-1-

9 0 00

-1-

كيف أحبك؟ ...

لا أعرف. انغلقت إرادتي وتمعق الزمن الموحش فيَّ وانفتحت كل حواسي على البياض.

لقد تواطأ البرد والوحدة على هذه المقبرة فزادت توحشا. الشتاء قاس، ونيست أن كل شيء يتغير في هذه المدينة إلا فصولها، فهي تظل ثابتة. أُدخل رأسي داخل المعطف الخشن وأفرك يدي مثل الذي انتصر أخيرا على قسوة الزمن حتى أشعر ببعض الحرارة:

ها أنذا اليوم أسلك المعابر الأكثر حزنا وعزلة وأسألك مريم، كما وعدتك قبل عشرين سنة وقبل أن أعود إلى أرضي وأترك المدينة نهائيا: هل أنت سعيدة؟ هل تشعرين بالبرودة التي كانت تخيفك وتخيف أمك؟

أدرك اليوم وأنا أبحث عن أقرب السبل لعزائي، أن قصتنا لم تكن أبدا ككل القصص.

“Tout simplement un grand gachi, une grande amertume et un gout d’inachevé. Dommage pour une si belle histoire”

من أين يأتي هذا الصوت الصافي مثل شعاع شمس صباحية؟ مريم؟

لا. لقد انتهى كل شيء. مريم انسحبت بدون ضجيج كبير. اختارة مشفى الرازي وسارة وأكثر الأيام مطرا وبرودة وخرجت بدون أن تقول لأحد كلماتها المعتادة: تصبحون على خير يا أهل الخير، غدا يوم آخر.

انطفأت في تلك الليلة الباردة كما تنطفئ النجمة الهاربة في سماء جافة وانحدرت نحو فراغات السواد ثم سدت وراءها كل أبواب السماء ولم تلتفت وراءها. مريم لا تحب الحلول الوسطى، إما الحب بجنون أو الموت بدون تردد. أتساءل أحيانا لماذا نحن في هذه البلاد بكل هذا القدر من المبالغة في كل شيء. لا يمكن أن نرتاح إلا عندما نصل إلى النقطة العالية التي يتساوى فيها الحب بالكراهية؟

في مثل هذه المدينة، في مثل هذا الشهر الشتوي البارد وفي مثل هذا اليوم، انطفأت مريم وهي تعطي الحياة لكائن لم تبق معه إلا دقائق معدودات، رأته ثم تمتمت، تقول سيلفيا: ياه؟ لو كنتَ هنا لكنتَ أول من يرى سارة. ما عليهش غدوا عندما نستيقظ أتمنى أن تكون أنت أول من تراه سارة. الوجه الأول حاسم في حياة الطفل. تأملتْها قليلا ثم أغمضت عينيها ونامت بهدوء لم يستطع أحد إيقاظها بعد ذلك وكأنها فجأة أصيبت بتخمة حب من محيطها القاسي.

"أستطيع اليوم أن أموت بدون خوف."

جملتك الدائمة. خلتك تتمتمين وأنتِ تودعين آخر خيط شمس بارد انكسر من وراء زجاج قاعة التوليد في مستشفى الرازي أو وأنت ترتاحين قليلا من شطط الكتابة، القلم في فمك ونظراتك تحوم بعيدا خارج القاعة التي لا يورث بياضها إلا المزيد من الوحشة، تفكرين في الجمل التي لم يمنحك القدر وقتا كافيا لإخراجها من العمق. يأتيني صوتك من بعيد محملا بالعطر الذي كنت تضعينه لآخر مرة وأنت تغادرينني في حي سوق ساروجا الشعبي، وبإيقاعات رافي شنكار Ravi Shankar والشيخ العفريت، التي كنتِ كلما سمعتِها تأخذك بعيدا نحو بحر لم يعد اليوم إلا سحابة صغيرة لا ماء فيها؟

صباح الخير يا مريم. صباح الخير يا روحي.

تضعين رأسك بين يديك... صباح الخير ... ياه؟ من أين يأتي كل هذا الوجع هكذا دفعة واحدة؟ من الصعب علي أن أتحمل كل هذه الصدف القاسية لوحدي.

أرجوك يكفيك من هذه الكآبة. الصمت قاس ومؤذ يا سيدة النور والفجيعة. قومي، البحر اليوم فتح أشرعته. سان جون بيرس الذي سلب عقلك وهبَّلني معك، كان مخطئا. المراكب ليست ضيقة والقلوب لم تفقد اتساعها والمحيطات لم تجف والبحر لم يرحل والأمواج ما تزال هنا، تنتظر مرور الغرباء والمحزونين. أراكِ الآن بكل طولك وأنت تقفين وسط الصالون مثل الممثلة التي تؤدي مقطعا حاسما من مسرحية كلاسيكية، بين يديك ديوان سان جون بيرس، تتلفقين الكلمات من فمه كعصفورة:

ضيقة هي المراكب.

ضيق سريرنا.

للبحر وحده سنقول:

كم كنا غرباء في أعراس المدينة.

-يا الله من أين يأتي هذا الرجل بكل هذا السحر. تعرف وصيتي عندما أموت ما هي؟

-يزي من التمسخير. عقلية مكرفسة. فكري في الحياة أولا قبل الذهاب نحو الموت.

-وحياتك أنا جادة.

-ومتى كنت غير جادة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الشعر والموت وسان جون بيرس؟ كأنك تريدين استباق الزمن.

-بالفعل أنا جادة. أتمنى أن توضع على قبرى هذه الأبيات. لقد لامس عمق الأشياء الدقيقة فيَّ برؤوس أنامله وكلماته الدافئة مثل نور شمعة معزولة في عمق الصحاري.

-إن شاء الله.

أقولها للخروج من المأتم وحالة الموت. لم أكن أعرف أن يدا خشنة كانت تخط على بياض الغيم أقوالي لتشهدني على تواطئي مع الأقدار القاسية.

ثم ... لا تتوقف. تواصل فلي الكتاب حرفا حرفا وكلمة كلمة بحثا عن أجمل الهزات والرعشات التي تخلفها الأشياء الجميلة. عن أسئلة البدايات التي كانت تشغل أشواق عيد عشاب وتؤرقه.

"باب البدايات: أصعب الأشياء في الحياة هي البدايات. عليها تترتب كل الحماقات اللاحقة. لأول مرة أنظر إلى الشمس في هذه المدينة بعينين مفتوحتين عن آخرهما فلم أر لا أشعة ولا بياضا ولا حتى تلك الانكسارات الملونة التي تعودت رؤيتها كلما واجهت الشمس بعيون عارية ولكني رأيت والدي الذي نسيني في هذا القفر وهو يركض نحو السواد، تاركا وراءه امرأة طيبة، تنتظر يوميا عودته على الحافة الفاصلة في حي الزاوية في مدينة تبسة، بين المقبرة والمدينة، حتى صارت مثل السراب. أعتقد جازما أن الشمس انسحبت وأن كل ما كنت أراه هو مجرد بقايا انكسارات هائلة وشظايا كانت تنطفئ الواحدة تلو الأخرى.

آه يا أبي، ماذا فعلتَ؟"

من أوراق عيد عشاب