الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

أشقائي كل منهم أبدى رأيه وإن تحفظ البعض ، لكن الأغلب يناصرها في طلب الطلاق ...احتضنتها باكية لبكائها وكأنني أعلن عن أتحادي غير المعلن معها...

أبي كان رده صاعقا حاسما ومباغتا ..وجوده ألجم الأفواه حتى أنني توقفت عن بكائي .

قال بلهجتة الواثقة:

_ ليس عندنا مطلقات في العائلة ولن يكون ... ستعيشين مع زوجك وتحملي معه كل الصعوبات ثم تموتين معه، فبناتي اللاتي أزوجهن لا يعدن أبدا إلى بيتي ، هيا.. هيا انهضي لتعودي إلى زوجك...

تجمدت ملامح بدرية ، فتحت فاها أكثر من مرة , لكنها لا تنطق أبدا ..لأن كلمة أبي لا ترد أبدا، فقد نهضت إلى حجرتها تجمع أشياءها وهي تبكي ... تبكي بحرقه وألم وأمي لا تفتا تردد كلمتها الخالده في المآسي:

_" لا حول ولا قوة إلا بالله" ...

عادت بدرية إلى بيت زوجها مطأطأة الرأس ذليله ليمارس عليها شتيصنوف الإهأنه والإذلال وسحق الكرامة...

لم أنس لإبي موقفه هذا ولا موقفه مني بعد ذلك بشهور حيث تعرضت لأبشع موقف تتعرض له طفلة في مثل سني وظروفي، حينما حاول جارنا أن يغتصبني رغم أن الأغتصاب لم يتم والمحاولة أجهضت في بدايتها لعناية الله ورحمته ، إلا أنه ترك نقطة سوداء في حياتي وأثرا لا يمحى على مر الزمن اهتزت معه كل مبادئ أمام نظري واختلت القيم واضطربت المرئيات ، فبت أرى من خلال هذا الرجل المتوحش الذي يغافل زوجته ليخدش براءة طفلة في سن ابنته أن الرجال على مختلف أعمارهم وألوانهم سواء في الخبث والمكر والغدر ... وأنه لا أمان مع رجل كائم من كان بدءا بابي وانتهاء بأي رجل آخر على وجه البسيطة. دخلت بيتنا بعد هذا الحادث أرتجف بعنف وآثار الصدمة واضحه جلية على وجهي. وجدت أبي يتحدث في الهاتف وأساريره منبسطة وعلى شفتيه ترف وابتسامة من ابتساماته النادرة .. اقتربت منه ثم بكيت أمامه برهبة .. سألني بحده بعد أن أغلق سماعة الهاتف:

_ ما بك؟

رويت له ما حدث لي بصوت متهدج وأنا أنشج بين كل كلمة وأخرى ... وما انتهيت من روايتي حتى فوجئت بصفعته المدويه على صدغي تلتها صفعه أخرى ثم صفعات وصفعات وهو يدمدم بكلمات متقطعة:

_ لقد انهارت الأخلاق .. سوء تربية .. البنت كبرت وانحرفت وليس في بيتي من تكون ساقطة الأخلاق ...

جذبني شقيقي الأكبر من بين يديه بصعوبة وهو يتابع صرخاته :

_ لن تخرج هذه البنت من البيت أبدا ابدا .. سأحبسها حتى تتعلم كيف يكون الأدب والأخلاق ... هيا أغربي عن وجهي

بكيت على صدر أمي طويلا بدون أي طائل ... لا كلمة ولا همسة ولا حتى لمسة تعاطف ... سئمت استجداء العواطف ... سئمت تسول الحب والأمومة واجترار غريزة تجمدت في قوالب صلبة لا تلين .. مللت انتظار الذي لا يجيء والركض في من مستحيلة...

وما أن سمعت كلمتها المأثورة ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) حتى انتزعت نفسي من بين احضانها وارتميت على سريري باكيه لتتلقفني شقيقتاي بكلمات مطمئنة وعبارات هادئة ، وأن ما حدث لا يعدو أن يكون حادثا عاديا يتكرر كثيرا، وانه يجب أحمد الله على نجاتي من براثن ذلك الوحش الغادر... نمت بين دموعي ولم أنس ذلك الحادث ابدا بعد ذلك وتأصل الخوف من أبي في أعماقي وسلبيتي تجاه امي وشفقتي تجاه اختي بدرية وأشقائي الآخرين..

وظلت أمي على هامش الحياة، تمشي وترى وتنام حتى جاءتها الضربة القاصمة من حيث لا تدري ولا ندري ... فقد تزوج أبي .. تزوج فتاة صغيرة لا تتجاوز سنها العشرين عاما... أخبرتنا بذلك جاره لنا تربطها علاقة واهية بأمي، فأمي لا صداقات لها ولا علاقات ولا روابط من أي نوع ، فهي متقوقعة على ذاتها مكتفية بها عن العالم أجمع... كانت الجارة تتحدث وفي عينها بريق غريب أدركت فيما بعد إنه بريق الشماتة .. تركزت أنظارنا على أمي لنرى وقع الصدمة عليها ، وكأننا نتفرج على برنامج مسل في التلفاز، فلم نعرف كيف ستكون ردة فعلها على حدث مريع كهذا... فلم نعرف أبدا أهي تحب أبي أم تكرهه، تحترمه أم تخافه، ما نوع العلاقة بينهما، إلى أي حد تستشعر في حياتها؟ وكم كانت الصدمة مروعة حقا.. فقد انقلبت معها أمي إلى كائن آخر لا نعرفه.. صيرتها الفجيعة إلى امرأة أخرى من لحم ودم وعواطف وليست قالب ثلج لا يشعر كما عرفناها دائما.. اهتزت بعنف وبدت عليها مظاهر الحياة والأحساس والمشاعر ... وامتلأت عيناها بالدموع...ثم بكت بعنف وشدة وركضت نحو جهاز الهاتف سمعتها تحادث أبي ثم أغلق سماعة الهاتف وهي تنتحب إلى جوارها، ودون أن يقترب أحدنا منها انتفضت فجأة وكأنما مستها الحياة بعصا سحرية ، ثم مشت بنشاط وحيوية نحو حجرتها لتجمع ملابسها في حقيبة كبيرة .. وخرجت بعد دقائق ونحن نحدق فيها بصمت واستغراب شديدين ... قطعت الصمت سعاد شقيقتي بقولها:

_ إلى أين يا أمي؟

هتفت أمي بعصبية:

_ إلى الجحيم .. لكنني لن أنتظر دقيقة واحدة في هذا البيت...

عادت سعاد تقول:

_ لكن يا أمي ليس لك مكان آخر ... فأخوك الوحيد في مدينة أخرى وبعيدة و...

قاطعتها أمي:

_ سأذهب إلى المستشفى ولن أعود إلى هنا أبدا...

فتح أبي الباب بهدوء ثم وقف لحظة يقيس الموقف قبل ان يقول:

_ أعيدي الحقيبة إلى مكانها يا ام صالح... وكوني هادئة وطيبة فلن تخرجي من بيتك إلا إلى القبر....

صرخت أمي صرخة مدوية وهي تقذف الحقيبة بوجه أبي ... تفاداها أبي بحركة سريعة قم أقترب من أمي ، وبدلا من أن يهدئ من روعها صفعها بعنف ، وازداد صراخها وهياجها...

في تلك الليلة أودعنا امي المستشفى بعد نوبة شديدة تفوق نوباتها المعتادة صراخا وهذيانا وهياجا ... ولأول مرة يخلو البيت من أمي وأبي في وقت واحد. أمي تحتضن الألم والرعب في حجرة باردة تمتلئ بالصراخ والعذاب والجنون وأبي في بيته الجديد يحتضن عروسه الجديدة، ونحن في ضياع وأسى تتناهبنا الخواطر المزعجةويعتصر نا الألم على ما وصل اليه حالنا... لم يهتم أبي بوحدتنا وخوفنا، فغاب أياما طويلة لم يزرنا خلالها أبدا ... لا تزال ذاكرتي الحبلي تلهبني بسياط تلك الليلة الؤرقة..

حينما أجتمع واخواتي في إحدى الغرف ترتعد فرائصنا عما يمكن ان يحدث لنا في اللحظة التالية، وتطول اللحظات والدقائق والساعات والخوف يضخم الأوهام وينفخها بروحه ليغدو كل شيء مجسما مخيفا .. فحركة الرياح هي مجموعة لصوص سيقتحمون علينا البيت وشجار القطط هو رجال مقنعون ابتدأوا يكسرون أبوابنا وقطرات المطر هي خطوات أحد المجرمين المسلحين .. كنا نستبشر ببزوغ النهار وأذان الفجر فلا خوف مع أذان الفجر وخروج المصلين للصلاة ، وقتها كنا نتنفس الصعداء ثم ننام بأمان افتقدناه طويلا...

حادثت شقيقتي الكبرى بدرية ورجوتها أن تبيت معنا هذه الليلة فقط ، لكنني سمعت زوجها على الطرف الآخر وهو يصرخ ويسب ويشتم .. وتلجلجت بدرية في جوابها فحز في نفسي أن أحملها ما لا تطيق وهي النسمة الرقيقة والحمل الوديع، فهمست لها وقد تحطم شيء ما في نفسي:

_ لقد عدلت عن رأيي ... سننام وحدنا هذه الليلة أيضا..

أحسست بها على الطرف الآخر وهي تتمزق وأخيرا أجابت:

_ سأزوركم قريبا.. قريبا جدا ان شاء الله ..

حالما اغلقت سماعة الهاتف بكيت ... بكيت كل شيء .. بكيت ضعف شقيقتي وأنكسارها .. بكيت الأُم الحاضرة الغائبة .. وبكيت الأب الغادر القاسي .. بكيت نفسي التي لم أجد لها مرسى تركن إليه ولا حضنا تضم يتمها فيه ولا دنيا تحنو عليها