(2)
لعبت مع أصالة لعبة العريس، رسمنا البيت بالحجارة شاركتني حياة هذا المربّع الوهميّ كنّا وحيدين داخل حقل الذّرة الصفراء المحاذي لخندق الحدود.
-اضربني فالزّوج يضرب زوجته.
ضربتها، فالتصقت بي أكثر، وأدركت فيما بعد أنّها فهمتْ جسدها في وقت مبكّر من عمرها. وهي كأيّ امرأة ناضجة، تفهم ما تريد.
اكتشفت أنّ لعبتنا لم تكن سوى غطاء لطفولة ليست بريئة كما يقول الكبار.
(دعهم أطفال أبرياء)
نسيت أصالة بقراتها ونحن نعيش لذّة اللّعبة، فتجاوزْنَ خندق الحدود، وعلا صوت المجنزرة، فانتفضت واقفة.
(البقرات.. البقرات)
ثم سمعت صوت الطلّقات الناريّة، ومن بين قضبان الذّرة الواقفة بصعوبة بسبب حمولتها، رأيت جندي المجنزرة منتصباً وبيده البندقيّة.
ارتفع صوت أصالة:
-قتلتوا البقرة يا كلاب.
توقّفت المجنزرة، وراح جنودها يضحكون، وأحدهم وجَّهَ البندقية صوب أصالة قائلاً بلغةٍ ركيكة:
-إذا تجاوزتِ الخندق، سأطلق عليك.
كانت أصالة تبكي وتردّد:
-يا دلّي. ماتت البقرة.
كانت البقرة تنتفض، محاولة النّهوض، متخبّطة بدمها فرماها بطلقة أخرى، وأعاد تصويب البندقيّة صوب أصالة، التي لم تزل واقفة خلف الخندق، في مواجهة القاتل.
تسلّلت من بين قضبان الذّرة، وابتعدت كي لا يراني أحد من الفلاحين الذين بدأوا يتجمّعون حول أصالة.
حين كنت أصعد التلّ بوشر بإطلاق النّار، عرفت طلقات أبي وجنوده، لتدور معركة استرجاع البقرات، احتميت خلف صخرة، ورحت أشاهد تفاصيل المعركة.
وكانت أصالة قد قطعت الخندق، والأصوات تلاحقها.
-ارجعي.. ارجعي يا أصالة.
لكنّها لم تستجب، وتابعت جريها تحت القصف، وأحاطتها طلقات الرشاشات، إلى أن وصلت حيث البقرات وساقتهن أمامها دون خوف، وتطوّرت المعركة، وبدأت المدفعيّة الثقيلة تهزّ الأرض بأصوات انفجاراتها.
دخلت أصالة وبقراتها إلى حقل الذّرة، وتابعت صعودي إلى موقع والدي الذي توقّف عن إطلاق النار، حين غابت المجنزرة.
صرخ والدي:
-ماذا تفعل هنا يا ولد؟ إلى الوادي مباشرة.
لم يكن يدرك هذا القائد الميداني، أن الولد هو سبب المعركة، وأن لعبة العريس والعروس، أشغلت أصالة عن بقراتها.
تابعت سيري بهدوء وأنا أتخيّل جسدها الطري.
مررت ببيت سمراء كانت ترضع طفلها، غير مكترثة بما يدور.
-أين كنت؟
-في حقل الذّرة.
-مع أصالة.
-نعم.
ضحكت سمراء قائلة:
-كبرت أنت وأصالة بسرعة.
أبقت نهدها الأول مكشوفاً. وأخرجت الثّاني متابعة إرضاع الطفل، الذي راح يداعب الأوّل بأصابعه وهي مستسلمة له. نهد أصالة أصغر كنت قد رأيته قبل قليل، سمراء بعمر أصالة أو أكبر بشهور والرّجال هنا يفضّلون الصغيرات كزوجات.
كنت في العاشرة من عمري، وقد دخلت مرحلة التعرّف السّطحي على جسدي الآخذ بالنمو.
قالت سمراء:
-أنت تعرف كل شيء. (مانك هيّن)
ضحكت، ثم عاد قصف المدفعية لأسباب أجهلها هذه المرة، وعرفت فيما بعد أن الطيّران المعادي اخترق الأجواء، وقصف في الداخل، وخشيت أن تطول الحرب، وتستمرّ لتشمل العالم وكلّ ذلك بسبب من لعبتنا في حقل الذّرة.
قالت:
-علينا أن نتوّجه إلى الوادي، فهناك أفضل من البقاء هنا.
كان القصف قد بدأ يتصاعد. وسكّان القرية موزعون هناك خلف الصّخور، أو في المغارات.
قلت:
ـ هنا أو الوادي لا فرق.
قالت:
ـ( ما رأيك بشرب الشّاي، خلّينا نموت نحنا وعم نشرب شاي).
وضعت الطّفل في (مرجيحته) الخشبية التي ربطت بحبال تدلّت من سقف السّطح. أشعلت (بابور الكاز) وكانت أصوات القذائف تهزّ البناء لكنّ الأخيرة كانت الأقوى، فجعلتها تقفز للوراء بذعر.
فجأة بدأت القذائف تتفجّر في وسط القرية، وبين البيوت، فالتصقت سمراء بي وهي ترتجف، لم تبتعد رغم توقف القصف، وظلت على وضعها، لكنها تنبّهت لبكاء الطفل، فتراجعت ببطء.
حملت الطّفل، وهي تحدّق في وجهي. ثم قبلّته. وضمّته إلى صدرها قائلة:
ـ (خفت يا تقبرني).
كانت تحدّق بي، وبعض الاضطراب والخوف باد على وجهها.
********
لم يزل علاء يتابع بنظراته أختي نجاة، وهي تضع صحون الطعام.
ـ قال غازي كيف ستكون الأغنية ياترى؟
أجابه علاء.
ـ حتماً رائعة رائعة جداً.
ابتسمت نجاة بخجل، وكانت تدرك أنّها المقصودة.
قال كمال:
ـ هل ستكون أفضل من (الجندول) أو (قصّة الأمس). لماذا كل هذه الضجة يا شباب؟.
دخلت نجاة مجدداً تحمل إبريق الماء.
قالت:
ـ نسيت الماء.
ابتسمت لعلاء،وخرجت وهي تسير بدلع واضح.
قال غازي:
ـ يا أخي هذا لقاء عمالقة (أم كلثوم) (عبد الوهاب) (الفرقة الماسية) ماذا تقول يا كمال؟ مابيعجبك شيء.
ـ أنا لم أقل بأنني غير معجب بالعكس.
ـ جمال عبد الناصر يتابع الأغنية.
ردّ كمال:
ـ ليش لأ ؟ كلّ ملوك ورؤساء الوطن ماعندن غير هالشغلة،
تعالت الأصوات الرافضة.
ـ شو هالحكي. عيب. اسكت يارجل.
ضحك كمال:
ـ طبعاً أنا الغلطان. أغنية واحدة تلعب بعواطفكم، أغنية تهزّ مشاعركم. توحدكم. ولازم يُمنح عبد الوهاب وسام الانتصار، وقد تعيد أم كلثوم فلسطين.
ردّ علاء بغضب:
ـ( يا أخي هادا شي، وهادا شي).
دخلت نجاة:
ـ (لازمكم خبز؟)
رد علاء:
ـ شكراً..
****
قرّرنا إقامة المباراة يوم الجمعة القادم، بعد أن فشلنا عدة مرّات في تشكيل الفريق، ووافق فايز الشامي على اللعب معنا، كذلك عبد اللطيف، ومنير، وخيرو، وسيشرف على المباراة الأستاذ عبد الرحيم.
أعلن نزار احتجاجه على إشراف الأستاذ فهو لا يحبّه ولا يحب دروس الرياضة من أجله، وطلب إلي ألا أشارك، على أن نشكل فريقاً آخر، لكني خشيت غضب الأستاذ، الذي أحبّه، مع أعضاء الفريق.
وقرّر نزار أن يلعب أخيراً بطلب من الأستاذ.
ـ نزار ستلعب مع رفاقك مفهوم.
صمت نزار.
ـ حاضر أستاذ.
سألني حافظ:
ـ هل شاهدت فيلم رُدّ قلبي؟
ـ لا..
ـ يجب أن تراه.
وتوجّه بالكلام لعبد المولى:
ـ إنّه ذكيّ، ويطالع.
قال عبد المولى:
ـ بالطّبع، الثقافة ضرورية، ثقافة للشعب، وشعب للثقافة.
قال حافظ:
ـ ماهذه الفلسفة؟.
رد:
ـ افهمها كما تشاء.
رفض نزار حضور فيلم (رُدَّ قلبي) لأنه يرغب في حضور فيلم (لعبد الحليم حافظ)، في سينما دنيا تركته ومضيت إلى سينما الأندلس، أعجبت بالفيلم، وحدّثت عبد المولى عنه ووعدني بإحضار الرواية لي.
*****
******
لم تكن أسوار البيوت قائمة في حيِّ النّهضة حتى ذلك الوقت. ولا شيء يعكر صفو حياة المدينة سوى الطيران فقط، لكن السرقات التي حصلت فيما بعد جعلت الناس يعيدون النظر بسياج أو سور يحمي البيوت فأقيمت جدران (البلوك) وكان أهل إنعام من أوّل الأسر التي سارعت للبناء، وأحاطوا البيت من كل الجهات ورفعوه أكثر مما يجب.
كان أبو معين الحارس الليلي، قد توظّف حديثاً بهذه المهنة بعد أن عزّز المحافظ الحراسة اللّيلية كي تقمع السرقات، وبعض المشاكل التي صارت تقلق الناس. وحين وقعت الجريمة الأولى، أحدثت رعباً حقيقياً إذ وجد الشاب (إيلي) مطعوناً بخنجر وسط الشارع، وراحت الألسن تحلل وهذا ما جعل كمال يقول:
ـ لم أكن أعلم أن للناس هذه القدرة على الحكي، كلّهم أصبحوا خبراء في الجريمة.
وكان رأي كوجا (البسكليتاتي) أن إيلي نصب نفسه زيراً على النساء فهو وسيم، وكانت أخته تسهّل له طريق الوصول لأي فتاة يريدها.
أما مولو عامل الطاقة في سينما دنيا، فقد وجد أن الشاب قد انتحر، وحين سُئل كيف طعن نفسه؟ من الخلف ضحك طويلاً، وقال بلغة عربية ركيكة:
ـ (صحيح ياهو. كيف ضرب حالوا من ورا؟ يا الله قديش أنا غبي).
***
لا يختلف النّهر عن أبي، وكما هو الرّقاد هو أبي، أبي الجسر، والتل، والحي، وحقل الذرة، وكمال، وردّ قلبي، وكل من ساهم في صنع طفولتي، وبداية شبابي في تلك المدينة.
مشيت إلى جانبه ليلاً. قطعنا الوادي. انحدرنا صوب الهضبة. تسلقناها. كان يتفقد جنود الكمائن الذين انتشروا على امتداد تلك المساحة. عبرممرات ضيّقة وعرة لا تتسع أحياناً سوى لمرور شخص واحد، وفي مثل هذه الحالة نسير خلف بعضنا، وكانوا يختارون لي الوسط دائماً خشية أن أسقط في الوادي الذي يسمّونه (الجلالة).
لماذا سموه الجلالة؟
تنحنح والدي، فهو لا يعرف جواباً لكنّه وعدني بالردّ قريباً وكان يرغب بمشاركتي هذه الجولات التي تطرد الخوف وتجعل مني رجلاً حقيقياً.
****
كيف سأتسلق هذا الجدار؟ أي لص سيقوم بمثل هذه المغامرة، التي سأنفذها الآن؟
إنّه الجنون يا إنعام.
أيعقل أن أنجو من هذه الورطة التي وضعتني بها؟
في أعلى الجدار ثبتت قطع من الزّجاج المكسّر زيادة في الحيطة وكانت هذه العادة قد سرت بين الناس.
إذن، أنا الآن في مواجهة الموقف الصعب. فالسور أمامي وإنعام في الداخل، و(أنت عمري) بدأت.
هل سيُكتب لهذه اللّيلة أن تبقى في ذاكرتي طويلاً؟ أم أنها سوف تغيب وتعبر كما كل الليالي؟
كانت تلك الأسئلة صغيرة جداً، لكنها كبرت مع مرور الزمن وكتب لها البقاء في الذاكرة.
لعنت (البلوك) و(الزجاج)، وأنا أدور حول الجدار، بحثاً عن مكان ما أقل ارتفاعاً. لم أجد. ورحت أراقب حركة أبي معين.
ما الذي جعلها تطلب مثل هذا الطلب الصعب؟ قد أُتهم بالسرقة، أو بأي شيء، لماذا القفز يا إنعام؟
رغبت لو اكتفيت بقبلات الجسر، وبتلك النشوة المطمئنة رغم خطورتها، ولكنّ الرغبة تلاشت مباشرة ولم أدعها تسيطر عليّ.
تركنا موسيقا النهر، تركنا دقّات قلوبنا يا إنعام، ورحنا نفتش في الذاكرة عن أحلامنا. صبانا. ونردد ونحن نبكي:
(وطني، وصبايا، وأحلامي
وطني، وهوايَا وأيّامي
ورضا أمي.
وحنان أبي.
وبكاء ولدي عند اللعب)
خرجنا من دهشة لندخل في أخرى، وفي زحمة الضّياع، يا إنعام، ونحن نفتّش في المجهول، الذي وجدنا أنفسنا فيه بعد أن فقدنا الطّين، والجسر. وغفوة الرّقاد، ولوّحت لنا زيارة التل شاهدة على تفاصيل ماحدث، وكان ماجرى بحجم الموت.
وأصبح لحن الضّفادع يسري حزناً في عروقنا، ضعنا في الشوارع المزدحمة، وتغيرت أيّامنا، وكبرنا بما فيه الكفاية، كبرنا همّاً، وهزيمة، وحفرت القسوة أخاديدها في قلوبنا، وتركت آثارها على الجبين، وكان الأسى يغمر النفس، وأيام الحياة جارية.
في هذا الوقت رأيتك.
يا إلهي لماذا الآن؟ وماهو هذا القدر، الذي يخبِّئ مجهوله ليصعق به البشر؟
بعد كلّ سنوات الهزيمة، والاغتراب.
يا إلهي، كم هو محزن هذا اللِّقاء
بكيت. بكيت. رحت تحدّقين في وجهي، ورحت أحدّق.
ورجعنا للوراء. ليتني نسيتُ، ليتكِ نسيتِ، لو تمكّنا من ذلك، كان أطفالك الأربعة يحدّقون مذهولين لماذا تبكي أمّهم؟
لماذا كلّ هذه الدموع؟
ومن هو هذا الرجل الذي نُبِشً من بئرِ الذّكريات؟
من أنا يا إنعام؟ من أنتِ بعد كلّ هذا الضّياع؟
أتذكرين…
(أي سرّ فيك
إني لست أدري
كل مافيك من الأسرار يغري)
ـ إلى أين؟
ـ أمريكا هجرة دون عودة.
كتب علينا ذلك، كتب علينا أن نهاجر عن أنفسنا، وأن نحفظ طفولتنا في رؤوسنا دون مكان، كتب علينا أن يبعثر فرحنا، ونمضي في درب الشوك.
كتب علينا أن أراك تغادرين وإلى أين.. أمريكا يا للهول.
ـ دون عودة.
ـ دون عودة.
لماذا هذه المصادفة العجيبة؟ ألم تكن لمزيد من الحَرْقِ صرت تجففين دموعك، وتحدّقين. نعم أنا هو ذلك الفتى الذي اقتطف أولى قبلاتك ورماك على عشب الرقاد، وعفرك بترابه، وجعلك تعيشين أولى نشوات العمر.
أنا حبك الأول، وأنت حلمي الذي كبر معي،ولم يغب. أين نضارتي؟ صخبي. موسيقا ليلي وأنا أعبر من قرب البيت، وعلى شفتي لحن أصفّره بشفاهي كي تطلي.
ـ لماذا طلبت أن أقفز من فوق الحائط في ليلة (أنت عمري)؟
وضحكنا، ضحكنا كالمجانين، وكان الأولاد يتابعون، وهم يجهلون ماذا يجري؟
هاهي عشيقة الجسر تضحك، بعد كل هذا الزمان، ها أنا أضحك معها، بعد أن نسينا كيف يكون شكل الضّحك؟
تأمّلتُ الأولاد، الذين يتابعون بين ضحك، وبكاء، لو تعرفون الحقيقة، لقدرتم ماذا يجري؟ وتركتم نظراتكم لحريتها دون هذا الذهول. لو أنكم عرفتم أمكم تلك الطالبة الرقيقة السمراء ذات الوجه النحيل التي أحبت الوطن من قريتها الخيام في لبنان وحتى مدينة هجرتها حيث بدأت تخط أول حروف ذكرياتها وتفاصيل عمر لم تكن تقدر أنّه سيواجه حجم تلك المأساة، مأساة سرت في عروقنا كالدم مأساة ألغت كل تطلعنا صوب الآتي، مأساة هي بحجم الذاكرة، بحجم الحياة، بحجم الحب الذي جمعنا الآن.
لم تغب عن الذاكرة تلك الأيام. لم تغب تلك الليلة بالفعل كانت ليلة(أنت عمري).
عمر مضى عكس الاتجاه يا إنعام.
ـ كيف الأسرة؟ كيف أبوكَ؟
ـ ذاب أبي يا إنعام، ومضة عبرت، غادرنا والحلم في عينيه، ولم أختر طريق الدّبابات، لقد هزمت بطفولتي، وأحلامي، وشبابي، وبكِ، وبحقل الذرة. لم يبق شيء سوى الفاجعة.. الفاجعة فقط، تلك التي ورثناها ألماً وحزناً وبكاءً.
مضى كلّ شيء ليس كما تتصورين، وليس كما تصورت أنا سطرنا حياتنا بالدموع وها أنا ألتقيك الآن كي نجدد الدموع التي لم تجف بعد.
أنت عمري
بعد منتصف الليل