(3)
ركبت خلف كمال على دراجة (الفيسبا) الحمراء. اتجهنا إلى قرية جميل (الغجر)، كانت أمامنا سهول المنصورة بخضرتها، ذات اللون المتميز، خضرة ليست كأيةخضرة شاهدتها فيما بعد، كان بيني وبين تلك الطبيعة لغة مشتركة.
كأنني قفزت فوق كل مراحل الطفولة والشباب، ورحت أغسل نظراتي بذاك البعد الممتد أمامي بين وادي (مسعده) وإطلالة سهول فلسطين، ونبع بانياس المتدّفق صفاءً يعزف موسيقاه للأرض التي عشقتها كالحلم.
قال:
ـ يجب أن تعمل، وتحقّق دخلاً، كي تسدّد مصاريف الدّراسة، وكان كمال على موعد مع صديق قادم من قرية (شبعا) المحاذية للغجر، واسم (شبعا) يعني إنعام فهي من الخيام المجاورة لها.
قاد كمال درّاجته صوب الغجر، حيث الهدف الذي يعمل علىتحقيقه.
كان يردّد باستمرار:
ـ لا حياة دون نّضال.
(الفكر والعقيدة).
(الحياة موقف).
قال:
ـ نحن الآن في مهمّة نضالية.
أنا في حالة فرح، لأني سأشاهد (جميل)، ونجلس معاً على ضفة الحاصباني.
نأكل السّمك فما هو هذا النضال الذي يتحدث عنه كمال؟ وهي مجرّد رحلة على ظهر (الفيسبا).
لماذا التصقت بي سمراء؟ ولم تبتعد إلاّ بعد أن تنبّهت لبكاء طفلها.
قال أبي:
ـ ألم أحذّرك من اللّعب بمحاذاة الخندق.
لكنّ أصالة تجاوزته متحدّية المجنزرة، والرشاشات وعرفت أن الأمر ليس مرتبطاً بالبقرات مباشرة، فهي تعبر، ولا يكترثون، وأحياناً يؤدّي عبورها إلى معارك حامية كما حدث. ذات مرّة أطلقوا النّار على رضوان الرّاعي، فمات، وتركوا جثته في العراء.
عبرت أمّه الخندق وهي تصرخ:
ـ ياوحوش. يا كلاب.
أطلقوا عليها، وسقطت إلى جانب ولدها. لم تصدر أوامر السحب جثّة رضوان، وأمّه، ووزّع والدي الجنود على خنادق العمليات، وأخذ الرماة مواقعهم القتالية وكان (الراصد) يتابع تحرك المجنزرة،ثم الطائرة الحوّامة (هيلوكوبتر)، التي راحت تجول في المنطقة.مخترقة مجالنا الجوي.
سيطر الغضب، والحزن على سكان (الصيادة)، وجثة رضوان إلى جانب جثة أمه، وتحدّي المشاعر واضح كالشمس، كتب علينا أن تموت مشاعرنا. كتب أن تبقى جثثنا بالعراء دائماً، ربما لأننا لم ندرك بعد قيمة الإنسان، ولأنّنا لم نتعرّف بعد على حساسية المشاعر وكيف نحميها من الجروح.
حضرت عربات رجال الهدنة بلونها الأبيض، وتم تسليمنا الجثتين.
ـ هؤلاء وحوش.
هذا ماقاله أبي وأنا أطرح أسئلتي.
ـ لماذا لم تقصف يا أبي؟
ـ لماذا دخلت الطائرة حدودنا؟وحلقت فوق رؤوسنا؟
ـ أين طيراننا يا أبي؟
****
فشلت في تسلّق الجدار، بحثت عن فتحة مالأثبت قدمي. وأنهض كي أتمكن من الصعود، وأتجنّب قطع الزّجاج المغروس في الإسمنت.
وجدت المكان لكنّ النور المتسرب من نافذة أحد البيوت حال دوني. ابتعدت عن المكان، ورحت أدور حول السّور.
حققت هدفاً في المباراة, شعرت بتفوقي. قبلّني أمين، وأثنى عليَّ الأستاذ عبد الرحيم.
رغبت لو أن أبي شاهد هدفي، ومادمت قد حقّقت الهدف الذي أدى إلى فوز الفريق فإنني قادر على أن أفعل كل شيء، فما الذي يجعل هؤلاء الإناث في بيتنا يسيطرن عليَّ، ويقيدن حركتي، ويطوّقن حريتي؟
يا أبي رجل الدبابات قد حقق هدفاً، صفقوا له، أعلم أنك ستفرح جداً، وستبدو علائم الرّضا على وجهك.
أحاديث بيتنا تدور حول العرسان فقط، وثياب العبدة، وأخت إنعام. من سيحدّثني عن كرة القدم؟ وهدفي من يقدم لي النصائح، ويرشدني في العادة السرية، وأضرارها، وفوائد فرشاة الأسنان، ورائحة العرق، ونظافة الحذاء، ورائحة القدمين، والدّودة الوحيدة.
من يحدثني عنك أنت يا أبي. المقاتل المخلص الذي يمتدحه قادته في كل معركة. من يحدّثني عنك كرجل لليل الجبال والكمائن. الرجل المستيقظ دائماً.
قل لي يا أبي من……
********
طغى صوت موسيقا (أنت عمري) على كلّ الأصوات. قدّرت أن لحظة اقترابي من إنعام قد حلت. وأن الوطن قد دخل في سباته، وأن سكان حي النهضة قد طاروا الآن في فضاء رحب. محلقين، يشربون الشاي، العرق يأكلون، لكنهم خارج حدود زمانهم. لكنّ إنعام تنتظر قفزة الفصل، وهي تتوقع قدومي بين لحظة، وأخرى.
كرّرت المحاولة. فشلت. اتجهت صوب الباب الخارجي، وكان الشارع خالياً تماماً، لا شيء سوى موسيقا أنت عمري ونقيق ضفادع الرقاد، وثمة أصوات نباح كلاب بعيدة، قرعت الباب. ظهرت إنعام.
ـ لن تدخل من الباب.
قلت:
ـ حاولت ولم أستطع.
قالت:
ـ أين بطولاتك على الجبهة، وأحاديثك التي ترويها عن شجاعتك هناك.؟ حاول، ولا تعلن فشلك بهذه البساطة، فأنا أكره ذلك، ولا تقرع الباب مرة ثانية.
يظهر أنّ كلماتها، جعلتني أندفع نحو القفز من جديد، ومهما كانت النتائج.
رحت أدور حول الجدار، أفتش عن حل، يمكنني من الوصول إلى ليلة أنت عمري، بعد منتصف الليل.
فكرت بإحضار سلم خشبي، لكن من أين السلم في هذا الوقت؟ كانت تصلني بين وقت وأخر صرخات من داخل البيوت: (ياسلام).. (ياملكة).
رأيت في الجهة المقابلة مجموعة من (البلوكات) عكس بعضها، وتركت فراغها الوسطي على شكل درج يمكنني من وضع مشط قدمي من الأمام بداخله.
نجحت في تسلق الجدار، وبعد أن واجهتني صعوبة وضع يدي في أعلاه بسبب قطع الزجاج، لكني وفقت ببعض فراغ صغير مكنني من ذلك.
إنه انتصار آخر يتحقق في ليلة (أنت عمري)، وعلى الوطن أن يحتفل سنوياً بذكرى العاشق الذي صعد الجدار، ولا يعرف الآن كيف سينقذ نفسه من الموقف الذي هو فيه، فأنا أعلو الجدار، ولا أدري كيف سأقفز إلى الداخل؟
********
هبطنا الطّريق الترابيّة والضيّقة المؤدية إلى نهر الحاصباني.
كان هديره يصلنا، ونحن في قرية الغجر الواقعة على كتف الوادي، تقابلها في الجهة الأخرى قرية (الخيام).
كان جميل قد اصطاد كميّات من الأسماك، صاح بنا:
ـ من أجلكم أقمت القاطع.
فيما بعد رأيت القاطع، كومة من حجارة وأعشاب تنهض في مكان مامناسب داخل النهر فتمنع تسرّب الأسماك، وهي طريقة قديمة يمارسها سكان الغجر، وهم يقيمون أكواخهم من القصب على ضفة النهر الوحيدة لأن الثانية تحاذي الجبل تماماً، ويعتبر الحاصباني مصدر رزقهم، فهم إلى جانب السمك، يزرعون ضمن المساحة الضيّقة للضفة (البندورة)، (الخيار)، ويهرّبون مايحتاجونه للتّجارة والاستهلاك من لبنان. في البداية كانت تجارة خفيفة، توسعت عند بعض الأشخاص. وراحت تدر عليهم أموالاً.
رأينا صديق كمال يهبط من أعلى الجبل برشاقة، لوّح جميل بيديه علّه يرانا، وأطلق عدة صرخات، لكن الهابط لم يسمعه بسبب هدير النهر، وحين اقترب أكثر كرر كمال النداء. فسمع الشاب، ورفع يده، وهو يقطع المسافة هرولة كان عليه تجاوز النهر عبر ممر تبرز فيه الصخور، وفي حال زلت قدمه فسوف يجرفه الشّلال باتجاه فلسطين، إن كان لا يجيد السباحة، وهي شاقة جداً في النهر. الذي جرف الكثير من الشبان أثناء ذهابهم أو عودتهم من الخيام.
كان الحاصباني من أجمل الأنهار، وهو بتضاريسه مختلف عن الرقاد، فهذا لا يعرف الرقود، ولا نقيق الضفادع وتحيا فيه جميع الكائنات النهرية.
يتحدّثون هنا عن أساطيره، السّمكة ذات القرنين التي قضت على العديد من الشبّان، والضبعة التي بالت على ذيلها، ورشقت ضحيّتها لتضبعه كما يشاع ويتبعها إلى المغارة لتلتهمه بداخلها، والجنّيّة التي تزوجت واحداً من شباب القرية وقيل إنها كانت جميلة، ذات مرة التقيت بزوجها حامد، وحدّثني عنها:
قال:
ـ هي جميلة جدّاً، ورقيقة، وتأكل مثلنا لكنها لا تنجب من الإنس، وكانت قد شاهدته يسبح في النهر، فظهرت له. وسمح لها ملك الجان من الزّواج منه.
كان حامد يلتقيها ليلاً، ويضاجعها حتى الصباح، يقولون:
إن السيد اليسوع قد عبر النهر في طريقه إلى قانا، وزار الغجر أيضاً (جعفر الطيّار) وأقام له أهلها مقاماً تظلله الأشجار.
قطع الشاب النهر برشاقة، كأنه قد تدرب على ذلك طويلاً، كان سريع النكتة، أحببته. تحدث عن بيروت، وجمال عبد الناصر، والمير رسلان وكان كمال يناديه (يارفيق) ثم عرفنا أن اسمه (شوكت)، قال:
ـ كيف الوضع العام؟
ردّكمال:
ـ أصدقاء، خذ راحتك..
قال:
ـ أحضرت عرقاً لبنانياً، وزجاجات عطر صغيرة، وكبيرة، شربت العرق لأول مرّة، وسعلت.
قال:
ـ (شوباك ياعمّي هيدا مشروب الرجال).
أعجبتني كلمة رجال، إذن أنا من بينهم، وينبغي مجاراتهم فيما يتصرفون.
انفرد كمال وشوكت جانباً، تحدّثا مطوّلاً، وكان جميل يتابع شواء السمك.
سألني وهو منهمك بالعمل:
ـ( شو هاي رفيق؟)
قلت:
ـ (تعني معه بالحزب).
ـ (شو هادا الحزب، ونحنا شو خصنا).
ـ (خليك بالشوي، وبعدين بتفهم).
********
أنا الآن في الأعلى، وينبغي أن أقفز لأدخل دنيا (أنت عمري) لكنّ سعلات أبي معين وصلتني متلاحقة وأنا أتجنب قطع الزجاج بقيت معلقاً ريثما يعبر، لكنه انعطف صوب الباب. وصار يدقّه، لم تستجب إنعام في البداية، لكنّها صرخت من الداخل:
ـ مين..
سعل أبو معين. رأيتها تخرج من الغرفة متّجهة في الممر الذي غرست على جانبيه مزروعات أمّها.
أين سأقع؟ فوق البصل؟ البندورة؟..
أظن أنها قد تنبهت لوجودي معلقاً، وإن هي أصرت على الرجل وأدخلته ليشرب الشاي، فهذا يعني أنني سأبقى على هذا الوضع لفترة طويلة.
ـ (كيفك يا إنعام؟ شو بلشت أم كلثوم؟)
ـ (تفضل ياعمي، مافي غيري بالبيت).
ـ (وين أهلك من غير شر؟)
ـ (سافروا.)
راح أبو معين يسألها، وهي تجيب، وأنا أكتم أنفاسي في الأعلى متداركاً سقوطي إلى أحد الطرفين، وكلاهما سيؤدي إلى فضيحة.
بدأ العرق يتصبب مني بغزارة، وإنعام مستمرة في حديثها.
ـ (إذا لزمك شيء، أنا عم أتفتل هون).
راح شوكت يصعد جبل الخيام برشاقة. وتجاوزت قفزاته نفق النهر هنا تدور معارك أيضاً، وينتشر سكّان الغجر في الوادي استمر إطلاق النار في الأسبوع الماضي عدّة ساعات، وكان الأعداء قد أقاموا منتجعاً للراحة في تلّ القاضي، حيث النبع والغابة.
قال أبي:
ـ لم أذق أطيب من ماء تل القاضي.
كان جميل يحدث "كمال" عن النبع،وجمال التلّ، وكان والدي قد تنقّل من مكان إلى آخر في تلك القرى والوديان التي يضمها الجولان الممتد من الغجر حتى جسر بنات يعقوب مروراً بالحمة ذات المياه المعدنية.
كنت حين أفرّ من مجتمع بيتنا النسائي حيث السراويل الداخلية ورائحة العادة الشهرية والأحاديث المقيتة أدخل مجتمع جنود قطعة والدي العسكرية، فهم هنا يمارسون طقوسهم الخاصة، وحياتهم التي فيها من القسوة قدر مافيها من المتعة، وكنت أعشق أجواء الرجال والقوة، مانعت الكبرى دخولي فريق كرة القدم، واستهانت بالهدف وأصرت أن لا خروج من البيت، كي أتفرغ للدراسة، لم أرد على كلامها، وفيما بيني وبين نفسي، وجدت أن علي إعادة النظر في طريقة تعامل هذه البنت معي.
أنا الآن في الصف الثاني الإعدادي، وعليَّ أن أجعلها تعيد ترتيب أفكارها، رغم جهلها، ونظرتها المحدودة للحياة.
وقررت ضربها إن تدخلت في شؤوني.
أمضينا يوماً جميلاً في أحضان الحاصباني، ثم ركبنا (الفيسبا)، وعدنا نحمل زجاجات العطر، الهدف المعلن لحضور الرّفيق شوكت من الخيام، لكن الهدف الخفيّ كان تلك المناشير التي أخفاها كمال داخل ثيابه، وظن أني أجهل الموضوع، مجموعة من العطور وبأحجام مختلفة.
ـ سنبيعها ونتقاسم ربحها، هذا ماقاله كمال.
كانت القنيطرة تستهلك كل شيء دون استثناء، راح التجار يتوسعون في تجارتهم وينفذون (الديكورات) المثيرة للانتباه وكانت دفعات القادمين تزداد، والثكنات تنتشر في كل مكان.
جيش عليه تحرير فلسطين، مهمّة أكبر من تصوراتي وكنت أرى فلسطين أمامي جميلة، خضراء، من النقطة (م.د) كما كانوا يسمونها. كانت خيوط الشمس الغاربة تنعكس على البحيرات التي أقيمت وسط الخضرة فتبدو لوحة رائعة (حماة الديار عليكم سلام).
أيّها الحماة الأعزاء يامن شكلتم مع أسركم مجتمع المدينة النامية، بدأت معايريكم تنهار قليلاً، ومن بين أيديكم تتسرب سلطة سيادتكم أحياناً. فالمجتمع توسع، ولعله المناخ الأكثر خصوبة لمزيد من إلغاء بعض العادات وانتشار الفساد الذي راح ينخر عقولنا، عفويتنا، ويهدّد تربيتنا. كما ازداد عدد العربات التي تزور حيّنا ليلاً، دخلت أخيراً (المرسيدس) لكنّها ليست للعبدة بل لأم أيمن التي حوّلت بيتها إلىملهى خاص بالشخصيات المهمة والتجار، أحضرت فتيات من مصر، والعراق، وبدأت حملة تزفيت الساحة المطلة على الرقاد من جهة بيتها وراحت البلدية تزرع أشجار الحور، والصفصاف وازداد عدد عمال التنظيفات، وأم أيمن تفرض نفوذها والعربات تكثر أمام بيتها.
راحت (الفيسبا) تئن في صعود طريق بانياس، ونحن نتجاوز منعطف تل الفخار القاسي، تل صخري لا يمت للفخار بصلة، لكنها تسميته. وقد وجدوا فيه آثاراً قيمة، وجماجم لبشر ماتوا في غزوات قديمة. ومن طرفها الغربي وادي (مسعدة المرعب). هنا أيضاً يتحدثون عن الفرسان الذين يرتدون ثياباً بيضاء، ويطيرون بين الأرض والسماء متجهين صوب فلسطين أطلقت (الفيسبا) عدة شخرات، ارتجفت ثم توقفت:
ـ ماذا جرى؟
ـ تعطلت.
تسرب (الزيت) من المحرك، حاول كمال إصلاح مايمكن لكنه فقد الأمل.
نظرت إلى أسفل الهضبة، كانت سهول فلسطين تتفجر خضرة ودماً. أين أنت يا أبي الذي يعرف هذا المدى وقع خطواته، ويشهد أنه أخلص في قتاله ومواقفه وأحب وطنه.
********
قال نزار:
ـ نحن لا نملك الثياب الجيده ولا توجد معنا نقود علينا أن نعمل.
كان الخان يتوسط المدينة، وكان صاحبه (الشركسي) لم يزل محافظاً على لباسه التقليدي، وعاداته وهو في الستين من عمره. قاس. لا يعرف أن يتعامل بصورة مختلفة عن (البغل) أو الحصان المزيف أما الأصيل فله احترامه كونه من سلالة معروفة.
يعرف صاحب الخان جميع أسماء فصائل الحمير، والبغال، وعرفنا أن لا أصل للبغل، فيما عائلة الحصان ذات جذور، وهم يعرفون الأب، والأمّ، ومايميّز الحصان إخلاصه، فهو يبكي إن ألمّت بصاحبه مصيبة ما، وعرفنا طبيعة الحمير، وكثيراً ماكنت أتّهم نزار بأنه حمار لكنّني سرعان ما اكتشفت ظلمي للحمير في هذه المقارنة.
اتفقنا مع صاحب الخان على أن نحصل على (فرنكين) عن كلّ دابّة نحضرها.
كنّا ننتظر بدو الجولان القادمين من القرى لبيع إنتاجهم من اللّبن أو الجبن أو الخبيزة أو القحط أو الهندباء، لنقود دوابهم إلى الخان، وبعد الظهر نحصل على أجرنا.
حققنا دخلاً لا بأس به، وكنا نعمل سرّاً كي لا يذاع خبرنا في المدينة، لكن أية سرية في مدينة كهذه يسري الخبر فيها كالبرق؟
كانت (علقة حامية)، حين هبت الكبرى رافضة عملي.
كذبت ماقيل لهم، ونقلت إنعام رأيها المؤيد دون نقاش للكبرى، لكن فايز وقف إلى جانبي وعبر عن رأيه:
ـ هل ستتوقّف مصانع أمّكَ لأنّكَ تشتغل في الخان من هو مثلك لا يناسبه أصلاً سوى الخان، أنت ونزار بغل يجر بغلاً والمعادلة عادية، أما الجحش الأكبر فهو صاحب الخان الذي شغلكم أصلاً.
كان نزار يثبّت قدم البغل. والشركسي يحديه.
كان العمل يجري بكامل الهدوء، لا شيء سوى الضّربات الخفيفة للقدّوم، وحركات البغل المستمرّة، ورائحة روث الحيوانات. فجأة كادت النظّارة الطّبيّة للشركسيّ أن تقع على الأرض، حاول وهو يضرب مشط قدم البغل إعادتها إلى مكانها، حينذاك لم يستطع إحكام الضربة فقفز البغل، ولأنّ نزار كان إلى الخلف منه فقد تلقّى الرفسة الأولى ثمّ الثانية فطار في الهواء، مخترقاً صفيحة التوتياء التي تغطي سقف الخان، ثم استقرّ في الأعلى فاقداً الوعي.
شيء لا يصدق، لكني رأيته. قوة ماحملته.
صرخ الشركسيّ:
ـ (يا لتيفة تلتفي. ماتت الولد. نزليا، هاتي مّي).
أنزلنا (نزار) ، ورشقنا الماء على وجهه، فرجع إليه وعيه، والغريب أنّه لم يصب بأي جرح أو كسر.
قال نزار:
ـ أحببت الطيران، وسوف أصبح طيّاراً.
حقق ذلك فيما بعد، وقبلها عمل في معرض دمشق كزبال في شهر المعرض، لم يكن العمل يليق به وهو المتفوق في الشهادة الثانوية. ولم يستطع السفر إلى أمريكا لمتابعة دراسة الطب، بعد أن وافقت إحدى الجامعات على قبوله، وماكان عليه سوى تأمين بطاقة سفر الذّهاب بالطائرة ولكن من أين؟
حين التحق بالمدرسة الجويّة قلت:
ـ سوف يتمكن في الفضاء من استنشاق هواء نقيّ ينسيه رائحة زبالة المعرض.
كانت الميغ هدف الأمّة في التحرير، ونزار أصبح من هؤلاء الذين سيقودونها، وسوف يتفوق حتماً كما هو في الرياضيات، وكرة القدم، والخان، وبيع بطاقات اليانصيب، ولابد أنّه متفوق في فهمه لفلسطين والطريق إليها.
ألم تعلمنا الحياة يانزار أن القروش القليلة التي كادت تودي بحياتك هي الوسيلة للعيش؟
أية طفولة تلك؟ طفولة المَخْطَة، والدودة الوحيدة، ومغص الليل والصقيع؟ أم طفولة المدرسة الابتدائية حيث الصف البارد، ومدفأة الحطب التي تنفث دخانها ليخنق أنفاسنا الضعيفة، وحين كبرنا قليلاً كانت غرفة جميل سلوانا، وشرب الشاي عنده وصور الممثلات، ونقيق ضفادع الرقاد.
نحن يا نزار الأطفال، الذين سجلنا للمدينة يومياتها من ضحك، وشغب، وبكاء، وركض خلف الوهم، خلف اللاشيء وجُبلنا بطينها. غدونا منها، وغدت منا دخلنا فيها، ودخلت فينا، كانت نورنا، وحين فقدناها عشنا سنوات الضياع، ولم تزل تنبض فينا، ونحياها كحلم ليلة أمس.
دخلت بيت صاحب الخان لأوّل مرة، عبر الممر الضيق الذي بباب خلفي يصل الخان بالبيت، وطلب إلى البنت الوحيدة صنع الشاي.
راحت نظراتي تتابع الفتاة البيضاء التي تمشي كبطّة وهي تتدلّع في سيرها كأنها استنفذت كل قواها في السباحة، وهي تترنح على شاطئ البحر.
كان وجهها يضيء كما هي (لمبات النيون)، التي دخلت بيوت حيّ النهضة مجدداً.
سميناه يوم الخان، لأن ماشاهدناه بمثابة سحر لم نعرفه سابقا. الآن يا نزار، وبعد مضيّ هذه السنوات الطويلة سأبوح لك بسرّ لم تسمعه مني سابقاً.
نحن شربنا الشاي، وخرجنا أليس كذلك، كنت قد حدّقت طويلاً في وجهها، وتبادلنا (الغمزات) عُدت للبيت في اليوم الثاني متذرعاً بشربة ماء، صرختُ، لم ترد، كررت الصراخ. ثم سمعتها تقول:
ـ (أنا بالحمام. أنتظر شوية).
اقتربت من باب الحمام الخشبي.. ثمة ثقوب بسبب اهتراء الخشب. نظرت من أحد الثقوب. كانت تسكب الماء.
صرخت:
ـ (وين انتي؟)
ابتعدتُ عن الباب قليلاً:
ـ (أنا هون. هون).
قالت:
ـ (اطلعي بره. أنا ماقلتُ فوتي على البيت. وشوفيني بالزلط.)
قلت:
ـ (أنا ما شفت شي.)
صرختْ بعصبية:
ـ (اطلعي بره ولك زعره).
لم أخرج. عُدت إلى مكاني، رحت أفعل. كانت تتحرّك بالداخل. وتدندن أغنية لم أسمعها سابقاً، حين أنجزت فعلي شعرت بالراحة لكن السائل استقر على باب الحمام. فأسرعت أبحث عن قطعة قماشية لإزالته. حين خرجت. كانت مشكلتي هذه المرة مع أخي غازي الذي صرخ:
ـ (أخي عم يشتغل بين الحمير، والبغال، شي ما بليق بسمعتنا).
اتخذنا قرارنا أنا ونزار لن نعمل في الخان، كما اتخذت قراراً حاسماً هذه المرة بأنه علي أن أنسي الكبيرة عادة الضرب التي لم تزل تمارسها، واحدة جاهلة، وإن حاولت في المرة القادمة فسوف أضربها، لقد قررت ذلك ولن أتراجع.
صرت أساعد كمال في دفع (الفيسبا) إلى الأمام والخلف فربما ينجح في إصلاحها.
بدأ الظلام يحلّ علينا، وبعد قليل سيمنع السير تماماً وقد تزرعُ الألغام، وشعرت أنه بدأ يقلق.
قال:
ـ ليست مشكلة الألغام، ولا السير.
صمت قليلاً:
ـ لا تخف لا شيء يدعو للخوف.
كنت أعرف السر، وسبب القلق ولم أكترث كثيراً لكل ذلك.
*******
هل سأظل معلّقاً فوق الجدار، وأنت تتابعين حديثك مع أبي معين يا إنعام؟ وهو يقاطعك بمزيدمن السعال، ولفافة التبغ بين أصابعه.
ـ بتشرب شاي.
لابد أنك فقدت عقلك، كيف تصرين على دخولي قفزاً ومن ثم لا تفكرين بأي موقف أنا!؟.
ـ (رحْ قوم بجولة، وبعدين برجع لعندك).
ـ (دق الباب بقوة، بيجوز مااسمع لأنّي رافعة صوت الراديو).
لعنت (أنت عمري)والورطة، وأبا معين، وفكرة إنعام تراجعت عن الباب،مشيت في الممر، توقفت.نظرت حيث أنا. ضحكت. قالت:
ـ (أنا شايفتك من الأول نط.نط)..
ـ (من الأول، وكلّ هالحكي ياشاطرة؟).
ـ (طبعاً. مشان تذوق طعم المغامرة.).
توزعت المناشير في المدينة. دارت حولها أحاديث ماذا لو عرفت الكبرى؟ بأنني ساهمت في إحضارها مع كمال، دون شك ستقيم الأرض وتقعدها على رأسي، لكنني تحررت من حالة الخوف، فأنا الآن رجل أدخل المناشير السرية.
جرائم قتل. سرقات. اغتصاب فتيات صغيرات. خيانات زوجية. مناشير. لا يحتمل هذا المجتمع الطريّ تلك القضايا دفعة واحدة.
دخل عزّام السجن لأنه أطلق النار على زوجته وعشيقها صديق عمره المخلص قبل اكتشاف الخيانة وهذا (بلاق) الميكانيكي يحمل أداته ويضرب (قوجو) بسبب النّقود.
صارت المدينة مرعبة ياشباب، هذا ماقاله فايز.
أما المناشير فلم تكن في الحسبان، هي مرحلة متطورة، وفي مضمونها هجوم على الدولة بمن فيها.
كانت قوات الصاعقة المصرية ترابض في موقع (الجوبة) الذي يشكّل المنخفض الطبيعي لتلّ (أبو الندى) الذي تحيط به عدة هضاب أخرى ثم ينحدر تدريجياً نحو فلسطين.
حددت مباراة كرة القدم بيننا وبين فريق الصاعقة يوم الجمعة القادم وراح الأستاذ عبد الرحيم يشرف على تدريبنا اليومي.
ـ ستلعبون مع الصّاعقة يا بجم.
ـ يجب ألا تهزمكم.
ـ كل طلاّب سورية، سيعتزون بفوزكم.
وبدأ صراخ جنود الصاعقة:
ـ الصاعقة بتلعب تمام. مافيش كلام.
وكان طلاّبنا يرددون:
ـ نحنا، ونحنا وبس، والصاعقة خس، الصاعقة خس، ضحك الضابط المصري الذي حضر المباراة:
ـ خس إيه يا بني؟ إحنا الصاعقة، بقى عشان الكوره حنصير خس.
ردّ الأستاذ عبد الرحيم:
ـ (الطلاب عايزين كده يا حضرة الضابط.)
كيف حققوا الأهداف؟ لا ندري لكن فريقنا انهار أمام لياقتهم، ولعبهم المتقن.
جمعنا الأستاذ عبد الرحيم. وألقى فينا خطبة تمكنت من رفع معنوياتنا، ووجد أن المباراة غير عادلة فهؤلاء جنود الصّاعقة، يقفزون فوق أسوار عالية ويتلقون تدريبات قاسية، وكرة القدم بالنسبة إليهم لعبة للتسلية فقط.
بعد حين جابت المظاهرة شوارع المدينة:
قال فايز:
ـ يا حبيبي، ومظاهرات كمان.
كان كمال على رأسها، وعبد المولى، وحافظ، ورحت أتابعها عن بعد، وكانوا يرددون:
(البعث حزب الوحده)
(أمة عربية واحدة)
********
لا فائدة من دفع (الفيسبا)، وأصوات الحيوانات راحت تنطلق من عمق وادي مسعدة، تحيط بنا، أصبحنا في موقف لا نُحسد عليه فعلاً. إذا تقدمنا فالجيش أو الألغام بالانتظار. إن عدنا إلى بانياس سنواجه المشكلة ذاتها، وإن بقينا هنا فقد تأتي الضبعة وترشقنا ببولها، وتجرنا خلفها إلى المغارة، رأينا أن الانتظار هو الحلّ الأمثل، وعبرّ كمال عن الانتقادات التي ستوجه إليه من بيتنا الأنثوي وكانت له مكانة خاصة، فوالدته صديقة أمي.
قلت:
ـ أنا عند جميل فلا تهتم.
جرت العادة أن أزور جميل بين وقت وآخر، وأقيم عنده، صار كمال يدخّن بكثافة، ويعيد ترتيب ثيابه ظنّاً منه بأنّي لا أعرف ماذا يخفي تحتها؟
قلت:
ـ إن كانت زجاجات العطر تسبّب مشكلة ما فدعنا نرميها في الوادي.
ضحك على عجل:
ـ لا المشكلة ليست في الزّجاجات.
أنا أعرف جيداً أن المشكلة أخطر من ذلك بكثير وأن وقوفنا هنا سيعرّضنا لمشاكل مع المكتب الثاني.
تهريب مناشير، هي تهمة شنيعة عندهم، وهم يعتقلون الناس إن تكلموا أو لمجرد الاشتباه بهم. ظهر عن بعد ضوء ضعيف لعربة قادمة، سمعنا صوتها يقترب، فالتمع الأمل بالنجاة، لكنها جعلت كمال في حالة خوف حقيقي.
قال:
ـ مرور السيارات يتوقف ليلاً إلا للمهمات الخاصة.
قلت:
ـ قد تكون.
اختفت العربة عند المنعطف القاسي المحاذي لتل الفخار ثم بدأت تظهر، وهي تئن من شدة الصعود.
قال:
ـ يجب أن نبعد (الفيسبا) عن الطريق، ونختبئ.
قلت:
ـ ماذا تقول وهي أملنا في الخلاص؟
قال:
ـ نعود بعد مرورها إلى تل الفخار، ونطلب النجدة.
قلت:
ـ قد نرمى بالرصاص، فنحن لا نعرف كلمة (السر) (وليس بمقدورنا الاقتراب من الموقع).
كنت قد تعلمت ذلك من خلال مرافقتي لوالدي، وأكد كمال ما قلته واقتنع معي بإيقاف العربة القادمة وكان في حالة ليست طبيعية.
لوحت للسائق القادم، فتنبه لوجودنا، وكان كمال يقف بمحاذاة الوادي، استعداداً للهرب كما أظن في حال اكتشف أي شيء، لكنه لم يوضح لي ذلك، وكانت تهمه نجاتي فقط.
كانت العربة من نوع (الجيب) يرتدي سائقها خوذة وإلى جانبه بندقية حملها، حين توقف، وصوبها نحوي وهو لم يشاهد كمال حتى الآن، وقبل أن يترجل سأل:
ـ (شو بتريد يا شب!؟)
اقترب كمال وأجابه:
ـ (مدنيين. مدنيين.)
كانت البندقيّة موجهة صوبي، وإلى جانبي وقف كمال بعد أن تأكد أنه ليس المقصود بحضور العربة كونها تقل سائقها فقط، أي بما معناه ليست دورية مطاردة للمكتب الثاني.
قال:
ـ ماذا تعملون هنا؟
حاول كمال أن يخطو خطوة واحدة صوبه فصرخ:
ـ توقف في مكانك لا تتحرك.
وكان على أهبة الاستعداد لمواجهة أية حركة.
ـ أيديكم لفوق.
نفذنا.
ـ انزلوا إلى الأرض.
حاول كمال أن يتدخل. قاطعه بحدة.
ـ نفذ ما أقول: وبعدين بنتفاهم.
*****
قفزت أخيراً، وتخلصت من وضعي المعلق على الجدار، وسقطت في أرض البصل، وأتلفت كمية لابأس بها، وتلطخت ثيابي بالطين لأن الأرض كانت مروية، لكنني لم أصب بأي أذى، رغم علو القفزة.
صرت أتطلع إلى الجدار الذي تحول إلى ذكرى، وأنا في حيرة من أمري.
كيف قفزت دون كسر ما؟
لم تطل إنعام، ولم أسمع صوت (أم كلثوم)، من الغرفة الجانبية حاولت فتح الباب، لكنه مغلق، إذن أنعام في غرفة داخلية.
تساءلت لماذا لم تترك باب الغرفة مفتوحاً على الأقل؟
فجأة عاد أبو معين يقرع الباب الخارجي بقوة تنفيذاً لوصيتها .
جاء صوتها من الداخل:
ـ مين..؟
خرجت وهي تضحك.
لم تزل ليلة القفزة محفورة في ذاكرتي، أين إنعام الآن قد تكون جمجمة في أحد قبور القرية؟ وقد تكون حية ترزق، هل سأراها في يوم ما، بوجهها الأسمر الذي كان يلونه الفرح دائماً؟..
كان الأولاد يتابعون مايجري:
لحظة للبكاء، وأخرى للضحك.
لماذا القفز يا إنعام؟ ألم يكن الدخول من الباب والخروج منه أفضل؟
على كل حال لم أزل إلى الآن أنا هو ذلك المراهق المعلق فوق الجدار، ينتظر ابتعاد سعال أبي معين.
قال الجندي:
ـ لا فائدة ياشباب موتور (الفيسبا) مكربج.
قال كمال:
ـ تابع أنت مع الأخ، وأنا سأظل هنا.
عاد كمال إلى طبيعته، بعد أن زال تخوفه بسبب قدوم العربة وبعد أن تأكد بأن مهمتها ليست لها أية علاقة بوجودنا هنا، وأن مناشيره في أمان.
قال الجندي:
ـ من غير المعقول أن تبقى هنا فالمنطقة مليئة بالحيوانات المفترسة، سنترك (الفيسبا) في معسكر التل.
ثم قفز إلى العربة وأدارها عكس اتجاهها بصعوبة بسبب ضيق الطريق، ورحت مع كمال ندفع (الفيسبا) وقاد هو الجيب ببطء أمامنا.
********
كانت الشمس تميل صوب الغروب، وفي مثل هذا الوقت يتناول الجنود وجبة العشاء قبل أن يتجهوا إلى مهامهم الليلية، ومنهم من يحمل (بطانياته) إلى الكمين المتقدم.
أثناء العشاء يتحدثون عن أحلامهم الصغيرة، بعضهم يحسب ماتبقى له في الخدمة، وآخر يتحدث عن سقف المطبخ الذي عليه إنجازه.
والقادم من الإجازة يحدّثهم عن الأهل، ومشاكله وكأنّهم على علاقة وطيدة بهؤلاء الأهل الذين لا يعرفونهم أصلاً لكن يعرفون تفاصيل عنهم من خلال الأحاديث وآخر يحمل صورة حبيبته المأخوذة بواسطة (كميرا) الماء القديمة.
قال أبي:
ـ إذا ذهبت إلى بيت أصالة سوف أتبعك بعد قليل.
قلت:
ـ سأذهب إلى بيت سمراء.
ـ لا يجوز يا ولد. أنت كبرتَ وسمراء وحدها، زوجها لم يعد من لبنان فماذا ستفعل هناك؟
قلت:
ـ سأذهب لبيت حسن.
غضب الوالد فهو لا يحب العناد دون سبب، لكنني كنت عازماً على أن أكتشف سر يوم القصف، ولماذا كان ذلك العناق السريع؟
في بيت حسن لا أسرار، ولا حماس، مجرّد جلوس مملّ واستماع إلى الراديو.
قلت:
ـ إذن نذهب إلى بيت أصالة.
صرخ الوالد:
ـ (قوم ولك. قوم من هون. شو عم تلعب معي. قوم عند بيت سمراء. حسن. أصالة المهم روح من وجهي).
صرت أضحك فوالدي لا يعرف السرّ، ولم يدرك بعد أنني كبرت.
كانت أصالة مقرفصة أمام موقد الحطب منهمكة في الطّبخ قال أبوها:
ـ أنت تحبّ البيض المقلي. وأصالة جمعت اليوم بيضات الدجاجات.
همست في أذنها:
ـ شو بطلّنا نلعب عريس وعروس.
قالت:
ـ (أنا كبرت. وبدي روح عروس.).
تطور جديدٌ طرأ على حياتها بعد غيبة استغرقت السنة الدراسية بكاملها.
كانت آخر مرة أرى فيها سمراء في الصيف الماضي، وهي تستحم وتستمع إلى (الراديو) وكان صوت (بابور الكاز) يختلط بصوت الأغنية وبرميل (الألمنيوم) فوق (البابور).
كنت أتابع سير (المجنزرة) من سطح المنزل وبعد عبورها وضعت قدمي على السلم الخشبي، لأجد الطاقة المطلة على الغرفة، حيث حمامها.
********
قال أبي:
ـ قصص عجيبة تُروى عن المدينة.
أجابه علاء:
ـ أمر طبيعي فلكلّ مجتمع قصصه.
ـ يا أخي هذه مدينة لها خصوصيتها، وهذا الخليط العجيب من البشر لم يجتمع هنا عبثاً.
كان أبي وعلاء يتحدثان، ونجاة تدخل وتخرج دون سبب والنظرات المتبادلة ظاهرة بوضوح. لكن والدي لم ينتبه لذلك، ولأنني أحب علاء فقد التزمت الصمت.
أمّا كمّال فكانت له خصوصيته التي تجعل الآخر يحبه فهو مرح. صريح. يفهم، وكانوا يتعاملون معه على أنه واحد من أفراد الأسرة، وهذا ماسهل موضوع مرافقتي له شريطة ابتعادي عن السياسة، لكن هدف كمال الأساسي كان اقترابي منه، وضمي إلى صفوف حزبه.
افتتح (راكان) مطعمه الذي صار يكتظّ بالزوّار. تفوح منه رائحة الشواء والعرق إلى الشارع. كان راكان القادم من إحدى المدن البعيدة أكثر جرأة في افتتاح المطعم وتقديم العرق علناً، وهذا ماكان يمانعه مفتي المدينة برغم الكميّات التي كانت تستهلك في البيوت.
كان المفتي يهتم بالمظهر الخارجي الذي ينعكس سلباً على بنية المجتمع، ولم يتدخل مثلاً فيما يجري في بيت أم أيمن، لأنه يعرف مدى نفوذها، ومن هم زوارها، لكنه واجه راكان بقوة، رغم الموافقات النظامية التي بحوزته، وكان راكان يجيب:
ـ هذا أمر طبيعيّ أن يرفض تقديم العرق، لكنّه لايستطيع مع تقديري الكبير له أن يكبت حرّية الناس.
ورفض المفتي اللقاء به، أو التحدّث معه،بصفته زنديق، كافر. ملعون، صديق للشيطان، إن لم يكن هو.
لكن راكان أثبت فيما بعد أنه لا يقل نفوذاً عن أم أيمن فسكت المفتي لاعناً الشيطان الرجيم.
صارت أصوات الزبائن تصل إلى الشارع، وكانوا يدخلون بوضعهم الطبيعي، ويخرجون مترنحين، متمايلين، منهم من يتحول إلى شرس قاتل، ومنهم من يفتَّش عن النساء وحتى الآن لم تستطع الجهات إلقاء القبض على من كان يغتصب الصغيرات ويقتلهن ويخفي جثثهن في أماكن متفرقة بعيدة عن المدينة.
هذا الإجرام خلق حالة ذعر في المدينة، وقرر راكان أنه سوف يقتل هذا المجرم بيديه، وسيعرفه حتماً مؤكداً أنه لابدّ أن يكون واحد من زبائنه فقد وجدت أثناء اكتشاف إحدى الجثث زجاجة عرق فارغة من نوع (ملوكي) ومصدرها الوحيد في المدينة هو مطعم راكان.
أدلى راكان بشهادته أثناء التحقيق ولم يُعتقل ولم يُثبتْ عليه أي شيء، علماً أنّ الشكوك كانت تدور حوله.
قيل فيما بعد أن راكان ضابط في الشعبة الثانية، وعمله هذا بتكليف من الدولة، وبالفعل كان يحل الكثير من المشاكل ويتدخل في جميع شؤون المدينة صغيرها، وكبيرها، وفي مطعمه كانت تدور الأحاديث الكثيرة، وهو خلف طاولة الحساب الصغيرة يتابع الجميع باهتمام ملحوظ ويستمع إلى أحاديثهم، ويتعرف على الزبائن الجدد، واستطاع بسرعة حفظ أسماء جميع سكان المدينة.
وجاءت هيفاء لتتحدّى هي الأخرى وتقتحم الحياة المهنية للمدينة. حين افتتحت صيدلية في شارع فرعي بمواجهة السمان (ياسين) الذي ثار في البداية، لكنّه تحوّل فيما بعد إلى خادم مطيع لها. حارس. مدافع. يقدّم المطلوب دون حساب، وصار حديث هيفاء على كل لسان حتى أنه طغى على حديث مطعم راكان ومشاكله.
قال فايز:
ـ يا حبيبي لوين رايحين نحنا؟ صيدلية، ومطعم، وأم أيمن؟ وأعلن المفتي أنه لن يسكت بعد الآن، وأن معركته مع المطعم، والصيدلانية سوف تستمرّ ولم يذكر بيت أم أيمن، وارتبطت هيفاء مع راكان بصداقة متينة.
واشترى عربة بيضاء من نوع (فيات) وجذبت هيفاء سكان المدينة، وقراها، وتعلقت العجائز بها بصورة عجيبة وكانت هيفاء تحبهن، وتقدم لهن الخدمات، وتذهب إلى زيارتهن، وترعاهن.
كانت هيفاء متوسطة الجمال، قصيرة القامة، حادة الذكاء من النوع الذي يجذب إليها الرجال، ففيها إثارة طبيعية وشكلت من حولها مجموعة من الشبان سيطرت عليهم : ياسين السمان، أنور الملاكم. راكان الخطير. وشخصيّات أخرى، وأقامت علاقات وطيدة مع نساء الضبّاط وكانت تزورهن في البيوت.
********
قدم لنا جنود تل الفخار العشاء المتأخر. أبدوا فرحهم في خدمتنا، وزيارتنا التي أخرجتهم من روتين ليلهم المعهود، زيارة ليست متوقّعة قادتنا إليها المصادفة.
كان كمال يحرص دائماً على إعادة ترتيب ثيابه. وثمة قيد ما يعيق حرية حركته، لكنه ظهر بين الجنود بحالته الطبيعية وهو يقدم الشكر للملازم الشاب بالذي راح يستدعي من الجنود من يفهم بالميكانيك.
جرت عدة محاولات من قبل شاب حلبي، لكنه وضح أن موتور (الفيسبا) بحاجة لفك، ويمكن أن ينجز إصلاحه غداً مساءً.
قدمنا الشكر للجميع، وتركنا (الفيسبا) عندهم، على أن نعود لأخذها فيما بعد، وانطلقنا مع سائق الجيب نحو المدينة ونحن نودع شبان التل هؤلاء الرجال الذين لا يعرفون إلا الوطن. الشجاعة. الصدق. ويعيشون أسرة واحدة.
كان سوق المدينة قد راح يصخب: محلات للأدوات الكهربائية. صالونات للحلاقة. للألبسة. بيوت لكلّ شيء، قال كمال:
ـ باع الحاج ممدوح عشرين ألف جهاز (ترانزستور) الشهر الماضي.
ردّ علاء:
ـ يازلمي في اليابان لا يُباع هذا الرقم في مكان واحد.
ـ إنها صفقة يحلم بها تجار اليابان أنفسهم.
كانت نجاة تسكب الشاي، وهي معجبة بما يقول علاء.
حضر صبحي من الساحل، حاملاً معه قالب العوامة والكنافة الجبلاوية، ثم اتبع نظاماً جديداً في البيع كي لا يزعل أحداً.
صار يسجل أسماء الراغبين في الحصول على الكنافة مع دفع القيمة مسبقاً، على أن يتم تسليمها في اليوم الثاني، فيما بعد جلس صبحي وراء مكتبه وترك العمل للشغيلة وتفرغ هو للجلوس في مطعم راكان أو في بيت أم أيمن. كما افتتحت صالة (النيشان) ببندقية الضغط استطاع صاحبها
شراء (الشيفروليه).
ـ مدينة كهذه تستهلك كل شيء يارجل.
انظر إلى راكان. الصيدلانية اشترت مجموعة بيوت في العاصمة. الناس بطرت.
رد علاء:
ـ مال الجيش لا بركة فيه. نحن نقدم أرواحنا والتجار يحصلون على رواتبنا، نحن نغيب عن أسرنا ونترك أولادنا في الشوارع وندفع الثمن، وغيرنا يترفه على حسابنا.
تحدى صاحب محل (النيشان) أسرة (جيهان) وهدد بخطفها، والزواج منها، لأنه يحبها، وانتشر الخبر مما دفع شقيقها لغرس مدية في بطن الشاب، الذي أسعف، ومات في المستشفى.
قالت أمي:
ـ بطر.
قال علاء:
ـ من الطبيعي أن يفقد صوابه.
ردّ كمال:
ـ الأموال ، ومايجري ناتج عن خلل في بنية المجتمع.
صرخ غازي:
-أنت تتفلسف دائماً. الأموال هبطت على التّجّار وليس على الموظّفين، وهؤلاء عليهم إنفاق رواتبهم من أجل الطّعام، وأثاث البيت، واللّباس، وماذا بعد؟
قال كمال:
-(هل تعتبر أنّ بيع الكنافة تجارة يا شاطر؟ ولك شو صاير بفكركم؟ صبحي اليوم أهمّ من أي تاجر، وصل لهون شحّاد صار بيك، والنّيشان ببارودة ضغط تجارة كمان، دكّان صغير بداخله لوحة، وبارودة ضغط بيدخّل ألف ليرة باليوم يعني راتب عشرة موظفين؟ ولك بياعة (الخبّيزة) بتدخّل مية ليرة باليوم، وأم قطيش بيّاعة الجبن اشترت نصّ حارة العرب، الموضوع ما طبيعي
حتماً يا فهمانين فكّروا شوي، خلّونا نعرف الحقيقة، بيدخل الواحد جوعان بعد شهر بيصير آغا).
********
ابتدأ التحدّي بين أنور وحمدو، انقلب أنور إلى وحش حقيقي برزت عروق ساعديه، ورقبته، أما حمدو الشاب النّخيل قصير القامة، ذو الشعر الأسود السّابل، والذي لا وجود لملامح عضليّة في ساعديه فكان يوحي بالضّعف وكنّا ننتظر أن يقسمه أنور إلى قسمين.
كان أنور من الشبّان الأقوياء في المدينة، وهو المدلّل عند هيفاء، وحين يجلس بعد الظّهر أمام باب الصّيدليّة يشرب الشّاي يختفي (زعران) المدينة من الشّارع كليّاً.
بدأت الجولة الأولى بين أنور، وحمدو، تعاطفنا مع أنور واعتبرنا هزيمته الأولى، هزيمة لنا فنحن لا نعرف حمدو إلاّ مجدّداً، جاء ليعمل (ميكانيك) مع هولو الداغستاني، قيل حضر من (حمص) وفي بداية الجولة الثّانية، استقرّت لكمة أنور قويّة على أنفه، فصفّقنا، لكنّ حمدو خيّب فرحنا حين قفز عدة قفزات في الهواء، وصرخ بصوت عال كلمات غير مفهومة، ثم راح بقدميه يكيل على وجه أنور ضربات سريعة حتى أوقعه على الأرض، ثم ساعده في النهوض، وكان الدّم يسيل من وجهه.
انحنى حمدو، وهمس في أذن أنور، الذي لم يجب.
كانت أنفاسه متلاحقة، ونظراته حاقدة، غاضبة، قدّم له حمدو قطعة قماشية، لينظّف دم وجهه النازف، فرفض بقوّة، وكنّا نتابع الموقف مندهشين أولاً لخسارة أنور، وثانياً لتلك الأخلاق العالية التي يتحلّى بها حمدو.
لم يزل أنور يسلّط نظراته الشّرسة، ولم يتقبّل الرّوح الرياضيّة التي أبرزها حمدو، وهي أوّل هزيمة له، وسوف ينتشر خبرها بالمدينة وقد كسر حمدو شوكته كسرة واضحة.
لا مجال لتبريرها، ويبدو أنّه خاف من متابعة المعركة وخاصّة أنّ ضربات حمدو كانت مفاجأة لم يحسب حسابها أبداً.
كان يردّد قبل اللّعب:
-هذا الصّعلوك الأجرب يتحدّاني.
ها هو الصّعلوك الأجرب يهزمه شرّ هزيمة.
تراجع حمدو إلى الوراء، راح يجفّف عرقه، ثم سار أنور عدّة خطوات للأمام، اعتقدنا أن المواجهة قد انتهت، تناول أنور من جيبه سكيناً كبّاساً وهجم على حمدو الذي صرخ:
-لا (لا يا أنور، ما يصير هيك).
قفز في الهواء نفس قفزاته السّابقة، لتضيع ضربة أنور التي كانت قاتلة لو جاءت في مكانها، قلّص حمدو قدميه ويديه، وشحن نفسه بطاقة غريبة وخارقة، وقفز مرة أخرى، وراح يسدّد الضّربات في وجه أنور.
لا ندري كيف سقطت السكين من يد أنور، وتناولها حمدو عن الأرض بطريقة مدهشة؟.
قال نزار:
-هذا جنّي.
وقف حمدو متحفّزاً للضّربة القادمة، وكانت نظراتنا تتابع ما يجري، ونحن لا نكاد نصدّق، وأنفاسنا محبوسة، والموقف لا يحتمل تدخّلنا.
قدّرنا أنّ حمدو سوف يغرس السكين في بطن أنور وهو يقترب منه بهدوء، وأنور يتراجع خائفاً. رمى حمدو بالسكين وصرخ:
-أنا لا أغدر يا جبان، ولا أقاتل بسلاح الخصم ومنذ البداية قلت لك دعنا ننهي هذه المشاجرة بروح رياضيّة. صفّقنا لحمدو معجبين به، وبروحه الرياضيّة العالية، ثم أدار ظهره لأنور مخترقاً دائرة المتفرّجين ومضى.
قامت علاقة متينة بين حمدو، وكمال، كان حمدو من النّوع الذي لا يتكلّم كثيراً، ويقوم بعمله على أكمل وجه. ويظهر سلوكه العام أنّه ليس من النّوع الشرس، كما هي ملامح أنور.
دخل أبو معين ليشرب الشّاي عند إنعام وكنت قد اختبأت خلف جدار الغرفة المنفردة، ثم فتحت الباب الخارجي، ورحت أمشي في الشّارع ببطء.
لماذا أدخلْتهُ هذه المجنونة؟ هي تلهو بي.
خرج أبو معين بعد نصف ساعة.
(هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيا)
قرعت الباب، خرجت قائلة:
-لن أسمح بالدخول من الباب. يجب أن تقفز عن الجدار رحت أتأمّلها بغضب.
تابعت:
-كي أجرّب مدى تضحيتك من أجلي.
قلت:
ألا يوجد غير هذه الطرّيقة، من أجل التّضحية وإبراز إخلاصي؟ لن أعود ثانية.
انصرفت.
أكلت البيض المقليّ، وغادرت بيت أصالة باتجاه بيت سمراء، ثمّة أصوات نباح كلاب، وحركة للبقرات، ولحقت بي أصالة.
صرخت أمّها:
-لوين؟ ارجعي ساوي شاي.
قالت:
-انتظرني.
كان أبي يتحدّث عن جمال عبد النّاصر، وكمال يوجّه إليه انتقادات تثير غضب علاء، وغازي. كانوا مجموعة أصدقاء كلّ واحد منهم، اختار طريقاً له.
غازي التحق بالجيش، وعلاء معلّم في إعدادية (صلاح الدين) وكمال ترك وظيفته في البلدية، وتابع تعليمه الجامعي في كلية التاريخ.
قال كمال:
-أمة لا تحفظ تاريخها، ولا تستفيد منه يكتب عليها السّقوط.
قال غازي:
-عبد الناصر بطل تاريخنا المعاصر، وصانعه.
قال كمال:
-الشّعب هو الذي يصنع التّاريخ، الفرد يساهم مع الشّعب، شعب وراء الفرد تلك هي الحقيقة. أنتم تعكسون ذلك. الفرد لا يصنع الشّعب يا شباب.
قال علاء:
-يا أخي اتركنا من نظرياتك. نحن هيك بنفهم.
كانت نجاة تصبّ الشاي في الكوب، وأمام إعجابها بأفكار علاء ابتعدت يدها عن الكوب.
صرخ غازي:
(على مهلك، على مهلك، يا أختي، شو مانك شايفة؟)
وبالفعل لم تكن (شايفة). فقد تمكّن علاء من السّيطرة التّامة عليها، وفي بيتنا لا أحد يعرف بهذه العلاقة سوى الكبيرة التي كانت تباركها كما أظنّ، ولولا ذلك لأنهتها منذ زمن. لكنّ نجاة كانت تضع أسرارها عندها، فهي معجبة بشخصيّتها، وكانت الكبرى تتيح الفرصة أمامها، وتسهّل مواعيد اللقاءات مع علاء خارج البيت وكنت الوحيد الذي كشف الأمر.
قال كمال:
-تاريخ الشّعب يصنعه الشّعب وليس فرداً يعتمد على الشّعبة الثانية، فتّشوا عن عمل راكان، وهيفاء الصيدلانية، وأساتذة المدارس.
صاح علاء:
-اسكت يا كمال. اسكت رجاءً.
كنت قد صرت أُكْثِرُ من قراءة الرّوايات والتردّد على (السّينما) عندما شكّل الأستاذ عبد الرحيم فوج الكشّاف الأوّل، لم تلق الدعوة حماسة أسروية، مما جعل الأستاذ يدخل إلى كل بيت، ويناقش في أهميّة انضمام الطلاّب للفوج، وفوائده النفسيّة والاجتماعيّة والنّظام.
قالت الكبرى:
-وماذا عن الدّراسة يا أستاذ عبد الرحيم؟
-بالعكس الكشّاف يشّجع الطلاّب على الدّراسة، ويحثّهم على التفوّق، والمنافسة البيضاء.
اتّخذت الكبرى موقف العارف بكلّ الأمور عليها أن تثبت لأمّي التي تتابع الحديث أنّها أفهم من الأستاذ عبد الرحيم بل وأفهم من أحمد سعيد وكلّ من يصيح في إذاعة (صوت العرب).
اكتشف الأستاذ مركّب النّقص الذي تعاني منه الكبرى، وقدّر موقعها الحقيقي داخل البيت، فراح يناقشها بشكل مختلف تماماً.
-أنت يا آنسة تعرفين جيداً، أهميّة العمل الجماعيّ وكيف يؤدّي تعاون الأفراد مع بعضهم إلى نتائج طيبة، وبسلامة فهمكم يا آنسة فالكشّاف حالة.. تقاطعه الكبرى، وهي تتراجع للوراء، وتضع قدماً فوق قدم:
-يا أستاذ عبد أنا أعرف ذلك لكنّه الوحيد بيننا وحضرتك تعرف كيف نحافظ عليه؟ ويهمّنا نجاحه الدّراسي، يكفي أنّ الكبير قد فشل والتحق بالجيش.
كان الأستاذ يردّد:
-بالطبع. بالطّبع يا آنسة، أنا أقدّر، وأثق في فهمكم.
بعد نقاش طويل، استعمل فيه الأستاذ كلّ أساليبه في الإقناع.
أخيراً وافقت على أن أشارك في الفوج. انطلقنا إلى موقع المعسكر، نحمل أدوات الكشّاف (الونش) (الخيام) (البوصلة) (أدوات الطعام الجماعي) توزّعنا إلى عدة (أرهاط) وترأّستُ رهط (النّمر) وأخذ نزار (الفهد) وسعيد (الأسد) وأمين (الصقر).
نفّذنا في اليوم الأول وحتى ظهر اليوم الثاني، دروساً عن تركيب الخيمة، وفكّها، وعقدة الكشّاف والسير على البوصلة، وتوزّع نهارنا بين عمل لتأمين الطّعام وطهيه، وبين ساعة للثّقافة، والتّدريب الميداني، والمطالعة، والرياضة، ويوم الكشّاف المتفوّق المشرف على المعسكر.
حدّد الأستاذ مسيرَ بعد الظّهر باثنين كيلومتر على أن تقطع المسافة في مدّة نصف ساعة.
كان موقع المعسكر في سفح تلّ أبي النّدى، بالقرب من الطّريق العامّة التي تصل المدينة بقرى القطّاع الشّمالي كما كانوا يسمّونها، وهو الذي ينتهي عند جسر بنات يعقوب.
حدّد الأستاذ مسار الأرهاط، فأخذت الاتّجاه الشرقيّ الذي يمتدّ حتى قرية عين زيوان الشركسيّة وأخذ رهط الأسد الاتّجاه المعاكس للتلّ تماماً حيث كروم العنب، وأخذ رهط الفهد الذي يترأسّه نزار اتّجاه الغرب، وعليه العبور بمحاذاة معسكر (الجوبة) ثم قرية (المنصورة) وكان على (الصّقر) الصعود إلى أعلى قمة التلّ والعودة.
بدأنا المسير في الساعة الرّابعة بعد الظّهر، على أن نكون في موقع المعسكر الساعة الخامسة، وصلنا بالوقت المحدد باستثناء رهط (الفهد) الذي أخذ مساراً صعباً إلى حدّ ما. وعليهم اجتياز شبه واد، ومساحة من كروم العنب.
بدأت الشّمس تغيب، ونحن في انتظار (الفهد) الذي يترأّسه نزار وجماعته انعكس ظلّ تلّ أبي النّدى على موقعنا، أي بما معناه أنّ الساعة قد تجاوزت السادسة والنصف.
بدأ القلق ينتاب الأستاذ الذي طلب أن نشعل النار وهي علامة موقع المعسكر في حال الضّياع.
حلّ الظلام بثقله، وسيطر الخوف على الجميع.
أيعقل ألاّ يعود نزار وبقيّة الزملاء؟ كم سنكون تعساء لو حصل لهم أيّ مكروه، بعد أن أمضينا عدّة أيام هنا، ونحن نعمل، ونضحك بفرح.
أيعقل أن يكون قدرهم الموت في مهمّة كشفيّة خارج المعسكر السّير بواسطة البوصلة؟ هناك حقول الألغام التي تغطّي مساحات من المنطقة، وفي حال تجاوزهم لأيّ خندق، أو سلك شائك فسوف يقعون في الأسر. أو قد تطلق عليهم نيران الرّشّاشات. والبنادق.
أيمكن يانزار أن تكون قد وقعت في هذا المطبّ القاتل بسبب مهمّة صغيرة؟ ماذا تركت للحرب؟ وأحلامك والطيران؟ كان من الأفضل أن تقتلك رفسة البغل على أن تموت هكذا ميتة.
كنت أفكّر بذلك، وأترقّب الطّرق القادمة إلى المعسكر في انتظار سماع صوته بين لحظة وأخرى. وأضع كل الاحتمالات الممكنة في مثل هذه الحالة.
اتّخذ الأستاذ عبد الرحيم قراره وباشرنا التنفيذ….
*********
انتشرت أنباء هزيمة أنور، وسمعت هيفاء، وكنت قد بدأت بتقديم الخدمات لها، فهي قد دخلت بيتنا أيضاً، وأقامت علاقات متينة مع الكبرى، وأحبّتها أمي.
سألتني عن هزيمة أنور، ومدى صحّتها، وهل بالغ النّاس في نقل دقائقها؟ فرويت لها ما رأيت، وكانت تستوقفني عند كلّ نقطة.
-كيف تصرّف أنور هنا.
-لم يستطع مقاومة ضربات حمدو!!
تهزّ رأسها عدّة هزّات. تكرّر ما أقول:
-وقع على الأرض.. معقول!!
-طارت السكّين.
كانت تردّد وهي مندهشة، حتى شعرت أنها لا تصدّق أحياناً، حين انتهيت من سرد الحادثة. قالت بأسف شديد:
-حمدو القزم. يهزم أنور العملاق!
قالتها بمرارة كأنّها خسرت شيئاً ثميناً، وضّحت لها أنّني أحببت حمدو لأخلاقه، وروحه الرياضيّة العالية وأضفت:
-هو يتقن (الكاراتيه).
ردّت:
-أعرف شخصاً يجيد هذه الرياضة.
قلت:
-قوة خارقة تمكّن الإنسان من القفز في الهواء.
حدّثت كمال عن الذي دار بيني وبين هيفاء قال:
-أنت لا تعرف ماذا تعني هزيمة الحبيب. أنور بالنسبة لها أسطورة في القوّة، وهزيمته تعني انهيار الأسطورة.
كانت سمراء تحاول أن تجعل طفلها ينام، وهي تدفع أرجوحته الخشبيّة وتغني له.
قالت:
-عَمْ يعذّبني يا أصالة، هو يرفض النّوم.
حملته أصالة، وراحت تقبّله، وتداعبه، ثم وضعته على الأرجوحة وصارت تغنّي له.
أشعلت سمراء (بابور الكاز) فهي راغبة في أن نشاركها شرب الشاي.
سألتني سمراء عن أخبار الأسرة، والوالد، وسألت أصالة عن خطبتها، فضحكت بخجل، ولعنت سمراء الخطبة، والزّواج.
-هذا هو الزّواج، أن نبقى إلى جانب الطفل كلّ النهار والليل. الأب يعمل في لبنان ولا نراه إلا ليلة واحدة في الشّهر. أية حياة هذه؟
ردّت أصالة:
-خطيبي يعمل في لبنان أيضاً، ولكنّه سيعود ليلتحق بالخدمة العسكريّة.
عدنا إلى بيت أصالة، وكان أبي يلعب مع أبيها (بالباصرة) قال أبي:
-اذهب إلى الموقع، وسوف أتبعك بعد قليل.
لم أذهب إلى الموقع. بل توجّهت صوب بيت سمراء. التي كانت مستلقية بجانب طفلها على سرير الحديد.
سألتني عن أصالة:
-إنها في بيتها.
-لماذا عدت؟
لم أجب على سؤالها، وكانت قد جلست على حافة السرير.
قالت:
-يظهر أن الولد مريض، كأنّ حرارته مرتفعة هل ترافقني إلى المستوصف؟ قلت:
-نعم، شريطة أن أُعْلِمُ الوالد.
كان علينا أن نخرج من القرية، ونتّجه صوب الطّريق العام، لنتابع في طريق فرعي حيث مبنى المستوصف أو النقطة الطبّية كما يسمّونها.
قام الطّبيب الشابّ بفحص الطّفل، ووضح أنه يعاني من إرباك في المعدة، فأعطاها أدوية، ثم خاطبني:
-كيف حال الوالد؟ قدِّمْ له تحيّاتي، أنت تعمل في مساعدة سكّان القرية أيضاً؟ هذا شيء رائع.
قلت:
-هذا واجب.
لم يشكّ الطّبيب بشيء، وفي داخلي كنت أفّتش عن سرّ يوم القصف، الذي تكرّر من دون عناق فيما بعد. حين عدنا إلى القرية، تركتني سمراء، بعد أن قدّمت الشكر، وكنت أتوقّع أن تدعوني لشرب الشّاي، لكنّها لم تفعل.
رحت أتقلّب على الفراش، وأفكّر بتصرّفها، وفكّرت بالتسلّل إلى بيتها عدّة مرات، قدّرت أنها كانت ترغب في شيء ما، لكنّها اتّخذت موقفها بسبب أصالة التي حضرت معي إلى بيتها مع بداية الليل، أو أنّها لم تتشجّع لأنّها لم تتلقّ منّي أية إشارة توحي بذلك، كما أنّ مرض طفلها فاجأها، وكانت تفكّر في أخذه إلى الطّبيب قبل عودتي، غداً سأزورها في البيت.
بدأ القصف صباحاً.
قال أبي:
-عليك المغادرة حالاً، فالموقف شديد الخطورة ونحن في حالة استنفار قصوى. غادِرْ إلى البيت واعتنِ بأخواتك.
انطلقتْ سمراء إلى الوادي، تبعتْها أصالة، وكنت أصعد إلى الشّاحنة.
قبّلني أبي بحرارة، عانقني بشدة.
كانت المرّة الأخيرة التي أرى فيها أصالة، وسمراء وانتهت سذاجة ذاك المجتمع الصّغير الذي ظلّ يعاملني مع أصالة على أنّنا صغار لا نعرف ماهو الجسد؟ فيما بعد أدركت أن سمراء كانت ترغب لو تستطيع لعب العريس والعروس. لكنّ الزّمن حمَّلها مسؤوليات مبكّرة حرمتها أحاسيس الطّفولة.
انتهى مجتمع الدّجاجات، والبقرات، وحقل الذّرة، ونار الطّبخ، وأبي قائد الموقع المتقدّم.
********
انطلقنا نفتّش عن نزار وجماعته، توجّهنا صوب (الجّوبة) أعلمنا الجنديّ بأنّهم عبروا بمحاذاة الشّريط الشائك بحدود الرّابعة والنّصف، ثم استقبلنا الضّابط في مكتبه، وراح يجري اتّصالات مع مواقع أخرى، قدّر أنّهم سوف يعبرون بالقرب منها بحكم معرفته بطبيعة المنطقة، وكرّر خوفه من حقول الألغام.
أدركت الآن مدى حبّي لنزار، وكانت السّاعة تقترب من التّاسعة ليلاً.
رحت أسترجع ذكريات عملنا في الخان، وأوراق اليانصيب، وكرة القدم، ورفضت فكرة موته أو أسره، ما الشّعور الذي جعلني أصرّ على أنّني سأراه بعد قليل. سيعود نزار خائباً ضاحكاً متمرّداً شاتماً كما هي العادة.
سيلعن البوصلة، وساعتها، والأستاذ عبد الرحيم الذي لا يحبّه، ومعسكر الكشّاف.
قال الضّابط:
-طوّل بالك. طوّل بالك. خيرٌ إنشاء الله.
نبضة. نبضة أحببنا تلك المدينة، وكانت موسيقا ضفادع الرّقّاد أجمل موسيقا سمعناها.
كانت كروم العنب تسحرنا، كذلك غابة الصّنوبر الصّغيرة التي كانت تتوسّط المدينة.
ألم نزرع في هذه المواقع خطواتنا وأحلامنا التي تنمو معنا، ونحن نتابع سيرنا صوب المصير القادم معلنين أنّنا أقوى من أيّ قهر.
أصلح رجال تلّ الفخّار (الفيسبا) وأجبرونا على تناول طعام الغداء معهم. حدّثونا عن الوطن الموجود في قلب كل واحد منهم، حدّثونا عن شمس تشرق من الشّرق وتغرب في أرض حزينة محتلة.
قالوا:
-سنراكم هذا وعد.
-سوف نعود حتماً.
لم تتمّ عودتنا. ولم نفِ بوعدنا، وخرجت خائباً من ليلة (أنت عمري).
تركت إنعام على باب البيت، وتابعت سيري، كان صوت أم كلثوم (ياحبيبي تعال وكفاية اللّي فاتنا).
عبرت بغرفة جميل وجدته نائماً، وزجاجات النبيذ مرميّة على الأرض، وأم كلثوم تردّد وحدها:
(ياحبيبي تعال).
حاولت إيقاظه، فقذف عدّة شتائم وهو يتقلّب، تابعت إلى بيتنا كانت الأسرة مجتمعة في غرفة (الرّاديو) وكؤوس الشّاي الفارغة موزّعة، وعلاء يرشف بنظراته نجاة، وهي تبادله ذلك، وغازي غارق في حب عبد النّاصر الذي يتابع الأغنية، وأبي على الخطّ الأول يواجه الأعداء، وزكيّة لم تعد من القرية، ولن تعود لأنّ زوجها عاد في صندوق خشبي وتبعها بسيارة إسعاف، فيبست مزروعات البيت وكُلِّف أبو نجلاء بإيصال الأثاث إلى القرية، وبعد قليل غادرت العبده لتواكب موديلات العصر وتتفنّن في تزيين النساء، والتمايل على أنغام (البيتلز).
-لماذا القفز يا إنعام؟
وراح الأولاد يتابعون حزن أمّهم، أو ضحكها، فهم لا يعرفون شيئاً عن قبلات الجسر، ومشاوير اللّيل.
-ما الذي جعلك تصرّين على القفز يا إنعام؟
ردّت وهي تضحك وتجفّف دموعها
-بصراحة..
-نعم بصراحة، وكأنّها تحدّثني عن ليلة البارحة.
فهل هناك صراحة أو غير صراحة بعد كلّ هذا العمر؟
-نعم بصراحة.
-كنت أنهيت رواية (كازانوفا) الرّجل الذي لا يدخل إلى عشيقاته من الأبواب، بل يغامر بتسلّق الطّوابق العليا، ويدخل من النوافذ. كنت يومها أريدك (كازانوفا).
ضحكنا.. ضحكنا، وبكينا، والأولاد يتابعون بذهول.
من أجل (كازانوفا) افتقدت رائحتك في تلك الليلة الخالدة، ما أكثر ليالينا الخالدة، ليلة للوحدة بين سورية ومصر، وليلة لانتصار بور سعيد، وليلة لكمال حين وزّع المناشير، وكنت أتابع المظاهرة عن بعد فجأة وجدت نفسي وسط المظاهرة محمولاً على الأكتاف وأنا أردّد بناء على طلب من كمال:
((أمة عربية واحدة)).
سألني المحقّق:
-أنت بعثي.
حتّى ذلك الوقت لم أكن أعلم ماذا تعني هذه التّسمية! لكنّني أدركت أن كمال كان يوضّح لجنود تلّ الفخار معنى الوطن من خلال مفهوم البعث.
وجدنا نزار أخيراً، وجدناه في نقطة متقدمة جدّاً بعد ضياع استمرّ ساعات طويلة، كان في طريقه للأسر، فالفاصل لم يكن خندقاً بل كان الشّريط الشائك الذي وقعت أعمدته.
قال نزار:
-أيمكن تسمية هذا الشّريط حدوداً؟ لعن الله البوصلة وقبل أن تدركها اللعنات، كنّا قد ضيّعنا الاتجاهات ومن حولنا الصّخور، والضّباع، وفجأة يظهر الجندي:
-قف.. قف.
ويبكي عناصر رهط الكشّاف.
-كلمة السرّ.
وهم لا يعرفون ماذا يقولون؟ أو يتصرّفون، وصرخوا بصوت واحد:
-نحن من الكشّاف.
ردّ الجندي:
-ماهو الكشّاف؟ رئيس الحرس للتّعارف، لا تتحرّكوا من مكانكم وإلاَّ أطلقت النّار.
شربوا الشّاي في المعسكر. أكلوا. شعروا بعودة الرّوح والعمر الجديد الذي كتب لهم.
تركت هيفاء أنور، وأحبّت حمدو فهو الأقوى.
*********
ليالي ماقبل الغياب
تبدلّت فجأة حياة المدينة، واختفت حركتها النشطة، وخيّم عليها شبح الحرب.
وقال فايز:
-كانت المسألة مجرّد معارك تدور وتنتهي، يظهر الآن أنّها حرب حقيقية، كما جرى في فلسطين، وبور سعيد،
خفّف النور.
-أين الطّلاء الأزرق؟
-عندما تسمعون صفّارة الإنذار، تتوجّهون حالاً إلى الملاجئ رحنا نتابع أنباء (الترانستور) من (أنت عمري) إلى أخبار الحشود، ومن سهرات الرجال، وأحاديثهم إلى تجمّعات النّساء، وخوفهم من المصير، أيمكن لهؤلاء أن يفقدن رجالهنّ دفعة واحدة وهنّ يتذكّرون فرح الليالي، ويطلقن زفرات طويلة، ويلعنَّ الحرب والأعداء، كان بعضهنّ قد استبدل الزّوج بالعشيق، وهو الآخر قد غاب أيضاً، وبقيت ليالي الحرمان، ومتطلبات الجسد لا ترحم، وبالمقابل حملت الأمّهات همّ الأولاد، والمرض وتأمين الطّعام. حياة قاسية في ظرف صعب يتطلّب المزيد من الصّبر، والمقاومة.
غابت ضجّة مطعم (راكان) وكتبت لوحة كرتونيّة يعلن فيها إغلاق المطعم، ثم اختفى، وأعلن المفتي ضرورة توحيد الصّفوف لمواجهة العدو، ومحاربة الأشرار والفاسقين الذين زرعوا الفساد في المدينة، وطالب المؤمنين بالعمل الجادّ، ومساندة الجيش، وتحدّث منشور عن شعبٍ أبيّ، وجيش سيحرّر الأرض ويبني الإنسان المؤمن بوطنه، وعقيدته، خلت الشّوارع وبدأت شكاوى التجّار فالجنود في مواقعهم، واقتصاد المدينة يزدهر من خلال رواتبهم.
-(عم نكش دبّان طول النهار).
-(شوف هالبضاعة المتكدّسة).
-هل سيحاربون أم هي لعبة؟
-مجرّد حرب صغيرة، ويعود كلّ شيء إلى حاله.
-يعني دمّروا المدينة، مثل بور سعيد.
-(أخي كل كام سنة، لازم تصير (فعطة) )
-(جيش مصر معنا، ونحنا مو لوحدنا).
جميعهم يتابعون، ويحلّلون، ويتحدثون، وكلّ واحد ينظر إلى الموضوع حسب رأيه، باستثناء هؤلاء الرّجال الذين آمنوا بالوطن والتّحرير، الذين يدافعون بكل إخلاص أمّا التجّار فقد كان همّهم الوحيد هو بضاعتهم المتكدسّة.
توحّدت آراء الشلّة لأوّل مرّة، فغازي وعلاء وكمال وعبد المولى وحافظ جميعهم يتحدّثون بروح عالية، ولم يستطع غازي حضور جميع اللّقاءات بسبب تواجده في قطعته العسكريّة القريبة من المدينة.
رأيت إنعام بعد غيبة أيّام.
قالت:
-متى ستحمل السّلاح؟
قلت:
-بيجوز مُوتْ.
قالت:
-(ليش إنت أحسن من هلّي عم يموتوا؟ كلّن أحسنْ منّك) ضحكنا.
-(روح لازم تحمل السّلاح، وتحارب. أبوك على الجبهة وأخوك بالقطعة، وأنت صايع بالشّوارع).
هتفوا لبور سعيد، وجول جمال، وللوحدة وحيّوا جمال عبد النّاصر وبدا أنّ المزيد من الهتافات كانت في انتظار شعبنا.
هل كتب علينا ذلك؟ من حرب إلى حرب. من استشهاد إلى آخر، من امرأة ثكلى إلى أخرى، من ولد بلا أب إلى آخر، أيمكن أن نبقى نتخبّط في تيّار هذا العمر الذي يجرف أمامه كلّ شيء.
أين نحن من طفولة وبداية شباب الآخرين؟ ما الذي عشناه من كلّ هذه السنوات؟
اشتقت إلى أبي، ترى ماذا يعمل الآن؟
كيف يتصرّف؟ أيّ تفكير يشغله وهو في انتظار دقيقة الحسم كي يعبر مجتازاً خندق أصالة؟
مسكين يا أبي كم من العمر سيمضي حتى تنسى ماجرى؟ يبدو أن حكاية الحرب، والهجرة قد كتبت عليك واقترن وجودها بوجودك.
كنّا نتابع تقدّم الدبّابات، ونساعد الجنود في تأمين الماء والطّعام، ونلوّح لهم وهم يغادرون في طريقهم إلى الجبهة.
ترى هل سيعودون وهم يحملون راية النّصر؟ من سيسقط منهم؟ من سيرجع ها هم يحملون أحلامهم، وصور حبيباتهم، أولادهم، ويتّجهون غرباً.
هناك في تلّ الفخار. أو عند أبي وعلى امتداد الجبهة سيجدون رفاقهم الذين أقاموا لهم التحّصينات أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا، والوطن في قلوبنا، رفعت الخلافات، لا شيء سوى الاستعداد.
صار حمدو يتردّد على هيفاء. والبدو يحضرون صباحاً بأعداد قليلة ويعودون بسرعة.
كنّا نجتمع في ساحة المدرسة، ليوزّع علينا ضابط المقاومة الشعبيّة المهام، وكان نزار إلى جانبي، ورحنا ننفذ عمليّات طلاء الزّجاج باللّون الأزرق القاتم كي لا يتسّرب النّور، ونحرس ليلاً.
حدّثنا الضّابط عن الطّابور الخامس، وأقلام أو قدّاحات ترميها طائرات العدوّ، وتنفجر فيما بعد، ووضّح خطورة الطّابور الخامس التي تهدف إلى تحطيم الرّوح المعنويّة للشّعب وتجعله يفقد الثّقة بجيشه،
حفظنا كلمة (الطّابور) ورحنا نتداولها فيما بيننا كنوع من الشتيمة.
-آه يا طابور.
وكنّا نحرص أن لا نسمح لأي إنسان أن يخفّف من عظمة ما نراه.
ها هو جيشنا البطل، وهاهي الاستعدادات قد اكتملت، كما خفّتْ أفواج الجيش المتّجهة صوب الجبهة، وتمّ إلقاء القبض على الجاسوس الذي كان يسرّب الأخبار للعدوّ بواسطة (الشيفرة) حذّرَنا الضّابط من ضرورة تبليغنا لأية حركة نجدها غير طبيعيّة، ومهما كانت صغيرة.
سألني نزار:
-أيعقل أن يكون بيننا جواسيس.
ردَّ سعيد:
-ليش لأ..
قلت:
-هل ظهر جواسيس في بور سعيد؟
-طبعاً.
-كيف يستطيع الإنسان خيانة وطنه؟
لا أدري ما الذي جعلني أنشد للقمر هذا اللّيل فرحْتُ أتابعه بلونه الفضّي، ورحلت حيث أبي والكمائن اللّيليّة، وكانت موسيقا ضفادع الرّقّاد تصلني، وثمّة نسمات صيفيّة تنعش النّفس.
رأيت إنعام هذا الصّباح، وأعلمتني أنها ستغادر مع أسرتها إلى الخيام في مطلع الأسبوع القادم.
قالت:
-شهر واحد فقط، ونعود، وتكون الأوضاع قد استقرّت. كانت إنعام قد تركت المدرسة، وأنا ترفعت إلى الصفّ العاشر.
قالت:
-هل حملت السلاح؟
-لا. لكنني أقوم بأعمال الدّفاع المدني، واليوم انضّمت إلينا مجموعة من البنات لاتّباع دورة تمريض.
قلت:
-(ليش ماعم شوفك باللّيل)؟
-(شو جنّيتْ؟ مانك شايفْ الحالة كيف؟ بكره بيخلص الاستنفار وبنرجع مثل أول)
قدّم لي نزار (سيجارة).
كبرنا يا نزار، صرنا ندخّن، ولا نخاف، ولماذا نخاف؟
تزوّجت الكبيرة، وغادرتنا إلى مدينة أخرى وكّنا في الأشهر الأخيرة قد بدأنا نتفاهم قليلاً، فقد انتهت عادة الضّرب، وتقرّر أن ترتبط نجاة بعلاء في الشّهر القادم، كما أغلقت أم أيمن بيتها وغادرت إنعام مع أسرتها، أغلقوا بابهم ورحلوا.
قال نزار:
-سافرت إنعام؟
-نعم.
شعرت بالحزن، تمنّيتُ أن أرى إنعام قريباً وربّما اكتشفت مدى حبّي لها.
قال نزار:
-(يا سيدي إذا ما شفطتك الحرب، أو شفطتها بيجوز تشوفك، أو تشوفها).
-يا سيدي لقد حمّلتنا الحياة أعباء أكثر من طاقتنا وإذا أحصينا سنوات العمر، وما حصلنا عليه من قهر لوجدنا أنفسنا قد خزّنا ما يكفينا من قهر حتى آخر العمر، وبالتّالي ليكن ما يكون.
-متأثّر بجان بول سارتر.
بالفعل كنت وقتذاك أطالع مسرحيّة له.
أصبحت أيامنا تخرج عن طبيعتها، كانت أوقاتنا تمضي بين المقاومة الشعبيّة، والدّفاع المدني، نتناول (سندويش) الفلافل أو الفول من محل عبدو الحمصاني، الذي كان يقدّم لنا الشّاي ويحدّثنا حول الأوضاع القائمة، ونستمع إلى (الراديو) ويحضر بعض الجنود أحياناً ممّن يكلّفون بمهمّات عاجلة.
نحصل منهم على بعض المعلومات حول الجبهة، وقدرتنا القتاليّة، وعلمنا أن الطيّران يقوم بطلعات استشكافية، لكنّ هذا الطّيران لم يخترق منذ زمن طويل سماء المدينة، وكانت المدافع المضادّة قد انتشرت على شكل دائريّ حولها، كما نصبت بمحاذاة المشفى العسكريّ.
فجأة أطلقت صفّارة الإنذار صوتها، وأُنيرتْ سماء المدينة بضوء سطع فوقها، وعلمنا أنّه كاشف للطّيران.
سمعنا صوت الطّيران، ولم تتصدّ له المدفعيّة، وتوقّع ضابط المقاومة الشعبيّة، أنّها خطّة كي لا تكشف مواقع مدافعنا التي يسعى العدوّ إلى كشفها من خلال طلعات طيرانه الاستشكافيّة.
سألت الضّابط عن طيراننا:
-وهل يقوم بمثل هذه الطّلعات؟
فأجابني إنه يقوم حتماً، وليس من الضروري أن نعرف ذلك، فالقيادة تقدّر كافة الاحتمالات.
أطلّت سهير بعد الغارة، وكنا نحرس في بيت شارع أمين.
سألتني سهير:
-بدأت الحرب؟
-قلت:
-ربّما.
قالت:
-(أنا ما خفت من الطّيران. بتاكلوا سندويش).
ردّ نزار:
-(ومنشرب شاي كمان).
ضحكت سهير. وأجابت بدلع:
-(تاكل سم إنتي، وهُوّي، ما شغلتي طول النّهار غير شاي وقهوة يلعن أبو الحرب).
قلت:
-ولو يا سهير نحنا عم نحرس طول اللّيل.
ضحكت:
-(هلّق، إنتي وهُوّي راح تحموني من اليهود، وكل هالجيش هلّي نزل عالجبهة ماقادر يحميني).
كانت سهير في الصّفّ الثّامن. ذكيّة. مدلّلة، جميلة ومن أجل ذلك كانت تلفت الأنظار وهي تمشي في الشّارع وكان والدها أمين من أصحاب النفوذ.
كنّا قد تعرّفنا على سمير ابن أمين عبر فوج الكشّاف الذي جمعنا، وقد اختلفنا حول شخصيّته، فنزار لم يحبّه لأنّه لا يعتبره من طينتنا ولم يتمكّن من الانسجام معه، ويخشى سلطة والده، أما أنا فقد أحببته فعلاً، ورافقته إلى العاصمة حيث بيتهم في أجمل شوارعها، وكان سمير يتأنّق في لباسه، وكان يتودّد إليّ كثيراً، وحين حاول مرة إعطائي قميصاً بدلاً عن قميصي الممزّق عند مفصل ساعدي، رفضت بإصرار وفي بيته جلسنا في الحديقة الواسعة، وشربنا الشّاي ورأيت سهير لأوّل مرّة، ثم انتقلنا إلى داخل البيت، حيث الصّالون الفسيح جدّاً. ومقاعده الموزّعة بشكل هندسي، وتعرّفت إلى آلة البيانو.
-هل تعرف العزف؟
لم أردّ على سمير لأنّه لا يعلم أنّنا نبحث عن رغيف الخبز.
قلت لنزار:
-سيعلّمك سمير العزف على البيانو.
قال:
-بتكفينا طبلة، العزف يا ولد خُلِقَ لأولاد الأكابر قُولْ لسمير صاحبك (نحنا أولاد كلابَ).
حدّثْتُ نزار عن سهير التي ضيّفتنا الشّاي، وهي تلثغ بالرّاء تفوح منها رائحة عطر، (شَغلْة يا نزار).
كنت أراها بالشّارع تمشي بدلع، لكنّها في البيت أجمل.
قالت:
-(كيفك؟ ليش خجلان؟ تعال لعندنا دائماً، البابا راح يجبلنا طاولة (بنغ بونغ). ما بتعرف تلعب؟)
-لا.
-أنا في الحقيقة لا أعرف ما هي هذه الطّاولة؟
-(لازم تتعلّم. اللّعبة حلوة كتير).
قال سمير:
-حين تصلنا الطّاولة، سوف أعلّمك.
تعرّفت عندهم لأوّل مرة في حياتي على (التلفزيون) ومقعد (التواليت) و (دوش الحمّام). وكان نزار يتابع حديثي مندهشاً ثم سألني:
-أتوجد مثل هذه الرفاهيّة في الحياة؟
قلت:
-طبعاً مقعد مريح لخروج إنسانيّ.
ردّ نزار:
-(تفو على حياتنا. الكلاب عايشة أحسن منّنا انظر إلى واجهات المحلاّت. الثّياب المعروضة وساعات اليدّ لم نعرفها حتى الآن بيدنا والحلويّات هل تذوّقت طعم أي صنف منها؟ ماذا ينتظرنا هل تظنّ أنّنا سنحققّ حياة أفضل من تلك التي نحياها مع أهلنا؟ الحياة لأمثال سمير ياجحش).
قلت:
-علينا أن نناضل من أجل مستقبل أفضل يانزار.
قال:
-(طظ بالمستقبل، شوف أخوك، وأبوك، وأيّ مستقبل؟ عتّالة، شغّيلة خان).
قلت:
-لكنْ أبو سمير يقول إنّه كان من أفقر النّاس. ذات يوم فساعده الحظّ أو تحايل هو عليه.
قال نزار:
-هناك من قدّم له التّسهيلات للوصول. فمن لك أنت كي يساعدك، ويقدّم لك.
كان موعدنا مع سمير بجانب مقهى (الهافانا) وجدناه ينتظر، ثم دعانا إلى مطعم (سقراط) شربنا النبيذ الأحمر، وأكلنا، وكان سمير يعبّر عن فرحه بوجودنا معه في العاصمة فقررنا أن ندخل (السّينما)، بعد الغداء ذهبنا إلى بيت سمير، وتعرّف نزار على الحمّام وحين خرج همس في أذني:
-لم أعرف كيف أتعامل مع هذا الحمّام.
وحين جلسنا منفردين في صالون الاستقبال قال:
-لأول مرّة في حياتي أشبع بهذا الشكل، أيعقل أن آكل تلك الكمية من اللّحم وحدي؟ في بيتنا نضع وقيّة واحدة مع خمسين كيلو بطاطا من يحصل على قطعة لحمة من بين البطاطا يكون قد حقّق انتصاراً.
*******
صرخت سهير كي نحضر لأخذ السّندويش، والشّاي. أسرعت، واتّجهت صوب المّمر الذي يفصل الباب الخارجيّ عن الشّارع، ويؤدّي إلى حديقة المنزل ثم باب مدخل البيت.
كانت سهير تقف بين فسحة الممرّ وبداية الحديقة وقد انعكس ضوء (النّيون) على وجهها وبيدها (السندويشات) وصَيْنيّة عليها إبريق الشّاي والأكواب كانت درجة الحرارة مرتفعة جدّاً، ولا وجود لأيّ نسمة هواء.
قالت:
-كيف تحرسون في هذا الخنيق؟ أنا ماعم أترك مقعدي من قرب المروحة.
قلت:
-مادخل الحراسة (بالخنيق)؟ نحن في الشّارع، ولسنا داخل الجدران، وبين ساعة وأخرى تهبّ علينا نسمة ما.
ضحكت سهير:
-بين وساعة وأخرى.
قلت:
-نعم، وبين دقيقة وأخرى تهبّ علينا طائرات.
كانت سهير ترتدي ثوباً شفّافاً، كشف عن صدرها حتّى مجرى النّهدين، وعن ساقيها إلى ما فوق الركبة. وحين اقتربتْ أكثر من الضوء ظهرَ سواد النقطة التي تتوسط النّهدين، في سهل من البياض الشهيّ. تسارعت دقّات قلبي، وظهر ارتباكي.
قالت:
-تناولْ (الصينيّة) ليش ناطر؟
قلت:
-بالفعل الحرّ شديد جدّاً.
قالت:
-هلّق حتّى حسّيت؟ بالفعل مافيك إحساس.
تأمّلتها قليلاً، قبل أن أتناول من يدها أيّ شيء.
طبعاً ليس لديّ أيّ إحساس، فقد تركناه نحن التّعساء لمن هم أمثالكم، لتعيشوا الحياة كما تريدون.
قلت:
-الإحساس موجود. نستعمله متى نشاء. ونلغيه أيضاً.
قالت:
-خذ الإبريق، وبعدين راح شرّبكم (كازوز).
سألتها عن سمير، فأجابت أنه لن يعود من دمشق، وغداً سوف تتبعه برفقة الوالدة.
من خلاله تمّ الوصول إلى والده، بعد أن عرفت مدى نفوذه وبأنّ جميع المسؤولين يحترمونه، وكان سمير يبعثر أموالاً كيفما اتّفق.
سألتني سهير:
-أين وصلت علاقة سمير مع هيفاء؟
ضحكت:
-هل هناك علاقة بينهما.؟
-يعني مابتعرف.
-لاء.
-(أنا بعرف كلّ شيء، وهاي البنت راح تخرب بيت سمير).
-(تخرب بيت سمير ليش؟)
-(بعدين بنحكي).
تناولتُ الصينيّة، والإبريق، وهرولتْ سهير باتّجاه مدخل الباب فبدا لون الشّيء الدّاخلي.
كان نزار ينتظر الطّعام بلهفة جائع، فشتمني واتّهمني (بالوطاوة).
-كان من الممكن تأجيل غرامك، تتركني أتلوّى من الجوع وأنت تتحدّث معها.
راح يلتهم الطّعام بسرعة، وهو يشرب الشّاي مصوّتاً.
قلت:
-هذه الأصوات لا يصدرها سمير أثناء الطّعام، لأنّه ابن أكابر.
قال:
- (أنا ابن نَور. يلعن أبوك على أبوه على أبوها).
وأشار بيده إلى بيت سهير وتابع:
-(يلعن شرفك إذا بتخلّيها تنفد من إيدك اليوم، والحرب بكره وربما تموت).
أخذت كلمات نزار الذي أطلقها بسخرية موقع الجد عندي، والحرب فعلاً بين ساعة وأخرى، هذا ما تؤكّده كلّ الأخبار الواردة من الجبهة، وما نسمع به في المدينة يشير إلى ذلك.
فقد اجتمع المحافظ مع التجّار والباعة والفرّانة.
كما اجتمع مع الأطّباء، وتم تحويل عدّة مدارس إلى مستوصفات ميدانيّة نُقِلتْ إليها أسرّةٌ ومعدّات طبيّة وجُهِّزتْ مجموعة من الأقبية لملاجئ سرعان مافتحت أبوابها للنّاس فور سماعهم صوت الإنذار، ومُنِعتْ التجّمعات الكثيرة في الشّوارع، وكنا قد نفّذنا طلاء الزّجاج بالّلون الأزرق على كلّ النّوافذ، والعربات، وصرنا نجوب الشّوارع ليلاً نطلب من النّاس إطفاء النّور بناءً على توجيه من ضابط المقاومة الشعبيّة، وعبر الإذاعة كنّا نتابع الاستعدادات على جبهة مصر وتأكّدنا أن العدوّ سيُلقَّنُ درساً لن ينساه.
ستدخل قواتُنا إلى فلسطين من سهل الحولة. والجليل الأعلى وقوات مصر سوف تدخل عن طريق غزّة، وفي وسط فلسطين ستلتقي القوات العربية لتعلن التّحرير فنحن العرب لا نعرف الهزائم، ولا الضّيم، وستظل هاماتنا مرفوعة إلى الأعلى دائماً، وكان أحمد سعيد قد حدّد مصير الصهاينة إلى البحر وكذّب كلّ ادّعاءات العدوّ وكنا نتابع برنامجه (أكاذيب تكشفها حقائق) تمنّيت لو أنّي إلى جانب أبي الآن: خنادق. بنادق. رشّاشات. برقيّات.
سوف نجتاز الخندق أخيراً ياأبي، ولن تُطلقَ النّيران على بقرات أصالة بعد ذلك.
استرجعت ذكرى لعبتنا العريس والعروس وفي الزّيارة الأخيرة كانت قد نضجت، وهي في انتظار خطيبها تجاهلتني في البداية لا يجوز أن تنفرد مع شاب في حين أنّني لم أزل بنظر والدي الطّفل الذي يبكي إن جاع. لم يكن يدرك أنّ الطّفل قد كبر، وحمل الهموم، وأنّنا الأطفال الذين كنا نعبث على هوانا قد خسرنا مزاجنا، وتحمّلنا مسؤوليات أكبر من أعمارنا بكثير.
تزوّج جميل، كي يحقّق لوالده رغبته في رؤية أحفاده من ولده الوحيد. فرحنا للزّواج ولم نستطع حضوره.
لم ينتبه نزار لحالتي، وأنا آكل (السندويش) وكان هو لم يزل يصدر أصواتاً شتّى مع كل لقمة معبّراً عن متعته في الطّعام، وشرب الشّاي.
سلّطت الكاشفات أنوارها. ونشرتها في كلّ الاتّجاهات وبما أن هدفها هو كشف الطّائرات، فلابد أن ثمّة طيراناً قد اخترق مجالنا الجوّيّ.
كانوا نهاراً يتحدّثون عن طائرة اللّيلة الماضية التي جالت فوقنا وجوبهت لأوّل مرّة بنيران المدفعيّة المضادة الكثيفة، ولم تسقط. قيل أن اسمها (أم كامل) من أين جاءت التّسمية؟ لا أحد يعرف، لكنّ أمّ كامل كانت بطلة كوميديّة لمسلسلات تبثّها الإذاعة كل يوم وتلقى إقبالاً رائعاً والأهمّ من ذلك أن أمّ كامل تلك رجل يتحدث بلغة الأنثى، وكانت أمّ كامل قد قدّمت فقرات ضاحكة في عدة مواقع عسكرية كنوع من الترفيه. أمّا علاقة التّسمية بالطّائرة فهو الأمر الذي لم يكتشفه أحد.
كانت المطربة صباح قد حضرت مع ابنتها هويدة وغنّت للجنود:
(ياخواتي بحبّها، ده هويده بحبّها)
تطايرت الطاقيّات في الهواء، وكانت صباح تتدلّع على الخشبة التي صنعت خصّيصاً للمناسبة التي حضرها الضبّاط. والجنود. وحضرناها نحن أيضاً.
صار النّاس يتحدّثون عن طائرة اسمها (ميراج) أسرع من الصّوت، وكانوا يختلفون حول قدرتها، وقدرة (الميغ).
-يا أخي دفعة الطيّارين الذين تدرّبوا في روسيا عادوا بمؤهّلات عالية جدّاً.
-لا تنس لدينا سلاح دبّابات متطوّر.
-شوف جيشنا وجيش مصر ما بيوقّفوا إلاّ في تلّ أبيب.
-اسمع مايقوله أحمد سعيد.
كانت الأحاديث تدور هكذا طوال النهار، وتتابع أثناء السّهرات، كأنّ النّاس أصبحوا خبراء في شؤون تسليح الجيش، وقد وجدوا مادّة تشغلهم عن حالة القلق والترقّب التي يعيشونها. كانت هذه المناقشات ترفع من معنوياتنا، خاصّة حين يتحدّثون عن قدرة (الميغ) على المناورة، والحركة وكان نزار يتطلّع إلى السّماء ويحلم بقيادة طائرة، وكنا نرفض أيّ حديث يحاول استعراض قوّة العدوّ، بل ونطلق على المتحدث: طابور خامس. لم نكن نتقبل أيَّ حديث يشكّ ولو قليلاً في حتميّة انتصارنا.
-يا أخي مستحيل.
-يا حبيبي نحنا جيش قوي.
وبرغم اختراق أجوائنا بشكل دائم وتصدّينا للطّائرات أو عدم تصدّينا لها فقد كنّا على ثقة بأنّها خطط عسكريّة نجهلها، وأنّنا نستطيع إيقاف هذه الطّلعات متى أراد جيشنا.
كانت كافّة الأحاديث تبدأ بجملة واحدة فقط.
-كيف الأوضاع؟ هل سمعتم أحمد سعيد؟
وكان يتحدّث من إذاعة صوت العرب، بنبرة حماسيّة تلهب مشاعر النّاس، وتجعلهم ينتفضون من أماكنهم أحياناً صارخين:
-الله أكبر. الله أكبر.
صرخت سهير:
-تعالوا خذوا (الكازوز).
قال نزار:
-قوم يا عم. إجاك طلب. إنشاء الله بنقضيها طلبات.
- تضربْ البنت عمْ تقدّم خدمات وطنيّة.
ضحك نزار:
- أهلاً يا وطن، ونحن عَمْ نحرسها كمان.
- (…..) بهيك حراسة، شو بدك تساوي للطيارة إذا انقضّت هُون.
تجاوزتُ الباب المطلّ على الشارع، ثم الممرّ وكانت هي في نهايته إلى جانب شجرة التّوت التي تظلّل نصف مساحة الحديقة، كان ضوء النّيون يكشف تقاطيع جسدها بوضوح، وكنت أقترب منها بخطوات بطيئة، وقد تلبّستني حالة الدّهشة إيّاها. جمال الجسد، وسحر ما أرى.
قلت:
- شكراً.
ووقفت أحدّق.
قالت:
- (شو بحياتك ما شايف بنت خذ (الكازوز).)
انتابتني مجموعة أحاسيس دفعة واحدة فتناولت زجاجتَيْ الكازوز ووضعتهما على الأرض، واقتربت منها وأنفاسي متلاحقة لم تتحرك، أو تتراجع، أو تعترض، أو توافق. كانت غامضة بلا موقف، لم تعبّر عن رغبتها أو عدم رغبتها، وهبّت رائحة جسدها تشبه رائحة الورد وشعرت فعلاً كأنّ نسمة هواء قد لطّفت الجوّ وحملت معها الانتعاش والرّاحة، وطارت بي إلى عالم آخر.
نسيْتُ ما يدور من حولي، ورحت في غيبوبة قوّة ما جذبتني وجعلتني ألصق بها، وأشمّ تلك الرّائحة التي لم أعرفها من قبل أنا الآن خارج حدود الزّمان والمكان.
راح ضوء (النيّون) ينبعث من مسامّ جسدها الناعم الطريّ، وتخيّلت أن جسمها بكامله يشعّ، ورحت أبعثر القبل في كل مكان. على الرقبة. الفم. الصدر. اليدين. وأنفاسي متلاحقة، ويدي امتدّت حيث ضجيج النشوة.
لم تعترض سهير. لم تتراجع. كانت تتأوّه بصوت منخفض. وبقيت ملتصقاً أشمّ رائحة الورد، وأمتصّ من رحيق جسد يُبث منه النّور. من سيصدّقني في ذلك؟
تمتمتْ:
-خلص بيشوفنا البابا.
لم أردّ، ولم أتوقّف. لكنّها قفزت برعب متراجعة للوراء حين زعقت صفّارة الإنذار معلنة اختراق مجالنا الجوّي.
لعنكم الله. لعن الله طائراتكم. وأخذكم إلى الجحيم.
صار نزار يصرخ:
-علقت الحرب، وما جبت الكازوز؟ وين الكازوز؟
كانت الكاشفات لم تزل تسلّط أنوارها، وطلقات المدفعية تنفجر في الأعلى، وأنا أحمل (الكازوز) لنزار، أسمع، وأرى، لكنّني في عالم آخر. وكان ما يدور لا يعنيني، قدّمت الكازوز لنزار.
-خذ واشرب.
تناول نزار الكازوزة وهو يتطلّع إلى السّماء.
-الكلاب مرّوا من فوقنا.
ثم راح يشرب، ويتابع النّظر.
كان الحاجّ ممدوح يجلس مع مجموعة من التجّار، أمام محلّه يحتسون الشّاي ويدخنون (النراجيل) رآني الحاجّ وأنا أجتاز الشّارع فقطع حديثه، وطلب إليّ الاقتراب:
-كيف الوالد؟
قلت:
- لا أخبار منه.
قال:
- (لازمْ تعملكْ مشوار لعندو، خُود معك شويّة تياب واطمئنْ عليه وبلّغه سلامي.)
أدركت أن السّلام للتذكير بالديّون فقط.
ذهبت إلى قطعة غازي العسكريّة. نقلت إليه ما قاله الحاجّ ممدوح، فتردّد قليلاً في فكرة ذهابي، لكنّه وافق على أن أذهب غداً صباحاً، وبلغت ضابط المقاومة الشعبيّة بذلك فوافق. جهّزتْ أمي ثياب الوالد وانطلقت إلى موقع البريد العسكريّ، كي أذهب مع الشاحنة التي تقلّني عادة مع والدي.
تردّد السائق وطلب أن أسلّمه الثّياب وهو سوف يعمل على إيصالها، لكنّ رغبتي في الذهاب كانت أقوى من أي مانع آخر.
قلت:
- لكنّني مشتاق للوالد، ومنذ شهر لم أره.
- قد تمانع الشّرطة العسكرية دخولك في مثل هذا الوقت.
- حين يرفضون أعود.
فكّر الرجل قليلاً ثم قال:
- اصعد.
كانت فرحتي لا تُقدّر، وانطلقنا في طريق المنصورة وتوقّفنا عند حاجز الشرطة العسكرية عند مفرق واسط، قال الشرطي موجّهاً كلامه للسّائق:
- من هذا المدني.
هبط السّائق من العربة، وانفرد بالشرطي، الذي مانع دخولي.
اقترب من باب الشاحنة قائلاً:
- انزل يا أخ لا يمكنك الدّخول. أو شوف الضابط في المكتب.
كان برتبة ملازم. أسمر. طويل القامة لطيف، قال:
- يا حبيبي ما بيصير، وبعدين يمكن أن الحرب توقع بين لحظة وأخرى.
قلت:
- سأرى والدي، وأعطيه هذه الأشياء، وأعود غداً.
قال:
- (يا حبيبي والدك يأكل ويشرب، وثيابه نظيفة، كلّنا هكذا وإذا كلّ شاب متلك بدّو يشوف والده على الجبهة بينزلو كلّ الناس. لازم ترجع.)
قلت:
- أنا بشوق لوالدي، وإن لم تسمح لي فسوف أبتعد عن الحاجز، وأنزل سيراً.
غضب الضّابط:
- ماذا تقول؟ هناك أوامر بإطلاق النّار على أيّة حالة مشبوهة، وقد يعرّضك سيرك لفقدان حياتك.
صمت قليلاً، وتابع:
- اسمع. سوف أسمح لك بالدّخول.
لاحظ الفرح الذي بدا واضحاً على وجهي، وأنا أقدّم له الشكر.
ردّد وهو يضحك:
- اذهب وسلّم على الوالد.
كانت الشّمس تتوسّط السّماء تقريباً، والعربة تقطع الطّريق الترابيّة هذا هو سهل الحولة، وهناك الجبل الأعلى، وتلك هي قرية (الدرباشيّة) قرية علي الوحش، الذي أرعب الأعداء ببطولاته التي كان ينفّذها داخل الأرض المحتلة.
كان يقول:
- هؤلاء جبناء.
وهو يشير إلى الأرض المحتلّة.
ويجيبه أبي:
- جبناء وبَسْ، لكن لعن الله الخونة.
كان علي الوحش كما يسمّونه يغيب ساعات، ثم يعود حاملاً معه عناقيد الموز أو أسلحة يحصل عليها من جنود العدوّ، وكان يعرف تفاصيل مواقعهم بدقّة. يدخل. يخرج. يقتل. كان يجلس أمام فسحة بيته المطلّة على سهل الحولة، وينظر هناك مستعيداً ذكرياته مع الأرض، والطفولة.
ذات مرة شاهدته عند أبي يستعدّ لتنفيذ مهمّة ليلية قال:
- إن سمعتم صوت إطلاق نار، فأطلقوا أنتم بكثافة كي تحموا انحسابي وإن متّ فحاولوا قدر الإمكان إحضار جثّتي إلى هنا.
عانقه أبي وانطلق. تمنيّت لو أني رافقته.
سألتني سهير:
- أنت تعرف علي الوحش؟
قلت:
- أعرفه.
- أصبح يشبه الوحوش.
ضحكت:
- إنسان مثلنا. يأكل. ينام. وعنده أولاد وزوجتان وشجاع.
قالت:
- زوجتان.
- وما الغريب في الموضوع؟
ضحكت سهير. ولم تتكلّم.
ها هو حقل الذّرة. إنه بلا ذرة، وها هو الوادي والمستوصف الطبّي الذي لم أره منذ أحضرت سمراء مع طفلها إليه. هناك تل هلال، والجليبنيّة، وإلى جانبها جسر بنات يعقوب وأخيراً ها هو أبي رجل دائماً، هكذا عرفته منذ بدأت أعي الحياة. رجل لا تهزه المواقف ولا الحروب، بل إنّه خلق من أجلها، رجل صلب متين. صادق بحبّه. بتعامله مع الآخرين عانقني بحرارة.
- لماذا أتيت يا ولد؟
- اشتقت إليك.
- ماذا تعمل الآن؟
- مع رجال المقاومة الشعبيّة. نحرس في الليل. كما قمنا بطلاء الزّجاج باللّون الأزرق.
ضحك:
- جيّد جدّاً.
- نعم يا أبي هي جبهة لمساندة بطولاتكم.
وصرخ أبي:
- الله. صرت تفلسف الأمور. مازلت تطالع الكتب والرّوايات. وتحضر سينما.
- نعم.
- وكرة القدم. والأهداف؟
- لم نتدرّب منذ مدّة طويلة.
- ستنتهي الظّروف يا ولد. سوف ننتصر. ونحرّر الأرض وبعدها سأتفرّغ لك. ولأخواتك. لا تخف من الحرب فنحن أقوياء.
كان عليّ أن أغادر في الصباح مع عربة التموين التي تنطلق في الخامسة.
تقترب السّاعة من الثالثة صباحاً. وقد نامت سهير دون أن أراها بعد سماعنا لصفّارة الإنذار مع أنني حاولت لكن دون جدوى. مرّة أريد ماء. أعطاني والدها زجاجة باردة، ومرّة حين أعدت زجاجات (الكازوز) الفارغة، ولم تطلّ. وحين خرج والدها سألني عن الحالة، ثم دخل وأطفأ الأنوار.
انتهت نوبة حراستنا، وصار علينا أن نمضي إلى بيوتنا كانوا جميعهم نياماً، فاستلقيت على الفراش المرمي على الأرض.
لم أستطع النّوم. كانت رائحة سهير مغروسة بي، وكيفما استدرت أشمّها، وأسترجع تفاصيل ما حدث وأنا لا أصدّق ما جرى.
أيعقل أن أكون؟ ولماذا؟ لكنني فعلت والرائحة هي الدليل، سوف ألتقي بسهير حين عودتي من عند والدي، وكانت تسكنني وأنا في طريقي إليه.
لم أتمكّن من رؤية أصالة، أو سمراء، أمضيت كلّ الوقت مع أبي، وحين غادرت في الخامسة قبلّني، راحت نظراتي تمسح الجهات. حقل الذرة. الخندق. سفح التلّ وادي الجلالة. بيت أصالة. وسمراء، مواقع الكمائن الليلية ما لم أكن أعلم أنّ رجال تلّ الفخار الذين أصلحوا (الفيسبا) سوف يصنعون تاريخاً يتفاخر به شعبهم، وأنّ أصالة ستواجه الدبابة بالحجر وتسقط شهيدة، ولم تُخْطَبْ بعد، وأنّ علي الوحش سيتحول إلى حكاية بطل من أبطال ليالي ما قبل الغياب.
نعم يا كمال: عرفت فيما بعد ماذا يعني هذا الحب الكبير؟ الذي حرصتَ عليه وحملته تحت ثيابك، مناضلاً عرفت كيف ينمو الجَذْر في قلب التّراب؟ وهذا ما جعل نقيق ضفادع الرقاد يتحول إلى موسيقا عشقناها حتى الموت.
اشتقنا لهذه الموسيقا، وذاك القمر الذي كان يسطع فوقنا، ونحن نحيل تفاصيل عمر تنسج حكاياه تلك الثواني التي تمر حاملة معنا مصيرنا القادم.
انهارت آمالنا، وتحطّم الحلم.
- هنا سهل الحولة يا ولد، وذاك هو الجليل الأعلى وكنت لا أرغب أبداً أن يضيف.
- هذا الجولان.
غصّةُ القلب. جرح العمر النازف. خيبة الحلم. لم نصدّق. لكنّه الواقع أقوى من أي احتمال.
*******
نهار السواد
بدأت القنابل تنهمر كالأمطار. فرّ صاحب الخان ولم يستطع حمل المال الذي جمعه بصفائح التنك، صار يبكي. فرّ التجّار. أغلقوا محلاّتهم، وانطلقوا مسرعين.
صاح كمال:
- سنموت هنا يا شباب. بعد قليل سيحمينا طيراننا، بعد قليل ستغطي (الميغ) هذه السّماء.
خاب أملنا، والذي ننتظره لم يحضر أو لم يعد بإمكانه الحضور. كان علمُ البلاد يرفرف في ساحة (البلدية).
صرخ كمال:
- مستحيل أن نُهزمَ يا شباب.
تحوّل نهار المدينة إلى سواد. لا ضحك فيه ولا نقيق ضفادع.
ثم جاء يوم الجمعة خجولاً، فقد قبلنا وقف إطلاق النار، وبدأت تدبّ في شوارع المدينة حركة بطيئة، كنّا في حالة ذهول حقيقي، ماذا نفعل؟ ونحن لم نصدّق ما جرى؟ نتوقّع، أو لا نتوقع، نبكي، أو لا نبكي، ننتظر أمواتنا أم لا ننتظر، من الذي سيعود منهم؟
وماذا عن جيش مصر، ماذا جرى هناك؟
أسئلة كثيرة دون إجابة، أيّام عبرت فضاعفت من سنيي حياتنا، وأي رجاء ننتظر من مستقبل العمر النازف الذي دخلناه منذ بداية شبابنا في انتكاسة هي الأقسى. انطلق صوت الشيخ حمزة من جامع (العرب) يدعو إلى الصّلاة الحزيرانية (رميناهم بحجارة من سجّيل) صدق الله العظيم.
جلست بعض النسوة بمحاذاة جدران البيوت، يحدّقن في وجوه بعضهن البعض، في انتظار عودة الآباء أو عدم عودتهم. مَنْ سيدفن مَنْ؟ الحيّ ميْت والميْت قد مات ولم ير ما حصل؟
مَن سيودع من؟ والغصة في الحناجر، والدّموع متحجّرة في العيون.
-ماذا عن أبيك؟
لم يكن بإمكاني أن أرد.
أحاديثنا ليست مترابطة، وأجوبتنا بلا معنى. كلماتنا مبعثرة دون هدف. بلا وعي. فالذي حصل أكبر من حجم حياتنا، وصراخنا.
رغبت لو أستمرّ في البكاء فقط، فحاجتي إليه ملحّة أكثر من أي وقت. انتهى كلّ شيء وخسرنا. ذُبحنا وها نحن ننزف دمنا حتى النّهاية (حماة الديار) لم نكن نتوقّع أننا سنراكم منتكسي الرؤوس. لا وهج في طلتكم البهية ولا بريق يشعّ من جبهتكم العالية. ورحت أبكي لأتلقّى صفعة من كمال. تركت بصمات أصابعه على خدي.
-اخجل. فالرجال لا يبكون.
في الساعة العاشرة والنصف ظهراً، حمل الطفل سهيل كرتَه مخترقاً قيود الحزن والموت التي فرضت، وجمع رفاقه الصغار. جمال. عبّود. وبشير، وراحوا يلعبون بالكرة، بمحاذاة المشفى العسكري في المدينة، غير مهتمين وكان وقف إطلاق النار قد نُفِّذ.
فجأة بدأ قصف الطيران، الذي لم نكن ننتظره، ونحن في قلب الحزن غطّت سماء المدينة طائرات، وقنابل، وصواريخ وراحت المدفعيّة تتصدّى للغدر، الذي راح يدمّر كما يشاء، تدحرجت الكرة بعيداً، دون أقدامهم الصغيرة.
وحين وصلنا إلى مكان لعبهم وجدناهم أشلاء مطمورة بالتّراب، وكانت المدفعية المنتشرة حول المدينة تتصّدى.
صرخ الجندي:
-ابتعدوا من هنا.
وفرّقتنا القنابل التي راحت تنفجر، فغمرنا بالتراب، والشظايا تحيط بنا رفعنا رؤوسنا ببطئ.
أي حرب تلك. أي حقد. أي وقف لإطلاق النار. ونحن في قلب الهول!!
وصلنا صوتٌ عَبْرَ المكبّر أن نبتعد عن الموقع، وسيتولّى الصليب الأحمر جمع الجثث.
(ورميناهم بحجارة من سجّيل).
وسقط الشّيخ حمزة مع مجموعة من المصلّين، حين انهار الجامع بقنبلة، رحنا نتراكض في كل الاتجاهات بحثنا عن مخرج حيث الأحياء الذين يتحوّلون بأقلّ من ثانية إلى أموات. إلى جثث مشوّهة. محروقة. قطع سوداء، أو أجزاء تتطاير في الهواء. رؤوس. أقدام. أيدٍ.
امتطى كمال عربة الدفاع المدني، وراح يطلب من النّاس الهدوء والبقاء في الأماكن المحميّة، لكنّهم لم يتركوا أي مكان محميّ، وظل كمال يتكلّم، والطيران يقصف.
سكت آخر مدفع من المدافع المحيطة بالمدينة، وكانت أم سهيل ترتمي على الأرض، وتنهض.
-سهيل يا ويلي..
ثم تمزّق ثوبها، وتسرع النسوة لتغطية الأعضاء التي كشفت من جسدها. لا إسعاف. لا صليب أحمر. لا شيء سوى صراخ النّاس، والوحشية.
تغيّرت جمل كمال، فمن الصبر والاختباء في الأماكن المحمية إلى لهجة آمرة بمغادرة المدينة حالاً.
-يطلب من جميع السكّان، مغادرة المدينة، وعلى كلّ الأطفال والنساء التجمع في الساحة، ليتمّ ترحيلهم.
وعلمنا أن دبّابات العدو في طريقها إلى المدينة، وأن بانياس ومسعدة، وجسر بنات يعقوب، وكفر نفاخ جميعها قد سقطت وأن جيشنا قد انسحب من مواقعه.
ستعودين يا إنعام لنلتقي بعد أن تنتهي الأوضاع، هكذا اتّفقنا، سوف ألتقي بسهير مرّة أخرى كي أحدّثها سوف أحرس أنا ونزار شارع بيت أمين وسنقيم معسكر الكشّاف. كنا هنا نخطط لأيام قادمة أكثر بهجة، فماذا جرى؟
أصبحت نظرات علاء لنجاة خرساء فارغة، فلعلّه أدرك أنّها الساعات الأخيرة لقصّة حبّ كتبت نهايتها بهذا الشكل الموجع، وكان على أبي حمدان زوج زكيّة أن يعود ليراها قادمة من القرية تحمل مؤونة البيت، لكنّه عاد بصندوق، ونشيد حماة الديار يتردّد في أعماقنا مفجّراً بداخلنا تلك الطاقات المشحونة بالعاطفة، تجمّعت النساء، والصغار في الساحة، وكان الطيران لم يزل يقصف.
صرنا نساعد في ترحيل النّاس، وإيصالهم إلى الشاحنات والباصات.
قال كمال:
-يجب أن نواجه الدبّابات يا شباب.
صرخ أحدهم:
-(مقاومة يا كمال؟ يعني نحنا هالكام واحد، رح نقاوم محل جيش بكامله).
وراح الرجل يبكي بصوت عال، وبرغم ذلك صرخوا:
-اخرس. اخرس يا جبان.
وهجم عليه بعض الأشخاص، لكنّ تدخّلَ كمال حال دونه ودونهم وهو يردّد بحزن:
-كلام الأخ صحيح يا شباب. شو بدنا نساوي نحنا؟
فجأة وقع الرجل على الأرض فاقداً وعيه، ورحنا نعمل على إيقاظه، وحين صحا. راح يصرخ، وهو يقفز في الهواء.
-(انسحبَ الجيش. راح الجيش. وَيْنِكْ يا أم قطيش.)
وتبين أنه فقد عقله.
خيّم الصمت على الساحة. لا شيء سوى صوت الطيّران الذي خفّ ورائحة الموت، وكلّ ما جرى ضرب من المستحيل تصديقه.
كان نزار يلتهم (السندويش) كأنه لم يذق طعم الأكل منذ سنة سألني بأسلوبه الاستفزازي وهو يمضغ الطعام:
- شوفيه بينك وبين سهير.
- لا شيء.
- كذّاب.
- أنا لا أكذب.
- يا شاطر أنت بتكذب على إنعام، وعلى أصالة. وسهير. العمى بعيونك شو خلّيت لبكرة؟
ضحكت.
- هل سنكبر يا نزار؟ ونقيم بيوتاً، ونربّي الأولاد؟
ماذا قلت يا أبي؟ تريدني شامخاً على دبّابة.
وسألت نزار عن حلمه في المستقبل. كان هذا الموضوع يشغلنا.
قال:
- طظ في المستقبل. أرغب الآن بالنّوم مع امرأة، وشرب بيرة باردة.
- وماذا عن العلم.
- ربّما تحدّد الحرب مصيرنا. قنبلة تسقط هنا سوف تنهي كلّ العلم، والمعرفة، والشّهادات، والمستقبل، بماذا تفكر يا غشيم.
فعلاً بماذا أفكّر؟ وها نحن نحيا الدّمار. دمار يحيط بنا. دمار أنفسنا.
********
غادَرَتْ أسرتي مع المغادرين، وخجلت نجاة في السؤال عن علاء، ثم رأيت غازي.
قال:
- ارحل حالاً.
قلت:
- أرحل مع الشباب.
- وماذا عن أبيك؟
- إذا كتبت له الحياة سيعود
التحق غازي برفاقه المتّجهين خارج المدينة.
ترى ماذا حل بوالدي؟ ورجال تلّ الفخّار، هل استشهدوا، أم انسحبوا؟ كيف واجهوا تلك الحرب؟ وماذا عن علي الوحش؟ وأصالة، وسمراء، كانت المدينة تئن. لقد سمعت أنينها كان كل شيء من حولنا أسود.
توقف قصف الطيران عند المساء. باستثناء بعض الانفجارات البعيدة كنا نسمعها بين وقت وآخر.
صمت لا كاشفات ضوء. لا فوّهات مدافع. لا نقيق ضفادع حل ظلام وعشش بداخلنا، كأنه يعود لمئات السنين. نسينا الطعام، والشراب، اكتفينا بالتحديق فقط كل منّا يحدّق بالآخر، وجلسنا على الأرصفة نراقب اللاشيء، وننتظر. بدأت أفواج الرجال المنكسرين. منكسي الرؤوس تصل وكذلك بعض العربات.
مدينة دون نظام. مدينة أشباح، جثث. مدينة منهارة. أخيراً رأيت علاء:
سألني عن الأهل، ونجاة، وأين سيقيمون هناك؟ وعن أمّ سهيل. نقلوا أمّ سهيل محمولة إلى الباص، وكانت فاقدة وعيها، وأمّ نجلاء ماتت على أرض ملعب الصّغار، وطمر تراب القذائف أمّ بشير.
تجاوزت السّاعة الرابعة صباحاً، وبدأت أمواج القادمين من القرى البعيدة تصبّ في الساحة. رجال. نساء. أطفال. شيوخ. افترشوا الأرض. في انتظار عودتهم إلى قراهم بعد ساعات. بدأنا بتنظيم الناس من جديد. كنت أنتظر قدوم جماعة والدي، لكنّهم لم يصلوا بعد فأمامهم ساعات طويلة من السيّر.
أشرقت شمس هزيمة اليوم الثاني، وكانت الدبابات المعادية قد سيطرت على مساحات شاسعة من الأراضي.
وقفنا في ساحة مبنى البلديّة، والعلم يرفرف، وكان (الترانزستور) الذي نقل حفل أنت عمري ينقل تفاصيل ما يدور بشكل مقتضب، العدو في سيناء، وفي الضّفة الغربيّة.
قال أحدهم:
- ماذا حلّ بجمال عبد الناصر.؟
- استقال.
- ماذا؟
وتجمّعنا حول الراديو الصغير، وراح علاء يبكي.
- نخسر الأرض، والقائد مرّة واحدة.
وغضب كمال لكنّه ردّ بهدوء:
- ينجب الوطن مئات القادة العظماء. أما القادة فلا يستطيعون إنجاب وطن واحد. الخسارة أكبر من أن تعوّضها استقالة جمال عبد الناصر.
وسرعان ما سقطت أفكار كمال، حين هبّت جماهير الأمة تطالب عبد النّاصر بالتراجع عن الاستقالة.
قال كمال:
- عجيب أنّ البشر. يخسرون الأرض. ويتعلّقون بشخص. كانت بيوت حيّ النهضة فارغة تماماً من سكانها وكأنهم هجروها منذ آلاف السنين. لا صوت. لا حركة. حتى أن القطط غابت عنه وكأنّه لم يكن بالأمس الحيّ الذي سهر مع (أنت عمري).
رأيت أحذية مرمية على الأرض، وثياباً مبعثرة، وحفراً خلفّتها القنابل، وبقايا دماء، وكانت ضفادع الرّقاد صامتة، هدوء مميت.
وقفت فوق الجسر. مشيت عدة خطوات إلى الأمام، ورجعت للوراء هنا قبّلت إنعام. وهنا.. هل تحوّل ذلك إلى ذكرى؟
عليّ أن أرحل بعد قليل مع الشباب، لكنّنا سنعود حتماً بعد عدّة أيام. سمعت صوت الطيران، وكانت الشمس تشرق بكسل عجيب ليست الشمس المعهودة فوق الحيّ الذي كان يضجّ بالحركة.
ألقيت نظرة على كامل الحيّ. لا صوت إنذار. لا مدفعية لم أكترث بالطيران، ولا صوته، فهو غير قادر أن يفعل أكثر مما فعله البارحة.
دخلت بيتنا. دقّات الساعة الكبيرة التي كانت تحدّد دوام المدرسة هديّة جدي لوالدي بمناسبة زواجه وكان والدي يقدّرها كثيراً. لم تتوقف الساعة فيما زماننا قد توقف. أيمكن أن يكون أبي قد أصبح من الأموات؟
لم أذق الطعام منذ يومين. كنت قد اعتدت على تدخين اللفائف. أنزلت (قطرميز) المكدوس عن الرفّ، أكلتي المحببة تناولت رغيف خبز يابساً، وقفت على (المصطبة) ورحت أتطلّع إلى تلّ أبي الندى.
أغلقت الباب على أمل العودة القريبة بعد عدةّ أيام حتّى ثيابي المتسخة لم أبدّلها، أجلّت ذلك إلى حين العودة اتّجهت صوب بيت إنعام، لم أتسلّق الجدار هذه المرة. فتحت الباب الخارجي. صرخت:
- مين هون.
كرّرتُ الصراخ. كي أتأكد من خلو البيت. إذن لماذا تركوا الباب الخارجي دون إغلاق؟ عبرت الممرّ الإسمنتي، الأبواب الداخلية مقفلة بكاملها. غادرت بيت إنعام، صوب بيت فايز، رأيته يبكي.
قال:
- ادخل إلى المطبخ وكل.
- أكلت في البيت.
قال:
- مستحيل الموت أفضل.
- تجمّعنا في ساحة النصب التذكاري، وصعدنا إلى الشّاحنة كنّا في انتظار كمال كي يصعد.
قال:
- اذهبوا أنتم. سوف أتبعكم فيما بعد.
قلت:
- سوف أبقى معك.
قال:
- اذهب لا وقت للمناقشة.
قلت:
- سأنتظر والدي.
قال:
- أنتظره أنا. اذهب. وكفى.
غادرنا أنا وفايز، ونزار، وعلاء، سارت الشّاحنة، وكان تلّ أبي الندى يغيب عن أنظارنا شيئاً فشيئاً.
رحت أستعيد تفاصيل ليلة تلّ الفخار. فيما حمل أحدهم صورة حبيبته وقال.
- هي تنتظر عودتي كي نخطب.
صورة مأخوذة بكاميرا الماء. لا تبرز تقاطيع وجهها لكن الحب جعلها من أجمل صور الدنيا. هو يخاطبها كأنّها بيننا ويحدّق فيها ويطلق نظراته في المدى المحتل أمامه. تحدّث آخر عن ولده الصّغير الأوّل. هو يناغي الآن سبحان الله! لديه قدرة تميزني عن غيري مهما كان عدد الأشخاص.
ردّ عليه أحدهم:
-طبيعي يا أخي. الطفل يعرف أمه. أباه. ربّما من الرائحة وربّما من اللمس.
حدّثنا آخر عن أمه، وآخر عن والده الذي يعمل حالياً وحيداً في محل (الحدادة) وهو ينتظر عودته ليرتاح قليلاً، وذاك الذي سيعود لإنجاز بيته الطيني، آخر يردد بين وقت وآخر (أنا كلّ ما قول التوبة يا بوي).
رأيت كلّ الوطن في عيونهم. وهم يعيشون أحلامهم المعجونة بترابه، ولكن ماذا عن رجال تلّ الفخار؟
ماذا عن أبي؟
*********
كنت قد زرت معرض دمشق الدوليّ مرة واحدة فقط وأنا في السادسة من عمري، عائداً مع أبي من اللاذقية حين اصطحبني معه، وصلنا إلى دمشق مساءً، نمنا في فندق (قصر الحمراء) وكان أبي يقودني من يدي وهو يردد:
-(خلّيك جنبي. لا تضيعْ).
أكلنا يومذاك سندويش (فلافل) وشربنا (سفن آب) وها هي زيارتي الثانية لمدينة المعرض. الناس ليسوا بالناس، ولا أجنحة المعرض هي أجنحته، لا شيء سوى مساحة واسعة تمّ تخصيصها لتجمّع الجنود القادمين.
كانوا يتوافدون بأعداد قليلة. منهم من يحمل بندقيّته على كتفه وآخر يحمل خوذته. منهم من (يعرج) منهم من يسقط على الأرض فاقداً الوعي.
كنت ونزار نجلس على الرصيف المقابل للمدخل الرئيسي، ننتظر قدوم الذين نعرفهم. أبي وجنوده. رجال تلّ الفخّار وكنّا نسأل كلّ دفعة تصل عن الأماكن التي تركوها وماذا جرى فيها؟
كانت الشمس مسلّطة فوق رؤوسنا، والصمت يسود المكان فلا الجنود يتحدّثون، ولا الناس، وجميعهم يعيشون الذهول الكامل، حينذاك عبرَ بائع الصحف وهو يصرخ بكل صوته:
- إسقاط أربعين طائرة للعدو. إسقاط أربعين طائرة للعدو.
اقترب بائع الصحف مني سألته:
- وين صارت هالمعركة؟
رد بنزق:
- (أنا شوبيعرفني. هيك مكتوب بالجريدة. وهاي تَبَعْ الأسبوع الماضي.)
- (وليش عم تبيعها هلّق).
- (لأنوا ما في جرايد. وبدي أشتغل.)
قلت:
- (ولك كيف ما في جرايد؟ عم تكذب كمان).
لم أكن أعلم حينها شيئاً عن توقّف الصّحف، وكان نزار يتابع الموقف، وقد بدأت أعصابه تثور.
تناولت الجريدة، وتصفحّت العناوين، حقاً هناك أربعون طائرة سقطت للعدوّ في الجريدة. قدّمتها لنزار فأعادها للبائع قائلاً:
- (روح من هون. روح بسرعة. أحسن ما قوم أقتلك.)
ردّ البائع:
- (ماني رايح. وبدّي ثمن الجريدة. ليش أخذتوها. وقرأتم العنوان).
هبّ نزار واقفاً، وهجم على البائع وهو يصرخ:
- (روح من هون ولك. بدك حق العنوان يا أخو).
هرب البائع بعيداً. من يستطيع أن يضحك في مثل هذا الوقت؟ ولو كان هذا المشهد في غير مكانه وزمانه لضحكنا طويلاً على نزار، والبائع، لكنّ الموقف عبر ببساطة، دون أن يترك أي أثر وكانت المفاجأة غير المتوقعة، والتي تثير الضحك فعلاً هي عودة البائع ووقوفه بعيداً عنّا بقليل وهو يصرخ:
- (وينك. وينك أنتي أخو. مو أنا. أمك وكل عيلتك.)
- استباحوا عرضنا يا رجل.
كانوا يتابعون أحلامهم، ويقاتلون، وحين انتهت معلّباتهم ومياههم، وخبزهم تحوّلوا إلى أبطال حقيقيين، وظلّوا صامدين. لم ينسحبوا من تلهم. وقرّروا تسجيل صفحات لتاريخ سوف يبقى يعتزّ بهؤلاء المخلصين.
يطلّ التلّ على الطريق القادمة من تل أخر يسمونه (العزيزيات) تسمى طريق (التابلين) العائدة لشركة النفط. تلتقي التابلين مع صعود طريق بانياس- مسعدة في منعطف يواجه تماماً تلّ الفخّار الذي يطل على المنطقة بكاملها. لقد تمكّن جنود التل من إفشال تقدّم دبابات العدو عدّة أيام، ودمّروا منها الكثير، وحققوا لغة قتالية رائعة، جعلت العدو يعيد النظر بخطته، وقد اعترف العدو بتلك المقاومة الجبّارة التي واجهتهم في اقتحام التل.
وهذا ما سمعناه من بعض الجنود الذين حضروا من عدة مواقع قريبة من التلّ.
- وماذا عن الجنود؟
- لا أحد يعرف.
كان عبد الناصر قد تراجع عن الاستقالة. ملبياً نداء الشّعب، وأبي لم يعد.
- شهيد. مفقود. جريح.
وصرخت أخيراً:
- يا أبي. يا أبي.
رأيته قادماً من عمق زمن آخر.
ظهره محني، وذقنه طويلة بيضاء، لأوّل مرّة أراها على وجهه، كان يحلقها كل يوم. لم يتكلّم. لم يضحك، عانقته. قبلته.
هل عاد أخوك؟
- عاد
كان مكبّر الصوت يعيد الجُمَلَ التي حفظناها.
شاهدته يبكي. الرّجل القوي يعرف الدموع أيضاً. لم تزل شمس حزيران مسلّطة فوق رؤوسنا، وكأنّ النيران تنبعث من أجسادنا فمنذ نصف شهر لم نغتسل. نسينا وجوهنا وأشكالنا.
- وماذا عن كمال؟
- لم يعد
هز رأسه هزّات متتالية.
- إن لم يمت، فسوف يكون في الأسر.
نقلوا إلينا أخبار كمال، الذي رفض الخروج. حمل علم ساحة البلدية، ظلّ واقفاً. رافضاً الكلام. الحركة. الطعام. ازداد عدد الباعة. صارت أصواتهم تحيط بنا من كلّ الجهات كانوا يستفيدون من تجمّع النّاس الجياع، والجنود وذويهم. عربات للسندويش. أخرى للعيران. للعرق سوس. للتمر هندي. حلويّات مشكلة.
-(بطفي الشوب).
بعضهم نصب ما يمكن أن يردَّ الشمس، وأحضر كراسي القشّ وراح يبيع القهوة، والشاي، والميلو بأسعار مرتفعة. فوضى. روائح. أنفاس. ذباب. أسماء. بكاء. بنادق منكّسة على الأرض. وخوذات متبعثرة هنا، وهناك. سوق سوداء. فماذا جرى؟
تغيّرت لغة مكبّر الصوت.
- على جنود الوحدة… التجمّع في المكان.
لم يحضر جنود تلّ الفخار. سألت عن رمز القطعة، وتابعت البحث عنهم.
- يا أبي غادر هذا المكان فالحرّ لا يطاق.
- يجب انتظار الأوامر.
- نُعلِمكَ كل شي.
- اسكت يا ولد.
- لم يزل الجنود يتدفّقون، وقد تركت شمس حزيران آثارها على وجههم. وسواعدهم. وأخبار التل غائبة. وجثث مفقودة على امتداد المساحة من نهر الحاصباني حتى الحمّة.
- (سندويش).
- (على جنود القطعة).
- (فلافل)
- (شاي)
- وطني صباي وأحلامي.
هذه شوارع دمشق التي عرفتها أنا وسمير ونزار ومنير وفايز، وعشنا ساعات متعتها الجميلة، وعرفنا وجهها البديع، ونسماتها حاملة رائحة الياسمين، وتفاصيل أجساد صبايا (الصالحية) ونحن نمشي حتى مطعم (العيد) لنأكل (الشاورما)، ونبحث عن فيلم سينمائي مناسب وكثيراً ما كنا نفضّل أفلام (الكاوبوي) التي تعرضها (الزهراء) (العباسية) حيث (شامي كابور) والأغاني الهندية.
قال نزار:
- هذا فيلم سخيف. (فتى دمينو) أفضل منه بكثير.
ردّ سمير:
- هذه ثقافة هوليودية. مرفوضة عند الاشتراكية.
غضب نزار:
-أنت تقول هذا الكلام؟ واضح أنّك اشتراكي، وأبوك أيضاً.
ردّ جميل:
- (شُباك؟ شو كفر الزّلمي؟ بالعكس حكا أحسن منك، فعلاً (فتى دمينو) ثقافة أمريكية ما بتلزمنا).
- (شوف التّاني. شوف. صار زكي الأرسوزي البركة).
- كنا قد علمنا أن الأستاذ الأرسوزي معلّم كمال يجلس في مقهى الهافانا ويناقش في فكر الحزب.
ضحكنا، ونزار يتابع:
- على كل حال تبقى السينما الهندية جديدة.
كان (جنكلي) قد أثار مناقشات مطوّلة، فيما بيننا، حسم منير المناقشة حين طلب أن نناولـه ما ترتب علينا من مصاريف وأعلمنا أنه في الزيارة القادمة سوف نزيد المصاريف لأننا سنزور (المكان العمومي) والموضوع يتطلب ليرات إضافية، وبدا النقاش من جديد، كيف؟ أين؟ لماذا؟.
نقل منير إلينا الخبر، ونحن في طريقنا إلى (البرامكة) فغضبنا عليه، واتهمناه بالحقارة،وقذفناه بالشتائم، أما جميل فلم يكترث ولم يعلق فاقترب منه نزار قائلاً:
-(جحشات الغجر، مشبعينك موهيك).
ضحكنا. كنا بمحاذاة جسر فكتوريا في طريقنا إلى (البرامكة) حيث كراج النشواتي، وفهد الذي ينظم رحلات خطّ دمشق- السويداء، بنشاطه، وضحكه الدائم، وحبّ الركّاب له يرحب بنا:
-(أهلين بالشباب. أهلين. وين كنتوا؟ بفيلم (جنكلي) شي حلو هالمغني (شامي كابور) بتعرفوا يا شباب حلمي صِيرْ مطرب؟)
ثم يردّد:
(يا مسافر وحدك، وفايتني. ليه تبعد عنّي وتشغلني)
(فلافل- فلافل)
(على جنود القطعة...)
كانت شوارع دمشق حزينة.
كأنه قَرْنٌ من الحزن والألم، ولم تكن هي التي عرفناها ترتدي ثوب خضرتها. دمشق مختلفة الآن.
-يا أخي قدّيش حلوة إنّو الواحد ينام ولو ليلة بها الفندق.
كان (سميراميس) يتصدّر الشارع، ونحن نتّجه صوب البرامكة وحلمت فعلاً بليلة واحدة.
ترى ماذا في الدّاخل؟
ردّ منير:
- (ما بيشّغلوك هون لجلي الصحون.)
- ليش؟
- (الشّوام خيو. الشّوام للتجارة، والشغل).
(قهوة) (شاي) (ميلو)
كان أبي يدخّن بكثافة، ويشرب العديد من فناجين القهوة منتظراً، وراحت أخبار جنود التلّ تنقل إلينا بوضوح ورفض أبي الذهاب إلى المدرسة، التي جمعت المزيد من الأُسرِ النازحة، هكذا أُطلق علينا.
قال:
- سأعود قريباً إلى هناك.
وأشار بيده صوب الغرب.
كنا نظنّ أنها مجرّد أيام، وسنعود، وكانت أميّ حريصة على دجاجاتها، وبين وقت وآخر تطرح سؤالها:
- يا ترى من يطعم الدجاجات؟
عدنا إلى دمشق كما وعدنا منير وأدخلنا إلى ذلك المكان لنشاهد المؤخرات الكبيرة، والنهود الضخمة، والأجساد الرخيصة.
(تعال يا بيه)
وأخرى تشير إلى جسدها:
(ده عشان بسطك يا بيه)
دخل منير. تبعته. خجلت فهي أول مرة أواجه بها مثل هذا الموقف.
-وإن كنت ما تعرفش. أنا أعلمك.
ضحكت ضحكة طويلة، وهي تضرب على مؤخرة منير العارية.
(قوم يا خوي. قوم الفلوس بتاعتك خلصت)
كان منير يلهث، ويهتز، ويرتفع، ويشخر، وهي ليست مكترثة.
قالت:
-(تعال انت. لازم تعرف إزّاي تشتغل. خجول يا عين أمّك).
مضينا كلّ منا يحمل تجربته الصغيرة. صوب البرامكة مجدداً حيث فهد الذي كان بالنسبة إلينا وجه دمشق في الحضور والذّهاب، فهو الأول الذي يرحب بنا، والأخير الذي يودّعنا.
حدثناه عن المصرية التي عاملتنا كصغار دون خبرة.
*****
قلت لأبي:
-كنتَ ترغب في أن أكون ضابطاً في الدبابات.
هبّ الرجل واقفاً، وكعادته في حالة الغضب، قذف لفافة تبغه على الأرض.
-اخرس يا ولد. اخرس. إيّاك أن تدع هذه الأفكار تغزو عقلك.
جيشُكَ مقدّس، ومن يقدس وطنه. يقدس جيشه وإن خسرنا هذه الحرب، فلنا جولات قادمة، وسننتصر هل فهمت؟
التزمت الصمت، حين هبّ الباعة دفعة واحدة، فقد وصلت دفعة جديدة من القادمين، الجائعين، المنهكين.
كنت أتوقع حضوره إلى مدينة المعرض، ليبحث عنّا على الأقل، وشرحت لنزار توقعّي هذا، فقال:
-أنت حمار.
سألته:
- ما الذي جعلك تكتشف ذلك بعد كل هذا العمر؟
- أنا أعرف ذلك منذ زمن، لكنني لم أحب مصارحتك، يا حبيبي سمير لم يعد يذكرك.
- وإن كنت تظنّ أن سهير تذكرك فأنت غلطان جداً. هؤلاء الناس بينسو بسرعة يا حمار.
قلت:
-سمير ممكن، أما سهير…
واسترجعت ذكرى تلك اللّيلة، وبرغم الرائحة التي أشمها الآن، فلقد استطعت تحديد طبيعة رائحتها. ولعنت في سرّي الطيران، لا يعرف نزار تفاصيل ما حدث، لا يعرف ماذا جرى في نقطة الوسط، بين الممر، وشجرة التوت.؟
ولماذا استسلمت سهير هل كانت خائفة فعلاً؟ من صفارة الإنذار، لكن أباها لم يهتمّ وبقي في الداخل، وبعد عدة ساعات أطلّ علينا.
قررت الذهاب إلى بيتهم في أقرب وقت.
قال أبي:
- ليتني متُّ هناك، كان أفضل لي من رؤية المآسي تلك وراح يشير إلى تجمّع الهزيمة. حيث القلوب المحطمة.
إنها الحقيقة يا أبي فما العمل؟
وأنا أيضاً لم أتوقع أن أراك بهذا الشكل. كل ما فيك يوحي باستلاب. أنت العملاق. ها هي الحرب، وهزيمتها قد حولتك إلى هيكل فقط، ولم تزل تصرخ:
-اخرس يا ولد.
لماذا أخرس يا أبي؟
ترى ماذا حل بهم؟ هؤلاء الذين صنعوا تاريخهم الأبيض.
لا تكترث يا أبي هي أمّةٌ سريعة النسيان يا بطلي الأوّل، والأخير لقد كذبت عليّ. كذبتم علينا جعلتم اللعنة تحل ونحن مع بداية تفتحنا، ماذا يخبئ لنا القادم؟ كبرنا كثيراً يا أبي كبرنا بما فيه الكفاية.
-هذه فلسطين.
أهكذا يا أبي، وماذا سأقول لولدي مستقبلاً؟ أين موسيقا الرّقاد؟
أين الطفولة. أين كلّ شيء؟
فجأة طوقت الشرطة المكان، وترجل عناصرها يحملون الهروات، والمسدسات، وراحوا يحطمون العربات الخشبية، وخيم الشاي، والقهوة.
سألني أبي:
- ما الذي يجري هنا؟
قلت:
- الشرطة تلاحق الباعة.
ضحك نزار لأوّل مرة بعد الهزيمة، كان الباعة يفرّون من أمام الشرطة في كل الاتجاهات، يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أدوات عملهم.
شرطة تحمل بنادق، ومسدّسات، وكرابيج.
غادرت الشرطة مختالة، فقد استطاعت السيطرة على المدينة وتفريغها من الباعة.
قال نزار:
- الحكومة لا تفرض هيبتها سوى على الفقراء.
ضحكت.
- (يا أخي البارحة كنت تقول: لقد استبيح عرضنا من قبل هؤلاء الباعة، ولعنتهم، فما الذي جعلك تدافع) عنهم اليوم؟
- (كل شيء لحاله. هَلّقْ الموقف بيتطلّب الوقوف معهم).
ضد الحكومة.
سرعان ما عادت أصواتهم ترتفع أكثر
(فلافل) (شاي) (حلويات) عادت الأمور إلى حالها وغابت الحكومة.
- من تنتظر يا أبي. الذي حضر. حضر، والذي لم يحضر إمّا في الأسر أو عند ربه في السماء.
- اخرس يا ولد. لن أمشي من هنا حتى وصول آخر عسكري في الجبهة.
- وماذا عن مسألة اخرس يا ولد في كل مرّة يا أبي؟
ردّ بعصبية:
- اخرس يا ولد.
اتجهت صوب بيت سمير في الحي الأنيق، اعتمدت على ذاكرتي في البحث. كنت بحالة شوق لسهير، ورحت أتوقع طريقة الاستقبال لابدّ أنهم سيفرحون كثيراً لهذا اللقاء سأطلب من والدها أيّ عمل لأساعد الأسرة في تخطّي ظروف معيشتها الصعبة، سأحصل على موعد من سهير، فهنا يمكن أن نلتقي في أيّ مكان.
سوف أعاتب سمير لأنه أهمل، ولم يبحث عنّا في مدينة التجمّع.
لم يرجع كمال. بقي مصيره مجهولاً قيل: إنه استُشهد في وسط الساحة، وهو يحمل العلم.
قيل: إنه قيد الأسر هناك. قيل: خرج إلى لبنان عن طريق الحاصباني، وشوهد في قرية الخيام.
ما الصحيح من هذه الأقوال؟
لم يزل الأمر غير واضح.
سألتني نجاة عن علاء، وقررت أن أبحث عنه في التجمعات التي توزعت في الكثير من أحياء المدينة.
سكن جميل في (مساكن برزة) وسعيد في (باب توما)، وأصبح من الصعب أن نجتمع لنعيد تشكيل فريق كرة القدم أو لإقامة معسكر كشفي.
وقرر نزار أنه سيلتحق بكلية الطيران.
رحنا ننتظر العودة، وبدأ كل منا يشقّ طريقه. كنا نجتمع في أحد البيوت بين وقت وآخر، ثم انقطعت هذه الاجتماعات، وتفرّقنا، وضعنا في زحمة هموم الحياة، وموسيقا الرقاد ترافقنا.
وضعت إصبعي على ضاغط جرس الباب، وتراجعت للوراء كنت أتوقع ظهور سهير، وستكون مفاجأة دون شك، فُتِحَ الباب.
تردّدت في السؤال. خشيتُ أن أكون قد أخطأت المنزل، لكن الرجل سألني:
-ماذا تريد؟
قلت:
-أعتقد أنه بيت أبو سمير.
ردّ الرجل:
-يظهر أنّك لم تزرهم منذ زمن.
-نعم
ردّ الرجل بهدوء:
-جميعهم غادروا البلاد. قبل وقوع الحرب بيومين.
-ماذا
-كما سمعت.
-والبيت لم يكن ملكاً لهم.
-لا أبداً، البيت ملكنا، وقد أجّرناهم منذ عدّة سنوات. ثم تركوا، وغادروا إلى أين لا نعلم؟
جُنّ نزار وهو يسمع ما أقول، لم يصدّق في البداية ظنّها مزحة، لكنني حين أكدت له. راح يهزّ رأسه بعصبيّة وهو يردّد كالمجنون:
(العرصات.. العرصات)
تتالت أيام الغياب. مضينا في دروب الحياة، نستعيد الذكريات. غاب سليم جبور. غاب حلم العودة في عينيه. غاب وبداخله نزيف الوطن الحزين …………
رقم الإيداع في مكتبة الاسد الوطنية :
موسيقا الرقاد :: رواية/ زهير جبور- دمشق : اتحاد الكتاب العرب، 2000- 117ص ؛ 24سم.
1- 813.03 ج ب و م 2- العنوان
3- جبور
ع :1700/ 9/2000 مكتبة الأسد
هذا الكتاب
رواية تستمد مادتها من الواقع الجغرافي والاجتماعي والعسكري لمنطقة الجولان السورية ومدينة القنيطرة والقرى المحيطة بها في الستينات من القرن العشرين ويرسم الكاتب فيها شخوص روايته بواقعية من خلال تصوير الأحداث الكبيرة والصغيرة، والعلاقات الاجتماعية التي تتداخل وتتنامى حتى تصل إلى نهاية وكأنها الحتمية لهذا الواقع.
(رجّعوني عينيك لأيّامي اللّي راحوا
(رجّعوني عينيك لأيّامي اللّي راحوا
خلّوني أندم على الحبّ، وجراحوا.).
خلّوني أندم على الحبّ، وجراحوا.).
( وطني وصبايا وأحلامي
( وطني وصبايا وأحلامي
وطني وهوايا وأيامي )
وطني وهوايا وأيامي )