2
انسابت دمعتان من عيني "رشيد أحمد الطِّماوي" وهو يطالع المشهد الحُسيني.
كانت أيَّام مولده المبارك، الزِّحام لا يمكن وصفه، لا مكان لقدم، الأجساد تتحرَّك في لُحمة واحدة، وقد اتَّخذت شكل خليَّة أميبية متوحِّشة، تتمدَّد في الشَّوارع، والحارات الملاصقة للمسجد الفخم.
دخان مطاعم المشويَّات، و "الكباب"، ومسامط "الكرشة"، وّ"لحمة الرَّأس" ، و"الكوارع"، يتطوَّح في الهواء برائحته المشتهاة؛ ليمتزج بدخان البخور المعطَّر، وترن صاجات باعة الـ "عرقسوس" والمشاريب المثلَّجة، وتشق الزحام صيحات المجاذيب غير المفهومة أغلب الوقت.
منذ سنوات سبع، كان هنا مع زوجته، قطعا الزِّحام ببالغ المشقَّة، ووصلا إلى المقام المذهَّب لابن بنت رسول الله، الحنون، الذي يقضي الحاجات، ومرَّغا الأصداغ على عتباته، واشتكيا له طول
القِرَان من غير خلفة، وأن القلب موجوع، والرُّوح زهقانة، وأنَّه أهلٌ للمنِّ والعطاء، وطلبا أن يمنحهما مَن يؤنس وحدتهما، ويدفع عنهما نظرة المُشفق، وعين الشَّامت.
ولأنَّه مقاول عمومي كبير، لم يجد صعوبة في أن يقدِّم لأضياف "الحسين" عجلاً فحلاً، مملوءاً لحماً، ذبحه بالحلال، وأطعمه للنَّاس بالرِّضا، ومضيا عائدين إلى "طِما".
وها هو، اليوم يعود بصحبة زوجته ومعهما "زينب"، طفلة في غاية الحسن، عمرها خمس سنين، ولقد جاء يشكر الجوَّاد ابن الجوَّاد، "الحسين بن علي"، ويخبره أنَّه قد سمَّي عطيَّته على اسم اخته امتناناً وعرفاناً، وأنَّه سيقدِّم لأضيافه، هذه المرَّة، عجلين من أضخم العجول.
شق اللحم البشري وقد حمل "زينب" بين ذراعيه، وأمسكت زوجته بعقب قميصه، ومئذنة المسجد ضاربة في السَّماء مثل قلم ضخم، يليق بأصابع إله صوَّاغ مقادير، يكتبها على صفحة السَّماء.
وأخيراً، تمكن من دخول غرفة الضَّريح، وتذكَّر أوَّل دمعة سالت من عينيه هنا، دمعة ملتهبة، دمعة محتاج مقهور.
وتاهت عيناه في الخطوط الدوَّارة بأعلى الضَّريح، خطوط مذهَّبة غنيَّة بفيض من رحمات الله الذي يجبر خاطر المنكسرين، رأى النُّقوش المعمولة بعظمة، كأنَّها منحوتة لتصير خريطة طريق
إلى السَّماء الرَّحيمة، وسالت دموع باردة، دموع شاكرة، وشعر أنَّه يريد أن يرفع ذراعيه إلى آخرهما نحو الله، الذي رحم عذاباته، وعذابات زوجته، بـ "زينب"، فأنزلها من بين ذراعيه إلى جواره، وحرص على أن يجعلها تقبض طرف قميصه بيدها الصَّغيرة، ونظر إلى زوجته، فوجد دموعها تغرقها، وقد سبحت بناظريها في سقف الضَّريح، ورفع ذراعيه يشكر، ونصب جسده على مشطي قدميه يشكر، ويلهج بالحمد لله والثَّناء عليه، بينما التدبير الإلهي كان على غير ما يُحب "رشيد" وزوجته، أو يشتهيان.
لقد سحب طوفان المريدين، حول الضَّريح، "زينب" إلى بعيد، سحبها بمكر إلى الضَّياع، في الوقت الذي لم يكن قد انتهى الأبوان من شكر الله أنْ وَلِداها بعد طول عقم.
وفي قلب الصَّدمة، نسيا الله، ونسيا "الحسين"، وأخذا يدفعان النَّاس هنا وهناك، يضربان الأماكن بأبصارهما المشدوهة، يصرخان:
"زينب" ... "زينب".
انطلقا إلى خارج الضَّريح، رأيا العالم قد اتَّسع جدّاً، صار صحراء جرداء، ساكنة، وفي كل الاتِّجاهات، حتَّى الآفاق، لم يكن هناك أي أثر لـ "زينب".
فجأة ظهرت هذه المئذنة، هذا القلم الذي يسطر المقادير، بقمَّته المدبَّبة مثل نصل خنجر مُعَد دائماً للارتشاق في قلوب البشر، ثم
عاد زخم أصوات النَّاس التي فجعها ما أصابه، وقد داروا حولهما، يحاولون إفاقته، ومن تحت سحابة تُغطِّي عينيه رأى زوجته ملقاة بجواره، وسمع صوتاً يقول:
حد يبعت صورة البنت لأي جورنال ويكتب خبر... إن شاء الله هانلاقيها...
سمع صوتاً آخر يقول بإلحاح:
هِيَّ اسمها إيه؟
عندما يبكي القلب تغيض دموع العين، وتنسد مجاريها التي تصب في المآقي، منذ هذا اليوم البعيد، الذي غار في أعماق الزمن عشرين سنة، تحجَّرت عينا "رشيد"، وصار ملح الدُّموع ينسكب في داخله، ينشع في جدران مواجيده، يهرِّئ روحه تمهيداً لانهيارها التَّام، ولم يرفع كفَّيه للسَّماء بعدها أبداً.
رفعتهم لِيه وأنا في بيته ... كنت باشكره وانا ف بيته... وهو بيدبر لي في نصيبه سودا... وانا في بيته!
لم يعد له من سلوى غير السَّفر في بلاد الله، يركب القطارات، والأوتوبيسات، والميكروباصات، يبحث عنها في كل مكان، لو توقَّف عن البحث سيموت، هذا بخلاف النَّظر الدائم في صورة "زينب" المنشورة في الجريدة، تطالعه مبتسمة، بينما الملح يندلق بين ضلوع صدره.