومين وسائر المظلومين....

_((أنا لست وحدي في المعارضة)).

تذكرت ما سوف يكونه، في سياسته عندما يحل في قصر الرابية.

تابع: ((نحن جماعة ((حزب المستضعفين)) كثر في الأمة وفي مقدمتنا.

((أبو اليتامى صاحب النداء المجيد)).

نطقت وكأنني ما زلت غراً في معشره: ما النداء المجيد؟..

-((النداء (الحق) المودع في عمق النفس الإنسانية)).

ثم نهض ونزع عمامته،ليفرج عن رأسه. مقدار من الشعر الأبيض تلامع في مقدمته. رأس مستدير كبير يستحق أن تنحني لـه الرؤوس كسنبلة...

قطع تفكيري وامتشق عصاً أم سيفاً. لا أعلم. وهبَّ يهزه أمامي بيده كأنه ينتخي: ((عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه)).

رجل ثوري يدعو للثورة وقبل نظرية ((الصراع الطبقي)).

خفت. وغبت....

بعيون اللا وعي مني، شاهدت وقائع من ثورة هذا الرجل: التفّ رجال ذوو عباءات مرقعة، حوله، في باحة المسجد ثم تفرقوا....

أحدهم أمسك بتلابيب أحد المتنفذين، وهزه من ياقته، وهو يمشي متبختراً في الشارع.....

ومستضعف آخر يصيح بوجه صاحب قصر، وقف في بوابته المزينة:

((بيت المال للفقراء، وذوي الحاجة....)).

وذاك صوت الشيخ سعيد نفسه: ((خففوا من الفقر-ماذهب الفقر إلى بلد إلا وقال لـه الكفر، أنا معك)).

ذهلت!!

وبنقلة خيالية رأيته جالساً في حلقة مسجدية، يعظ الناس ويرشدهم.

تكلم في العدل والإيمان، ثم تكلم في ((السعادة الحق))، ثم سمعت منه: ((سدرة المنتهى)). و((المشاهدة بعد المجاهدة والمكابدة)). وبالتالي ((الخلاص والوصول)). و.....

وارفق بي يا شديد العزائم.

ماذا أسمع؟

أين أقف؟

ماذا قطعت من الطريق؟

إحباط حاد اعتراني، وصرت كمن تسكنه خرائب. ولكن عدت وسمعت كلمات من يقين وإيمان معمدة بماء الصبر والثبات: ((لا تيأس. الإنسان مفردة أمل، في هذه الحياة الدنيا)).....

ولا أدري كيف تحرك لساني: بل مفردة سماع فله أذنان ولسان واحد.

تلطفت قسمات وجهه، وابتسم.

ثم أخذ يكرر في مذهب ((سلكه)): ((..... بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو، من نار تكوي جباههم، وجنوبهم يوم القيامة....)).

((على الإنسان أن يستخرج قوى الخير التي زرعها الله في أعماقه...

((النفس الإنسانية تكمن فيها قوى عظيمة من الخير تنقل الإنسان من عالم الظلمة إلى عالم النور. قوى خير مودوعة فيها هبة من الرحمن. فليكنها الإنسان كما فطرت. فإذا ما اغترف من بلسمها، وخيرها، وفك طلاسمها... شارك في ملكوت الله....

تركته يتكلم ، وأخذت بدوري، سرحة استجمام.

تراها ترمض، فأين خضرة الجبال؟... وواحة من الأنهار والأشجار والظلال؟..

لا، لا... بل نظرت إلى الأفق، فها هي ذي المساءات الجليلة تلملم قطعانها.

ثم هاهي ذي الصحراء تغفو..... ويحلّ فوقها الدجى........!.