-4-
بعد عدة أيام أطلق سراح أخي . وبقي غير مصدق انه قضى سنة ونصف السنة بعيدا عنا . و كلما حاصرناه بأسئلتنا ينفجر بالبكاء ويصرخ فينا .
-لا اتذكر شيئا . والله لا أتذكر .
-والكنز ؟ كنت بعد ارتقائك التل تنادي علينا أن نسرع وتقول انك وجدت كنزا من الذهب .
-كل ما أتذكر 00 اني صعدت التل وحين شارفت الوصول الى القمة التفتت نحوكم ، فلم أجدكم . ناديتكم فلم تجيبوا . عدت مسرعا الى السيارة ، فلم أجدها في
مكانها .. أول الأمر تصورتكم تختبئون في مكان ما لاختبار شجاعتي . فتظاهرت بعدم المبالاة وسرت بهدوء نحو المدينة لكن السكون المخيف الذي يخيم على الصحراء
جعلني أغذ السير مسرعا وحين غابت الشمس بدأت أعدو بأقصى سرعتي .
وفي النهاية نكف عن طرح الاسئلة . ونحمد الله على عودته سالما .
لقد لاحظت على عباس انه صار منطويا هادئا . ولم يعد ذلك الفتى المتمرد الجامح الذي كانه . وكانت تنتابه بين آونة وأخرى كوابيس ثقيلة يهب على إثرها مذعورا
من نومه : هاتفا ( الشيخاليين .. الشيخاليين .. )) … وحين نهرع اليه ونسأله عما رآه وعن معنى (( الشيخاليين )) يظل مذهولا ، وينكر أنه ردد هذه العبارة
.¸
لقد واصل دراسته بتفوق ملفت للنظر . وأصر على دخول كلية العلوم ( قسم الجيولوجيا ) .. ونجح بتفوق في السنة الأولى .. ومع الأشهر الأولى من السنة الثانية
بدأت الكوابيس تنهش نومه بشكل متواصل . فصار شارد الذهن مشتت الأفكار ، خائفا من المجهول . مما اضطره أن يبعث لي ببرقية يدعوني فيها للحضور الى العاصمة
.ومرافقته لمراجعة طبيب نفسي . وتواصلت زياراتنا للطبيب الذي اخبرنا أن شفاء عباس مرهون بإعادة الذاكرة له عن طريق سلسلة من الجلسات التحليلية كان
آخر لقاء لي بعباس في مقهى صغيرة تقع على مقربة من مبنى كليته . جاءني شاحب الوجه مرتعش الساقين ، وقبل أن يحتسي قدح الشاي قال :
-أراني أقف على حافة الجنون .
-كيف ؟
-تصرفت اليوم تصرفا غير منطقي في قاعة الدرس
-00000
ارتشف من كوب الشاي وواصل حديثه :
-(( كان الاستاذ يستعرض النظريات التي تناقش باطن الأرض …تناولها بعرض موجز . وأنهى حديثه بالتطرق الى نظرية فحواها ان الأرض مجوفة وقد وصفها بأنها
نظرية لا يعتد بها . وأن علماء الجيولوجيا يستخفون بصاحب هذه النظرية … عند ذاك وجدت نفسي أقف محتجا وأرد على الاستاذ بنبرة غليظة :
-من قال لك ان الأرض ليست مجوفة ؟
-القرائن العلمية تقول ذلك وقد درسناها مفصلة خلال الشهر الماضي .
-تعني أجهزة رصد الزلازل . وتغيير ذبذبات م وذبذبات ط .. أنها ليست أدلة كافية أبدا ويبقى الرأي القائل بأن الأرض مجوفة هو الحجة الدامغة .
-وما الدليل ؟
-الدليل آني رأيتها بعيني هاتين … وصلت الى باطن الأرض ووجدتها مجوفة .
تساءل الاستاذ مستغربا :
-وصلت الى باطن الأرض ؟ … كيف ؟
علق أحد الطلبة :
- في الحلم طبعا .
ضجت قاعة الدرس بالضحك وعبارات السخرية ووجدتني أترنح على مقعدي مذهولا .. ولم ينقذني من مواصلة توبيخ الاستاذ لي إلا رنين الجرس ومغادرة القاعة
.
وجدت نفسي غير قادر على مواصلة بقية المحاضرات فغادرت الكلية هائما في الطرقات ابحث عن تفسير مقنع لتصرفي هذا … فحين كنت أتفوه بتلك الكلمات لم أكن
مازحا و لا متهكما بل كنت جادا كل الجد ومقتنعا تمام الاقتناع بما قلت . علما بأن كل ما درسناه - خلال السنتين الماضيتين - يؤكد على ان الأرض لم تكن
مجوفة . وأن حرارة باطن الأرض تصل الى أربعة آلاف درجة مئوية تقريبا . فكيف تسنى لذلك الوهم أن يتغلغل الى ذهني . وفرض نفسه على تفكيري ؟ …. ثم ما
معنى اني وصلت الى باطن الأرض ووجدتها مجوفة ؟ أهو بداية إلهذيان ؟ أم هي الافكار التسلطية ؟ .. كما يسميها علماء النفس .