الجزء الأول
أكتوبر
النفري
(وقال لي
القرب الذي تعرفه مسافة،
و البعد الذي تعرفه مسافة، أنا القريب البعيد بلا مسافة.)
جميعهم رجال
جميعهم رجال،تهتف رائحة العرق المشوي بشمس الدرت الحارقة،شمس أكتو بر،تملأ الأنوف زنخا لا يحتمل،الجنقو يتشابهون في كل شيء،يقفزون في مشيهم كغربان هرمة ترقص حول فريستها،يلبسون قمصان جديدة تحفل ياقاتها بالأوساخ التي عمل العرق والشمس،ريح السموم،التربة الطينية السوداء و الحزن علي تنصيبها شاهدا علي صراع مرير بين المكان والزمان والإنسان. يفضلون الجينز،هكذا خلقهم الله،الجينز ذا الجيوب الكبيرة الكثيرة و العلامات التجارية البارزة المكتوبة بخطوط عريضة واضحة مثل : كونز، وأنت،كنج ستون،ليييي مان، ديفو و ماركات أخري قد تجود بها آلة الغرب، لا يعرفون ماذا تعني يكفي أن تكون بارزة و يؤكد التاجر علي أنها صنعت في أمريكا أو فرنسا حتى يدفعون لأجل الحصول عليها مالا سخيا،يلفون حول خصورهم أحزمة من الجلد الاصطناعي تعلق بها سكاكينهم الغرباوية ذات النصل الطويل فتبدو هيئاتهم مثل مخلوقات غريبة لا تنتمي إلي المكان،لكنها تقلد كل شيء فيه،بالأخص كليكة السمسم المحزمة جيدا،أحذيتهم دائما جديدة،في الغالب لا يهتم أحد بتهذيب شعر رأسه، فيما بعد حدثني ود أمونه بأن عاناتهم كثة و أنهم يهملونها، يتركون شعر رأسهم الجاف الذي يميل إلي الحمرة –بفعل الشمس- القصير الخشن : متشابك .
هذه ليست هي المرة الأولي التي نصطحب فيها بعضنا إلي مكان لا نعرفه، فمنذ أن طردنا من وظائفنا للصالح العام، قبل خمس سنوات، تجولنا كثيرا في أنحاء السودان،هو من أسرة ثرية، وهو أيضا يمتلك من المال ما يجعله يتفرغ حياته كلها للجري وراء متعة المشاهدة كما أطلقنا علي ما نقوم به من(تسكع و تلكع) في بلاد الله الشاسعة، أنا فقير و لكني عازب و لا أتحمل مسئولية أحد غير نفسي أخواني و أخواتي متزوجون،بعضهم خارج السودان و البعض في الداخل واتخذوا طريقهم المحتوم في الحياة، أمي و أبي متوفيان،هو يساعدني كثيرا في تحمل مصاريف السفر و متعة المشاهدة ...
دندن في صوت مرح،
رجال ...رجال ...نحنا في حلم.
قلت له،
أنا شفت واحدة قبل قليل.
يبدو أن الرجل الذي يجلس قربنا يحتسي القهوة لم يكن منشغلا بموسم الحصاد،الربح،الخسارة،العنتت، القبور،الكعوك، أو الزرازير الجشعة أو بما تقدمه له رشفات القهوة من متعة قد تبدو عظيمة. أذناه تتصيدان ما نهمس به،ربما نفكر فيه أيضا،قال لنا دون مقدمات و بحماس عال و ساذج،
مشيتوا بيت الأم ..لازم تزوروا بيت الأم..
نظرنا إليه معا في لحظة واحدة، سأله،
نحن؟
أيوا ..بيت الأم ..ما معقول ...غريبة ..لييه..ما مشيتوا بيت الأم؟
بيت الأم؟
نعم ..بيت الأم؟
آه ..بيت الأم.
أيوا ...بيت الأم.
ثم أضاف و كأننا نعرف كل لغات الدنيا،
قذا أدي!!!!!!!!!
علمنا هذا المكان
علمنا هذا المكان قيمة العمل، قالت لي بالتجرنة،المرأة النحيفة المتوسطة الطول وهي تعبث بقدر عليه ماء علي منقد صغير،ثم أضافت بعربي الحدود،
راجلي ضعيف زيك كدا.
رفعت عينها إلي كأنها تريد أن تتأكد من موقعي في القطية..
بالله عندك راجل؟
كان استنكاري بشعا ..أحسست بمرارته في حركة سريعة قامت بها .
حركة غير مخطط لها،عندما أتي صوت جميل يغني من الخارج،قالت منادية،
ود أمونه ... يا ود أمونه..عليك الله تعال دقيقة.
أستأذن شاب وسيم ناعم له شارب كبير أنيق،يلبس بصورة لا توجد في الشارع ربما إلا في بعض مكاتب الحكومة أو موظفي شركة الاتصالات الذين التقينا بهم في السوق،قالت له :
ما جبت سجاير للضيف
قلت له إنني لا أستخدم السجائر لكنني أفضل الشيشة وأحتاج الآن "لحجر معسل " عادي .
ابتسم ود أمونه وخرج بسرعة دون أن يقول شيئا لكن رأيت في وجهه رضاء تاما وقبولا للتكليف فريد.
قالت من تلقاء نفسها
_ دا ود أمونه .. تعرفو ؟!
_ أنا ما جيت هنا قبل كدا ..
_ معليش .. ود أمونه دا أشهر زول هنا ..قاعد يعمل في بيت أديَّ .. ولد ممتاز
دخل في هدوء كالنسيم،وضع الشيشة أمامي في أدب جم، خرج دون أن يقول شيئا،أضافت ماءً نقيا للقدر الكبير،هدأ فورانه،أخذت تجمع حاجيات القهوة من خارج القطية نلم أعتد علي لباس الملاءة نلونها أبيض مما أظهرني كحاج تعب أرهقه الطواف،أعرف أن "صاحبي " قد يفعل في ساعة ماسيقوم بفعله شخص مثلي في يوم كامل أعرف أنه مامن غامض يقف أمامه،انه يفض كل شئ :غموض،امرأة،حجرة ..اي شئ،لم أشغل نفسي كثيرا به،"الزقني الذي أحبه بالشطة "الدليخ"أكلته "بالقيح بربري" لذيذا وطاعما عبق حرق البن الحبشي كان،أثار فيَّ ذكري امرأة كلما اتقيتها أكرمت قدومي بالقهوة..
كنت تعبا مرهقا كحمار عجوز والسفر إلى الحلة بالمواصلات العامة وخاصة علي ظهر البربارا يعتبره البعض نوعا من الانتحار ..
الناس البعرفوا البلد دي .. بركبوا البص ..البص أضمن وأسرع .. البربارا موت أحمر عديل ...
كانت تدلك ظهري بخليط من الحنظل،أبي فاس،زيت الزيتون وعجين القمح،تتحدث بصورة مستمرة عن المكان الزمان أديَّ،ود أمونة،البنك الذي سيفتتح فرعاً له في الحلة،شركة الاتصالات التي سوف تجعل الحلة قريبة جداً من العاصمة الخرطوم بل يمكن الاتصال بأسمرا أو أديس أبابا أو أمريكا ذاتها فكانت تقول عن ود أمونة أنه الرجل الوحيد والذراع الأيمن للنساء هنا بالبيت،وفي ما يشبه تقريرا قصيرا مقتضبا أفضت ليس بأسرار المكان كلها،كانت ما فوق الثلاثين بقليل تبدو عارفة بالحياة خبيرة بكل شئ،تحيط بها هالة من القداسة،أو كما يبدو لي،مثلها مثل كل النساء كانت جميلة وغامضة ولديها ما تقدمه،وجهها يخبئ فرحةً أو حزنا أو أنه يفصح عن الاثنين في آنٍ واحد،بحرفية بارعة سجلي اليسرس عكس دوران الساعة ثم جذبتها للأعلى في ذات اللحظة التي تناولت فيها يدي اليمني وجذبتها اليها بقوة مما جعل جسدي يصدر صوتا بائسا مثل كسر فرع لوسيانا بواسطة ريح شمالية قاسية... ولو أن الامر لم ينعد ثواني معدودات لصرخت أوبكيت ..عندما تركتني كنت أنعم براحة جسدية لاتوصف وخدر لذيذ.. قالت لي :
_أنا ماشة البيت
قلت
_ البيت
_أيوا ..أنا بشتغل هنا مع أديَّ ولكن أنوم في بيتي .. عندي أولاد وراجل هناك.. ثم أضافت بحرفية
_ عايزة واحدة تنوم معاك ..؟!
في الحقيقة لم أكن متأكدا من هذه الرغبة،حيث أنني والحق يقال لست نسوانيا أوميلا للمارسة الجنسية وربما لم افعل هذا الشئ كاملا في حياتي،كنت خجولا في هذا الجانب من حياتي ..،ولكن وجدت نفسي أقول لها
_عايز
قالت لي وكأنها تعد إجابتها من قبل..
"الم قشي ".."ألم قشي " حتجي تنوم معاك الليلة .. الليلة يومها ..بت ظريفة وحلوة وحتعجبك ..
ربما أرادت أن تقول شيئل آخر لكن جاء صوت الام أدىَّ مقتحما هدوء المكان،كان لها صوتا متميزا حاداًنولكن به رقة طاغية وربما سببها الطريقة التي تختتم بها الجمل القصيرة التي تلقي بها هنا وهنالك،إستأذنت الدخول وتحدثت إليَّ مباشرة
_ صاحبك دا أغرب زول في الدنيا !!
لم أفاجأنلأنني أعرفه جيدا،فهي لم تكتشفقارة جديدة كمتا تشير الطريقة التي أعلمتني بها ..قلت لها ببرود كم يعجبها كثيرا وربما أثار دهشتها لبعض الوقت
_ نعم .. هو أغرب زول في الدنيا .. عايزاني أمشي معاك ليهو ..ولا تجيبيه هنا ... حيكون عمل مشكلة .. أنا عارف.!
قالت لي بطريقة إستعراضية
_ طردناه ..
قلت منزعجا .. حيث أنني لم أتوقع ذلك
_ طردتوه .. ليه .. وين هو هسع ؟!
بينما كنت أجمع حاجياتي وأتحرر من الملاءة البيضاء تأهبا للخروج كانت الام تحكي لي قصة لم أسمعها جيدا ولكنني فهمت منها أن ذلك حدث قبل ساعتين كاملتين من الزمان وأنني لا يمكنني معرفة مكانه غلا إذا ذهبت معي هي ...
_ ليه،ما قلت لي في وقت مبكر ..
قالت بثبات
_ كنا نحاول معالجة الموضوع ..
قلت منزعجا وقد تحررت من الملاءة تماما
_وين هو ؟!
قالت
-مابتعرف مكانو .زأرح وراي ,,
إنتعلت حذائي،لبست بصورة كاملة ..،لم أكن قلقا ولو أنها ألمحت إلي بأنهم قد يقتلونه .لأنني أعرف أن لا أحدعلي الاقل "بالحلة "يستطيع أن يقتله وهو من الذين لايخطر علي قلب أحد انهم قد يموتون الان،بل دائما ما يعطونك إحساساأنهم سوف يسيرون في جنازتك،يحفرون قبرك ويشيلون الفاتحة علي روحك متنطقين بغبتسامة حزينة طوال أيام الحداد ....
مررنا أولا أمام راكوبة صغيرة مضاءة بضوء خافت يجلس وسطها ود أمونة وهو يدلك قدميه بحجر خشن يستخدم لإزالة الجلد الميت من علي القدمين،تقف خلفه غمراة في عمر إديَّ تقريبا تلتفط الشعر من علي ظهره بالحلوي وهما يتحدثان بصوت خفيضنتوقفا عن الكلام عندما مررنا بهما أنا وأديَّ .. خاطبتهما أديَّّ مداعبة
_ الولد دا وادينو الدلالة ؟1
قال ضاحكا
_ النظافة من الايمان يا أدي ..
بيني وبين نفسي قدرت أن ود أمونة "ولد غير نافعط
"زول يشيل جسمو بالحلاوة ويكرش جلدو بالحجر .. وما معروف تاني يعمل شنو !!
عندما أبتعدنا قليلا عنمهما قالت لي ادي و:انها قرأت ما يدور في ذهني
_ ود امونة دا أرجل واحد في" الحلة"
هززت رأسي غيجابا ومضينا عبر طريق ضيق يمر خلف قطاطيها الكثيرة الكبيرة،كانت الام تسير أمامي سمينة قصيرة تتبعها رائحة الصندلية ماركة التاج الاصلية،يسمع لمشيها طقطقة يعطيها اليل سحراً خاصاً،كانت التحايا تصلنا من هنا وهنالك متسللة عبر سياج القطاطي وأبواب الرواكيب وسقوف القش ز
مساء الخير أدي ..
مساء الخير ادي
-أمي مساء الخير..
تأتيها التحايا مخلوطة بوحوحة العاشقين وثفاء السكاري بفحيح الفعل الليلي ونداء الاجساد الحية النشطة تستجدي ملائكة المتعة او شياطينها الامر سيان
قالت لي وهي تتحدث باستمتاع خاص
_ الدنيا لعبة وىخرتها كوم تراب ..
هززت رأسي موافقا.. بالاحري بما يعني: فهمت
مررنا بصوت سيدة كانت تستنجد علناً وبصوت عالٍ وبائس بأن يأتي من ينقذها .. وأنها سوف تموت إذا لم ..،تسترحمه وتستجديه أن يتركها .. لأنها تختنق الآن .. النجدة
وأندفعت نحو القطية إلا أن الام أمسكتني من يدي بقوة قد لا تصدر من امرأة قائلة وبصوتها بحة خفيفة
_ ما تصدق النسوان ..
ثم إنتهرتها بصوت حازم ..
_ يا بت !! .. أخجلي !!
فصمت الصوت،عبرنا نحو شارع مظلم خارج مجمع أدي السكن،كان السكاري والعابرون يلقون علينا التحايا في كلمة واحدة
_ أدي ..
فتجيب أدي بصورة ميكانيكية ولكنها حنينة
_ أهلا ولدي
_ أهلا بتي
أهلا أخوي .
_- أهلا أمي .. أهلا أبوي ..
كانت تعرف وجوههم السوداء المظلمة وجهاً وجهاً،وتعلم أصواتهم المخمورة المبحوحة وتراً وتراً،أشباحهم،هيئاتهم،غيقاع مشيهم،رائحتهم، انفاسهم،قالت لي فجاءة
_ صاحبك دا أول زول ينطرد من بيتي !...
في أكثر من ثلاثين سنة ... قبالو كان واحد بس ... هو منقستو هايلو ماريام.. قبلما يبقي رئيس دولة .. كان "فالول " هنا في خور الحمرة .. كان زول صعب .. الله يرحمو .
قلت ..
_ وين الزول دا ..
قالت
_ الله يرحمو .. مات زمان ..
لم أقل لها أنني أقصد صديقي،هززت رأسي إيجاباً يمكن سماع طقطقطة حذائها في ظني،في كل البيوت المجاورة،مررنا بالمرأة التي سوف يكون لها شأن كبير في هذه الرواية وهي الصافية،غمرأة نحيفة سوداء كالعادة،حيث أن الظلام يصبغ الجميع ببهائه،تحمل شيئاً في يديها ويتبعها رجلان، تبادلتا التحايا بينما سكت أنا وصمت الرجلان،عبق العرق البلدي مختلطاً بضان نفاذ وعرق كادح .... عندما أبتعدوا قالت لي ..
_ الليلة الجنقو نزلوا ما شايفهم شايلين القوقو كيف ؟!
_ المرة برضو جنقاوية ؟!
قالت ضاحكة
_ دي أكبر جنقاوية في الشرق كله .. من هنا للحمرة .. مافي زول ما بيعرفها وجدودها والشياطين هم الفتحوا البلد دي ..
قلت مندهشاً
_ الشياطين !!..
قالت بثقة
_ أيوا .. الجن .. البلد دي مسكونة بالجن .. والكلام دا مذكور في الكتاب
_ ياتو كتاب ..
قالت بسرعة
_ كتاب الدين .. قال لينا الفكي علي ود الزغراد الكلام دا .. في زول عالم أكتر من الفكي علي ود الزغراد ؟!
هززت رأسي بالنفي،حيث انني لااعرف من هو الفكي علي ود الزغراد هذا بالاضافة الي أنني لا أرغب في الحوار .. كنت مشغولاً بمصير صديقي فلقد مشيت خلف "أدي "
مسافة تقدر بالميل ربما عبرنا صفين آخرين من بيوت القصب والقش القطاطي الكبيرة، وتهيأ لي أننا نا نسير فيزاوية منفرجة، حينما بلغنا ما أعتقد أنه قاعدة المثلث،سمعت صوته،عالياً،بل يصرخ صراخاً وهذه أيضاً إحدي عاداته السيئة،وهي ليست علامة غضب،ولكن دليل علي أن الامور تسير في صالحه بصورة جيدة،كان يهتف قائلاً
_ أنا قلت ليكم ما بدفع ولا تعريفة واحدة ودا مبدأ !
كانوا في حوش كبير من القصب والشو ك في وسطه قطية كبيرة وراكوبة ترسل ضوءاً شحيحاً من عمقها،كانوا تحت ظل الضوء الشحيح، تبدو أشباح الرجال الخمسة جلية وواضحة .. قلت لهم
_ خلوه .. سيبوه ..
قالت لهم الام "أدي" وتتحرك في وجهها عينان قلقتان كبيرتان
_ خاوه صحبو دا ممكن يحل معاهو المشكلة
قال مخاطباً إياي
_ أنا عايز أفهم الناس ديل الفرق مابين الرذيلة والفضيلة .. الفرق القروش العايزني أدفعها دي ... القروش البتحول اللقاء الحار الانساني البديع الخير المبارك البيني وبين الزولة دي "مشيراً إلي عمق ظلام القطية " الي نوع من الدعارة ..
فجأة أتي صوتها من عمق سحيق قائلة ً في بجاحة
_ انا عايزة حقي يازول .. داشغل أنا ما بتنفع معاي فصاحة الشوعيين الكفار دي .. عايزة حقي .. عايزة حقي .. دورين زي السم !! وتقول دي دعارة .! .. دورين ودلكة وعصير رجلين وطقطيق أصابع ومص وعض .. دا كلو مِلِحْ !!
يبدو أن الحوار كان يدور بهذه الشاكلة أكثر من ساعتين،حوار الطرشان،في تجمعات صغيرة بين هنا وهنالك يري الندماء،قرب راكوبة باهتة تحت فيها كان ظلاً عصرياً ثم أبتلعه الظلام وتركهم،رائحة سمسم يشوى،قرقرة شيشة قريبة جداً،سيدتان تضحكتان بتحفظ،قال لي ..
_ المرة دي جابتك ؟!
قالت أََدْيَّ منفعلةً
_ أنا "أدي " مش المرة دي !! .. سامع ؟!
إنتهره أحدهم
_ إتكلم مع أدي بأدب ؟!
قلت لأدي متجاهلاً كل شئ ..
_ أنا عايز أرجع ..
قالت لي مندهشة
_ ترجع وين ؟!
قلت لها
_ القطية ..
قالت
_ عايز ترجع قروشك ؟!
حيث أنها كانت رأتني وأنا أعطي المرأة نقوداً كثيرة ..
قال لي محتجاً
_ إنت دفعت قروش !! .. إذاً إنت إنسان فاسق داعر ..
لم أرد عليه ..،قلت "لأدي" متجاهلاً كل شئ
_ عايز أرجع القطية ..
قالت لي بإنشراح بالغ
_ إنت إنسان مختلف، مازي صحبك ..
قال لي بصوت مرح
_ نتقابل بكرة يا أبو الشبلب .. يا فالح هززت رأسي إيجاباً،وأعرف أنه قد لا يري ذلك ولكنه يفهمني جيداً...
عبر زقاقين قصيرين وجدت نفسي عند مجمع أدي السكني أو" بيت الام"كما يسمونه ..
حيث التقيت لأول مرة "بألم قشي"..
***
قابلناها في سوق
قابلناها في سوق" القندي" ، وهو سوق الملابس المستعملة الرخيصة يقام علي هامش السوق في مكان خجولٍ منزو حتي يضمن خصوصية الرواد وخصوصية البائع والبضاعة ،يرتاده الجنقو بين حين وآخر أما لبيع ملابسهم القديمة أو إستبدالها أو لشراء أخري جديدة أو حتي لمعرفة ماذا بالسوق قد يشترونه عندما تكون في حوزتهم النقود أي عندما ينزلون الخلاء ..
رأينها من بعيد تقف مع أمام البائع تتفاوض في شراء جلباب قال فيما يشبه الهمس ..
_ الصافية .. الصافية الرعيبة .. أنا عايزها .. عايز أتكلم معاها ..المخلوقات البسيطة المهملة دي فيها أسرار ولديها تجارب مدهشة ..أنا عايز أعرف كل حاجة عنها ...
قلت له بالطريقة التي يتحدث بها ..
_ عايزها مشروع حياة ..
_ بالضبط .. حتكون إضافة حقيقية لحياتي ... تصور لو عرفتها تجاربها في الحياة .. الغريبة .. المرة دى تحكي عنها أشياء أقرب للأساطير.... كلمني عنها مختار علي ..
_ منو مختار علي دا ..
_ واحد مريض إتعرفت عليهو أمبارح بالليل ... رجل طيب .. بت معه في البيت ..
وبأسلوبه المباشر المعروف ..طلب منها أن تسمح له بدفع ثمن الجلباب ، مانعت قليلاً ولكنها قبلت وشكرتنا الاثنين معاً ..ثم تبعناها إلي سوق الكجيك "السمك الجاف " ودفع لها ثمن رطل رطلين من "الكجيك ط وكومين من "الفرندوط وربع اللوبة لبيضاء وبعض "الشرموط " "والمصران " ..قالت ممتنة
_ كدا تكونوا وفرتوا لي قروش للمريسة ... وأطعمتوا خمسة رجال مساكين ..لأنو دا "الميز " بتاعهم .. بعد يومين حنرجع الخلا
قال لي وكأنه يهمس
_ ليه ما نمشي معاهم الخلا ..أنا عايز أشوف الجنقو في مواقع عملهم .. أنا عايز أدرس حياتهم دراسة من شاف وعايش وعاش ..
ضحكت من كل أعماقي ، أنا أعرف أنه لا يستطيع فعل وأعرف أنه لا ينفك من كونه بورجوازي صغير متخم بالمتناقضات والادعاء والاحلام الكبيرة ،يحاول أن يقضي عطالته "صالحه العام " في مكان يقدم له الدهشة الانفعال ،الاثارة والمتعة ..."متعة المشاهدة"
أما أن يعمل في قطع السمسم فهذا من المستحيل العلاقة التي بيني ةبينه قائمة علي الصراحة والوضوح ،،بالاضافة لأننا كنا نعمل بمصلحة واحدة وطردنا للصالح العام معاً ،إللا إننا عشنا طفولة واحدة في قشلاق السجون بمدينة القضارف ولو أنه كان يسكن في قشلاق الضباط حيث
ان والده كان ضابطاً كبيراً يعمل مديراً للسجن ووالدي جندي بالسجون ، إمت علاقتنا من المدرسة إلي الحي إلي البيت ثم لم ننفصل عن بعضنا البعض أكثر من ثلاثين عاماً .. كلانا كان كتاباً مفتوحاً مفضوحاً أمام الآخر حيث أننا كوِّنا نفسياً ومعرفياً بصورة تكاد تكون متطابقة ، قرأنا في مدرسة واحددة ،نشأنا في بيتين ولو أنهما مختلفان بعض الشئ إجتماعياً ألا نشأنا في البيتين معاً ،بيتنا وبيتهم ، قرأنا معاً ذات الكتب وأندهشاً باكتشاف جبران خليل جبران والفيلسونف نيتشة والنساء ودقات ريشة فان جوخ وحفظنا أشعار أمل دنقل وناظم حكمت ومحمد محي الدين والمومس العمياء لبدر شاكر السياب معاً قرب ماسورة الماء الممكسورة وسط الحي حيث كنا نجلس علي بعض أحجار الجرانيت الكبيرة بقايا منشأة تهالكت ..
وعشقنا البنات معاً ولقد أحب أختي وأحببت أخته كأول مغارات غرامية لكلينا ، في مراهقتنا الاولي ولو أنني ما كنت أدرى ماذا كان يفعل وأختي بالضبط حيث أنهما كانا يحرصان علي إخفاء نشاطتهما عني ،إلا أنني ،ولأن أخته كانت تكبرني قليلاً بعامين أو أكثر كنا نعمل علي أكتشاف جسدينا بصورة محمومة وممتعة ، أختي كانت تصغره بعامين مما جعلني أفترض أنا شأنهما قد يختلف ،لأن البنات الاكبر سناً هن دائماً يبتدرن ما يخص الجسد ، وأنا لاأعتقد ان لأختي تلك المهارات وإلا لأوقفته عند حده ،وحدث أن تشاجرنا في شأن تافه وسبنس ،فأغتظت فحدثته عن أخته الصعلوكة وماذا تفعل معي ،فحكي عن اختي وقال لي بصريح العبارة
_ زي اللبوة .
فقلت له
_ أختك زي الكلبة ..
وأشتبكنا في معركة قصيرة بالأيدي فضها والده بأن هددنا الأثنين بالضرب معاً إذا رأي منا ما رأي مرةً أخري ورغم ذلك لم تمس صداقتنا بسوء ،كلما حدث أنه هجر أختي وأنا هجرت أخته وبقينا صديقين دائمين لعبنا معاً،إختلفنا تشاجرنا ،إفتعلنا معارك صغيرة في البنات ،قرأنا جامعة واحدة ،وكلية واحدة وتخصص واحد وأول امرأة أجرينا معها فعلاً جنسياً كاملاً هي ذات المرأة .. كانت محاضرة بالجامعة ،وكنا طالبين مشاغبين وكما :أحبت معنا .
أقول أنا أعرفه وهو بعرفني ..
قلت له
أنا ما حأمشي معاك الخلا .. حأنتظرك هنا
قال لي ضاحكاً
_ مع ألم قشي ..؟
قلت
_ بالتأكيد..
قالت الصافية فجأة ..
_ إنتو الليلة معزومين معاي .. في بيت "أدي" ..
قال فزعاً
_ تاني بيت أدي .. أمبارح قلعوا ساعتي الجوفيال الاصلية .. وشالوا كل القروش الفي جيبي .. والله لوما ستر كان كتلوني ..
قالت الصافية بثقة..
_ إنت حتكون في ضيافة الصافية .
قالت الكلمة الاخيلرة وهي تندفع أمامنا فتثور موجة من الضان المختلط بعرق المريسة ..
أضافت
_ أنا لازم أكرمكم ..
أضافت وهي تنظر أليَّ
بتشربوا ؟!
قلنا معاً في آنٍ واحد
_ بنشرب ....
أضاف في أغواء
_ وعلينا نحن المستورد
قالت ضاحكة
_ علي أنا ابو حمار..
ضحكنا ونحن نتوغل في الحي عبر شوارعه الضيقة تحيط بنا القطاطي "وأصرفة" الشوك والقصب من كل جانب يمر بنا السكاري والعشاق والأطفال يحيون الصافية بكلمة واحدة
_ الصافية .
فترد بكلمتين حنينتين تتسعا للجميع
_ مرحباً "أبوي "
_ مرحباً "أمي"
فاجأتني الصافية قائلة
_ قالوا أمبارح إنت سبت صحبك للمجرمين ديل ومشيت لألم قشي .. كيف لو كتلوه ؟
قلت لها مندهشاً
_ منو القال ليك ..
قالت ببرود
كل الناس بيعرفوا الموضوع دا ..
قلت لها
_ أنا عارف مافي زول يقدر يقتلو ..
قال ضاحكاً
_ علي الاقل قبل عشرين سنة عندي مشروع مابيخلص إلا بعد عشرين سنة بعد أكون مستعد للموت
قالت الصافية سائلة
_ مشروع في الفشقة ؟!
حاول أن يشرح لها معني مشروعه العشريني ولكن فشل ،ولكن شرحت لها ،فهمت ،قالت
_ ولكن الموت من الله .. مابيد زول ..
قال
_ نعم ولكن الحياة بيد الانسان ..
قالت بيقين عميق
_ والحياة برضو بيد الله
قال
_ كويس لو الحياة والموت والحياة بيد الله الانسان بيده شنو
قالت بيقين
_ ولاشئ ..
أعرف أنه أغتاظ قليلاً لفشله في كسب الحوار وأعرف أنه لايتنازل بسهولة ولكنه الآن يوفر نفسه لمعركة أخري في ميدان آخر ظهرت طلائعها عندما همس في أذني
_ الصافية دي فيها أنوثة غريبة ،أنوثة وحشية شيطانية ...أكاد أشوفها بعيني ..شوف عديل كدا ..
قلت له ساخراً
_ أنا شاميها ..
في حوش طرفي من بيت الام أخذنا موقعنا ،ودأمونة جهز لنا كل شئ ،البلدي والمستورد معاً وأطلق نكتتين سريعتين ثم همس في أذني إذا كنت أرغب في امرأة ..... ألم قشي عفي سبيل المثال
ثم واصل مختار
ثم واصل مختار علي حكايته ،يستطيع الآن مختار علي الذهاب لقضاء الحاجة وحده ،بل أن ذهب للدكان القريب ويشتري حجارة لبطاريته ،قال ..
_ لما قلنا بسم الله كدا ودخلنا السمسم ،كَبَّر الجلابي اسماعين ثلاث مرات ،بأعلي صوته ثم أتي بخروفين كبيرين قال إنها كرامة ومن حقنا ذبحها وقتما شئنا ذلك ،اليوم بكرة .... هي كرامة ونحن حرين فيها .
عندما يكون السمسم جيداً فتياً مرصوصاً كالجواهر علي ساق حمراء شامخة يجبر الجنقاوي علي الانحناء لحصاده حينها يصبح الحصاد مهرجاناً من الرقص ، يغني الجنقو لحناً ثرياً ،حلواً علي إيقاع ضربات المنجل ،خشخشة ربو الكليكة ورميها بالخلف ،متعة الانجاز كليكة وكليكة وكليكة تعمل حلة ...
الحلة ،إستطاعوا هذا العام أن يجعلوا سعرها يبلغ السبعة آلاف جنيه وهو أضعاف ثلاثة لسعر الموسم السابق ، كل ضربة منجل هي من جزء من ثروة كبيرة ،كل ربطة كليكة "كراع بوليس " هي بعض من حلم يتحقق...
كل حلة أنجزت هي سبعة آلاف جنيهاً تضاف إليها سبعات أخر وتسلم الامانة" للخالة" "بالحلة"..
سبعة +سبعة +سبعة+سبعة+سبعة+سبعة+سبعة +سبعة+سبعة+سبعة+سبعة+
سبعة +سبعة+سبعة+سبعة+سبة+ سبعة+سبعة..
+
س،
ب،
ع،
ة،
_
ا،
س،
..
..
..
ة،
وأحس برأسه ثقيلة يديه مشلولتين ... رجليه غير موجودتين ... وأنه ينسحب قليلاً.. قليلاً...قليلاً من حقل السمسم
من حقل الحياة
_ أبكر ما لاحظ إنو أنا أتأخرت ،يمكن إلا لما وقعت في الواطا...
تب
حتين شافني ،أسبوع بأكمله قضاه مختار علي مريضاً في التاية ،وحيداً، حيث يذهب الجميع إلي العمل يتركونه مع الفئران ،الزرازير ،أولاد أبرق وكلب الخفير ..
_ والله تقول جاتني نفسيات ..
قلت لإسماعين الجلابي سيد المشروع ..أنا يمكن أموت هنا في الخلا ساي .. وديني الحلة .. عندي أختاً هنالك متزوجة .. وديني ليها ..
قال لي : كويس.
وشالني جابني هنا ، رماني رمية واحدة ، ،بت عمي سافرت مع زوجها همائيت ..راجلها إشتغل هناك في التهريب ..أنا تاني .. لم يره ، كأنما رمي بشئ قذر في وادي مهمل مهجور ،كان قد وعده بأنه سيحضر له المساعد الطبي أو يأخذه للمستشفي المحلي .. أو حتي ينادي لي الفكي علي الزغراد هو زول يدو لاحقة .. ولكنه هرب منه هروباً جباناً..
ولكن بارك الله في الاخوان علي رأسهم الصافية غزالة نحيلة سوداء ،قل نحلة لأنها دائمة الحركة ،لها رائحة مثيرة عبارة عن حنان مختلط ببقية الليلة الماضية وعرق كدح دؤوب "..
هذه السيدة الهزيلة البسيطة التي يتبعها لفيف من الجنقو كظلٍ لها ،المسالمة من يحتفي بلأخوان ومجالسهم الطيبة ،هي ذاتها الحيوان الشرس الضاري في المشاريع الزراعية ،الذي عندما يقتحم حقل السمسم يرمي الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة
وكأنها تعمل بماكينة _ ماشاء الله _ ينجح المزارع الجلابي صاحب المشروع حتماً إذا نجح في أن يضم الصافية إلي فريق عمله ، حكي مختار علي
قالت لي
_ أنا حأدب ليك إسماعين ود الحايل
نطقت الجملة الاخيرة بمرارة _ أضافت
_ حأخليه يبكي بدموعه ..
جابت لي الممرض ،جابت لي الفكي علي الزغراد بنفسه
جابت لي القضيم
جابت لي العدسية
جابت لي أم جلاجل
وسوت لي مديدة" الفتريتة" الحمراء وعصيدة الدخن قاطعه الشايقي _ وهو جعلي ولكنه ملقب بالشايقي
_ قالوا الصافية دي فيها جنس مَرَة؟!
وعض يده في ألم لذيذ
ضحك الجميع معاً في آنٍ واحد ولو أن بعضهم يخالفه الرأي بل يحتفظ برأي عكس ما طرح تماماً ،ولكنهم ضحكوا .. تململ البعض .. وآثروا الاستماع .
الكلام عن النساء وفيهن مثل أكل "الموليتة" مر ،حارق ولذيذ ودائماً له طعم متجدد لديهم ،ربما لأنه يحرك حنيناً منطوياً في ذواتهم عن ام جميلة فقدت في موطن ٍ ما ، جاءوا منه جميعاً ألي هنا ولكن _أيضاً_ للصافية خصوصيتها ،فهنالك جوانب مظلمة في حياتها وخاصة فيما يتعلق بنشاطها الجسدي ،وكلما يدور في هذا الشأن ليس سوي أسطورات صغيرات تخمرن في أودية وخيران دافئة وتحت سنطات عجفاوات وعلي حوافر الثعالب والأرانب وابندلاف ..
أسطورات حالمات وديعات
قال له مختار علي متحدياً
_ إنت لقيتها وين !!
قال..
_ لو ما لقيتها .. ما بكون سمعت بحكايتها مع ولد فور ؟!
سوف لا نتطرق لهذه الحكاية الآن،لأنها معروفة ومكرورة وقد يتولد لدي البعض إنطباع بأننا نعرف كلما يحيط وهذا مجانب للحقيقة فكل شخص يحتفظ برواية خاصة عنهما ، ولقد حكيت لنا من قبل عشرات الاشخاص ،نساء ورجال وأطفال وكل حكاية ما كانت تشبه الأخري .. وما جاءت به ما يشبه الندوة في بيت أدانيا دانيال يوم مريستها ،كان شيئاً آخر.
الجناح الذي خصتنا به الأم من بيتها الكبير المتسع يقع في آخر صف من القطاطي الملحقة برواكيب صغيرة ممتدة في شريط قد يصل طوله مئتين متراً ،وهو موقع شبه مهجور وربما : خاص .
إكتمل المزاج بالشيشة التي برع في إعدادها ود أمونة الذي لم يحتمل بقائنا بدون نساء يحلين طعم المؤانسة ويكسبن بعض المال ولم تعجبه فكرة أننا نحتفي بهذا الوحش في _ في نظره _ الصافية .. وذكر في أذني إسم ألم قشي كلما وجد فرصة لفعل ذلك ولأنه لايعرف عن زهدي في النساء ، ظل يلاحقني إلي أن لاحظت ذلك الصافية وتحدثت معه بأسلوب غليظ حرمنا من نكاته وملاحظته الجميلة عن الحلة وناسها .
قالت لنا الصافية من بين قرقرات الشيشة ..
_ البلد دي أسستها حبوبتي الصافية ....
أنا سموني عليها .
لمن جات هنا ،البلد ما فيها أي شي غير المرافعين والقرود وابندلاف والجنون ...
البلد كلها غابة كتر ولالوب ونبق ..
وحكت لنا حكايات كثيرة ممتعة عن المكان قبل عشرات السنين ..
عن سجناء يهربون "بالفرو" من سجن الحمرة ،عن جنون يسكنون ويتزاجون مع البشر وعن بشر يتحولون إلي حيوانات مفترسة وآخرين ،يموتون سبع مرات قبل أن يتحولون "أبو لمبة"وعن وعن ...
إلي أن قاطعها صديقي سائلاً ..
_ قولي لينا .. حكايتك شنو مع ود فور ؟!
أنا، والحق يقال ،خفت ،ولأول مرة في حياتي أخشي ردة فعل لا أستطسع أن أتنبأبها إطلاقاً
نَهَضَتْ ، مدت" ليّ" الشيشة إلي َّ،ودون أن تنظر إلي أي منا مشت نحو قطية تبعد قليلاً عن مجلسنا ،كانت الاكبر حجماً ،منذ أن غابت الشمي أضاءها ودأمونة _ مع بقية القطاطبي الفارغة حتي لا يتخذها الشيطان مسكناً_ إختفت هنالك .. لم نسمع لها حساًلم أستطع ان أتفوه بشئ ،ولو انني كنت في أشد الحاجة لكي ألومه ،وأن أكرر ملحوظتي عن سلوكه الفظ وطريقته المباشرة الفجة في مخاطبة الناس
_تعلم الكياسة _ تعلم كيف تخاطب الناس ..
لم أتفوه بكلمة واحدة ،وضعت "الليَّ" علي حامله ونهضت ،مشيت نحو الزقاق الذي يقود إلي زقاق يقود إلي زقاق ،يمر عبر الرواكيب والقطاطي ،تحت أشجار النيم خلف زريبة صغيرة للأغنام تفوح منها رائحة "المُشك" ثم يتلوي بي زقاق آخر ليلفظني خارج بيت الأم في طريق رحبة يؤمها السكرانون والعاشقون ولفيف من خلق الله من الجنقو ....
وجدت مختار علي وقد خلد إلي النوم سألني عن صحبي بصوت ناعس مرهق
_ تركته في بيت "أديَّ" مع اصافية ..
قال لي محتجاً
_ لييه !!
قلت له
_ هي رغبته ...
قال لي وقد إستيقظ تماماً وجلس .
لكن مع الصافية ..
قلت له
_ نعم .. مع الصافية ..
قال لي ..
ماسمعت بقصتها مع ولد فور ؟!
قلت له
حصل شنو لود فور ؟!
قال لي
أقول ليك شنو ولا شنو ...
صمت ثم أضاف
في الحقيقة مافي زول متأكد من الحصل بالضبط لود فور ولكن كل الناس متأكدة إنو حصل ليهو شئ ..كويس .. كعب .. الله يعلم .. المهم ربنا يستر .. المهم ربنا يستر ..
قلت له وقد عاد وأضجع علي السرير في إستسلام
_ ما يهمني إنو ما حتقتله .... لأنو ما بيوتموت بالساهل .. وكل شئ غير الموت هو تجربة مفيدة تنفع الانسان
ولكي ينهي النقاش سألني مختار علي إذغا كنت أرغب في النوم داخل القطية مثل صديقي ،أكدت له أنها رغبتي أيضاً وأنني معتاد علي ذلك منذ الصغر ، طالما لم تكن لدي رغبة في النوم قلت لنفسي :لأجرجرنه في الكلام ولو في الموضوعات التي يفضلها كبار السن مثله
_ ليك كم سنة هنا ...
انقلب الي جانبه الايسر ليقابلني وجهاً لوجه
والله لا أتذكر أتذكر أنا جيت هنا متين أول مرة ولكن مما كانت" الحلة " دي بيت واحد كبير مزروب بشوك الكتر والمرافعين والثعالب تحوم والشمس في نص السما ، وكان الجلابة البيزرعوا هنا محسوبين علي أصابع اليد الواحدة والارض المزروعة نفسها كانت صغيرة وضيقة ، وكنت أنا وكيل مشروع ،أكبر مشروع ، ما بشوف التاجر إلا يوم الحصاد وبس كل البوابير والعمال كانوا تحت إداراتي أنا .. ولكن نحنا ما فينا فايدة .. الواحد بلقي العشرة والعشرين في زمن القرش عندو قيمة .. ولكن الواحد مننا ينكسر في بيوت المريسة دي حلوة دي مرة دي حامضة دي فطيرة .. دي خميرة دي فتاة ودي عزباء لحدي ما يكمل الفي جيبو –وتاني يبدا من جديد .. أكتر من أربعين سنة بالصورة دي .. ويمكن حتي تقوم الساعة .. الواحد فينا قرش ما بيوفرو ....
قروش المشاريع دي تقول فيها شيطان ثم أضاف ..
_ من العيش للعيش .
إستيقظنا نبكراً كالعادة هنا الناس يخلدون إلي النوم متأخرين ويستيقظون مبكرين في الغالب لا ينامون سوي ثلاث ساعات ، أع،طيته ماتبقي لي من تمباك وقصدت بيت الأم مباشرة، كانت الشوارع تضج بالمارة القادمين من القري القريبة في طريقهم إلي سوق الجمعة ، الباربارات مشحونة بالسمسم ، القرويون يقتسمون ظهرها الضيق ، مر أمامي لوري أيضاً وكارو لماء الشرب ،ناداني الطفل الذي كان يقود الكارو بإسمي ، عندما ألتفت إليه معيراً إياه كل إنتباهي ،قال لي
_ صحبك .. نجمته الصافية !؟
قلت مندهشاً
قلت شنو؟!
قال مكرراً في إستمتاع خاص ولذة قوالاتية بالغة
_ صحبك نجمته الصافية ... الحلة كلها عارفة .. إنت ماعارف ولا شنو . ؟أدبته الصافية أدب المدايح
قلت له بسرعة
_ وين ومتين ؟!
قال وهو يطرق علي برميل الماء بعصا قصيرة غليظة مسوقاً مائه ،دون مبالاة ..
_ أمبارح بعد ما مشيت إنت وسبتو في بيت أدي مع الصافية ..
***
سوق العمال في يوم السبت
سوق العمال في يوم السبت ، عند الميدان الكبير الذي يقع جنوب المركز الصحي الذي شيدته منظمة عابرة إسمها "كريستيان أوت ريتش" كمقر لرعاية الأمومة والطفولة وأحتله الىن التأمين الصحي والتجاري مشرداً الأمهات الأمهات والأطفال ، فيعرف الآن – الميدان _ بميدان اتأمين الصحي ، تحت شجيرات النيم الخمس يقع سوق " علي الله " يؤمه العتالة والجنقو والبناؤن والنجارون والسماسرة كذلك ،كانت لاندرفرات وباربارات ولواري وبكاسي التجار تصطف عند الجانب الجنوبي من السوق قرب موقف الشواك حيث سوق الميكانيكية والحداخين والزيوت والاسبيرات ..
التجار الجلابة في جلاليبهم الكبيرة وأجههم المنعمة يتوسطون حلقات العمال ،يساومون ،يفاضلون ، يخادعون ، يحاورون ، يجادلون ، ويسترضون العمال الجنقو ،ويبدو واضحاً أنهم يواجهون بعض المصاعب اليوم
قالت لي جنقاوية إستفسرناها ، فشرحت لنا ما يحدث في سوق " علله"
_ أول مرة يحصل في البيلد يتفق الجنقو كلهم علي سعر واحد ...
كان واضحاً أن ثمة أمر قد تم ترتيبه وأن إتفاقاٍ ما قد وقع بين العاملين ، علي أن يصبح سعر الحلة من السمسم ثمانية ألف جنيه ، ويقول التجار أن السبعة ألف جنيه التي يتقاضاها الجنقو الآن عن "حلة " السمسم لا تحتمل دعك من ثمانية .....
_ ثمانية ألف ،سبعة لأ
_ سبعة ألف ، ثمانية لأ.
ولكن يعلم الجنقو ،ويعلم الجلابة ،وقد أوضح ذلك الجلابي الثري اسحق هرون البرقاوي ..
_ السمسم .... السمسم اللعين هو صاحب الكلمة الأخيرة ...
وفعلاً كلما ارتفهت الشمس في قبة السماء وهبت الريح الشمالية الحارقة وأرقصت المكان ، تسمع أغنيات السمسم الحزينة وتُرقص إيقاعاته المجنونة مما يجعل السنابل السمينة تتفتق ممزقةً أثواباً يريد لها الجلابي أن تبقي إلي حين يصلها منجل الجنقاوي .....
الشمس الآن في برج السمسم بالذات ،والقمر الذي سوف يطلع عندما تغيب الشمس هو الذي سيفتق فساتين السنابل الشحيمة فيندفق الذهب منها إلي الأرض ،يلتقطه النمل ليحتفظ به لحين أيام الشدة موسم الامطار حيث يجبره الطقس علي البقاء في باطن الارض محتمياً بأعشاشه الحصينة ....
الجنقو متأكدون من أنهم سوف يكسبون الرهان والجلابة ، أيضاً متأكدون أنهم سوف يخسرون ولكن قليلاً من الحوار قد يجدي ، ودخل الوسطاء من سماسرة ووكلاء مشاريع وتجار كلام ..
_ نجيب عمال من الفشقة .. أمهر وأرخص ونخلي ديل ياكلوا التراب .
الذين سمعوا الهمس من الجنقو ردوا لبعضهم البعض
_ الفشقة ... ه ه ... يخلوا سمسم الفشقة لمنو ؟!
_ معسكر اللاجئين ؟!.. هه .... في لاجئ يشتغل في قطع السمسم .. ليه .. إلا لو جنَّة ديل المنظمات تطعمهم بمعالق من دهب وتقري أولادهم ...
_ بقوا أغني من المواطنين ... يحمدوا ربهم الخالقهم ...
_ أحسن نمشي نشتغل في الحفر بتاع الكوابل مع شركة الإتتصالات الجديدة .. عايزين عمال .
_ والله ناس البنك برضو .... عايزين طاب ..
_ أنا لو أشتغل شغل "ود أمونة " ما بقطع الحلة بسبعة .
_ حنجيب عمال من خشم القربة ..
ضحك جنقاوي طويل سمين يتمتع بصوت قوي قال ..
_ خشم القربة .. ديل عايزين مدرسين "وطمارا" ولا شنو؟!
قالت الصافية للجميع ..
_ أرح يا شباب نمشو .. القوقو قال داير الحلة .. نكمل سكرة أمبارح ..
وعندما تحرك فوج العمال نحو "الحلة" ،وعندما قاصدو البنك تحت التشييد ،تحدث السمسم سراً لقلوب الجلابة ..
_ رضينا بالتمانية .. وإن شاء الله ما تنفعم وتبقي ليكم بالساحق والماحق والبلا المتلاحق ..
قبل الجنقو علي شريطة أن يذهبوا غداً للمشاريع وأن يكملوا سكرة الأمس وأن يحتفلوا بنصرهم الكبير الذي علق عليه الفكي الزغراد
_ عملية ما بتتوصف .
في الصباح الباكر غادروا إلي المشاريع ، ما عدا مشروع الجلابي اسماعين ،قالوا إن عليه أن "يتأدب".
مما أعاد الاعتبار إلي مختار علي ، فبكي من الفرح .
بقينا وحدنا "بالحلة" المطاعم بدأت تذبل تدريجياً كلما إمتلأت العربة بالجنقو وغادرت إلي المشاريع ، النساء اللائي كن يعملن بالشاي والقهوة في السوق أغلقن أماكنهن وذهبن للبيوت ،تجار الملابس الجاهزة والقنذي والادوات الكهربائية منحوا أنفسهم إجازة إستجمام لخمسة عشر يوماً حيث يعود الجنقو مرة أخري وتعود الحياة إلي للمكان .
سيأتي كل يوم عمال جنقو جدد ولكنهم سيرحلون سريعاً إلي المشاريع .. عربات الجلاب دائماً في الانتظار جلسنا قرب غمراة من "الحماسين" كانت في طريقها إلي جمع حاجياتها والمغادرة إلي منزلها ولكننا طلبنا منها أن تصنع لنا قهوة ،فوافقت ،إنضم إلينا عاملون في شركة الاتصالات كانوا يلبسون أفرولات زرقاء وحمراء عليها بقع من الزيت ،إنهم الام في ربط "الحلة " بالعلم الخارجي ،يحتاج لخدماتهم الجميع ،بالإضافة لموظفي البنك القادمين وضباط الجيش والشرطة وموظفي المحلية ومعلمي المدارس وغيرهم من القادمين من خارج "الحلة" من عمالة فنية نوعية ،فإن الجنقو والجلابة أيضاً يحتاجون إلي التواصل مع الدنيا خارج "الحلة " وهذا أمر واضح......
حدثن بفخر واضح أحد موظفي شركة الاتصالات
_ الآن الاتصالات في السودان تعتبر الاولي في أفريقيا والوطن العربي الكبير ... وهدف الشركة البعيد : تلفون لكل مواطن في أية بقعة من بقاع السودان في إمتداد المليون ميل مربع ..
قال له ساخراً
_ تكون إستراتيجية الشركة أذا قالت تلفون ورغين خبز لكل مواطن ... كان حتكون مقنعة بصورة أكبر ..
قلت محاولاً تلطيف الجو ..
_ لكن ما كل السودانيين بياكلو رغيف ... في ناس بتاكل لقمة وفي الشمالية قراصة وفي الوسط كسرة وفي ناس بتتغذي بالمريسة .... وفي ناس ما بيا كلوا خالص بيشربوا بس....
وحكيت لهم قصة جدي الذي عاش ما يقارب المائة سنة ولم يأكل قطعة ،أو لقمة خبز واحدة .. عاش علي الشرب فقط ... شرب المريسة .
وطبعاً إختلقت هذا الجد لتلك اللحظة فقط.
ثم واصل مختار
ثم واصل مختار علي الحكاية ، البلد ما كان فيها غير المرافعين والحلاليف وأبندلاف والقرود ،الثعالب في كل مكان ، الجنون تسكن " الكرب " وطرف البحر ومرة مرة تلقاها في "الحلة " ،كان فبي بيت واحد كبير مزروب بلشوك والقش والكلاب ، بيت الصافية الحبوبة وديوانها المعروف "بالحلة " . وكان حقيقة "حلة " حيث نزل به كل القادمين الاوائل من مختلف الاجناس ومختلف البلدان المجاورة وبعضهم جاء به الحج من نيجريا والكامرون وتشاد وحتي المغرب وساحل العاج ، أقاموا بالديوان قبل أن يواصلوا سفرهم أو يتخذون بيوتاً خاصتهم من ثم يستصلحون أرضاً زراعية يزرعونها بالسمسم ،منزل واحد كان مركز الدنيا كلها هنا وأرأة واحدة سمعتها تملأالشرق كله .. في الحق ما كانت الصافية الجدة هي مؤسسة هذا المكان ولكنها كانت الأشهر بين صافيات كثيرات عشن في هذا المكان ، سلالة جد جاء هارباً من سجن الحمرة في سنة موسومة " بسنة النجمة أم ضنب " حيث ظهر في السماء في تلك السنة مذنب ضخم ظل يدور حول الارض أو الشمس أو أن الارض والشمس كانتا تدوران حوله لإسبوع كاملٍ ، وكان يُري نهاراً جهراً يجرجر ذيله المرعب مختالاً في السماء الفسيح ألهم الخيال الشعبي أسطورات بقين لسنوات قادمة كثيرة .
كان متهماً بسرقة بيت القشي نفسه ، وسيقتلونه بالتأكيد ،ضرباً أو جوعاً ، كان المسجونونة يخرجون في مجموعات يربطون علي حبل واحد من التيل يطوفون بالأحياء والاسواق والمطاعم يأكلون بواقي الطعام القذرة أو يسألون الناس الطعام حيث كانت هي الوسيلة الوحيدة للحفظ علي الحياة وتجنب الموت جوعاً .. لأنه لايقدم طعام بالسجن مطلقاً ، كان والدها عبد الرازق مع بعض أصدقائه في مطعم بالحمرة قرب موقف همدائيت يتناولون "الانجيرا" "بالزقني " و"الدليخ " عندما رأي توأمه نفسه عبد الرازق مربوطاً من قدميه في حبل التيل مع عشرين مسجون آخرين ، تفوح منه رائحة كريهة ، إحتضنا بعضهما البعض إلي أن فرق بينهما السجان ، رطنا بلغة تخص تخص قبيلتيهما ، ثم أعطي توأمه طعاماً ومالاً ووعداً.
يعرف عن توأمه أنه خجول هديم الحيلة لا يسرق شيئاً مهما صغرت أو عظمت قيمته ، ويعرف أيضا ً أن عبد الرازق قد يموت بالسجن إذا لم ينجده وهو لايعرف أحداً من المسئولين أو وجهاء المدينة،
وليس لديه مالاً كثيراً للرشوة
أمامه بديل واحد فقط ،ومضي نحوه دون تردد.
***
حاولت أن آخذ
حاولت أن آخذ مختار علي في مشاوير قصيرة مشينا بطريق بيت " أدانيا دانيال "التي فاجأتنا من أعلي صريف بيتها ..
_ يا مختار علي .. أنت وصاحبك تعالوا جوا وصديقكم ذاتو قاعد هنا في بيتي ، تعالو أشربوا ليم مريسة وونسوا .
وقبلنا الدعوة الكريمة شاكرين فالدنيا صباح والمريسة خير ما يُسْتفتح ويُسطبح به وونسة الصباح هي مصيدة لحكايات اللياة السابقة ،هنا نسميها جريدة الصباح فالمريسة تطلق الخيال والتي بدورها تطلق اللسان وينفتح القلب للقلب مباشرة وتهبط ملائكة الحكايات الرائعة في المجلس فتحلو .
كان يجلس علي "بنبر " كبير كشيخ أسطوري أتي من عصر دولة الفونج ، يجلس علي بنبر آخر قربه العجوز وهو أشهر مغني يستخدم "الام كيكي" في الحلة والحلال المجاورة أيضاً أو بالاحري لم ير الساكنون مغني يستخدم "الام كيكي" غيره ولم يسمعوا به مجرد سماع ،ويبدو أنهما أنهيا فاصلاً ممتعاً من الاغنيات حيث أنهما الآن يتحدثان عن مناسبة أغنية
سبعة يوم عوضية بعيد
أبواللقني روادي بقنيص.
وألتقطت بقية جملة نطق بها العجوز
_ ناس الوازا هم أصحابها الحقيقين .. أنا جبتها من قيسان .. وسمعتهم يغنوها في قنيص والكرمكوفي الزهور وفي يابوسي ... وكل حفلات الروصيرص .. لكن أنا أول زول يغنيها "بأم كي كي " .. "إلتفتَ" إليَّ صديقي قائلاً في إنشراح
_ وين إنت ياولد ؟!
ضحكت ،وضحكت أدانيا دانيال وضحك مختار علي وضحك هو .. هنالك حكايات وأسرار كثيرة في الليلة الماضية .. يجب أن تحكي ... قلت له
_ ظاهر عليك بقيت اسطورة من أساطير الحلة قال وقد عرف الموضوع
_ الناس هنا يزيدوا الحاجة شوية موية
تظاهرت أداليا دانيال بإعداد المريسة والام فت فت ..
ولكنها بلا ش كانت تسمع عبر كل مسام جسدها وهذه خصلة يتمتع بها الجميع في الحلة ،حيث أن كل الجسد آذان والنظر أيضاً .. طالما أستطعت أن تشاهد شخصاً ما .. فإنك تسمع ما يهمس به ولو لنفسهى.
قلت له قريباًمن أذنيه
_ قالوا الصافية نجمتك !!
ضحك وهو يشير برأسه إيجاباً بصورة متكررة ومثيرة للضحك
_ حاحكي ليك بالليل .. إنت مُش بايت مع مختار علي ..
رد مختار علي
_ وإنت برضو حتبيت معاي .. ولا لقيت ليك وكر؟!
قال مبتسماً
_ كويس .. حابيت معاكم .
جاءت أداليا دانيل بالعسلية والمريسة والام فت فت بالشطة الخضراء والفول المسحون وقالت إن لديها "موليتة " إذا كنا نحبها ..
قال العجوز ..
_ أيوا .. أنا أحب الموليتة
قلت لها ..
_ عندك "أبنقازي"؟!
قالت وهي تشير إلي الام فتفت
_ فيها ..
قدمت لنا أداليا الكؤوس الاولي بيدها الناعمة السوداء تبدو الحناء علي أظافرها رقيقة وساحرة
كان بمنزلها قليلاً من الجنقو، حيث سافر الجميع لقطع السمسم .. قال مختار علي وبصوته لذة نصر عميقة
_ سماعين ود اللب ما لقي جنقاوي واحد يمشي معاو ..
ودون أن يرد أو يعلق أحد ،أخذ العجوز يغني
قيسان البعيدة
عندي فوقو الحبيبة .
ولأن كل أغنياته جماعية ويستحيل أدائها بدون كورس أخذنا نردد خلفه المقاطع التي تحتاج لكورس ، وليس تلك مهمة صعبة حيث أن كل الاغاني معروفة أما أنا وهو كغريبين فإن ترديد جماتين لحنيتين بهما كلمتين من العربي وخمس كلمات من الانقسنا ليس بالشئ الصعب ولو أننا قد نشتر أحياناً .. إلا أننا نغني خلفه طالما ألسنتنا العسلية بجمالها ومذاقها الحلو ، في الحقيقة لا يوجد غرباء هنا في" الحلة "فبمجرد أن تنزلك عربة ما بالسوق تصبح أحد أفراد الحلة المؤسسين وتعفرف كل شئ بحمد الله ، رقصت أداليا دانيال بصدرها المملوء باللبن بصورة رائعة خلدت في ذهني للأبد .. تبرع أحد الجنقو من أصل أنقسنا باداء الايقاع السريع بواسطة وعاء بلاستيكي يستخدم لتقديم المريسة ، عندما أنتهت الاغنية صفقنا جميعاً لأنفسنا ، حيث كانت الاغنية من أداء الجميع ورقصت أداليا دانيال عننا كلنا بصدرها الناهد .
وضعنا سريرينل قرب قرب ، كان الضوء الباهت يأتينا من داخل القطية ، حكي لي عن أسرة الصافية كما طلبت منه ، الجدة ووالدها عبد الرازق ..
قال ، جاءوالدها إلي هذا المكان بعد هروبه العجيب من سجن الحمرة وعلي رأسه" بالفرو " وهو أول شخص في تاريخ الحبشة يهرب بالفرو .....
شربنا قهوة أعدتها لنا إحدي الجارت وناولتها لنا من علي" الصريف "مذكرة إيانا بأن اليوم هو يوم القديس "يوهنس" ، باركنا لها العيد ، ألحقت القهوة بصحف من "الامبابا" وحلاوة الكرميلا ، شكرناها ، باركنا لها ايوم ، يوم القديس يوهنس .. قالت لي
_ ألم قشي تسلم عليك ..
سألتها بسرعة
_ وين ألم قشي ؟!
قالت وبصوتها إحتفالية جزلة ...
_ هي قاعدة معانا هنا .. عايز تشوفها ؟!
أصبحت ألم قشي هي الاسم الذي يلاحقني ، ونحن متهمان هنا بأننا نمارس علاقة سرية ، أو نظن أنها سرية لأن للآخرين رأيٌ مختلف ، يقولون إننا سوف نتزوج في عيد الاضحي القادم ، أقل الاقوال تفاؤلاً بعلاقتنا هو أنني أحبها حباً عظيماً .
وهي أيضاً متأكدة من مسألة حبي لها ، مثلها مثل الجميع إلا أنا ،لا أعرف شيئاً عن هذا لاحب ،كلما أعرفه أن ألم قشي تعمل في "بيت أدي " كامرأة مبيت ،وأعجبت بقيم وأخلاق تخصها .. أو هكذا بدا لي ... ثم سألت عنها في بيت أدي مرة أو مرتين ، ثم ألتقيت بها في بيت أدي مرة ثانية وكنا نجلس للقهوة والام ببا وتبادلنا تعلم العربية والتجرنة ، وتعلم أنني كنت أن أبيت معها لولا أن " أدي " نفسها حالت دون ذلك ، قالوا إنني نمت مع إدي وفي حضنها بالذات وهذا ما يصدقه الجميع ويعجز عن تأكيده الجميع وأشك في حدوثه أنا نفسي .
أدي بكل وضوحها كانت غامضة وهنالك أسئلة كثيرة تدور عن علاقتها بالآخرين وخاصة "ود أمونة " وفي الآونة الاخيرة بي أنا وود أمونة .
ألم قشي سيدة طويلة لها بشرة ذهبية ناعمة ، عيناها كبيرتان بالطريقة الحبشية حيث يحيط بهما ظل ثقيل يضيف
غليهما سحراً خاصاً بساكني المناطق العالية المطيرة وفوق ذلك لم تكن بالسيدة الفاتنة فتنة ظاهرية صارخة وإلا أصبحت عاملة بار ناجحة بالحمرة غندر أو أديس أببا ذاتها ، ولكن مايبدو من فتنتها أبعدها _ كما تقول دائماً _ عن منافسة البارستات هنالك وقادها إلي الاراضي السودانية الجديدة ، حيث شيع وعلم عن السودانيين حبهم للنساء الحبشيات وتفضيلهن علي نسائهم الوطنيات وسبب ذلك ثلاثة ، كما صافتني فيما بعد ألم قشي
_ الطهور . والكرعين الرقاق وهدم الحنية .
قلت للجارة الطيبة .
_ قولي لألم قشي مبروك عيد القديس يوهنس وأنا حاجيها بعد شوية عندكم .
أصدرت صوتاً من باطن لسانها يعني في هذه الانحاء " حسناً" ويعني _ فيما يعني _ القبول الحسن للإقتراح .
ساعدت مختار علي علي الاستحمام وذلك لأول مرة من ذ أكثر من أسبوعين تقريباً ، أي منذ أن أصيب لم يقترب من الحمام حيث نصح بعدم الاقتراب من الماء حتي في الوضوء ن عليه بالتيمم، نصحه أفراد كثيرون أصيبوا فيما قبل بضربة الدم .
عندما فرغنا من الاستحمام وجدناه في إنتظارنا خارج القطية في الراكوبة مضجعاً علي عنقريب عجوز دون لحاف .
سأعترف هنا أن ألم قشي أحبتني، ولكن في ظاهر الامر أنا الذي كنت أغير عليها لأنني طلبت منها أن تترك العمل مع أدي كامرأة مبيت ، وتعمل كطباخة في ميس شركة الاتصالات الجديدة
_ عمل شريف .
قالت بغنج
_ عملي مع أدي برضو عمل شريف .
قلت لها
_ علي الاقل أنا شايفو غير شريف .
قالت بإصرار
_ أنا شايفاه عكس كدا .. دا .. شغل .. العليز يدفع وأنا بصراحة ما قاعدة إستمتع إطلاقاً .. شغل يعني شغل ..... ثم أضافت
_ العيب فيهو شنو . !!
كنت أعلم أن العيب فيه تربيتي أنا القيم الخاصة بي كآخر أعيش في ظرف مختف ونوع مختلف ولا أظن الامر له علاقة بالدين أو السلوك الشخصي المسألة مسألة معرفة فحسب طالما كنا _ أنا وهي _ ندرك ان الخير والشر وكل الديانات من الله ..
جلسنا أنا ومختار علي نستمع إليه يحكي لنا كيف أن الصافية أرته نجوم النهار
أستيقظ علي إثر نداء الصافية له ، كان قدنام علي الكرسي الذي تركته فيه ، دخل القطية الكبيرة كانت شبه خالية من الاثاثات عدا سريران من خشب السنط مفترشان بألحفة لم يتبين تفاصيلهما ، كانت الاضاءة غير جيدة ،طلبت مني أن أجلس في السرير الآخر ، جلست ُ ، قاالت له ..
_ عايز تعرف حكايتي مع ود فور ؟!
قال بدبلوماسية ليست من طبعه
_ لوما يزعجك الموضوع دا ..
قالت وهي تأخذ نفساً طويلاً من الشيشة فتصدر صوتاً بائساً ..
_ كويس ... الخريف الفات كنت شغالة في مشروع زبيدي .. تعرف مشروع زبيدي ..!!
وقبل ان تسمع إجابته واصلت ، كانت المرأة الوحيدة بين عشرين رجلاً من الجنقو وتستطيع أن تتذكر اليوم والشهر والساعة أيضاً ، أنا ووليد فور كان ماسكين مقاولة سوا في مشروع الزبيدي ، كانا يعملان كفريق واحد ، لاحظت أن ولد فور في الآونة الاخيرة كان يتقرب منها كثيراص ودائماً ما يضع نفسه في مجموعة العمل التي كانت تضمها ، ولاحظت أنه يتعمد الالتصاق بها ومداعبتها ، وبغريزة المرأة ، تلك الغريزة التي لا تخيب ، عرفت أنه يرغبها كامرأة ، وعرفت أنها تريد ذلك ولأي مدي .. إنها لاترفضه إذا طلبها للزواج فهي أن ترغب في أن يكون لها أطفالاً وبيتاً ورجلاً وفوق ذلك لها رغباتها التي يجب أن تُشبع ، لذا لم تدفعه عنها ولم تستميله إليها وتتركه يقوم بالدور كاملاً وهي طريقة تجيد النساء تمريرها للرجل الغبي المتعجل العاشق الاعمي وهي صفات يشترك فيها الرجال كلهم قلت لنفسي
_ يابت خلي المسألة علي الله .
وبلع المسكين الطعم وأطلق المبادرة تلو المبادرة إلي أن نفدت حيله الصغيرة المسكينة التي أجادت الصافية إدعاء تجاهلها
قال لي ، والدنيا ليل ولكن القمر أبيض في السماء كل شئ واضح ، قال لي : يالصافية أرحكي معاي للحفيرة ..
أنا ما قادر أنوم .. شايفة القمرة بيضة كيف .. أرح !!
تثاءب شرب كوباً من الماء كان علي التربيزة قربه ، قفز علي تفاصيل كثيرة كثيرة كثيرة .. كثيرة .. تحدث عما رآه مهماً فقط ،قال إنها أصرت علي أن تحكي تفاصيل تفاصيل تفاصيل ما حدث بينها وولد فور ربما يكون الشخص الوحيد في الدنيا سوف يفهم أنها لم تحكها لأى كن من قبل ، لأنه مامن أحدٍ طلب منها ذلك ، إكتفي الجميع بالإشاعة
_ أنا تعبت .. تعبت من الحكاية دى .. عليك الله أسمعها كلها ...
وغرقت في التفاصيل التفاصيل التفاصيل التفاصيل .
قلنا له ..
_ إختصر .
قال، قالت له، مشينا الحفيرة ، طلعنا فوق " الدولة "
كان ذلك المكان الوحيد الذي لم يكن به عشب الخريف ،هي تخاف من الثعابين حصراً ، ولا تخاف شيئاً آخر ، طمأنها بأنه يمتلك ضامن عشرة مُجَرب وأراها إياه مربوطاً بصورة محكمة علي ضراعه اليسار سوياً مع سكينته ، فرشا برشاً صغيراً أتيا به ، قالت لي فجأة ... وقد علا شهيقها وزفيرها
_ قام جاري ..
_ منو ..
_ وليد فور ..
_ جري من شنو ..
جري مني ... مني أنا ... جري ولد فور !!!
ثم هدأت قليلاً وهي تقول
_ أيوا ، كنت عايزاه وبدأنا كل شئ .. في الحقيقة كنت في حالة قريبة من الغيبوبة .. كنت في غيبوبة ولكنه فجأة قام جاري .. جري زي المجنون .. جري مني ...
أحسست أنها لا تستطيع أن تشرح أكثر من ذلك ومن الاحسن ألا أطالبها أو أجبرها علي الحكي وأحسست بالشفقة تجاهها ، قررت في الحا ل أن أضاجعها وذلك لما توصلت إليه من تحليل سريع لحالتها وهو أنها تفتقد الرجل في حياتها ، الذين يحيطون بها لم يعرفوا المرأة فيها _ ما عدا ود فور _ ولم ينتبهوا الي الانسانة البائسة ، ولا يفهمون شيئاً عن حاجاتها الحقيقية : بإختصار كانوا يعاملونها كرجلٍ آخر في ثياب امرأة . لاأكثر .
صدمت بالحقيقة الاولي وهي أن رائحة جسدها لا تطاق ، وقالت صراحة
_ ما عندي وقت لنفسي ..
وقامت _ لأجلي _ بمسح جسدها بالماء مستخدمة جزء من ثوبها ، كانت لاترتدي شيئاً تحت فستانها ، هذه فضيلة لأنني لا أطيق رؤية ملابس المرأة الداخلية متسخة أو ممزقة ،لأنني حينها أصاب بالعجز الجنسي التام ، كانت تحتفظ بعطر نسائي بلدي الصنع " خمرة " في القوقو لم تستخدمه من قبل _ لأجلي _ أخذت تدلك أطرافها به ، كان عطراً قوياً جداًوتافهاً لم يرق لنفسي إطلاقاً .. الأمر لا يحتاج إلي كل هذا المجهود من جانبها والاحتفالية لأن افكرة بسيطة: سوف أحاول الجسد إلي أن يستجيب ، وتصل ذروة نشوتها وينتهي كل شئ هذا في ظني ما تحتاج إليه الصافية له ، وأحتاج إليه أنا لأقنع نفسي بأنني قدمت لها عملاً أنسانياً كبيراً بل ونادراً ، فعلاً حُرمت منه طوال حياتها ، وأتمني أن أكون مخطئاً في هذه الفذلكة ، إقترحتْ إقتراحاً آخر وهو أن يتركها تستحم حماماص كاملاً ، وقوبل هذا الاقتراح بالرفض من جانبه ،
_ الموضوع ما يستحق ... قال لنفسه فقط ...
قامت أغلقت الباب بصورة جيدة ، ربما خافت أن اهرب ، ولو أنني رفضت الفكرة ، إلا أن ذلك حدث بعد فوات الأوان ...
إقترحت هي أيضاً إقتراحاً آخر ، وهي أن تبقي الاضاءة الضعيفة باقية .... وافقت ..
ثم طرحت عليَّ بسرعة مجموعة من الاجراءات التي لم يكن هنالك داعٍ لطرحها في هذا الوقت بالذات كلما أرجوه أن ينتهي هذا الأمر بأسرع ما يمكن ...
المفاجأة الاخيرة التي لولا قوة عودي وعزيمتي وصبري علي المكروه لكانت القاتلة ، ليس بالسهل أن أصف لكما ما شاهدت ، ولا يمكن لشخص أن يتخيل ذلك مجرد تخيل ، بل لايمكن أن يخطر ببال شيطان ... إذا كان للشيطان بال ، قالت بصوت حزين
_ منذ أن ولدت الي اليوم ما قطعت شعرة واحدة .. ما كان عندي وقت لعمل شئ كتن دايماً مشغولة .. ولكن حافضي نفسي بعد دا .. حاخلي وقت لنفسي الدنيا ما بتنلحق ..
قلت لنفسي الموضوع ما بيستحق ....
كنت مصمماً أن أجعلها تدخل تجربة جديدة مثيرة في حياتها ، تجربة لا تنسي ، بما يساوى نقطة تحول ... قالت ..
_ قاعدة انظفو ا .. وأسرحو بالمشط مرتين في اليوم علي الاق .
حكي لنلا بتفصيل ممل ، في الحقيقة ليس مملاً بل مؤذياً جداً وضاراً ، ثم أقسم وأقسم وقال ،
_ الصافية إنقلبت مرفعين ..
قلنا معاً وبصوت واحد ..
_ كيف ..
اللحظة الختيت فيها يدي وبديت أداعبها في أضانها .. بدا الصوف يقوم في جلدها ... صوف عديل زي صوف الحمار .. صوف أسود وخشن ، كان ينمو بسرعة رهيبة وأخذت ملامح وجهها تتغير ، كانت تصدر صوتاً غليظاً ، ثم أنقضت علي كما لو كانت أسداً ضارياً وأنا فريسة بائسة جريحة ،
لا أدري كيف تمكنت من الهرب ، عبر الباب أ م الشباك أم أنني أخترقت سياج القطية ... لاأدري .. وجدت نفسي
خارج بيت أدي وخارج الحلة كلها : في لحظات قلائل .
***
ذات صباح باكر طلبتني
ذات صباح باكر طلبتني " ألم قشي " قابلتها في بيت "أَدْيَّ" بادرتني قائلة
_ أنا عايزة أمشي إشتغل مع ناس شركة الاتصالات _
_ يعني خلاص إقتنعت !
قالت دون مبالاة
_ قلت أجرب ... يمكن ربنا كاتب لي رزق في مكان تاني .......
تعرف ألم قشي أن العلاقة بيني وبين موظفي شركة الاتصالات الوافدة حديثاً للمنطقة هي عبره هو ، تربطه علاقة شخصية مع المدير ، وقد طرح عليَّ فكرة أن تعمل ألم قشي طباخة في ميس الشركة ، حيث أن الموظفين لم يحضروا زوجاتهم إلي الان للحلة ، في إنتظار إكتمال البرج والكوابل الارضية إحضار الاجهزة الكترونية بالتالي إستقرار العمل .
_ كويس .. حأكلمو إنك وافقت ... عشان يبلغ ناس الشركة ....
بدأت صباحي كالعادة بكسل يتسم به العاطلون عن العمل ولديهم مصدر دخل يحول دون موتهم جوعاً وليست لديهم مسئوليات أسرية : زوجة ،أطفال ،أم أو أب ... "مطاليق " يبحثون عن متعة المشاهدة والدهشة لا أكثر ...
لدي زبونة واحدة فقط أشرب عندها جبنة الصباح امرأة عجوز شمطاء ، تستغل راكوبة في بيتها لتقدم بها الشاي والقهوة للعابرين من الجنقو والعمال الآخرين .. حيث يقع بيتها في أقصي الحي الشرقي علي طريق همدائيت حيث يوجد حقل من العاملين في تأسيس طلمبة الوقود ...
أعدت لي قهوة بها جنزبيل مركز .... وهي إحدي علامات أنني من مدينة كسلا بينما أنا أصلاً من مدينة القضارف ولا تربطني بكسلا رابطة سوى الشرق الكبير .
مر أمامنا شرطيان يتبعهما شيخ الحلة وبعض أعضاء اللجنة الشعبية ،إتجهوا نحو إنشاءات الطلمبة ...
قالت لي ..
_ أمبارح واحد من عمال المباني بتاعين الطربمة طعنوه ..
_ طعنو مُنو ؟!
_ واحد من أولاد المعسكر .. معسكر اللاجئين القريب .. كانوا بيلعبوا اقمار مع بعض وأختلفو ا
_ إن شاء الله ما أتعوق شديد ؟!
_ مات قبل خمس دقائق في مستشفي اللاجئين بالشقراب .. شالوه باللوري خشم القربة ولكن عندما تعب نزلوه في مستشفي الشقراب ومات هناك ثم أضافت
_ إنت ذاتك بتعرفو ....
وأخذت تصفه لي ولني لم أتذكره ، كان أحد زبائنها وقد قابلته في صباحات كثيرة هنا ...
في راكبوتها ..وعندما تذكرته قلت لها ...
_ الود البرناوي ..
قالت لي ..
_ يشبه البرنو .. ولكنه مُوَلدْ ..
وشرحت لي أن تسعة وتسعين في المائة من سكان الحلة ليست لهم قيبلة ،كلهم مولدون ، أمهاتهم حبشيات ، بازاويات ، بني عامراويات ، حماسيتيات وآباؤهم فور ،مساليت ، بلالة ، زغاوة ، تاما حمران وشلك ... وقلة من الشوايقة والجعليين وكضاب الزول البيقول عندو قبيلة ولا جنس !!
قلت لها متحدياً ...
_ كويس أداليا دانيال ..
_ أدايا دينكاوية وراجلها لكويا ..
_ وأنت ؟!
_ أنا أمي بازاوية وأبوي أمو حبشية وأبوه فوراوي ، ولدي متزوج من الحباب وهم ناس جميلين ولكنها خليط من أجناس أخري ...
وكل الاجناس القلتها ليك دي هي مجرد أسماء ولكن في الحقيقة اتلاشوا في بعض ..
لكنهم يتمسكوا بقبيلة الاب ... وطبعاً دا كلام ساي .... الدم كلو من الام .... الأب عندو شنو غير الموية !!
هززت رأسي موافقاً ..
ثم أخذت تعدد لي الاشخا صوكيف خلطوا وختمت حديثها بجملة تعتبر هنا من المسلمات
أهلنا الغرابة ديل يموتو في الحبشيات ..... موت !!
قلت لها
_ ما صنفت لي الصافية ..
_ جدها مسلاتي ، أمها من الامهرا من جهة الأم وفوراوية أباً وبيتهم فيهو البازا والحباب والقمر والرباطاب حتي الحلفاويين والمحس من أقصي الشمال
_ كويس الجنس البنقلب مرفعين دا شنو !!
_ الحكاية في اللبن .. أقصد من ناحية الأم وخلط اللبن اللبن ما كويس .... الواحدة تخل يأطفالها يرضعوا هنا وهناك ... وهي لافة من بيت لبيت .... وما عارفة الناس .. فيهم " البعاتي " " تيراب البنية " وفيهم البنقلب غراب وفيهم البنقلب أسد ومرفعين ... وفيهم البياكلوا الناس عديل والبلد دي ملانة جن تلقاهم في شكل نسوان ورجال وحيوانات .. ربنا يكون في العون .
_ قالوا أسرة الصافية هي أول أسرة سكنت هنا ..
قالت ثائرة
_ الكلام دا كضب ... أول أسرة في البلد دي أسرة جدي أنا ..... لمان جاء جدي هنا ....
قصت لي القصة الحقيقية وما عداها تشويه دافعه سوء النية وعدم الدقة والجهل عندما جا أهلها إلي هذا المكان لم يكن به سوى ،المرافعين ،القرود ،ابندلاف ، الارانب ،الثعالب واحياناص النمر ،كانت غابات كثيفة من أشجار الكتر والهشاب والسيال ... وفي الكرب وطرف البحر العرديب والتبلدي ولن يكثر به الجن .... وأبو لمبة يوجد في أى مكان ...
كانت أسرتها في طريقها إلي القضارف بعد أداء فريضة الحج ،حيث انهم قدموا عن طريق اليمن ،باب المندب ،إرتريا ،الحبشة ثم إلي القضارف ، وقد داهمهم الخريف في هذا المكان فأقاموا وبنوا أول منزل ،وقام أبوها واخوانها الكبار بقطع الاشجار ،نظفوا الارض وزرعوا محصول الذرة والدخن وبعض السمسم ، كان عمرها في ذلك الزمن ليس أكثر من عشر سنوات ولكنها تتذكر إلي الان تلك اللحظة التي جاء فيها الرجل الطويل الهزيل وفي رأسه طوق من الحديد محكم بصورة مخيفة ولا تزال تري عينيه كبيرتين وبارزتين حمراويين في لون الدم ، لسانه الممدود خارج فمه كلسان الكلب ، ورغم ذلك كان صابراً ثابتاً يتحدث بصورة طبيعية وتتذكر قوله
_ أنا ممكون "بالفرو "
وكان جسمه كله يتصبب عرقاً
تعاون أبي واخواني في قطع الفرو بالمبرد .... وكانت لحظة عجيبة عندما تخلص الرجل من الفرو وكأنه ولد من جديد في تلك اللحظة ،ولم يهتم أحد إطلاقاص بالهواء العظيم الذي إندفع من دبر الرجل مصدراً دوياً هائلاً مدهشاً هواء ذلك الخريف الثقيل ... ثم شرب واكل ونام إلي منتصف اليوم التالي ، حيث إستحم بماء دافئ ،صلي صلوات ايام كثيرة مضيت ثم أكل ، ثم حكي حكايته ....
_ كنت في سوق الحمرة باشتري وأبيع ....
وأثناء ما كان يتناول وجبة الافطار في أحد المطاعم إذا به يري توأمه عبد الرازق مربوطاً ضمن عدد من المساجين يسأل اناس ان يطعموه ...
_ من المفاجاة قرَّب يقيف قلبي ... تومي عبد الرازق المسكين قالوا سرق بيت القِشي !! تصوروا .....
قلت ليهو .... بعدما أطعمه وأعطاه مالاً كافياً
قال له بلغة المساليت ، سوف يأتيه في السجن بعد جمعتين من الآن ويرتدي نفس ملابسه وسوف يحل محله في السجن .... وانا بعرف كيف اتعامل مع الجماعة ديل .....
أنا بعرف ليهم عمري كلو قضيتو في الحبشة مع " الشفتة " و"الفالول "
وفعلاً وبسهولة ويسر تباد المواقع ، ولكن المساجين في اليوم الاول إستطاعوا أن يعرفوا الخدعة وان عبد الرازق الذي معهم في السجن هو ليس عبد الرازق الذي كان معهم قبل اليوم ، بالرغم من أن عبد الرازق وعبد الرازق نسخة من بعض ، كأنما الاول صورة الآخر في المرآة ، ولكن طبيعة أخي تختلف عن طبيعتي ، هو هادي ومسكين ،قليل الكلام ، قليل الاكل لا يدخن لا يسكر وأنا عكسه تماماً .... قدر ما حاولت أقلده ما قدرت .. الطبيعة جبل كما يقولون ... لذا عرفه المسجونون وأخبلروا إدارة السجن علهم يجدوا وضعاً متميزاً أو يتجنبوا المساءلة إذا إكتشف امره السجانون بأنفسهم .
فقامت إدارة السجن بضربه ضرباص مبرحاً ثم أحكموا رباط "الفرو" حول راسه باقسي درجة ممكنة
_ لو ماجبت أخوك خلال نصف ساعة حتموت والمفتاح موجود عندنا هنا في السجن .. يلا "قاتقف " *
لحظة ربط الفرو ..... الثواني الاولي تمني لو أنه وجد أخاه ليسلمه للسجانين في الحال ، وأخذ بالفعل يبحث عنه ، كان الفرو مؤلماص ومؤذياً أصابه بحالة من من التشتت وعدم التركيز كبيرة ،أدخل في نفسه رعباً لا بوصف ،في الحق ما كانوا يرجون عودته ، لأنه سيموت من الألم وصعوبة تدفق الدم إلي المخ
_ ولكني بعد دقائق قليلة رتبت نفسي وتذكرت كيف كان الفالول يتعاملون مع الفرو ....
أدعي أن الذي يلتف علي براسه ليس هو الفرو آلة الحديد القاسية المميتة ، ولكنه ثعبان ن ثعبان قد يقتله بلدغة واحدة وقد يتركه في حاله إذا تعامل معه بلرفق وكلمه بالحسني واقنعه بالمنطق ... ولأنه يريد أن يحيا ولا يغب في الموت ملدوغاً من ثعبان سام عليه بسياسة النفس الطويل وطولة البال ووان يربط مهمة الخروج من الحدود الحبشية بترضية الثعبان ... وأخذ يتلو نشيداً طويلاً بالتجرنة ألفه سلف بعيد للفالول منذ أن جلب الايطاليون أول فرد إلي اثيوبيا ....
كان هذا النشيد الطويل يتكون من كلمات قليلة
صديقي الثعبان الرحيم
أنت تريد الجوهرة ،لنك لاتري بدونها ....
وهي عندي
أنا أريد الحياة
وهي عندك
إذا مت أنا
فقدت الجوهرة
وإذا مت أنت فقدت أنا الحياة ...
خذ الجوهرة
أعطني الحيا ..
صديقي الثعبان الرحيم
أنت تريد الجوهرة ،لأنك لاتري بدنها ....
ويجب أن لاينتهي هذا النشيد ،لأن الثعبان يحب ان يُذكر بالجوهرة ، كان ينشد أغنية الثعبان وهو يطلق ساقيه للريح نحو الحدود السودانية ، متجنباص طريق المشاة والسيارات الذي يقود إلي همدائيت ،لإنهم إذا أرادوا البحث عنه سيبدأون باطرق العامة ، إتجه جنوباً قليلاً ، وعبر غابة صغيرة من الطلح علي ارض صخرية صلدة بها خوران وعران وبعض شجيرات الكتر الشوكية هنا وهنالك
لم يتوقف لحظة عن الانشاد ، يحب الثعبان أن يذكر بالجوهرة ...
في طريقه ألتقي باناس كثر فروا منه ن غلتقي بفالول وشياطين وعندما أظلم الليل قاده "أبو لمبة " رحيم إلي هذه الانحاء ن لقد صبر علي الفرو اكثر من تسع ساعات وهذا رقم قياسي ...
هذا هو جد " الصافية " وجدنا قبله هنا ، ونحن اللذين انقذناه من الفرو وأبي الذي أعطاه الارض التي بني عليها منزله حيث اتي باخيه وأسرته وأستقروا هنا ...
كانوا مزارعين نشطين وأمتلكوا أرضاً كبيرة في المنطقة التي تقع بين الجيدة وخور مغاريف ، وكانوا يزرعون ما يقارب الالف فدان في الخريف الواحد ولكن أضرَّ بهم الكرم ، الكرم المبالغ فيه ، وأكبر تجار المنطقة الان هم ليسوا سوي البعض الذين وهبتهم أسرتي التوم واعجوزة أراضي مجانية ...
عاد الشرطيان ،توقفا قليلاً عند العجوز ، سالا عن بعض الفتيات الذين أعتادوا شرب القهوة عندها ولعب الورق في راكوبتها الداخلية
قالت لهم
_ مشوا زهانة معزومين عيد القديس " يوهنس " هناك
***
أكد
أكد لي أن مشروع الصافية بالنسبة له لم ينته بعد ن وأنه قرر أن يخوض المعركة إلي النهاية ، ولم يكن تصريحه هذا غريباً فأنا أعرفه ، ما يزيد عن الثلاثين عاماً من الصحبة والقراءة المشتركة ، السفر و العمل والعطالة سيكون تصريحاً غريباً إذا قال إنه تنازل عن مشروع الصافية أو خاف ...
قال بثقة مفرطة ..
أحلل وضع الصافية كما يلي :
امرأة عندما تثار جنسياً ينمو الصوف في جسدها ...... تطول أظافرها وأذنيها ، تتحول ملامح وجهها إلي ما يشبه الذئب أو الاسد او القرد ... وتهاجم العشيق فيهرب .
ماذا لو إنتظر أحدهم الامر إلي نهايته ، دعونا نفكر في هذا الوضع ، دعونا نفكر كيف نتعامل معه ، يجب أن لا نتركها هكذا تعاني وحدها هذه الازمة الانسانية الفريدة
قلت له ناصحاً.. وأعلم أنه لايُنصح
_ أتمني إنك ماترمي نفسك في موضوع معقد زي دا
قال ..
_ تقصد أتطفل ؟!
قلت ضاحكاً
_ تماماً ..
قال
_ وجودنا أنا وإنت في مجتمع " الحلة " مش تطفل ؟!
عندنا شنو هنا .. غير ناس مطرودين من وزارة الصحة للصالح العام كل متطفلين علي بلد من بلاد الله ... وناس من ناس الله ...
فهمت فيما فهمت أنه يعني أننا طالما تطفلنا علي المكان فنحن أيضاً تطفلنا علي الانسان ... وعنده الامر سَيِّان
كان دائماً ما يقول أنه يجب أن يترك أثراً واضحاً أينما ذهب وأن يدهش ... وهذا الاثر .. وهذه الدهشة لا يتأتيان مالم يفعل ما لايستطيع العامة فعله ... ويختصر ذلك قائلاً
"إركب الصعب "
وأينما حللنا ،كان يبحث عن الصعب ، والصعب فط ، يبحث عن غرباء الناس في المجتمع ، في كل شئ كان يتصيد السؤال ولايخشي التهلكة بل يرمي بنفسه فيها رمياً ...
قلت له
_ ألم قشي وافقت .
قال
_ نسوقها معانا للشركة .
أكلنا طعاماص طبخه مختار علي من اللوبيا البيضاء "والفرندو" "بالشرموط" إشترينا "إنجيرا " من بيت الام ، كان مختار علي دائماً يحتفظ بمخزون من الدليخ في قطيته ، حضرت ألم قشي وضعت لنا القهوة بالجنزبيل والهبهان ، ثم ذهبنا الثلاثة إلي مقر الشركة جوار زريبة المحاصيل حيث وجدنا العمال مجتهدين في إننشاءآت المؤسسة ولكنا إستطعنا الالتقاء بالمدير ، وكان رجلاً قصيراً نحيفاً مبتسماً قليل الكلام مرحاباً مضيافاً ، أنيقاً بعينيه حَول بسيط ، شكزنا كثيراً، وعتبلر قدوم ألم قشي إلي الميس في هذا الوقت عملاً غنسانياً بل وتنموياص كبيراً .... إننا نحتاج إلي شخص يحمل عنا عبء بطوننا ،
قال
_ الشغل عزلنا من المجتمع ...
ولكني أحسست بمسحة غبشاء من الاحباط تعتري وجهه وهو يرحب بالم قشي ويكيل لنا ولها الشكر ، قالت لي الم قشي فيما بعد
_ كانوا ينتظرون فتاة صغيرة العمر .. علي الاقل أجمل مني ..... قليلاً
أضافت
_ حيقتنعوا إنو أنا أجمل امرأة في الدنيا
قلت لصديقي
_ ربما كانوا يريدون ملكة جمال في هذه البقعة النائية من الارض ... الفقيرة المهمشة التي نشأت أصلاً من المطاريد .
تركنا ألم قشي هناك ترتب أمر وظيفتها الجديدة وعدنا أدراجنا غلي السوق ، الساعة تشير غلي منتصف النهار ،عمال البنك يعملون بجد ونشاط ، سيدرك البنك الموسم الزراعي القادم ويشاع ان هذا البنك سيغير خارطة الثروة وعلاقات الانتاج في المنطقة لصلح محدودي الدخل وضعفاء المزراعين والفقراء أيضاً، وسوف يقدم قروضاً وسلفيات غير ربوية لكل منتج ...
ويبدو أن الامر لم يكن إشاعة ولكن المحاضر الذي أوفده البنك يوم جمعةٍ لاتنسي قال كل ذلك ، وتحدث باستفاضة عن السَلم والمبايعة والمشاركة وأصَّل لذلك بآيات وأحاديث وشهادات فقهاء وفتاوي ، لم يفهم العامة شيئاً كثيراً مما قال ولكنهم فهموا المهم والذي يخصهم من الموضوع وهو : هنالك سلفيات لصغار المزراعين ومشروعات صغيرة لمحدودي الدخل ودا كلو بدون ربا ... والعياذ بالله من الربا ... والشئ الذي يجب أن يؤكد هنا أن الجنقو وغيرهم من المواطنين فهموا أن لهم حق لايسقط من مال البنك ... وإنما جاء هذا البنك تأكيداً علي شرع الله وتطبيقاً لقول عظيم
" حتي لا يكون المال دولةً بين الاغنياء "
وكل هذا تفوه به البنك ولم يجتهد الناس كثيراً في التاويل .
وبذلك قدمت المحلية أرضاً بدون مقابل لكي ينشا عليها البنك ، وتم إستخدام وابور المحلية لنقل الحجارة والرمل والسفاية من شاطئ إلي موقع المنشأة ، ولم يتبرم أحد بل كان الجميع يحس بالتقصير حيال البنك الذي هو بمثابة خاتم المُني ومهدي المكان .
شربنا كركدي عند عزيزة الزغاوية كان يجلس قربنا إثنان من السماسرة ، يتحدثان عن سعر أردب السمسم المنخفض في هذا الموسم مع الانتاج الشحيح له ، يتعجبون .. لأنهم يرون أن إنخفاض غنتاجية السمسم تؤدي مباشرة إلي إرتفاع سعره ، الشئ الذي لم يحدث الان
_ دا آخر أسبوع لحصاد السمسم تاني ما تبقي الحتة ، ولكن الآخر كان متفائلاً لأن شركة السمسم لم تدخل السوق لشراء متطلباتها السنوية للتصدير....
_ وحيرتفع سعر السمسم أضعاف سعره في السنة الفاتت ...
وهنا تدخل صديقي قائلاً
_ السبب إنتاج الفول .. الفول السوداني وبرضو عباد الشمس ....
وطرح من رأسه أرقاماً مدهشة لمنتوج الفول السوداني وعباد الشمس في هذا الموسم ثم تحدث عن سعر رطل الزيت الذي أصبح خمسمائة جنيه وسوف ينخفض أكثر وربط ذلك بالمستخدم من السمسم في زيت الطعام والحلوي وكيف أن الفول السوداني الرخيص حل محله وزيت عباد الشمس النقي الصحي منخفض الثمن المفضل لدي المصدرين أصبح كبيراً ثم أسهب في الحديث عما أسماه ب:
مستقبل إنتاج السمسم في السودان ..
هل سيصبح كمستقبل إنتاج القطن والصمغ العربي ؟!
نظر إليه بإستغراب ،ولكن أحدهم أضاف
_ كلامك دا معقول لحدٍ ما ... ولكن هنا الحقيقة في شركة السمسم ....
_ كيف ..
_ مش حتشتري السمسم إلا لمن السوق يتملي ويصبح التجار محتاجين لقروش العمال وخاصة التجار الصغار نفسياتهم تقع في الواطا والواحد يكون عايز التخارجوا من وأصحاب الدين ، تجي الشركة وتشتري بأقل سعر .
وقطع الحوار صوت أبواق سيارات ونهيق باربارات ولاندروفرات مختلط بزغاريد نساء وصبايا ، غناء وجلبة ، ثم عم المكان الغبار المختلق من رفس إطارات السيارات علي الارض .... قالت عزيزة الزغاوية
_ دا زمن عِرسْ .... لسع الحصاد ما إنتهي !
قال لها أحد السماسر
_ العريس إنت قايلاو منو ؟! دا أحمد عوض سواق باربارة البرناوي ، ديل بيعرسوا في أي وقت طالما الخريف إنتهي وأنفتحت الشوارع ..... دي الزوجة الثالثة .....
السيرة مكونة من عشرين باربارا ، خمسة لاندرفورات بص همدائيت وبص الشواك ، لوري الحفيرة ثم تراكتور بمقطورة تابع لأحد تجار زهانة
_ أبشروا .. أبشروا ... أبشروا ....
قال أحد السماسرة ...
_ إتزوج من الفلاشا ...
قلت مندهشاً
_ الفلاشا ؟!
قال
_ أيوا ..... فلاشاوية .... وقالوا الفلاشا ديل يهود ... الكلام دا صاح ....
قال جملته الاخيرة منتظراً إجابة مني ....
سألته ...
_ ولكن هنا في فلاشا ..
قال
_ أسرة واحدة هي أسرة ابرهيت ولدو إسحق
قالت عزيزة الزغاوية
_ ولكن ابرهيت دا مسلم .... قاعد يمشي صلاة الجمعة ...
قال لها السمسار الآخر ..
_ اليهود فيهم المسلم وفيهم الكافر زيهم زي الجن ... فيهو المسلم وفيهو الكافر ... ثم أضاف ..
وفي مسلمين يهود عديل كدا ... الناس المابيصلوا ولابيصوموا ديل شنو ؟!
همس صاحبي في أذني ، الذي كان يتتبع النقاش في إنتباه كبير
_ لازم نزو أسرة أبرهيت اليهودي دا .... أنا عايز أعرف عن الفلاشا .... وكنت أتمني أشوف واحد منهم وأناقشه ...
قلت له
_ أنا ما حامشي معاك ، كفاية العملية العملتها في الكنيسة الاسبوع الماضي مع الام بخيتة
قال محتجاً
_ عملتها أنا ولا عملتها الام بخيتة بنفسها أنا كنت عايز أقيم معاها حوار موضوعه الاديان وقصدي شريف جداً ولكن الام بخيتة ما فهمتني وأعتبرتني مخرب ... هي عايزة تتحاور معاي كمسلم وأنا عايز أتحاور معاها كأنسان يتبني كل التراث الروحي للبشرية .... بما فيه الدين المسيحي نفسه وكما تكلم زرادشت للفيلسوف نيتشة ، قلت له
_ أنت طريقتك في تناول المواضيع هي المشكلة وليست المشكلة هي المواضيع أو نواياك ...
وخوفاً من أن يقال أني تركته في محنة جديدة وحده ، ذهبت معه ... وأعجبت بالطريقة الذكية التي حسم بها أبرهيت الموضوع ، في هدوء ورباطة جأش وكأنه كان يعد الإجابة منذ ولد قبل ستين عاماً أنه أجري عليها تجارب كثيرة في شتي صنوف البشر للتأكد من صلاحيتها قبل أن يتبناها أخيراً كإجابة نموذجية تصلح رداً شافياً كافياً لكل المتطفلين والمتحشرين والمتسكعين الكسالى الذين لا هم لديهم سوي البحث عن الغوامض مثيري الأسئلة والمتشككين ضعيفي الإيمان والمتطرفين .... قال بصوت واضح
_ أنا مسلم ... " تفحص وجهينا وأبتسم ابتسامة بُنية قبل أن يواصل ".
وأشهد أن لا إله إلا الله ،وأن محمدا ً رسول الله ،صلي الله عليه وسلم ،وأقيم الصلاة وآتي الزكاة وأصوم رمضان ، أحج البيت إذا أستطعت إليه سبيلاً ...ثم أضاف في برود .
_ يلا .. مع السلامة .
****
تأقلمت ألم
تأقلمت ألم قشي علي الحياة الجديدة في سرعة فائقة وأحبت عملها ، ولو أن المبلغ الذي تتقاضاه مقابل القيام بإعداد الطعام وترتيب الميس كان لايسوي نصف ما كانت تحصل عليه من العمل كفتاة مبيت عند " أدي " إلا أنها كانت توجد لنفسها مصدراً للدخل آخر ، مثلاً طلبت من الموظفين ألا يأخذوا ملابسهم إلي الغسال هي ستقوم بذلك وبصورة أفضل لأنها لاتخلط الملابس مع بعضها ، ستغسل لكل فرد علي حدة ... وحتشوفوا الفرق !!
ثم إبتكرت فكرة بيع الملابس والمصوغات الحبشية بالتقسيط لعمال وموظفي الشركة وأصدقائهم حتي يتمكنون من أخذها إلي أسرهم في عودتهم الشهرية إلي مدنهم ومواطنهم الاصلية ...
ثم أخذت تبيع لهم أشرطة الكاسيت الحبشية والاحزمة الجلدية الاصلية المهرية من أثيوبيا ثم الجن والبراندي الأنشا والكونياك ثم الوندوم والفياجرا وعقاقير فتح الشهية ثم زاد دخلها بصورة ملحوظة عندما إستضافت في بيتها في خميس بُني كل الفريق العامل في شركة الاتصالات وأصدقائهم من العاملين في تشييد البنك ، ضباط المحلية وبعض قادة الجيش والشرطة وأحضرت لهم مالذ وطاب من شواء بالسمن والعسل وشيشة معطون تمباكها بالاستيم الذي يحل محل الماء كذلك ، ثم فاجأتهم بالمغني العجوز آدم بلالة في صحبة " الام كي كي " ورفقة أجمل سبع بنات في الحي الشرقي
صفية أدريس الملقبة " بالطلحة "
سنايت
وليس هنالك أفضل من ساقي سنايت إذارقصت .
أميرة الدبابة وهي خلاسية نجلاء ردفاء
مناهل سعيد شهيرة بمناهل النوباوية وهي فتاة بيضاء لها عنق طويل يقال أن أمها يمنية ووالدها من المحس .
أمونة بت خدوم ، أصلها من مدينة اقضارف أمها جنقاوية شهيرة
آستير كيواني بشير
فتاة قدمت حديثاً من الحمرة وكانت تسكن حلة "قرش " وهي تعمل بارستا في البار الخاجي علي شاطئ ستيت مقاصداً لهمدائييت ولكنها أتهمت بقتل إحداهن فهربت إلي " الحلة " ...
جميلة صريحة وواضحة ولا تتحدث اللغة العربية إلا بصعوبة ..
بوشاي ..
بوشاي شول ، أبوها من الشلك ، أمها من الحمران ، وهي مغنية لاتقوم لحفلة قائمة إذا لم يصدح فيها صوتها العذب ... وقد كُتبت فيها أغنية
جني البابايا
الحلوة زي منقايا
كان حفلاً بريئاً رائعاً حضرناه مع غيرنا من مواطني المدينة ، حيث كان كل الناس لكل مناسبة ...
ولكن فوائد مابعد الحفل كانت الاجدي قلت لها ونحن في بيت " أدي "
حيث إعتدنا أن نلتقي ..
_ يبدو أن تجارتك أصبحت رائجة ....
قالت مدعية الغباء
_ ناس المدن بيحبوا الملابس الحبشية ..
قلت بمكر
_ وتاني ..
قالت في مكر
_ الاشرطة الحبشية ..
قلت ..
وتاني ...
قالت بتحد ..
_ تقصد شنو ..
قلت لها
_ البنات .. ما بيحبوا البنات !!
قالت ببجاحة ..
_ أنا وسيط .. ما أكثر .. وإنت عارف ، أنا ماعندي زنب .. إ،نت ذاتك لو عايز واحدة حأجيبها ليك !!
ولأول مرة في حياتي يصل بي الغيظ حد أن أتهور وأضربها في وجهها إلي أن سقطت علي الارض ، عندما نهضت أخذت زجاجة جن فارغة وقذفتني بها ، ولكني أخفضت رأسي قليلاً فانكسرت علي الباب محدثة دوياً مرعباً حضرت علي إثره أدي وحضر ما يمكن أن أسميه نصف سكان الحي ، أو جميع سكان الحي المستيقظين .
ولم يَلمني أحدٌ ، ولم يلمها أحد ٌ ،الملام في الامر الشيطان وحده ،الذي لعنه الجميع ، هنا الناس يفعلون المستحيل لكي لا يخسروا بعضهم الناس بالناس والكل لرب العالمين ، والكلمة التي يتفوه بها الشخص ، تحسب عليه أو له ، قالوا لكلينا
_ ألعنوا الشيطان ..
فلعنت أنا الشيطان هي أصرت علي أنني المخطئ وأنها سوف تذهب لنقطة الشرطة وتبلغ عني لأنني إعتديت عليها بالضرب ....
_ ألعني الشيطان يا ألم قشي ... ألعني الشيطان ..
أمسك بي من ظهري ثم أخذني إلي بيت مختار علي الذي لولا مرضه الشديد لهرول لنجدتي ، فيبت الام أدي ليس بعيداً ...
قال لي مختار علي
_ يادوب حتحبك ألم قشي .... لأنك ضوقتها يدك ..
قال لي
_ إنت بتغير عليها .. أنت بتحبها ..
كنت مرهقاً ، نمت وتركتهما يتحدثان عن باص همدائييت الذي نهبه " الفالول " بعد ظهر اليوم عند غابة زهانة نمت يملؤني العجب كيف يصل خبر الباص الذي نهب في غابة زهانة بعد الحادثة بما لايزيد عن نصف ساعة والباص نفسه يحتاج إلي ساعة كاملة لكي يصل هنالك من الحلة ،أليس صحيحاً أن الجن وحده هو المسئول عن نقل الاخبار في هذه البلاد
***
يوم الخميس هنا يوم عيد ، حيث ياتي الجنقو جميعاً من المشاريع جيوبهم مليئ بالنقود يدخلون علي السوق بركة ً وسلاماً ، كل جنقاوي يسعي دائماً لإكمال زينته بالآتي :
راديو ذو حقيبة ويحبذ الجلد وتفضل ماركة ناشونال أو سانيو ..
سكينة مصنوعة من من مساعد الياي أصلية دقة سنار أو كسلا .
جزمة أديدص
منطلون جديد
قميص جديد
عطر البخور أو المنتخب
بطارية بحجارة جديدة
سويتر
منديل كبير الحجم من البشكير
علبة فازلين
مسجل كبير بسماعتين محلقتبن
شنطة هاند باك ..
نظارة شمسية سوداء اللون ، رخيصة .
ودائماً ماتكتمل هذه الزينة في فصل الحصاد " الدرت " عند ديسمبر ، ففي كل خميس يحاول العامل جهده أن يفعل شيئاً من هذه الأشياء وأن يكون فوق ذلك له خميس متميز ، الغالبية لا تميل إلي النساء إلا ما ندر ولكن الموضوع الاساسي هو المريسة نهاراً وعرق البلح ليلاً ، وهذا هو البرنامج المعلن لجميع عمال السمسم والذرة بداية من يوم 15|7إلي الاسبوع الاول من شهلر ديسمير ، ثم يبدأ البرنامج العكسي ... الذي من المفترض ان يبدأ اليوم ، والدليل علي ذلك هذا الحوار الذي يأتي لمسامعنا عبر " صريف " القصب من بيت خميسة النوباوية بينها وأحد الجنقو عرفنا أن أسمه عبدارامان .
_ أنا غلطان يا أمي ... أمسحي لي كل شئ في وشي ..... سامحيني ...
_ ياعبدارامان إنت لسانك حلو ولكن عملك شين زي الخرا ..
_ برضو سامحيني يا أمي خميسة .. غلطت عليك .. والسكران في ذمة الواعي ...
ثم دار حديثاً خفيضاً نسبة لأن سمعي غير جيد ، فلم أتبينه ولكن عندما طلب عبدارامان غرضه ، كان الصوت واضحاص
_ كويس ، خلي قميصي الجديد دا معاك وأديني " نصية " واحدة وبكرة لو ما جبت القروش ما تديني القميص ..
ضحكت خميسة بصوت عالٍ وقالت
_ نفس حكاية المسجل ... وشربت خمسة شهور عرقي ومريسة وعسلية لمان شبعت وبعدين جيت قلعت المسجل .. لا قرش ولا تعريفة .. حتي البت القلت عايز تعرسها عشيتها .. عروسي .. عروسي .. ولكن اليوم البدا " الكديب " تاني ما شِفْتِيك إلا الليلة ...
_ البت .. البت يا أمي حس ِ نعرسها ... شوفي فكي علي الزغراد وين .. حَسِ يشيل لينا الفاتحة
قالت بصوت قوي وصارم
_ منافقة ...
_ والله يا أمي ما نكضب جَدْ جَدْ
أتي صوت من بعيد
_ يا أمي أنا ما عايزاو ..... ما عايزاو .... ما عايزاو ... وتاني ما عايزاو ...
الجنقاوي ياأمي حني في الدرت ولئيم في الخريف
قال ضاحكاً بصوت عال
_ هييه يا كلتوم أمسكي لسانك .... لمن نعرسك نوريك أدب ... أدب المدايح .
دخل الحوار شخص جديد تحدث عن بيت الحلال وحلف بالطلاق أن يأتي المأذون الآن
_ ما عايزاو ... ما عايزاو .. بعدما يفلس يجي يادوب ... وين إنت في موسم السمسم ... وين إنت لمان القروش في إيدك زي التراب !! ... ما عايزاو يا أمي ..
_ والله السنة دي .... السنة معانا كبيسة مرة واحدة أنا بعت مسجلي ... مسجلي الكبير يا أمي وبعت حتي النظارة الاشتريتها من القضارف ... ويادوب دا شهر واحد ... ماعرف لمَّان يجي شهر ستة كيف ؟!
قالت الأم
_ البت قالت ماعايزاك !!
_ تسمعي كلام المرا ؟! ... في مرا تابي الجواز ؟!
يا أمي خميسة أدينا " نُصِيَّة " نشربها علي بال موسي ود محجوب ينادي المأذون ونقرأ الفاتحة ونصبح لحم ودم ..
وأكدت أصوات أخري علي الامر ولكن خميسة قالت إنها لن تفعل وإذا أراد أن يتزوج البنت عليه إحضار الرجال غداً وإحضار ماله : إحضار الرجال عملية سهل طالما لم يكن من بينهم والده وأخوانه الذين يشتركون في الحرب الاهلية بدارفور ، ولكن ةإحضار المال هذا مستحيل مالم يبدأ موسم نظافة المشاريع أو " أم بحتي " أو قطع القصب " كاتاكو " في حلفا الجديدة ..
ولخص محنته فيما يلي :
أنا لو عندي مال كنت أشتريت " النُصِيَّة " وشربتها ونمت مرتاح البال لا مرا ... لابتاع .
_ ما عايزاو ... ما عايزاو ... ما عايزاو .....
دار حوار في مكان بعيد عن الصريف ومسامعنا ، قد يكون داخل القطية حيث يأتي صوت البنت بين آنٍ وآخر ، علي كل لم أنتبه إلا ، كما إنتبه الحي كله ، علي الزغاريد الفرحة من عمق حلق خميسة النوباوية ...
وفي الثواني الاولي عرف الجميع أن عبدارامان قد تزوج للمرة الرابعة وتنبأوا أن كلتومة بت خميسة النوباوية لن تكون الاخيرة ولكنه علي كل حال لن يخرج من هذه المغامرة سليماً أبداً طالما كانت خميسة وفية لكجور " التيرا " وأسبارهم .
قال لي مختار علي
_ الناس هنا لايتنبأوا .. ولكنهم بيعرفوا الحاجات معرفة حقيقية ويشوفوا المستقبل شوف عديل ...!! مافي شئ غامض في البلد دي يا أخوي ..
***
الصافية عبد الرازق أصبحت مشروعاً له ، المشروع الصعب المستحيل ، ولكن حسب معرفتي التي أدعي أنها عميقة به، أعرف أنه سيصل إلي قاع البحر المظلم البارد ، ماأعتبره تطفلاً , يعتبره مهمة صعبة وهذا مايفرق شخصيتي وشخصيته وهو ليس إختلاف في الدرجة كما يظن كثير من أصدقائنا المشتركين ... وهو أيضا مشكل أخلاق وفهم للحياة ، أنا أحب الآخر مع الاحتفاظ بمسافة وإن كانت متوترة بيننا أما هو فأول ما يفعله إلغاء هذه المسافة ، الصافية لا يوجد فيها ما يجذب رجل مدينة بين يديه خيارات متنوع سهلة وجاذبة وهو أيضاً لم يكن مريضاً نفسياً أو رجلاً شهوانياً ... ولكنه رجل مغامرة ولا يتحمل إنغلاق اللغز إطلاقاً هذا ما أفهمه عنه ، لم أندهش بالقد الكبير عندما قال لي
_ أنا عايز أحسم الموضوع دا ..... موضوع الصافية ...
_ سوف تموت ..
_ أنا ..
_ أيوا ... حتقتلك ...
قال بثقة كبيرة
_ أنا سوف لا أموت مقتولاً .. كلمتني قارئة كف حلبية ورمالي برضو ... أنا حأموت غرقاً وفي عمر كبير ربما بين السبعين والتسعين .... فأنا ماخايف وإنت أطمئن
_ هل قالوا لك ستغرق بكامل أعضاء جسدك وأطرافك ؟!... عيونك مثلاً ؟!
ضحك وهويصفق باب الشارع خلفه ولكني تلمست في ضحكه خوفاً ، خوفاً جيداً ومؤثراً وعرفت أنه سوف يلغي المغامرة .... وهذا مؤكد أنا العارف به .
كعادتها في الايام الاخيرة أخذت أخذت ألم قشي عندما ينتصف الليل وتغلبها الوحدة تأتي إلي في منزل مختار علي ونمضي معاً إلي بيت " أدي " وطلبت مني ألم قشي ولأول مرة أنها تريد أن تحبل بطفلة مني
_ أنا عايزة كدة ..... عايزة بت !!
بت جميلة تشبهك ..
_ إذاً حاتزوجك ..
_ طبعاً ..
_ أمبارح إتزوج جنقاوي اسمه عبدارامان كلتومة بت خميسة النوباوية
قالت ضاحكة
_ عبدارامان حملها ثلاثة مرات .. كان ساكن معاهم في البيت خمسة شهور .. ياكل ويسكر ويصاحب علي الحساب .
_ كان مصاحبها ..
_ أيوا .. الجنقو ما بعرسوا إلا لمان يفلسوا في شهور الصيف .. يعرسوا النسوان العندهم قروش .
جاءت الأم " أدي" بالفكي وعقد لنا في نفس الليلة بارك زواجنا وأدعي لنا بذرية صالحة ، تبرعت لنا أدي بسكني معها لمدة سنة كاملة إلي أن نبني بيتنا وأقام موظفو وعمال الشركة لنا إحتفالاً كبيراً وجاءوا بفنان من القضارف وكان له الفضل في إدخال أغنية :
وصتني وصيتا ،
قالت لي إترجل ،
خليك في الواقع ،
أصلو الفراق واقع ،
كان ترضي .
كان تزعل .
التي أخذ الناس يرددونها في حفلاتهم وغناها العجوز " بأم كيكي " بعد أن حَوَّر قليلاً في لحنها لتتماشي مع وتره الواحد وسلالمه الموسيقية العجيبة في الحق هو الذي جعلها متاحة للجميع ولجميع الاغراض كأغنية سيرة وأغنية دلوكة كأغنية وازا ، كأغنية حمام وحتي أغنية حصاد وأغنية لترقيص العروس في " قطع الرحط " ثم ظهر قميص وتوب وفستان وحذاء بل وطريقة ركوب للحمير بأسم " وصتني ووصيتا ".. وتم التأريخ لزواجنا بظهور هذه الاغنية في الشرق وهذا أعتبرناه فأل حسن بالرغم من القصة الحزينة التي شاع أنها السبب في تأليف الأغنية والمصير المأساوي الذي آل إليه الشاعر المسكين حيث أنه أصيب بالجنون بعد كتابة هذه القصيدة مباشرة وياليت الأمر وقف هنا ولكنه ها بوجهه في فلوات الله الفسيحة وفي قرية علي أطراف الخرطوم سقط في بئر مهجورة ومات .... وليتها كانت هذه نهاية المأساة ولكن حبيبته المسيحية التي رفض والدها أن يزوجها له عميت من البكاء عليه وشاع أن أول قصيدة كتبها في حياته وآخر قصيدة كانت " وصتني وصيتا" .
ورغم ذلك أعتبرنا انا وألم قشي أن إرتباط زواجنا بهذه الاغنية فأل خير لأن بهذه الاغنية فأل خير لأن فيها جوامع وكنائس أجراس ومعابد وأهمها وجود المنجل حيث أنه من الاشياء المشكورة في الحلم هنا في الشرق
***
في هذه الايام تشكو النساء بأن " السوق بارد " حيث تكسد المريسة ويكسد عرقي البلح ويتوقفن عن صنع العسلية لإنها مكلفة وأنها تفسد بسرعة ويقل المال المتداول في البلدة، تنتعش روح المقايضة وتصبح مسئولية كل ربة منزل أن تحافظ علي تماسك أسرتها في فصل الصيف ليس ما أمكن، ولكن مسالة حياة أو موت.. والاعتماد علي الرجل في هذا الموسم بالذات هو ليس سوى عملية تعجيل الطلاق أو إفساد سكون وهدوء المنزل وقد يعرضها وأبنائها للضرب، كتن أستمع بإهتمام لألم قشي " لقد أصبحنا من لحم ودم واحد " تزوجت من قبل، هذه حقيقة قد لايعرفها الجميع في همدائييت واحد من أولاد البلالة إسمه موسي حربة أسرته كلها تعمل بالتهريب والتجارة إلا هو فكان الجنقاوي الوحيد بالأسرة، كانا يسكنان "الجيدة" في بيت علي شاطئ النهر مباشرة ولأنه ليست هنالك منازل للأثرياء وأخري للفقراء، فكانا يسكنان كما يسكن الجميع في قطية كبيرة امامها راكوبة من القش والعدار لها سور من شوك شجر الكتر وقصب الذرة، كانت تعمل في الصيف مثل غيرها من النساء في صنع الخمور البلدية وفي كل قلاثاء تصنع برميلاً من المريسة، وهو لايفعل شيئاً سوي لعب الكوتشينة تحت الشجرة مع العساكر أو .. أحياناً الذهاب في رحلة" قنيص "صيد الارانب والحيوانات البرية في غابة "زهانة" المجاورة، وأعترفت لي بأنه أنجب منها بنتين هما الآن مع اسرته بهمدائييت أجمل بنتين بهمدائييت الان يدرسن بالمدرسة الابتدائية، الكبري في الصف السابع والصغري في الصف الخامس، طلقها في درت جاف قبل ثلاث أعوام فقط لأنني قلت ليهو
_ أبقي زي الرجال واشتغل في الجيش او التهريب !
فأخذ البنتين إلي أبيه الثري بهمدائييت وعندما عاد أقام مع امرأة مطلقة في حي السوق ولكنه إنتظم في زيارتها في الاسبوع مرتين في منتصف الليل ..
_ أناأجيك عشان ألقي راجل معاك وأكتلك واكتلو وإذا مالقيت معاك راجل ولو حكم مزاجي أرقد معاك ولو ماحكم أتف في وشك وأرجع .. ولكن وراك وراك ..
لم يقف أحد في صفي، كان علي أن أقبله كما هو، فهو ليس إستثناء ولا أتي ببدعة ..
_ إنت زول مختلف ... زول راقي ... ما بتشبه رجال البلد دي ... عشان كدا أنا حبيتك وقلت أنت الأب المفروض تكون لي بت ألديها .. فهمت ولا ما فهمت ..
ليس هنالك ما أفعله في الحلة ، كانت الايام تتمطي في رعب كسول، كلما يجب أن يقوم به رجل مضي زمنه أو لم يحن بعد ولو أنني لست من الجنقو ولكنني قررت أن أمتلك أرضاً زراعية علي تخوم خور " مغاريف " وأقوم بخدمتها وتنظيفها بنفسي تهرباًمن كسل الصيف
_ التِرِقِدْ والتِجِدِعْ في البيوت ..
وأستشرته في الامر ولكنه فضل العودة إلي المدينة وأقتلرح مصاحبته وزوجتي إلي هنالك، طبعاً رفضت
قال إنه سوف يعود مع عودة الحياة إلي الشرق، إنه يبحث عن مكان آخر تصنع فيه الحياة الآن ... فال لي
_ لم تسألني عن " الصافية" ..
قلت له
_ الجميع يعرف التفاصيل التفاصيل ..
يعرف انه قد أصبح أحد الاسطورات الخاصة بالمكان، الاسطورات ذات الدهشة الاقوي يكفي أن يذكر إسمه حتي تلهج الالسن بحكايته مع الصافية التي يحكيها ككل من شاء كيفما شاء ولكن أقرب الحكايت إلي الواقع والدقة هي الحكاية التي ساحكيها، لأنني اقرب الناس إليه بل العارف به بالاضافة إلي أنني إعتمدت علي كثير من المصادر وقارنت وثقفت الاقاويل بل إنني أقمت ما يشبه الندوة في بيت أداليا دانيال في يوم مريستها بالسبت وحضرها الفكي علي وهو مشهور بمعرفة المستور وفضح النوايا بل التنبؤ حتي بتاريخ موت الاشخاص حيث أن لديه كتب مثل : شمس المعرف الكبري والجلجوتية وأصول الفقه وهو أكرق الناس محاربة للخرافة وشطط القول، كان " هوط ايضاً معنا ولكن أحداص لم يعتمد روايته حتي انا نفسي لنها كانت الابعد عن الواقع بل رأي الجميع فيها الكذب بعينه والخرافة بقرونها وأهملنا آراؤه تماماص في ندوة أداليا دانيال حتي أن الفكي علق بالقول
_ كلامو إعتبروا كلام زول سكران .
وقد إحتج علي جملة الفكي علي ولكنه لم يغادر الندوة إلي ان إنفض الجميع حيث اخذته إلي منزل مختار علي، صلينا العشاء في جماعة، تعشينا ونمنا ***
جاء بيت الام في
جاء بيت الام في الصباح الباكر مجموعة من الجنقو، الصافية أيضاص معهم، وهنالك ثلاث جنقاويات أخريات، كناوا عشرة، قابلتهم في الديوان وهومكان غستقبال بيت الام، قالوا لي إنهم يريدن الذهاب غلي البنك طالما كان هذا البنك للفقراء والمساكين من المزراعين كما قيل في خطبة الجمعة قبل عامٍ مضي_ في الحق لم يحضر واحد منهم خطبة الجمعة تلك_ وانهم يريدون سلفية يشترون بها مشروع كبير وينظفونه بأنفسهم وأن يقدم لهم النبك سلفية أخري هي وابور بدسكي ويفضلون طماسي ط أو "روسي" أو " فورد" المهم الشئ الذي يستطيع ان يقدمه البنك ... واكدوا أنهم سيعيدون السلفية في نفس العام إذا كان الخريف جيداً وحتي إذا لم يكن جيداً فإنهم سيعيدون السلفية فيما لايزيد من خريفين فإيجار التراكتور في سنة واحدة يساوي سعره .. بدأوا متفائلين ونشطين وكانوا يدخنون السجائر بشراهة ويلبسون أنظف ما عندهم من فسلتين جلابيب ومناطلين ولو أن بواقي ليلة الامس تفوح منهم إلا أنهم كانوا مرتبين ومستعدين لتقديم مشروعهم بالوجه الاكمل .
قلت لهم
_ الموضوع دا تمام ولكنه يحتاج إلي دراسة جدوي ...
سالوا عن معني دراسة الجدوي وما إذا كانوا يستطيعون شراءها من السوق : مهما كلف ذلك، ولكني طمأنتهم بأنني سأقوم بها عليهم فقط أن يمهلوني ثلاثة أيام لا أكثر
كنت أري أحلامهم بالنجاح والثراء بأم عيني، تتطاير حولنا تملأ المكان إنشاداً وبهجة فبل أن يذهبوا أهدوني زجاجة كونياك وقالوا لي فيما معناه أنها مفيدة لرجل تزوج حديثاص بحبشية جميلة كانت تعمل في بيت "ادي " إحتفلنا إحتفالاً صباحياً بالهدية وتناقشنا في فكرة الجنقو الخطيرة، سألتني " ألم قشي " سؤالاً مباغتاً
_ البنك حيديهم سلفية ؟!
قلت لها
_ ماعرف لكن نكتب ليهم دراسة الجدوي بعداك الله كريم .. يمكن يدوهم ويمكن لأ ..
أما بيني وبين نفسي فكنت أعرف النتيجة مسبقاً وأستطعت أن أتخيل تماماً منظر الجنقو وهم يطردون من البنك شر طردة وأنا أعتذر أو أتوعد، الامر عندي سيان ولكن عندما ردت ألم قشي لنفسها بصوت عال أعدت التفكير في الامر قليلاً ... قالت " ألم قشي "
الناس ديل واقف وراهم فكي علي الزغراد نفسه
وفكي علي لايعمل بالقرآن وحده ولا بالكجور وحدها ولا بالشجر أو السحر الاسود ، ولكنه يعمل بالكتب والقرآن والسحر والتنجيم ولديه خدام أيضاً وبإمكانه أن يفعل ما ينوي فعله ... قالت
_ فكي علي إيدو لاحقة .. فكي علي يَرَوِّبْ اللبن عديل كدا ..
أنا أحد أصدقاء فكي علي وتعجبني حياته البسيطة المرتابة وثقته العالية في نفسه وفهمه للدين ليس المتقدم أو المتأخر ولكن الغريب ... الغريب حقاً حيث عنده الناس عند الله ليس مسلمين وغيرمسلمين ولكن نساء ورجال وأطفال فالنساء والأطفال غير مكلفين الرجال فقط هم الذين عليهمالتدين لأن الجنة _ حسب_ زعمه هي لمتعة الرجال بالتالي يقع عليهم عبء دخولها ..
ولا يخفي قوله
_ أنا حدثني الشيطان بنفسه عن الموضوع دا .. قال لي وكتب لي وحلمني ورسم لي وأوحي لي .
الكونياك الحبشي ألذ طعماً وليست له آثار اليوم التالي للشرب من صداع نصفي مؤلم أو غثيان ، الاحباش يستوردونه أما الارتريون فإنهم يصنعونه في أسمرا بإمكانيات محلية، أنا لاأحبه، إحتفينا عند منتصف النهار وعند المساء .
في الحلم جاء إلي الجنقو عرايا علي ظهور الحمير وتتبعهم أشجار السمسم وعيدان القصب وعلي رؤوسهم يحوم طير السنبر في حلقات كبيرة، أخذوا دراسة الجدوي وتركوا لي حميرهم ومضوا مخلفين ورائهم حريقاً هائلاً
***
أرجو ملاحظة أنني تجنبت تماماً كل التفاصيل التي ذكرها "هو" لي شخصياً عن حكاية الصافية ماعدا تلك التي وافقت ما تحدث به الآخرون ولكن إعتمادي الاكبر كان علي المعلومات التي تدفقت في بيت أداليا دانيال يوم مريستها في سبت مضي، عندم أقمت ما يشبه سمنار أكاديمي حول ما أصطلح علي تسميته في الناحية كلها ب"حكاية الصافية"، وسيلاحظ تأثري بالوقائع التي إعتبرها الفكي علي حقائق ثابتة .
أولها وأهمها أن"الصافية" تمتلك جهازين واحد يخص النساء والآخر جهاز رجل مكتمل وكبير الحجم وتخفي الجهازين بشعر العانة الكثيف، أما الحقيقة الثانية التي لا يتسامح في شأنها فكي علي هي أن "الصافية" فعلت بالرجلين فعل الرجل بالمرأة وأن ذلك مؤكد ولديه دليلان سوف لايذكران هنا .
وهناك حقيقة يشك الفكي علي قليلاًفي صحتها ولكنه لاينفيها ورغم ذلك حلف بجده سليمان الزغراد أن للصافية بنت وولد من امرأة "بازاوية" تسكن الآن في مشروع دوم وأسمها حواء مشاكل وهو يعرف أمها ووالدها ويعرفها معرفة شخصية ورأي البنت والولد مرآي العين . فيما يخص تحول الصافية إلي مرفعين أو أسد او ما شابه ذلك من حيوان فهو جائز، والمسألة عنده كلها تتمحور حول اللبن والمؤكد عنده أن "تيراب البنية" ينتقل بواسطة الام المرضع ثم قاس علي ذلك.
إذا نظرنا بدقة _ لقد خلصت _ إلي حقائق ولاتسامحات وجوائز وتشككات الفكي علي ثم قرأناها في إطاراها الصحيح والمقصود بالاطا الصحيح هو قوالات وإفادات ومداخلات ومادار همساً في ما يشبه الندوة التي أقيمت في منزل أداليا دانيال وقمنا بتأكيد ما تطابق من قصص الرجلين اللذين دخلا في مغامرة مباشرة معها وحذفنا كلما قاله الرجلان ولم يتطابق مع موجودات ندوة أداليا دانيال وذلك مع الاهمال التام لمحكيات الصافية نفسها لأنها لمتقل سوي الجانب المشرق من الحكاية أي الجانب الذي يجعلها تبدو كضحية _ لقوي خارقة خارجة عن إرادتها .
وأنها _ كما يقال _ إعتمدت علي بعض القوالات الدائرة في الحلة التي إعتمدتها كحقيقة مما شوش تفكيرها وخلط عليها الواقع بالمتخيل بالحكايات التي صاغها الاهالي سهواً_ وأنها _ كما قال الفكي علي واصفاً إياها
_ تشابه عليها البقر
قبل أن أحكي "حكاية الصافية" بالصورة النهائية التي أعتبرها الحقيقة الكاملة فاجأتني أداليا دانيال بإعتراف خطير :حدث قبل أكثر من ثلاث سنوات يومها كان الناس في عز الخريف والعمال مشغولون "بكديب" العيش جاء التاجر "فلان الفلاني " صاحب المشروع الذي كانت تعمل فيه الصافية، ولم يكن يوم مريستي،اليوم كان يوم أحد وطلبت مني الصافية أن أحضر لهما عرقي وعسلية من الحلة، مشيت ليبت "أدي" وأحضرت لهما كل شئ وكانوا قد أحضروا لحمة من السوق إلا أنني إعتذرت لعدم تمكني من طبخها لأنني ذاهبة إلي الكنيسة وقد سبقني زوجي وولدي وبنتي إلي هنالك ، تركتهما يشربان ويطبخان في الراكوبة الكبيرة قرب اللالوبة، بعد أداء الصلاة عدت تاركة زوجي حيث أنه يعمل علي خدمة بيت ربنا إلي مابعد المغرب أما أبنتي أباب والولد الذي يصغرها بعامين، هي في لرابعة عشر تركتهما والشباب الذين في عمرها غالباًما يبتكرون برامج شيقة تبقيهم مع بعضهم البعض إلي أن تغيب الشمس ...
ان بين بيتنا وبيت الجيران باب صغير غالباً مانتركه مفتوحاً ولأن بيت الجيران هو الاقرب للكنيسة دخلت عبره ثم إلي الراكوبة مباشرة وجدت الصافية علي جسد الجلابي الاسمرالمستكين تحتها المستسلم تماماً المستلذ المنكفئ علي وجهه صرخت أداليا دانيال دهشة
_ سَجَمي !!
حينها فقط إنتبها وانتزعت الصافية الشئ خاصتهامن لحم الجلابي وبدا عليهما الحزن الرهيب وأخذا في الاعتذار وطلب "السترة" ..
بالرغم من أن اداليا دانيال _ حسب إفادتها_ رفضت المنحة المالية الكبيرة التي قدمها ارجل إلا أنه أصر وأقسم وحلف بالطلاق وترك لها المال ..
قالت أداليا ..
_ مشوا بيت الام .. أنا متأكدة .. وأنا من اليوم داك عرفت إنوالصافية دا راجل ومرا وعملت حسابي منا .
ولم تحدث أداليا دانيال أحداً غير الفكي علي الذي إعتمد حكايتها دون تشكك وتبناها وهويؤمن يقيناً أن المسيحيين لايكذبون .. دينهم يحرم عليهم ذلك
وأكدت لي أداليا أن شيئها لم يكن طويلاً إنما قصيراً سميناً أسود ومحشو في غابة من الشعر الاسود المتشابك أما الفكي علي فقد وصفه بغير ذلك مستخدماً كلمة واحدة .
_ كبير!
ولو أنني لاأميل إلي نشر إدعاء صديقي الذي تبجح أمامي ومختارعلي بالقول أنه أجبرالصافية علي حلق شعرها وأنه وجدها امرأة كاملة بل وعذراء . وأنه أول رجل في حياتها إلا أن ذكر ذلك يفتح أمام الجميع نافذة للفهم والولوج إلي عين الحقيقة ... إذا أضفنا جملته القاطعة
_ أنا نجمتها مش هي النجمتني!!
ربما أربك مشروع الصافية هذه مشروع دراسة الجدوي لأن هم الناس الآن وقضية ساعتهم هي إدراك حقيقة الصافية والبنك ملحوق فمازلنا في شهر يناير ولكن هنالك دائماً من يشذ عن القاعدة وعلي رأس هؤلاء الصافية ذاتها جاءت في وفد من ثلاثة رجال تسأل عن دراسة الجدوي
قلت لهم
_ آسف .. ماقدرت أكملها .. أنا مشغول شوية الايام دي ...
قالت الصافية في جرأة
_ في موضوع صحبك ؟!
قلت مرواغاً
_ هنالك هموم كثيرة .... لكن بكرة الصباح أكون خلصتها ...
قالت بصورة حادة وهي تنظر في أم عينيَّ
_ أحسن تشوف المواضيع الفيها فايدة وسيب القوالات والصواطات للنسوان واللوايطة
***
أبرهيت،
أبرهيت، الصافية، مختار علي، لام دينقزوج أداليا دانيال الفكي علي وأنا حملنا دراسة الجدوي مكتوبة علي ورق فلسكاب نظيف _ إستبدلناه أكثر من ثلاث مرات _ ومضينا إلي البنك، كان البنك، كان مبني فخيماً وجميلاً مطلي بالدهان الاخضر وهو المبني الوحيد المكون من طابقين في البلدة كلها وقد أخذ الناس يتجادلون زمناً طويلاً في كيفية الصعود إلي الطابق الاعلي إلي أن حسم التكهنات ود أمونة الذي عمل مراسلة في البنك ووصف للناس السلالم الملساء التي يمشي فيها حذراً خوف أن يتزحلق ويسقط علي الارض ..
كان كل شئ في البنك نظيفاً جداً ما عدا الجنقو الذين يدبون علي بلاطة المزايكو في هذه اللحظات، ولأن غلريزة موظف البنك تعمل بنشاط عندما يحوم خطر علي المال حولهم، إنتهرنا الكاشير .
_ هي .. في شنو .. عندكم هنا شنو ؟!
قلت له
_ عايزين مدير البنك ..
_ عايزنو في شنو ؟!
_ عندنا موضوع معاهو ..
_ موضوع شنو ... ممكن نعرفو أولاً..
قلت له بصورة حاسمة
_ لأ .. نحن عايزنو شخصياً ..
قال
_ المدير عندو إجتماع إنتظروه بره في البرندة أو تحت الشجرة لمان ينتهي حيجيكم بنفسه .. ونظر إلينا محملقاً في وجوهنا منتظراً رد فعل ما، وعندما خرجنا، أحسست أنه تنفس الصعداء ولكن لك تمض سوي دقائق قليلة حتي جاء إلينا ود أمونة بقي لدقائق ثم عاد قائلاً
_ موضوعكم لو مكتوب في ورق المدير قال حيقراه ويرد ليكم ..
قال له الفكي علي بثقة مفرطة
_ إذا عايز يقابلنا أهلاً وسهلاً وإذا ما عايز يقابلنا أهلاً وسهلاً برضو ... نحن ما عايزين نأكله .. عايزنو في شغل ..
ثم قرأ في سره بعض التعاويذ مما أكد لنا جميعاً أن المدير سوف يطلبنا حالاً وفعلاً جاء ود أمونة وفي فمه إبتسامة لولبية قال
_ إتفضلوا .
وعندما دخلنا ورأينا بعض رجال الشرطة الذين لم نرهم في المرة السابقة، نعرفهم جميعاً نعرف أمهاتهم وآبائهم بل ربما أين ولدوا وأسماء القابلات ..
تبادلنا التحايا وبينما هم يندهشون صعدنا السلالم إلي مكتب فسيح تفوح منه رائحة الثراء، يتقدمنا ود أمونة مزهواً .
رحب بنا في حذر وصمت في شكل سؤال كبير قدمت له المجموعة فرداً فرداً بتمهل وقفت بعض الشئ عند الفكي علي و.
_ مشهود للفكي علي عمايل خير كثيرة ...
وألمحت تلميحاً أنهى يستطيع أن يضر ضرراً بالغاً بمن شاء .
تحدثت عن دور البنك كما يفهمه العامة في المنطقة ونحن منهم .ثم شرحت له الهدف من الزيارة _ وأشرت إلي دراسة الجدوي التي أعددتها
إبتسم قائلاً وهويسرق النظر إلي الصافية وهي في ثوبها الجديد " وصتني وصيتا" ربما تمتلئ رئتيه من عطرها الرخيص ...
_ أعطوني دراسة الجدوي أقرأها وأعرضها لمدير الاستثمار بعد داك أرد ليكم ...
وأنا شاكر جداً لزيارتكم للبنك وأتمني أنكم تصبحوا عملاء معنا هنا .. البنك دابنك الجميع قال ذلك بطريقة تعني والان إتفضلوا بره !!
قالت له الصافية التي يبدو أنها لم تفهم شيئاً مما قال أو أنها الوحيدة التي فهمت .
_ يعني حتدونا سلفية وتراكترات ولا لأ؟!
قال مبتسماً
_ الموضوع يحتاج لدراسة وتحليل مخاطر .
شرح لها الفكي علي قائلاً
_ نمشي ونجيهم مرة تانية عشان يدونا رأيهم .
قال أبرهيت بعد أن نظف حنجرته بحمحمة قصيرة مقاطعاً جملة بدأها لام دنق .
_ من الاحسن نمشي .. والفي القسمة نلقاها .
لم يقل المدير شيئاً فقط إبتسم وهو يستلم مني دراسة الجدوي، يقلبها قليلاً ثم يضعها علي صينية الاوراق .
ونحن نخرج همس الفكي علي في أذني قائلاً
_ أنا لو عرفت إسم أمهُ... أعمل فيه عمايل!!!
ود الحايل يَتْفَنْسْ زي الفتاة .
كل مهات المجموعة في إصطياد الشائعات وضع الاخبار وتقصي الحقائق فشلت في الحصول علي معلومات مفيدة عن مدير البنك لولا فكرة أبرهيت ليأسوا
_ ألم .. ألم قشي !!
_ نعم ألم قشي ...
_ أيوا ... ألم قشي!!!
الموظفون الاغراب يتقوقعون في مجموعة واحدة يتحصنون باسلوب حياة روتيني مكرور ولكنه يشبههم لدرجة كبيرة يكونون جيوب مجتمعية معزولة عن المواطنين هذا حصن لابأس به ضد الشائعات والقوالات ولكنه أيضاً هش لأنه بإمكان أية فتاة جميلة أمية إختراقه ... المغربون أضعف البشر
أمام النساء الجريئات اللائي يعطين ويأخذن بسخاء ولكن بخصوصية وبقدر من الادعاء يحفظ كرامتهن يقدمهن كأشراف بل كمشروعات لنساء ربات بيوت مؤجلة، يجدن إختلاق قصص الغرام ألم قشي تعرف هؤلاء الصبيات وتعرف نقاط ضعفهن الوحيدة وهي : الفكي علي.
ولأسباب معقدة لم تقترح ودأمونة ...
حسناً، تمطي الفكي علي، حسناً، أصبحت الكرة الآن في ملعبه هوبالذات ..
إسمه بلال حسين تركاوي
أمه نفيسة بت عبد الله
أولاً جَمَّعَ الارقام المقابلة لكل حرف من أحرف الابن والام، الأسماء الاولي فقط، حدد برج المدير، فتح كتاب شمس المعارف الكبري ليحدد نقاط ضعف البرج التالي يقرر الامور الاكثر ضرراً ومواقعها الفلكية ثم جاوز بين الحرف والشجر "العروق" وهو مايسمي "بالسحر الاخضر " ثم جاوز مابين الحرف والشجر والخُدام "السحر الاسود" ثم كتب، لم يبدأ باسم الله ولكن بدأ هكذا :
"براءة من الله ورسوله"
كتبها سبعة وسبعين مرة، لفها حول عرق يسمي عرق الهدهد ثم أدخلهما في قطاع من ساق الخروع المنظف جيداً وجاوز الجميع بظفر طائر السمبر الهرم قال،
أعطوه لامرأة نجسة لتحرقهوتدي رماده للهواء .. يوم الجمعة قبل آذان الصبح..
وقولوا ليها ماترجع بيتها إلا عند طلوع الشمس
داخاتم الامان للمرأة، تتبخر بيهُ يوم نظافتها
***
عندما مرَّ أسبوعان علي ميعاد الطمث الشهري لألم قشي تأكد لنا أنها حبلت، سررنا لذلك وأخذنا للطفل الاسماء إذا كان ذكراً فهو أحمد إذا كانت أنثي فهي " القنيش" علي إسم والدة ألم قشي، إذا كان توأم بنات فهما: سابا وسابينا أما إذا كان توأم ذكور فإنهما أحمد ومحمود ... وكنا نفضل المولود بنتاً وهي رغبة ألم قشي ذات الرغبة التي تزوجنا من أجلها وهي ذاتها التي تجعل لتواصلنا الجسدي ومتعة كبيرة وكنت لا أستطيع مقاومة قولها
_ عليك الله حملني ... عايزة أحمل !
أكتشفت أن الجنس عندي مرتبط بالانجاب وليس غيره زكانت هذه نقطة الخلاف بيني وبينه، وهو ضروري لكي يكون هنالك إنساناً كاملاً وهو في حالة "الصافية" مسالة نفسية بحتة بل مسألة إثبات ذات في المقام الاول .
كنت أقول له دائماً..
_ إذا ما كانت هنالك فكرة خلق... فالمسألة تصبح نوع من الميكنة...
يقول لي ساخراً
_ إذاً أنت من أنصار "قصة حب وراء كل ممارسة جنسية"؟!
أقول له
_ طفل ... طفل أيضاً...
قال ضاحكاً كما في الافلام المصرية
_ دا إنت رومانسي أوي !!!
فعلاً نشأت بيني وبين ألم قشي علاقة حب قوية، عرفت ذلك من القوالات والشائعات والندولت أو شبه الندوات التي تعقد في يوم المريسة في بيت من البيوت وأظن ألم قشي هي الاخري تلمست ذلك وقد قيل علانية في بيت خدوم يوم الاثنين الماضي
_ الزولة دي تحبك ... وإنت عارف حب الحبش تموت وتحيا معاك .. مبروك ليك ..
وهي الاخري أيضاً قالوا لها .. وكلمتني
_ قالوا لي سويتي للزول دا شنو؟!
بذلك أكون قد أحببت لأول مرة في حياتي إذا صدق الناس فيما يتقولون. أما إذا لم يصدقوا فتظل العلاقة بيني وبينها تحتاج لتعريف ولو أنها تمتلك آلية إستمرارها بأي مسمس كان فهنالك في الافق تلوح البنت بأناملها الصغيرة الرقيقة وجهها الصغير ... فقد تنبألنا الفكي علي بحياة زوجية طويلة وأطفال كثر، والفكي علي رجل صالح من أحفاد رجل من رجال الله إسمه سليمان الزغراد كثيرون لم يسمعوا به وعرفته أنا من خلال كتاب طبقات ود ضيف الله أما الفكي علي فكان يؤكد علي أن سليمان الزغراد الذي في طبقات ودضيف الله سليمان زغراد مشوه لأن جده ما كان يعمل "بابكولاًللمراسة" كما كتب عنه كتاب الطبقات ولكنه كان أحد أحفاد الشيخ محمد الهميم نفسه وكان "يروب الموية" أما إذا زغرد فما منغلق إلا إنفتح ولا مشبوك إلا إنحل ولا غائب إلا عاد ولابعيد إلا قرب ولاصعب إلا سهل ولا عصية إلا طاعت ولا كربة إلا فرجت يقال أن الزغراد لولا أنه خاف الله لزغرد للظلام ذات ليلة لتشرق الشمس في غير ميقاتها.
في هذه البلاد الناس تؤمن بالله وبرسله وملائكته والفكي علي الزغراد لذا كنا نأخذ ما تنبأ حقيقة واقعة وربما هذا ما أعطي لحياتنا نوعاً من الاستقرار وخاصة من جانب ألم قشي لأن إيمانها بالفكي علي غير مشروط أنا كنت أؤمن بأن للفكي علي مهارات لا تخفي في الاقناع يعمل في منطقة عصية من الوعي وله القدرة علي التأثير في الآخرين وكنت أرجع كل ذلك لإمكانيات مادية بحتة وهنا تكمن عظمة هذا الرجل النظيف النحيف الذكي وكان يفهم رأي فيه ويحترمه ولو أنه يري في نفسه أنه يمتلك قوة روحية وله خدام من الجن ومعرفة باسرار النبات وعلم الحرف والكف والوجه وأنه من بيت النبوة
***
الجذء الثاني
مايو
نحن الآن في مايو،
نحن الآن في مايو، نهاية مايو، أقمت منذ أكثر من شهر في التاية إستعداداً للموسم الزراعي الجديد حيث أني أشتريت أرضاً جديدة تحتاج إلي نظافة كثيرة من أشجار الكتر وبعض الطلح ، كان معي إثنان من العمال يساعدانني في " أم بحتي" حيث أنه ليس لي خيرة في شلأن الارض، أحدهما مختار علي والآخر إبراهيم عثمان يُلقب بالشايقي ولكنه جعلي جذوره من عطبرة وهم جنقاويان نشطان عركا الارض طويلاً ويفهمان في النظافة والزراعة في الكديب والحصاد إضافة إلي مقاومة ألآفات بكل أنواعها وكلاهما بغير أسرة كان مختار علي الاكبر سناً حيث أنه أواخر خمسينياته أما الشايقي فما فوق الاربعين بقليل وهو صبي قوي البنية طويل له بشرة حمراء .. كلاهما أمي لايفك الحرف، عملنا في الارض منذ مارس وكنا نقيم بصورة شبه دائمة في القطية والراكوبة التي بنيناهما علي التاية .... كنا نحصل علي الماء عن طريق الحمير من سيتيت عند مُشرع زهانة لأنها الاقرب ونحتفظ بها في براميل كبيرة من البلاستيك وظلَّ مشوار الماء هو إرتباطنا الاسبوعي بالقرية ، حيث أن الطعام متوفر لدينا "الكجيك" "الشرموط" "أم تكشو" "فرندو" "لوبيا" وويكة وكمية من الدقيق تكفي لشهرين آخرين إذا أضفنا إلي ذلك ما تجود الغابة به من فئران، أرانب، ثعابين، أبشوك، قنافذ، حلوف، أبنقدح، أبندلاف وغيرهم من الطيور والثمار فنجد أنفسنا في جنة صغيرة من الاطعمة .. ومعروف عن الجنقاوي أنه يأكل كلما وقع في يده له طعم ولايقتل ... كلما في الجو ماعدا الطائرات والصواريخ كلما مافي الارض ما عدا المعادن والحجارة كلما في البحر ما عدا الغواصات .
ومنذ أن قررت أن أكون واحداً من هذا المكان قررت أنا أحيا كشخص حقيقي ينتمي لكل شئ فكراً وممارسة ولو أنني إتخذت أقرب الطرق التي تربطني بالمكان والناس وهي المرأة ولكن هنالك مرارت إجتماعية علي التعود عليها وأهمها نظام العمل الشاق، إستعنت أيضاً بالضمان الاجتماعي الذي تحصلت عليه في الشهر السابق لأدفع ثمن الارض وأوفر الميس وأترك مبلغاً من المال بالمنزل لألم قشي تدبر به حالها بعد أن قللت من عملها بميس الشركة حيث أنها إستخدمت معها امرأة للمساعدة علي علي أن تقاسمها المرتب الشهري ...
نحن في الحق كنا نحافظ علي طفلنا لا أكثر ..
الشايقي ومختار علي لا يكلفان كثيراً بالاضافة إلي الطعام اليومي الذي قد نشترك جميعاً في جلبه _ حيله_ يحتاجان لسجائر وصعوط ومريسة والاخيرة يصنعها الشايقي بنفسه من بقية اللقمة والكسرة مضافاً إليها بعض الدقيق من مخزون الميس وهي نوع من المريسة الخفيفة تسمي " البقنية" أقرب للعسلية وهما لايتناولنها في الحلة ولكن للخلاء ظروفه، أنا حديث عهد بها ومعروف في الوسط بحبي لعرق البلح و"الجن الاحمر" الحبشي وذلك عندما يكون لديَّ فائض من المال أما عندما أكون مفلساً فأنا من التائبين في الخمرة ولا أتعاطاها بالدين مطلقاً .
تقريباً، تخاصنا من الاشجار الكبيرة جميعها وقمنا بصنع عشرين من كمائن الفحم الضخمة بعد أن أعددنا الحطب لغرض الفحم في قطع صغيرة وجلبنا العشب وروث الحيوانات الضروري لصنع الفحم، كان عملاً متعباً لكنه لايخلو من متعة هي لذة الانجاز الأحساس بخلق قيمة من العدم، كنت قد صممت مسبقاً علي أن نقتسم مردود الفحم المالي بالتساوي بيني وممختار علي والشايقي مما أسرع بالعمل وجوده فبعنا ثلاث شحنات من الفحم إلي تجار الفحم بالقضارف وخشم القربة، بعناه تسليم المشروع أرخص سعراً ولكنه يكفينا إشكاليات الترحيل ودفع الضرائب والزكاة ودمغة الجريح ورسوم ترعتي كنانة والرهد ودعم البترول والقبانة والرشاوي المقننة والجبايات التي تستحدث بمجرد أن يري الشرطي عربة الفحم ...
***
" للجنقاوي عدة
" للجنقاوي عدة أسماء فهو" كتاكو" في الفترة مابين ديسمبر إلي مارس حيث يعمل في مصانع السكر بكنانة وحلفا الجديدة، عسلاية والجنيد ، ويسمي فحامي في الفترة مابين أبريل إلي مايو حيث يعمل "أم بحتي" منظفاً للمشاريع الجديدة والمهملة من الاشجار ويقوم بصنع الفحم النباتي منها ويسمي " جنقاوي" في الفترة مابين يونيو أي مع بداية سقوط الامطار إلي حصاد السمسم في إكتوبر ونوفمبر، وخلال السنة كلها تطلق النساء عليه الفدادي
قال لي
_ في رأيك البداية دي معقولة ؟!
قلت له ..
_ من الاحسن أن تذكر الاماكن التي قدم منها الجنقو وإنتمائهم العرقي وتأريخ المهنة أولاً ..
قال..
_ لقد ذكرت كل ذلك في الفصل الثاني .. وأردت أن أبدأ بداية غير تقليدية ..
_ البداية غير التقليدية هي أن تبدأ بعلاقتك بالصافية ..
قال ضاحكاً
_ أنت مازلت ماعايز تصدق الكلام القلته لك ..
قلت له بصراحة
_ أنا مرجعيتي الاساسية للموضوع دا هو ندوة أداليا دانيال في الدرت الفات
قال مغتاظاً
_ ماشفت ناس في حياتي كلها يعتمدوا علي القوالات ويتركوا الحقائق ... أنا الانسان الحصلت لي الواقعة مع الصافية فكيف تهملوا حكايتي وحكاية الصافية وحتي حكاية ودفور وتعتبرونا مروجي للدعاية والكذب وكل الحلة تعتمد علي ندوة القوالات يوم مريسة أداليا دانيال .. إتخيل يوم مريسة ؟!!أضاف الجملة الاخيرة مستهكماً.
قال له مختار علي
_ لا يمكن تكذب الحلة كلها وتصدق ثلاثة أشخاص .. مستحيل ..
قال لنا
_ أنا ووليد فورقررنا ندهشكم .. نخليكم تعرفوا الصاح من الكذب !!
ضحكا معاً في لحظة واحدة .. ، وفهم ماذا نقصد
ولكن أردف قائلاً
_ ستري الحلة كلها الحقيقة بأم عينيها ..
قال له الشايقي
_ الحقيقة معروفة .. ومشاهدة ..
وقال الشايقي فيما بعد ونحن نتغذي عند راكوبتي
_ لولا أن ستر الله لقلت لصاحبك " لو كنتوا نساء كنتوا حملتوا من الصافية " .. والله الكلام في خشمي ولكن ستر الله.
بدأت وفادة الجنقو للبلدة تتكثف حين أخذ هطول المطر في الحبشة يتزايد وبدأ موسم الزراعة في الشرق عامة ونتيجة للنقص في المال والرغبة في الزراعة واللحاق بالموسم ظهرت "حكاية البنك " مرة أخري في السطح ويعرف الجنقو جميعهم أن البنك قام بتسليف كبار المزراعين من القضارف والشواك والفشقة وحتي خشم القربة وكسلا وقام بمدهم بتراكتورات ودساكي وأعطاهم نقداً أيضا.. قروض إسمها " السَلمْ".
وليه نحن لأ؟!
ربما الذين تفاجأوا بتجمع الجنقو أمام البنك هم أداريو البنك ورجال الامن فقط ولكن الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً كانوا يعرفون أن الجنقو يوم السبت سوف يذهبون إلي البنك .. وكان لهم طلباً واحداً .
_ جربونا في مشروع واحد وتراكتور واحد وسلفية لاتتعدي خمسة مليون جنيه..
قدرنا عددنا بمئة من الجنقو والجنقاويات وكثير من الاطفال إنضم إلينا صغار التجار الذين حرمهم البنك من التمويل، بالتأكيد لم يحاول مدير البنك الاستعانة بالشرطة ورجال الامن لأنه لم تكن خنالك مظاهرة ولاتهديد باستخدام العنف إنما كانت مفاوضة قدتها أنا ومعي الصافية والبقية يسمعون وينظرون .. ويشاركون بالصمت والتنظيم وعدم إثارة أعمال الشغب .
كان لمدير البنك تحفظان، الاول هو أنه لا يستطيع أن يقدم سلفية لجماعة غير رسمية لا هم إتحاد ولاهم منظمة مجتمع مدني ولا حتي شركة مسجلة .
أما التحفظ الآخر فهو أيضاً كان واضحاً
_ أنا عايز ضمان .. ضمان أرض أو ضمانة مالية أو عقار ؟! .. دي سياسة البنك
قلنا له :
_ إذا كانت عندنا عقارات أو منقولات قيمة أوأراضي أو مال .. ما كان دا حالنا ؟!
وبسرعة غير موتقعة وصل الحوار للطريق المسدود ورجعنا علي رأي هو أن نجتمع في الحلة في حوش الأم الخلفي، حوش الحفلاتمع طلوع القمر،وعند طلوع القمر كان بحوش الأم الخلفي _ حوش الحفلات_ ثلاثمائة من المواطنين أطفالاً نساءً ورجالاً بادر الحضور الفكي علي بقراءة سورة كاملة من القرآن بتجويد صحيح وطريقة مؤثرة .. قدم أبونا بيتر راعي الكنيسة في صلاة قصيرة قرأفيها،
" ياهؤلاء جميعكم القادحين
نارا،
المتنطقين بشرار،
إسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي
أوقدتموه .
من يدي صار لكم كل هذا
في الوجع تضطجعون."
قالها بالعامية كمايلي :
" يا أنتم المولعين نار
المتحزمين بالشرار
أمشوا بنور النار والشرار
بتاع إنتم
كلو دا من يدي أنا ربكم
حتناموا في الوجع."
ثم أخذ الناس يجاوبون علي سؤال واحد
_ نعمل شنو ؟
إذا قاطعنا الزراعة، نحن الذين نموت جوعاً أولاً، إذا بقيناكعمال سوف لا نكسب شيئاً يأتي الموسم خلف الموسم خلف الموسم ونحن من اليد إلي الفم والمستفيد هو الجلابي صاحب المشروع ..
قال أحدهم
_ نكسر البنك ...
_ ردوا له أنهم لايريدون دخول السجن ولا المواجهة مع الشرطة التي قد تؤدي إلي فقد البعض وإصابة البعض بأذي جسيم وقالت سعاد يوهنس وهي والدة أحد الشرطيين
_ يعني نقتل أولادنا البوليس أويقتلونا .. الخسران منو؟!
وفجأة تحدث، قال ..
_ نحاربهم بالخراء..
سكت الجميع لأن الكلمة بدت لهم غريبة وغير مقصودة تماماً.. أو أنهم ربما سمعوا كلمة أخري ..
قال مؤكداً وبعينيه إصرار غريب
_ بالخرا .... البراز..
ضحكوا وظنوا أنه يعبث أو هي إحدي مغامراته العجيبة ..
قال لهم ..
_ سمعتوا كلكم بالهنود .. الهنود ديل طردوا الانجليز الاقوياء بالخرا بس ..
قليلاً تفهم الناس الأمر قليلاً قليلاً قبلوا به، قليلاً قليلاً حددوا المائة الاولين الذين سوف يفعلون والآن ... قليلاً قليلاً قليلاً .... تم كل شئ .
عند الصباح الباكر عندما إستيقظ الموظفون في الميس لم يستطع واحد منهم الخروج للعمل بالباب حيث كان البراز هنالك يقف محتجاً، عفناً .. قبيحاً بائساً لكن بصمود عجيب . وعندما كسروا الصريف كان عليهم أن يصنعوا من قصب الصريف جسراً يعبرون به إلي الشارع .. ماكان لهم أن يعرفوا الفاعلين مالم يجدوا البنك يغرق في بركة من الخراء ولا يمكن لكائن من كان أن يقترب منه لأكثر من ستين متراً ، جيش الذباب الاخضر الضخم ذو الطنين ارهيب كان هو ملك اللحظة وحامي حمي المكان ..
إستعانة إدارة البنك بعمال الصحة الذين أكدوا أن أنه لم تكن ضمن شروط خدمتهم خمَّ الخراء، إنهم عمال نظافة مواد جافة ..
طلب مدير البنك من الشرطة أن تقبض علي الفاعلين وتجبرهم علي إزالة البراز ولكن النيابة ردت بأنه" لاتوجد عقوبة بغير نص"فالتبرز في العراء لم يعتبر في يوم ما جريمة يعاقب عليها القانون .. وكيف نعرف الذين تبرزوا من برازهم ؟!
وكانوا في قرارة أنفسهم يقفون إلي جانب الجنقو ركب مدير البنك ومعه فريق عمل مكون من خمس أشخاص عربتهم "دبل كبينة" ومضوا إلي القضارف..
في اليوم التالي تبرز مائة من الجنقو داخل الميس المهجور بل داخل الغرف وعلي السراير وحاويات الماء النقي المكرور وضعوا كمية لا بأس بها من البراز في الثلاجة والادوات الكهربائية والأواني ... وتركوا مخزوناً آخر في أكياس التسوق البلاستيكية وزن كيلو مبعثرة تحت الأسرة وفي المطبخ ومعلقة علي الأسقف ...
في اليوم الثالث ذهب الجنقو جميعاً للعمل في المشاريع بأسعار عمالة عالية فرضوها علي الجلابة !
عاد بداية الاسبوع رجال البنك في معية شاحنة من الاحتياطي المركزي مسلحين بالرشاشات والقذائف المسيلة للدموع وعربة مطافي عصي مطاطية درق وسياط.
قاموا بغسل المكان بخراطيم الماء المندفع بقوة من عربة المطافئ ثم أقام الاحتياطي المركزي في مخيم صغير مرعب قرب البنك لشهرٍ كامل ٍ أما الميس فقد تم هجرانه بصورة قاطعة ونهائية ولكن ظل بعض الجيران كلما وجدوا الفرصة سانحة يرسلون أكياس التسوق مملوءة بالشئ اللزج العفن عبر الحوائط إلي ميس الموظفين الجديد
***
انتظم المطر
انتظم المطر تقريبا بعد عاصفة منتصف يونيو ، كان مطراً غزيراً ولكنه كما قال لي الجنغو العارن بالمطر ليست امطارا استثنائيه وقالوا : بداية عادية ولكنها مبشرة .. اذا نجحت العينة الاولى ح ينجح الخريف كله .
ونُصحت بالبداية المبكرة ويبدو قد نصحوا بذلك ، اشتعلت المشاريع بشرا يحرثون وينثرون السمسم وينشدون في صبر وألم يضعون الحياة الحقة يخططون لمستقبل الملايين بعرق مُر ويحرمون انفسهم من لحظة الحلم ..
وانشغل الناس جميعا بخلق القيمة الى أن استيقظنا ذات صباح بخبر غريب عن المكان ..
شفته في خور ناتر !!
وخور عناتر هذا يقع وسط المشاريع أي ما بين الشقراب والحلة ، ظل هذا المكان آمناً لسنوات طوال حتى في سنوات الحرب الارترية الاثيوبية وانفلات الأمن عند الحرب الأهلية ما بين جيش الحكومة والمعارضة المسلحة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم ، ولكن دهشة الناس عندما عرفوا أن الشفتة ليسوا من الفالول الأحباش أو الارتريين ولكنهم سودانيون بل انهم من الجنغو وعُرف البعض باسمائهم كانوا يحملون الاسلحة البلدية .. فئوس وحراب وخناجر وسيوفا ايضا ، كانوا لا يقلون عن عشرة من ارجال السود الاقوياء قاموا بنهب عربة بوكس تعمل في نقل الركاب الى معسكر الشقراب ، أخذوا كلما لدى الركاب من أشياء قيمة محل الساعات التلفونات الجوالة والنقود وحتى الاحذية اذا كانت جديدة وتحصلوا على مسدس كان يخص سائق العربة ويخفيه خلف المقعد مع كرتونة من الخمر المستور وفي نفس اليوم هاجموا نقطة التفتيش الواقعة في مفترق الطرق الشواك الشقراب واستولوا على رشاشة كلاشينكوف وبندقية جيم 3 وهربوا في اتجاه غابة زهانة مستخدمين عربة نقطة التفتيش والتي وجدت معطوبة قرب الجيدة .
حدث بهذه الضخامة عندما يدخل الحلة فانه يخرج منها احداثا كثيرة بشعة وهذا مأتم بالفعل حيث شيع الجنغو تمردوا جميعا والآن يهاجمون جيش الحكومة في كاميتي زهانة وعمدائين بأسلحة تحصلوا عليها من ارتريا وصدقت الادارة العسكرية والامنية الواية الشعبية للحدث واتصلت بحامية خشم القربة وحامية القضارف طالبة العون العاجل لأخماد ثورة الجنغو .. ولكن نسبة لخبرة الحكومة الكبيرة في الصراعات المحلية والثورات المسلحة لم ترسل جيشا ولكنها ارسلت لجنة تقصي الحقائق برئاسة مسؤول أمني في رتبة كبيرة وقادت اللجنه وتطوق بها حراسة مشددة على عربة مصفحة بزيادة مواقع العمليات والتقت بالاشخاص الذين هوجموا وتحققت مع الجميع ثم كُونت لجنة مدنية تحققت مع السكان .. ثم كتبت تقريرا أهم ما فيه
" خمسة رجال من عمال المشاريع الموسميين يقومون بأعمال تخريبية لأهداف غير معلومة وترجح أنها للحصول على المال ، يتسحلون بمسدس وبندقية جيم3 ورشاشة كلاشنكوف واسلحة بيضاء اخرى .. لا يميلون للقتل أو سفك الدماء .. معروفون لدى كل السكان بالاسم وهم :
طه كوكو نمر ، عبدالله خير السيد الطيب ، برهاني تخلي ولدو ، ونق مايوم أجانق ، ابراهيم غمان الشايقي ..
الآن في مكان ما بغابة زهانة أو أنهم عبروا نهر ستيتيت الى الحمرة أو انهم يتحركون في هذا المجال من والى اثيوبيا "
ثم أوصى التقرير بحماية طريق السيارات العامة التي تربط البلدة بالشقراب وطريق همدائيين والجيدة الحفيرة زهانة وأن ينشأ طرق عسكري آمن يتحرك في غابة زهانة للبحث والتحقيق عن المجموعة ونصح التقرير بصورة واضحة على عدم اعتقال المواطنين او الاضرار بهم وتجنب الدخول في صراع مسلح مع أي كان مالم يبادر الخصم باطلاق النار "
تركوا كتيبة كاملة من الاحتياطي المركزي جيد التدريب ، شباب غبش سود لعهم عضلات مفتولة واجسام رياضية ورؤوس بطريقة الكوماندوز يمشون في الطرقات باختيال اقرب الى الغنج لولا قلة النساء في شوارع الحلة وسوقها لحدث افتتان لا تُحمد عثقباه أطلق عليهم السكان اسما سريعا يحمل وجهه نظر حادة تجاههم .. سموهم : البوم ..
كأن أجدر بي أن أكون أول العارفين بخروج الشايقي في جماعة الشفتة ، لقد ذهب دون أن يلمح اليّ بذلك مجرد تلميح وكنت معه الى آخر لحظة بالتاية ، أذكر انه كان يحس ابالغبن الشديد تجاه البنك ويعتبر البنك والحكومة نفسها يعملون على زيادة غنى التجار وانهم ضد الجنقو ..كلنا نفتكر ذلك ونعتقد في ذلك ولكن هل هذا يبرر الاعتداء على المواطنين واخذ اموالهم وممتلكاتهم وتخويفهم ومن يدري قد تقود بعض هذه الحوادث الى زهق الارواح ؟!!
اذاً ربما كانت هنالك حلقة مفقودة تناقشت مع مختار على حولها كثيرا واخيرا أحلنا الأمر الى أن الشايقي ورفاقه أرادوا حياة رخية ومالا سهلا ولو أنه محاط بالمخاطر .. لا أكثر ..
وقررنا أن نلتقي بهم على الاقل نعرف حقيقة أمرهم .
* * *
العلاقة بيني والم قشي توترت بصورة حادة بعد أن أجهضت طفلها وهي في شهرها الخامس ، لم يكن أحدنا له يد في ذلك .. كنا نولي حملها الأولوية في التفكير .. لم تحملني مسؤولية الاجهاض ولم أفعل أنا .. ولكنها كانتت تتصرف بصورة غريبة وعداونية تجاهي .. أنا لا أتحدث عن العض والرفس وتعمد تلويث ملا بسي بالاوساخ ولكنها كانت تشين بسمعتي بين الناس متهمة اياي باستغلالها وسرقة ذهبها ومالها .. قال لي الفكي على الزغراد
دا مس من الجنون
قالت لي الأم
ربما كتبوها .. الناس ما بتريح ..
قال لي
دا مرض نفسي يسمى الاحباط ..
ما عليك الا أن تقف بجانبها او توديها الخرطوم مستشفى التجاني الماحي .. أمدرمان ..
من جانبي فعلت كلما استطيع فعله دون فائدة وكان خط دفاعي الأخير هو أن تحبل المرفشي مرة بأخرى حبلا ناجحا وأن تنجب أطفالا ، فكنت أحبها حقا وليست لدي الرغبة في أن أتركها تشق دروب اخرى في هذه البلدةالصعبة
هنا النساء أما ان يعملن كجنغاويات اة صانعات خمور وبلدية أو أن يدعرن أو يمارسن أكثر من مهنة في وقت واحد وكلها لا تجدي مع الم قشي ، قبل أن تتزوج كنت أراها تنفع لذلك كله ، حتى العهر ولقد مارست معها ذلك وكانت تعجبني كداعرى أو بغي تعرف كيف تقدم متعة الشئ للرفيق .. وكنت أعرف انها في وقت ما عملت كصانعة للعرق وعملت كجنغاوية في اكثر من موسم ولكنني الان أراها بريئة هشة بل خجولة لا تعرف ماذا تريد أن تفعل ،أراها طفلة لا تنفع في عمل شئ.. اذا تركتها يعني ذلك نهايتها تماما واحسست أنها تلعب على نقطة الضعف هذه .. ولكن المأساة بلغت قمتها عندما ذهبت الى همدائيين طالبة من زوجها الأول أن يعيدها اليه لأنها ترغب في البقاء مع بناتها هناللك ووافق زوجها وجاءت تطلب الطلاق . قائلة :
-اذا رفضت برضو حامشي ليهو في همدائييت ..
قلت لها
-ولكنك حامل !!
قالت بكل ببرود
-لمان ألد ح أرسل ليك جناك هنا ..
طبعا اقتنع الجميع أن الأمر به يد شيطانية وأن الحاسدين فعلوا فعلهم مع الفكيات وأنهم البعض الفكي على الزغراد ونفسه ولكن على الزغراد حلف بالنبي وبالشيخ محمد الهميم وبالطلاق وبجده الشيخ سليمان الزغراد أن لا يد له في الأمر وأكد أن الأمر جنون واذا قبلت فانه سيقوم بعلاجها ولكنها رفضت مدعية بأنها متعافية وأن الآخرين هم المجانين ..
كانت تعرف أنه لا يد لي في أن تجهض ، وأنني أريد الطفل مثلها وربما أكثر منها لأنها تمتلك بنتين أما أنا فليس لديّ شئ
-دا قضاء وقدر .. ولكن أنا كرهتك .. كرهتك .. وعايزة أعيش مع بناتي في همدائيين .. تطلقنب ولا لأ ..
قلت لها باصرار
-لأ
كُوِّن فريق سريع " للجودية " به ناس الحل والربط ، رجال ونساء لهم كلمتهم في المكان .. تحدثوا عن العلائق الزوجية والاجتماعية وتحدثوا عن الشيطان واولاد الحرام والحسد وايضا تكلموا عن القسمة والتي من صفاتها أن تنتهي .. قالت
-أنا عايزة أرجع"لأبو" أولادي ..
-لكنك متزوجة ؟..
-عايزة يطلقني ..
-أنا مش حأطلقك .. أنت حامل .. ألدي أولا ..
ثم قالت ..
-أنا حامل لمّان ألد حارسل ليهو الجنا .. لو ما ... وقع زي أخوه ..!!
وتجادلنا في حوار يبعد أو يقرب من هذا النسق .. كنت لا أرى فيها غير شخص مجنون لا يعرف ماذا يريد بالضبط ، لا منطق له ، بامكاني أن أطلقها اذا كنت قد اقتنعت بأن الطلاق هو رغبتها الحقيقية وليست نتاج مرض نفسي أو جنون .. ولو أن فريق الجودية اندهش لرأيي الأخير الا أنني أرجعت ذلك لعدم مقدرتهم على فهم وجهة نظري قلت لهم
-انا حاخليها تمش همدائييت وتبقى مع بناتها ..
قالوا
-ابو بناتها هناك
قلت
-هو عارف انها غير مطلقة ومتزوجة والامر متروك للاثنين هو وهي ..
-لكنها في عصمتك
-دا موضوع تاني .. يحسمه القانون ..
واختلف الناس اختلافا كبيرا ، فظهر في السطح ما سُمي ب "حكاية ألم قشي " .. وتدخل في الامر مدير شركة الاتصالات والقاضي المقيم ومدير المحلية ونفر من رجال الخير والبركة وأجبروا الم قشي على عدم الذهاب الى همدائييت وأُلزمت أنا بعدم العيش معها في المنزل ، أن أسكن كما كنت عازبا مع مختار على الى أن تحل المشكلة .. أنا وافقت .. هي أيضا وافقت على مضض ..
تركتها في المنزل الذي اعطتنا اياه "اوي" على أمل أن استفيد من هذه الهدنة في علاجها وقررت أن ابدأ مشوار العلاج من همدائييت .. أن أذهب لزوجها واطفالها واستشرهم في الامر .. وكنت حقيقة آمل أن يساعد زوجها في الحل ..
صحبت معي صديقي مختار علي وركبنا باص همدائييت وهو عبارة عن شاحنة "لوري" تممت اعادة حب تحتها ليصبح ناقل للمواطنيني .. له مقاع ضيقة من الحديد الصلب ونوافذ حديدة كشرعة صيفا خريفا وشتاء .. يحمل المواطنين في بطنه وظهره ويمين وشمال السائق منطلقاً على الأرض الخراب قافذا فوق الحفر والخيران مثل ثعلب عجوز يهرب من قرده ، كان زئيره يُسمع من مسافات شاسعة عبر اشجار السافنا الفقيرة تصتنت له الارانب والفئران ، القردة معا والمواطنين الذين في التايات البعيدة المنتشرة في عمق المشاريع الزراعية يكدحون .
وينبه من يريد السفر الى الجيدة ، الحفيرة ، همدائييت أو الحلال التي تقع على جانب الطريق أن ينتظره في طريقة الوحيد يتلوى كثعبان عبر غابة زهانة بين اشجار الطلخ والكتر وبعلو دخانه كثيفا خاصة في هذه الايام حيث الارض لينة وتنتشر البرك الطينية ويكثر الوحل .. كان الجميع يتحدثون عن الخريف والمطر والزراعة المبكرة وغيرها من المواشيع الحيوية ولا ادري لماذا كنت انا افكر في الصافية ولماذا في الحقيقة في لا وعيي كنت دائما ما اعتقد مقارنة ما بين الم قشي والصافية والفرق ليس كبير ما بين المرأتين ..
الم قشي تجد نفسها للقيام بأفعال واقوال لا تعيد عنها في واقع الامر .. قد تكون حالة مرضية وقد تعني هي كذلك الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج بها ما يشبه المؤتمر في بحث ادانيا دانيال الصيف الماضي .. لها شخصيتان ، شخصية ظاهرة وهي الشخصية التي نعايشها يوميا وهي الغالبة وشخصية اخرى تظهر للأعيان أثيرت عاطفيا فقط لأنها في لحظات الغضب لا يبدو عليها اية تحولات شاذة او غريبة ..
للمرأتين شخصيتان ، اذا صح أن نطلق على الصافية لقب امراه .. انا اذا اخذنا بافادة الرجلين وافادة اللصافية نفسها فان الامر يختلف قليلا .. وكنت سأترسل في التحليل لولا أن توقف الباص فجأة بصورة دفعت جميع الركاب الى الأمام وكنا سنطلق السباب للسائق ونشتم أمه لولا أن شاهدنا الرجال الملثمين الذين احاطوا بالبص في سرعة البرق .. وهتف صوت جهوري يعرفه الجميع ..
-انزلوا واحدا واحدا .. بدون كلام وبالصف .. النسوان يقعدو قبلن وبرضو الاطفال .. كل زول ينزل شنطتو معاو ..
نزلنا جميعا ، كانت هنالك شجرة ضخمة وضعت في طريق الباص ، مع لفة ضيقة في الطريق رغم أنهم ملثمون الا أننا عرفنا الرجال جميعا ولكن هنالك افراد يحملون بنادق رشاشة يقفون بعيداً يشكلون حماية لأصحابهم لم نتبين من امرهم شيئا وكنا نعرف أنه يجب علينا الادعاء بعم معرفة الناهبين وان نطيع وأن نعطي والا نثرثر وأن نخفض رؤوسنا وان لا تلتقي اعيننا باعينهم ابدا
قال رجل نعرفه باسم طه كوكو
-نحنا عايزين من كل راجل نصف القروش المعاو .. وعايزين من سواق اللوري كل القروش المعاو والقروش بتاعت التاجر آدم ادريس البلالاوي المرسلنا ليهو من القضارف .. بسرعة ..
ونفذنا الأوامر في سرعة رهيبة ، قال ويبدو أنه هو المتحدث باسم المجموعة
-نحنا مات "شفتا" .. نحنا ناس مظلمومين وعايزين حقنا .. تاني ما ح نشتغل عبيد للتجار والـــ... حنقلع حقنا قلع ..
ثم أخذ المال ، ثم سحب الشجرة ، ثم اطلاق سراحنا ، اختفوا في الغابة بل تلاشوا كانهم ما كانوا ..
****
هنالك ملحوظة
هنالك ملحوظة مهمه وهي أن الجنقو كانوا جميعا مسلحين برشاشات كلاشنكوف وان عددهم لا يقل عن العشرين شخصا وأن بعضهم رتدي ملابس واحذية عسكرية تخص جيش الحكومة .. لكن الاهم أنهم كانوا مطمئنين تماما ويعملون بترو وليست هنالك أي علامة للارتباك أو العجلة وتاكدت صحة المعلومات التي تداولناها فيما بيننا بالباص عندما وصلنا همدائييت .. كان الناس جميعا يتحدثون عن الدورية الحكومية التي اختفت علنا بالامس وعن تمرد الجنغو الغريب ، لم أهتم كثيرا بأمر الجنغو .. سألت عن ابناء المرقشي وزوجها السابق وبكل يسر وسهولة قادني طفل الى البيت .. كانوا يقيمون مع جدهم ، زجل عجوز ثري كثير الكلام ، البنت كانت الكبرى جميلة تشبه والدتها ولو انهاكانت فارعة القوام الصغيرة ايضا شبه من والدتها ، استقبلت بحفاوة اكتر عندما علموا انني زوج انهم وسألوا عنها وعن صحتها وقالوا انهم لم يرونها منذ اكثر من عامين
-قالت انها كانت معاكم قبل اسبوع ..
قال لي الزوج السابق ..
-قابلتها أنا .. قابلتها في الموقف ورجعتها طوالي ليكم ..
تناقشنا في شأنها ولكن ما أدهشني حقا هو أنها انفصلت عن زوجها السابق بذات الطريقة التي تتبعها الىن معي ، تحدث زوجها السابق منفصلا ..
-قالت هي كرهتني .. شلت اولادي اديتهم لأمي وأبوي وطلقتها .. مشت عرستك انت .. المرا دي ما مفهومة .. عندها مشكلة في راسها ..
ونصحني أن اطلقها وباسرع ما يمكن مؤكدا أن البلد مليئا بالنساء .. قلت له
-انا ما عرفت مرا قبلها ..
قال وكانه لم يسمعني
-طلقها يا زول
قلت له
-هل ح ترجعها انت .. ح تتزوجها تاني ..
قال بكل صراحة ووضوح
أيوا ح أعرسها .. هي ام اولادي .. واذا رفضت تاني وطلبت الطلاق ح اطلقها ليك انت تاني
ما كنت اظنه يعني ما يقول ولكنه كان يتحدث بجدية مبالغ فيها وخاصة انه صرف الاطفال وبقينا وحدنا انا وهووكان مختار علي قد بقي في سوق همدائئيت رغبة منه
قال لي مؤكدا
مرة ليك انتا ومرة لي انا .. كله بسنة الله ورسوله ..لو ما عايز كدا شوف مرا غيرها
ثم اضاف فجأة
-انت العاجبك فيها شنو ماسك فيها قوي كدا .. المرا يا خي زي ضنب الضب تقطعوا يقوم غيروا تقطعوا يقوم غيروا .. عشرين مرة
قلت له
-انا .. ما عارف والله
قال مقاطعا في الحاح
-طلقها يا زول .. المرا حتكتلك اذا ما طلقتها ..
انا بعرف الحبشيات ديل .. اما قعدوا معاك باخلاص او سابوك نهائيا .. ما عندهم نص ..
-ولكن الم قشي مريضة ..
-أنت المريض .. المره دي عايزة عيالها وعايزة أبو عيالها .. انت مالك باقي ليها عارض
قلت له
-هي حامل مني ..
قال ببساطة زهدوء مسيخ
-قالت لي كدا ..لها تلد وجناك يكبر شوية نديك ليهو .. أنا لما سابت لي بناتي اديتهم لأمي .. أنت ادي جناك برضو لأمك او خالتك او أي وحده من قريباتك تربيه ليك ولما تكرهني ام قشي .. عرسها تاني انتا .. الموضوع بسيط ما يحتاج لقومة النفس والزعل ..
بالرغم أن منطقه يبدو كمنطق المجنانين لا يقوم على ثوابت وانه يتحدث كمن الذي في حلم او كابوس الا انه اقنعني وخرجت منه وقد صممت على طلاق الم قشي .. على الاقل قلت لنفسي
-حتكون في ايد امينة.. زوجها وبناتها ..
شكرني وطمأنني انه بمجرد أن تكرهه المرقشي سيرسلها له وفي يدها ورقة طلاقها .. *****
قلت لألم قشي
كطلب أخير
وهي تمشي نحو الباص
قلت لألم قشي كطلب أخير وهي تمشي نحو الباص
-حافظي على الزول الفي بطنك
قالت مبتسمة ولأول مرة منذ بداية الأزمة
-حاحافظ عليهو ..
وتحرك الباص من حراسة الجيش الاحتياطي المركزي وهو المظهر العام الذي اتتخذه باص همدائييت والجيدة والحفيرة في الاونه الاخيرة ..
كانت أجمل ما تكون المرأة ، تشع من عينيها سعادة غامرة ولا يُخفى همس الجنون يحيط بها .. هالة زرقاء مرعبة ، المرقشي هي المرأة الوحيدة في حياتي ولقد أحببتها بالفعل وعندما أقول المراة الوحيدة أعني أني اكتشفت فيها وانها أول امراه تحمل باطفالي وهذه قيمة انسانية لا تضاهي : أن تجعل نفسها تحبل منك ..
وهنالك صفة لا أظن ان امرأة اخرى تشترك فيها مع المرقشي وهي انها اجادت مخاطبتي باللغة التي افهمها بالذات وبالكلمات والموسيقى التي تتوافق معي .. ولكني انخدعت في تصوري للمستقبل وما كنت أظن أن النهاية هي ذات النهاية التي اكابد الامها الان ، والى اخر لحظة .. قل وبعد ان تحرك الباص كنت أظن انها سوف تغير رايها ولكن عندما لوحت الي بكفها مودعة عبر نافذة الباص .. كان الفراق قد تأكد تماما .. شيعني الناس بنظرات اشفاق وجاملني البعض بكلمات ظنوا انها سوف تخفف عني وأكد لي البعض
-حترجع ليك ... ما حتلقى أحسن منك ..
ولكن اكثر عزاء –رحمة- قُدم لي كان من قبل – الام- حيث انها هيأت –لولا حالتي النفسية المتردية- ما كنت ٍاطلق عليه ليلة العمر ..فاجأتني بالعجوز في صحبة ام كيكي وبوشي وهو اسم دلع لبوشاي الشلكاوية المغنية وهي فتاة في غاية الجمال .. امها من الحمران وهي احدى القبائل العربية بالمنطقة وتعرف –الام- اني احب صحبتها و ...
في القطية الكبيرة ، بعد أن اخذوا عنها جميع المنقولات تم فرشها بالسباته ثم فرشت عليها اكاليم من البلاستيك رخيصة ولكنها جميلة ونائمة .. ولها عبق حميم ..
الام نفسها هي التي قامت بغسل ظهري في الحمام بالصابون والليف وقامت بذلك بشرتي بعجينة الدلكة العطرة ثم تركتني للعجوز وبوشي وبنيات ثلاث يغنين لي وسط هالة من دخان الصندل والكبريت .. قلت لهم
-غنوا لي "وصتني وصيتا"
شفتي بوشاي الجن الاحمر الحبشي الذي افضله وسقيتها وشرب العجوز ، سقينا البنيات البيبسي والاستيم ورقصنا جميعا على صوت المغني الحبشي "تمرات" من مسجل الام .. غنينا بالامهما والتجرنه والعربي ولغات انقسنا قديمة لا تعرف أن كانت "الوطاويط" أم "البرون" أم "القمز" .. وغنت بوشاي اغنية للشلك اشتهرت بها " فيفيانا"
عند العاشرة ليلا همست الأم في أذني .. ماهي امنياتك الليلة ..
قلت لها :
-الليلة دي بس ؟
-ايوا الليلة بس .. العشاء ليس من الامنيات لأنه جاهز .. بعد شوية حيجي ..
واغنية "سبعة يوم عوضية بعيد" برضو خارج الامنيات وما اظنك تحتاج "وصتني وصيتا" * قلت لها مراوغا
-خلي العجوز يتمنى لي .. حتى لو "وصتني وصيتا"
قال العجوز ضاحكا
-أتمنى ليك احلام سعيدة
قالت الام
-كويس نشوف بوشاي تتمنى ليك شنو قالت بوشاي وهي تبحث عن غطاء رأسها ..
-أتمنى ليهو يشرب باقي الن دا براهو
قالت الأم للصبيان وهي وبوشي تضحكان
-في واحدة عايزة تتمنى ليهو حاجه ؟
ضحكن واخذن يغنين "سبعة يوم عوضية بعيد"
قلت وكنت صادقا
-اتمنى أن تحكي لي "الصافية " حكاية من حكايات الجنغو ..
قالت الام وهي تضحك فيمتد صدرها الكبير
-الصافية في مشروع الزبيدي ترش السمسم
أنا حاحكي ليك قصة حياتي.. والله حتلقاها اجمل من قصة حياة الصافيه ..
تعشينا جميعا ، عندما سكرت تركوني وذهبو تمت ، حلمت بان الصافية جاءت من فروع الزبيدي على جمل ضخم أسود اللون قالت لي
-صديقك نجمتو !! وحانجمك انت برضو !!
* * *
في بيت اداليا
في بيت اداليا دانيال عشرة مسجلات بسماعات كبيرة خارجية مبحقة تحتفظ بها في صندوق كبير من الحديد الصلب كان يستخدم لحمل الذخيرة في الحرب العالمية الثانية اشترته من كرن ، بالصندوق ايضا عدد كبير من النظارات الشمسية واحذية اديدس كبيرة الحجم وعشرين راديو ناشونال بثلاث موجات واشياء اخرى صغيرة تافهه ولكن لها قيمة ابقتها في الصندوق ، تسمي اداليا دانيال الصندوق " خزنة الامات " وهي في الحقيقة ليست امانات بالمعنى الواضح للكلمة ولكنها دخلت الصندوق كامانات ثم تم شرابها تدريجيا او اكلها وفي القليل النادر جدا قبض بعض قيمتها نقداً ، ويحدث هذا عادة في اشهر الصيف ونهاية موسم حصاد العيش حيث يكون الجنغاوي قد استهلك اخر مالديه من مال وبدأ في أكل زينته التي حرص على جمعها في شهور حصاد السمسم وقطع العيش أي في اكتوبر ونوفمبر واوائل ديسمبر وهي كما يسميها الجنغوي
-الشهور السمينة ..
أدايا دانيال مثلها مثل كل صانعات العرق والمريسة تحترم الأصول فعندما يقول لها احد الفرادة – خلي المسجل دا معاك تبدأ مباشرة في تحديد سعره ثم علىالحائط تشخبط ما شرب العدادي من عرقي ومريسة وما اخذه نقدا الى اخر كاس ، والجنقاوي الاصيل ود القبائل لا يسأل من أمانته مرة أخرى ، الا اذا وفر ثمنها وهودائما مايفضل شرااء زينة جديده في الشهور السمينة ويتيح الموضة السائدة ، أما الجنقاوي الحريف الذي يجيد اللعب هو الذي يصاحب صاحبة العرقي ، لا يهم فارق السن بين الاثنيني وهو غالبا ما لا يوضع في الاعتبار * ( من الحكم السائدة في هذا الشأن أن كل امرأه لديها ما تقدمه للرجل بغض النظر عن سنها او جمالها او لونها او قبيلتها وان كل النساء جميلات بالقدر الذي يجعل الرجول يصل ذروة نشوته ويختصر الفرادة القول في " الفحل مو عوّاف " ) ولكن الاهم من ذلك بند في عقد المصاحبة غير المكتوب هو أن يصاحب الجنقاوي الواحد امرأة واحدة فقط ، وأن تكتفي الفرادية بجنقاوي واحد ، وهذا التزام التزام صعب وغالبا ما يفشل الجنقاوي في الوفاء به حيث ان الكسل الذي يصيب الجنقاوي في هذه الايام والتسكع والتلكع والوجبات الدسمة التي توفرها له صاحبته غالبا ما تحرك شياطين شهوته والنساء يصبحن أجمل في ديسمبر ، يناير ، فبراير ، مارس وابريل لأنهنلا يعملن في هذه الاشهر في ام بحتي او قطع قصب السكر في المشروعات المروية حيث يكتفين بالحياة لمنزليه البطيئة يوفرن خبزهن عن طريق بيع الخمور ، بيع العطور البلدية العمل في بيع الشاي والقهوة في الاسواق او ليلا على اركان المنازل ، قليل منهن يمارسن الدعارة حيث انها لا تجلب مالا لأن الرجال جميعا لا مال لهم في هذه الاشهر حيث تسود المقايضة .. اذا اضفنا ندرة الرجال في هذه الاشهر حيث يهاجر معظمهم الى مزارع السكر في جماعات للعمل في " الكاتاكو" وتحتد المنافسة بين النساء الجميلات الكسولات في مواسم راحتهن وتفرغهن للحب والمصاحبة والزواج ،، الكثيرات على العدد المحدود من الرجال الذين قرروا البقاء بالحلة اعتمادا على تسليم زينتهم كامانات غير مستردة أو الزواج والمصاحبة كنظام معايشة الى تنقضي الشهور الصعبة ببداية موسم "الكديب" ثم الحصاد وهي الفترة التي غالبا ما يتم فيها فض الشراكة ، منها الطلاق ..ادانيال دانيال متزوجة من رجل قوي الايمان ينتمي للكنيسة الكاثوليكية ، هي ايضا مؤمنه وتصغي لربها وتعمل مع الاخوات في الكنيسة .. ابنها وولدها "اباب وتوني " صغيران ويمارسان الدين الى الان كنمط من محححاكاة الكبار والتطلع الى النضج الحقيقي والسريع وتعلم اداليا خورة ان ينمو اطفالها في بيت يرتاده السكارى حيث انهم يتحدثون بألفاظ لا يتقبلونها كثيرا في موقد الاخلاق ولا يكترثون للذوق العام او ما يجب وما لا يجب ، يتحدثون عن نسائم فاضحين ما يستره الليل في القطاطي والرواكيب ولا يتحرجون في نقل تجاربهم في المضاجعة ووخبرة النسا ء ويضحكون في متعة قد يظنها الاطفال انها المنحة الحقة التي يوفرها نمط حياة هولاء الناس ، لذا كانت اداليا دانيال تتعامل مع اطفالها بحزم ولا تتسامح أن يبقى طفلها قريبا من مرمى حديث السكارى او ان سلك سلوكهم وهذا هو سر الالتزام بالكنيسة وربط الأطفال بأنشطتها حتى يتسنى لهما قضاء اكبر وقت خارج المنزل خاصة يوم مريستها كل سبت واذا عادا مبكرا ترسلهما مباشرة الى منزل خالها عبدالله ماجوك الذي يعمل محاسبا في زريبة المحاصيل ، يتغديان هناك ويعودان قبل المغرب بقليل حيث يجدان المنزل قد خلي من الفراده ويجدان نصيبها من المريسة محفوظا ، يؤديان الصلاة .. يشربان مريستهما وينومان .. ولكن هذا البرنامج التقي المستمر لا يمضي كما تشاء اداليا دانيال ويشاء زوجها لأن زوجها له رأي اخر في تربية اطفاله .. تنازل عنه لأداليا .. ربما لقوة شخصيتها .. ربما محاولة منه لتجنب الخلاف الذي قد يؤثر على حياة الاطفال .. ربما تمشيا مع الاخلاق المسيحية كما يفهمها : التسامح المستمر واعطاء فرصة أخرى للخصم ..
اداليا دانيال تفهم وجهات النظر هذه جميعها ولكنها تنطلق من مبدأ أن تربية الأطفال من مسؤولية الام وليس الاب الذي عليه النضال خارج المنزل لتوفير المال .. لس الا .. ولو انه فشل في ذلك ففشله لا يسقط واجبه المفترض كأب لطفلين ولا يحمله مسئولية لا تخصه وهي تربية أباب وتوني ..
ولكن هل اداداليا دانيال بهذه الصرامة ؟!
حسنا ،هنا، دائما ما يعرف الاخرون عن الاشخاص اكثر مما يعرفونه عن انفسم ، فالنظر من خارج الشئ هي الأكثر موضوعية وشمولية وحكمة المكان تقول أن الاخرين كثر وانت واحد .. ايهما نصدق ؟ .. للاخرين الف عين وخمسمائة قلب والاف الاصدقاء والف اذن وخمسمائة فم والف رجل ومثلها يد .. وانت واحد .. ايهما نصدق لا بل ايهما اقدر على تقصي الحقيقة واختبار الكذب والتلفيق ؟! فيما يشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية تأكد الجميع من صحة الحكاية التالية .... * *
إذا اختلف مع
اذا اختلف مع الم قشي لا يعني انه كره الم قشي ولا يعني انها قبيحة او فاجرة ..
الم قشي تنطق كثيرا من الحروف ميما وذلك عندما نقتسم الليل والفراش والشراب وتنافح لنيل قسمتها من النشوة حينما تفصلها حركة او كلمة او مجرد ثواني من ادراك معنى أن تكون انثى .. متعة ان تكون انثى .. سحر ، جن ، سعادة .. جمال أن تكون انثى .. لا شئ يضاهي اكتمال هذا المعنى لا حكمة تعلوه .. صارحتني الم قشي .. انه اذا لم يكن هنالك رجل لخلقت المرأه الرجل "قالتها بالأُمهرا وترجمتها لي بالتجزئة وعندما لم افهمها استخدمت عربي الحدود ..
عندما تنطق الم قشي كل الاحرف ميما تنفتح بوابة الجحيم على بوابة الجنة ويهبط ملكان من حيث لا يدرك احد يحملان خارطة نشأة المرأة قبل أن تكون طينة .. ينشدانها بموسيقى غير مدركة .. موسيقى الوجود والعدم ..
في اليوم الذي تزوجت فيه كلتومة بت خميسة النوباوية من عبدارامان الجنقاوي يعد العقد مباشرة بدأ الحوار حول المتعة ، كان طازجا فجا بسيطا كا كأحر ما يكون ، في الحق تبدأه الم قشي ولم تكن الملحوظات التي ابدتها في هذا الشأن كانت الأصوب او الأكثر اثارة للجدل او الاوجه .. ولكن لا أحد ينفي بانها كانت فاعله ولكن .. بالامس .. في يوم مريسة خميسة النوباوية وفي ما يشبه الندوة تحدثن عن اول مرة كما قلن تعرف فيها اداليا دانيال ان هنالك امور مهمة في حياتها كامرأة لم تصب هي منها شيئا وكذبنها وقلن انه ربما اداعاء للبراءة لا يليق بارأة في زواج مستقر من عشرين عاما أنجبت خلالها مرتين ولكن أدانيا دانيال اكدت ..
-الشئ البتتكلمو عنو دا والله ما حصل لي ولا مرة واحدة ..
ثم أمطرنها بأسئلة عينة
-راجلك تمام؟
-( .............. ) ؟!
-قاعد يصل بسرعة .. ينبح زي الكلب ؟
-كم دقيقة؟
-قاعد يطول ولا لأ ؟
-قاعد يلعب معاك شوية ولا طوالي ؟
ثم حكين لها تجاربهن مع رجالهن وأوحين لها بما يعني أن المشكلة كلها في لام دنق .. وليست المشكلة عدم ختانه فحسب ولكن في تعجله وتعامله مع الأمر كواجب .. هكذا توصلن الى نتيجة اراحتهن كثيرا واحسسن بالعطف والشفقه على امرأة لم تتمتع بالميزة الاساسية التي تجعلها أعظم ما خلق الله : أن تكون أنثى ..
قلت لها بما يعني
-انت ضائعه ..
دارت الندوة في الواقع ما بعد هذا لااكتشاف المثير يوم مريسة خميسة النوباوية بعد عام كامل رصد العقل الجمعي فيه كل صغيرة وكبيرة عن أداليا ودانيال .. قررت أداليا أن تصيد كصحيباتها اللائي يستمتعن حقا بحياتهن كنساء وأن تعرف اللحظة التي تحدثت عنها بأوصاف محفزة ومدهشة ..
-مابعرف نفسي في الواطا ولا في السما ..
-تجيني حاجة زي الخدر وما خدر .. زي النعاس وما نعاس .. زي الحلم وما حلم .. حاجة تتمنى تدوم ولكنها تنتهي فجأة
-نوع من الوجع .. الوجع اللذيذ ..
-يا اختي دا شئ ما بيتوصف .. الا تجربيه .. دا شئ من ربنا ..
- بري .. بري .. يا بنات أمي .. بري !!
حاولت مع زوجها لام دنق ولكن دائما ما ينتهي القيم بأن يدفق ماؤه مصدرا صوتا غليظا ثم يشكر الله في صلا سريعة وينام .. في الماضي كانت لا تهتم لأنها ما كانت ترجو أكثر من اللذة التي تحدث نتيجة لفعل الايلاج والنزع المتكررين .. ولكنها الان ترغب في أن تصل الى نتيجة أبعد رسمتها لها الصديقات وشهينها .. أصبحت أداليا لا تطيق لا دينق ولو أنهما كانا لا ينامان معا الا مرة في الاسبوع واحس ذلك من تقلبات النساء التي تحدث عنها الرب كثيرا في الكتاب المقدس .. وسمع ايضا من بعض المسلمين ان الرب تحدث عنها في القران كذلك لام دنق رجل قصير سمين له عينانا ذكيتان ثاقبتان ، لا يتحدث كثيرا ،، يعمل في كمائن الطوب في فترة الصيف عند شاطئ النهر وله خبرة كبيرة في ذلك يعتبر الرجل الثالث في الكنيسة بعد الاب بيتر والام مريم كودي وهي عذراء جميلة وتقية من جبال النوبة ويقال في ما يشبه الندوات انها حازت على مرتبة عليا في مسابقات الجمال في كينيا قبل أن تهب نفسها للكنيسة كليا وترسل الى هذا المكان البعيد ..
لام دنق اعترف للاب بيتر اناداليا ودانيال زوجته غير طبيعية .. لأنها طلبت منه أن يختن نفسه ..
-هي مش عارفه انو الختان دا عند اليهود والمسلمين .. ونحن خلقنا على صورة الرب .. ولا يمكن ان نشوه انفسنا ..
-هي تعرف ..
ولكن السبب شنو ؟!
-عايزة تبقى مسلمة ولا شنو ؟
-لا .. هي متمسكة .. كويسة بالدين .. ولكن انا ما عارف الحاصل شنو .. الموضوع غريب ..
كُلفت الأم مريم كودي بمعالجة الموضوع من اداليا دانيال يوم الاحد القادم ..
فيما يشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية .. يوم السبت .. أُكِد ما يلي :
عُرف صديقي بما سمي فيما بعد " محنة اداليا دانيال" وكعادتها نصب نفسه مهديا جديدا وقال لي
-انا حأكون اول من يخلي اداليا دانيال تحس بأنها امرأة .. حأخليها تصل قمة نشوتها ..
قلت له ساخرا
-بس ما تبقى عليك حكاية الصافية ..
قال جادا
-دا براو .. دا براو !
كانت اداليا دانيال تفوقه طولا وحجما فهو نحيل طويل بعض الشئ قال انه بعد غزل ومناورات كان لابدمنها استطاع ان ينفرد بها في احدى قطيات " أدي " .. قال ..
-اكتشفت في الدقيقة الاولى كذب كلما يشبه الندوات التي يقيمها السكارى والنساء الفارغات فمبجرد ان قبلتها .. وصلت اداليا دانيال الى ذروة النشوة وهرت مثل قطة عجوز وانكمشت ثم تطت ، حملقت في وجهي بصورة مرعبة ومضت .. في يوم الأحد لم يكن هنالك شئ تقوله اداليا دانيال للأم مريم كودي .. غير انها تنازلت عن موضوع الختان وان الأمر ما كان أكثر من فكرة طائشة ...
* * *
انتظم العمل في المشاريع
انتظم العمل في المشاريع ، أكثر ما يميز هذا العام هو تدخل البنك كممول للمشروعات الكبيرة وكمزارع عن طريق موظفيه الذين بسلفيات من البنك زرعوا اراض واسعة بالسمسم والذرة ومدير البنك نفسه زرع الف فدان ذرة في المنطقة الخصبة ما بين خور مفاريق الى غابة زهانة وعرفت بمشروع البنك ، عمل الجنقو في كل المشاريع بصبر واناة طالما كانوا يدفعون لهم بانتظام وطالما كانوا في أشد الحاجة للمال ، والحق يقال أن وجود البنك أنعش ركود الاقتصاد المحلي وظهرت انشطة جديدة اوجدها موظفو البنك الذين بسلفيات من البنك قاموا باستيراد الابقار الفريزين الهجين ومزارع الدواجن البيطرية (هذان النشاطان وحدهما استخدما عمالة لا تقل عن الثلاثين شابا عاطلا عن العمل وقللا من سعر البيض الذي اصبح احد المواد الاستهلاكية حيث خلقت له الدعاية والتقليد سوقا رائجة وايضا اصبح سعر رطل اللبن خمسمائة جنية فقط وهو اكثر جودة لأنه الانظف والاقل ماء ويتم حفظه في انيه كبيره تغسل في اليوم مرتين .. وابتكر موظفو البنك نظام تسليف غرف بين الاهالي"بالتكفلي" وهو أن يقوم موظف البنك الثري بتسليف شخص بواسطة ضمين معروف ووصل امانه مبلغا من المال تساوي عددا من جوالات الذرة أو يتم مقابلته بعدد من جوالات الذرة ويتم استرداده بسعر الذرة في وقت زمن الاسترداد الذي غالبا ما يتضاعف الى اكثر من ثلاث جرات في شهور رد الدين وهي مايو ، يونيو ويوليو واغسطس ) وحسنوا ايضا من مستوى المواصلات لأنهم اوفدوا الى المنطقة لأول مرة حافلات الركاب المريحة ، ثلاث حافلات تعمل في فترة الصيف ما بين الشوك وعبودة والجلة يمتلكها موظفان بالبنك ، طبعا فسر الناس ذلك انه الى ان يتق البنك المواطنيني العاديين فانه يقوم بتسليف موظفيه التجار فقط لبدلا من أن يبقى ..
يبقى المال بالخزائن دون فائدة ، وكثير من الناس قدر موقف البنك هذا بل وتمنوه طالما دفع الحياة اليائسة الراكدة بالمكان حيث تمكن أي مواطنمنتج من بيع سلعته لموظفي البنك حتى الفحم وحطب الوقود بل حطب الطلح الذي تتدخن به الان النساء خزنه الموظفون بكميات هي الآن ترتفع عشرات الأمتار فوق سطح الأرض ..
-كنا نودي الفحم الخرطوم
بلصات ورشاوي لا أول لها ولا آخر في الطريق .. اللليلة صديف او احمد البدوي او المدير نفسه الذي يعطي مقابلا من المال لكل شئ له قيمة
-ريحونا من التعب دا كلو ..
ولكن رغم هذه الفوائد الجمة التي يعدون منها ولا تعدد ، الا ان الناس الذي لا يملأ اعينهم سوى التراب تعيب على البنك تدخله في حياتهم الخاصة مباشرة او بطرق غير مباشرو ، وهنالك حوداث كثيرة يحفظها الناس للبنك في سجل قبيح وقدعقدت ندوات وندوات في نقاشها ومحاولة البحث عن حقائقها وربما خلق ردود افعال مناسبة تحافظ على المكاسب العظيمة التي اوجدها موظفو البنك في الحلة وتلك المناقب التي –ايضا- كانوا مُديها الأول ..
ففي ما يشبه الندوة في منزل "ابرهيت" وذلك يوم الاحتفال بعيد غامض من اعياد الناس يطلقون عليه تجاوزا عيد سليمان أو النبي سليمان نوقش موضوع المبلغ الذي خصصه "صديق" لأمول اجانق .. اذا دخل الاسلام وكان امول اجانق نفسه من الحاضرين ولقد ادلى بشهادة لم تعط من الاعتبار الا اقله حين اعتمد الناس بصور اساسية لرواية ادلى بها صديقنا مختار على الذي اكد بما لا يدع مجالا للشك أن صديق الطاهر قد استلم مبلغا كبيرا من المال من احد الناس ذوي الذقون الكبيرة وقال لاولا أن اسامة بن لادن قاعد في طورا بورا لقلت دا اسامة بن لادن ذاتو .. زول طويل .. سمين .. قوي.. ابيض .. عندو دقن كبيرة .. عندو شعر كتير .. عندو مال كتير ..
عندو حرس ..جاء القضارف وقابلو صديق هنالك وحلف بربه وبالنبي أنه رآه وسمعه .. ثم أخبرت الأم عن محاولة يا ئسة معها للأخبار عن الجنقو الذين يحملون السلاح في غاية زهانة ومعرفة من معهم ومن ضدهم .. شار ود أمونه عن عرض زواج عرفي من مدير البنك الى بوشي وربما قد تم ذلك الزواج لأن لا أحد اعتمد رواية بوشي التي أنكرت الواقعة جملة وتفصيلا قائلة بشكل قاطع وحاد
-ان شاء الله اديهو للكلاب وما أديهو للزول المتغطرس دا !!
قالت اداليا دانيال ..
-ابيت ابيع ليهم مسجلاتي .. ادوني سعر رخيش جدا .. ولا الخسارة الخسرتها فيهم .. واضافت .. بعد أن ضحكت ضحكا يشبه الهيستيريا .. قل انه نوع من البكاء
-هم القالوا لي خلي راجلك يتطهر*(تقصد الختان)
ولكن ما أدلى به ابرهيت المتحفظ دائما ، المتشكك فيما حوله الغامض الذي لا "يُغلط على أحد" كان المدهش قال
-هم الخربوا بيتك .. هم الضيعوا ألم قشي .. أغروها بالذهب والمال .. أنت شخص غير مرغوب فيه هنا .. عايزنك تفوت أتموت أعمل حسابك ولأول مرة تخرج ندوة بلا شئ لأنها خمنت بما يشبه التقرير عن انشطة البنك ملخصة : " مالم يقل الفكي كلمته فان لا حقيقة يمكن اعتمادها .. "لكن على هامش الندوة دار حديث سري مفاده إن الفكي على هو الذي مكنهم من الناس هو الذي سخر شياطينه وىياته ومحايته وعروقه وفكرة وكتبة الصفراء وجلجلوتيته وشمس .. عارفه الكبرى وتبيانه وسحره الأخضر والأحمر والأسود.. لمصلحة موظفي البنك لأنهم يدفعون له أكثر .. لأن الفكي على بامكانه تدميرهم جميعا وخاصة أن المقشي عرفته باسماء امهاتهم جميعا عن طريق مهارات استخدمت فيها مكر النساء وخباثة ود امونة ..
والجميع يعرف ذلك !!* * *
ود أمونه المراسلة بالبنك وحده الذي يلم
بأطراف القوالات
ود أمونه المراسلة بالبنك وحده الذي يلم بأطراف القوالات والحقائق وربما كان احد صانعي الأحداث الكبرى في الحلة ، كان الموظفون يولونه اهتماما بالغ بل يصل لحد التدليل وما ذلك الا لقوة المعلومة وسلطة المعرفة النادرة التي يتمتع بها او ما يحلو للبعض اطلاق عليه جملة " المعرفة السريرية " ، امه احدى الجنقو .. كانت تأخذه معها وهو صغيرا الى المشاريع مثل اطفال صديقاتها تتركه تحت ظل ظيق من القصب والعداؤ فارشة له على الأرض ملاءة قديمة عليها بعض البلح او قطعة حلوى يشاركه فيها الذباب والنمل وقد تعلم ود امونه منها درسه الأول :الصبر من النمل والخسة من الذباب ، سريعا في بلد يكبر الاطفال فيها سريعا اذا لم يموتوا وهم دون الخامسة او في بطون امهاتهم ، تربى وسط 3 بنات كلهن اصغر منه عمرا ، اثنان تعملان في السعودية ، ذهبتا قبل شهرين فقط أخذتهما التاية لتضيفهم لفريق عمل يخصها بجدة بحي الكرنتينيه تجدده بالدماء الشابة بين عام واخر " حنان بت امونه " اصغر اخواته مدلله نحيفة وطويلة وتدرس بالثانوية ، أمه أمونه بت الناير ، أمها جعلية والدها من الهوسا وهي امرأة مكافحة لا تستسلم أبدا لما يفرضه واقع الحياة عليها اطلاقا لأبنائها الاربع اربعة اباء مختلفون .. ثلاثة من الجنقو التقت بهم في زيجات عابرة في مواسم توغلت في الزمن ، لا تعرف عنهم الكثير ، اسمائهم ، ربما جذورهم القبليه مع الوضع في الاعتبار ان الجنقاوي غالبا ما يخفي اسم قبيلته الحقيقية واحيانا موطنه ومسقط رأسه لأنه غالبا ما جاء الى هذا المكان هاربا من ارتباطاته الاسريه والقبلية وربما المكانية ايضا .. زوجها الرابع هو والد ود امونه شخص يعرفه الناس جميعا باليماني وهو الان يعيش في مدينة حلفا القديمة على مطعم كبير قرب الميناء يعيش في مدنية حلفا القديمة على مطعم كبير قرب الميناء النهري يعرف بمطعم اليماني يمتلكه ويسكن فيه ود امونه يشبه امونه الا في طبعها حيث ان امه كما يقولون عنها في الحله
-قرا تزن الف رجل ..
ولكن وفقا لحكمة قديمة هنا .. " النار تلد الرماد "لا يستبعد أحد أن امونه هي ام ود امونة !!
كان – قبل عمله مع البنك كمراسلة ،كان يعمل بمنزل الأم أدى في مهنتين ، خدمة الأم والنساء العاملات معها في المراسيل السريعه .. مقل جلب الدقيق من الطاحونة .. شراء رطل سكر وبن من الدكان .. تسخين الماء وجلب الحطب وايضا يعمل في هوايته المفضلة "عواسة" صنع الكسرة وهي مهن شريفة اذا قيست بطريقة أو اخرى .. ولكنه أيضا في مهنة ليست شائعه ايضا في تقدير كثير من الناس ليست بالشريفه وهي نظافة الملاين لكبار الموظفين والتجار والنساء ايضا .. كان نظيفا وانيقا في ملبسه البسيط النظيف له شارب كثيف وذقن حليقة باتقان تام .. تجده في كل البيوت في المناسبات الأسرية وغير المناسبات ويعتبر الفرد الوحيد الذي له حق دخول أي منزل في الحلة ، وقتما شاء حين لا يحس احدا يخرج وهو في رفقة ود امونة ، طيبا .. مسالما .. له ابتسامة .. رجل عجوز في فمه .. ترافقه .. كان يعرف كل صغيرة وكبيرة عن كل صغير وكبير بالأمس الان وربما في المستقبل .. هذا قبل ان يستلطفه البنكيون ويستخم لخدمة موظفي البنك كمراسلة حيث رشحته لهم ألم قشي
أما الن فـ ود أمونة شخص مختلف قليلا عنه قبل الوظيفة وربما لطبيعة العمل الجديد وانه يقضي ثمانية ساعات يوميا طالعا نازلا سلالم البنك حيث اصبحتله اهتمامات اخرى اضافية مثل التلصص على حسابات العملاء ومعرفة ومن يمتلك كم .. سحب كم .. أورد كم ؟ وهي لشخص غير ود امونه تعتبر مهمة صعبة ولكن لهذا الأمي من الحيل ما يمكنه ذائما من اشباع طموح المعرفة عند التي يحتاج اليهما في ونساته الليليه في بيت الأم او مع النساء في بيوتهن او حتى ونسة لتحلية نظافة الملاين لرجل ما حين ان العمل غير شيق فلابد من تسويقه بحيل مدهشه
-عارف الليلة الجلابي حسين خت كم في البنك ؟
ولكنه ماكر فانه يعرف متى تصبح معرفة رصيد العملاء تجارة رائجة ويعرف من بامكانه دفع مبلغ كبير في الحصول عليها .. هم : الدائنون واحيانا اقارب الاثرياء وتحتاج اليها نساء السوق في احايين كثيرة اما المعرفة التي تجعله يشعر بمتعة الونسة وعظمة وسلطة المعلومة ويهبها مجانا ويستطيع ان يدفع مقابل ان يُستنط اليه باهتماما وان يعلق باعجاب كلامه ... هو المعلومات السريرية
-فلان وفلانه ..
وكم اشترى مريسة وعسلية للفرادة ، وكم علبة سجائر حرة قسمت للنساء وكم من المشويات بذلت في سبيل قعدة ونسة حلوة يستعرض فيها ود امونه بمعلوماته السريريه النادرة التي قد يقع احد المستمعين يوما ما ضحية لها .. قد يكون موضع الونسة فيما يشبه الندوة ولكن هكذا يقول الجميع فلتستمتع بحكاية الاخرين اليوم ولكنالصفة غير الحميدة حقا هي القطيعة وهي من صفات ود امونه التي لا يحسد عليها وهي ايضا بمقابل حيث يدفع الرماليون والوداعيون والفكيات الكذبة مبالغ كبيرة في سبيل الحصول على معلومات عن مرضاهم ، ماذا يدور في اذهانهن فيمن يشكون انه سبب المرض .. ما هو تصورهم لعلاجهم بل ما في وجهة نظرهم في المداوي نفسه ..
مازال رغم انشغاله ود امونه وفيا لأوي ويقدم لها خدمة نظافة ملايين شهرية مجانية كان يرى ويعلق أن أدي لها احلى عبق ملاين وخاصة ما بين الساقين حيث انه دائما ما يفرق بين الناس بما تفرزه ملايينهم من روائح ويقول
-الرائحة الحلوة قسمة من عن الله
اما انت زول ريحتك حلوة او زول ريحتك عفنة والعياز بالله ..
ظهرت مهنة تنظيف الملاين تماما مع ظهور البنك وشركة الاتصالات وقدوم موظفي طلمبة المواد البترولية وانشاء محلية حديثة وتوظيف عدد من خريجي الجامعات القادمين من المدن الكبرى كضباط اداريين ثم توسيع حامية الحلة ومدنها بضباط حربيين في رتب كبيرة .. حدث ذلك في بحر العشر سنوات الاخيرة ، كانت مهنة سرية ابتكرها ضابط اداري منعم قدم من امدرمان قابل ود امونه عندما وجده ذات يوم في منزله يضع حلوى تنظيف الشعر الزائد لزوجته من السكر والليمون والقرنفل وهي خلطة اشتهر بها في تلك الانحاء من الشرق ومنذ النظرة الاولى اظهر ود امونة الخارجي وطريقة كلامه ولو ان شاربه يمئ بذكورية بغيضة الا ان خبرة الضابط الاداري استطاعت ان تنفذ ماوراء الرموز وبكل شجاعة طلب منه عندما يكمل صنع الحلوى ينتظره في الديوان ثم عند الديوان حكى له عن عبده زهره والذي كان يقدم له وللمسؤولين الكبار والوزراء واصحاب الشركات التي هي الآن ملء السمع والبصر خدمة لا تقدر بثمن وانه افتقده الان في البلد الكرور دي بلد اذا ربطوا فيها الحمار يقطع الحبل ويهرب ..
وتفهم ود امونه سر العلاقة ما بين اسمه وعبده زهرة الذي ربما يكون اسمه اخر ولكن حوَّره الضابط الاداري الذكي لكي يقرب مسافة الفهم لود امونه بحمد الله تم التقاط الفكرة الا أن ود امونة لم يقم بهذا العمل من قبل .. فأنَّى له !!!
-حأعلمك .. دي مهنة تجديب الدهب .. وهي برضو مهنة شريفة .. زي عمل الحلاق وتحتاج لفنيات بسيطة ..
ثم أخذ الظابط التنفيذي يصطاد الزبائن لود امونه حتى يحلق له سوقا تجعل من وظيفة ود امونة وظيفة مستدامة لها جمهورها وسوقها حتى حتى لا ينصرف عنها ود امونه ..
ود امونه هو الذي ارشد الشرطة ورجال الأمن على الطريق التي يسلكها الجنقو المحاربون الى غابة زهانة من اثيوبيا .. وهذا هو التفسير الوحيد لمقتله الفظيع ، المقصود ذبحه في بيت امه في السبت الماضي ..
* * *
بعد المعارك
بعد المعارك الطاحنة التي دارت بين الجنغو وكتيبة من الجيش ترتكز بحامية زهانة انتبهت الحكومة المركزية لخطورة ما اسمته بالشفتة وجرى الحديث عن القوى الخارجية التي تريد ان تطيح بالحكومة الوطنية واجها في المشروع الحضاري للدولة ، تحدثوا عن المعارضة ، جبهة الشرق ، الاسود الحرة ، مؤتمر البجا ، حركة العدل والمساوة وغيرهم وغيرهم ثم حشر اسم دولة جارة وللتحلية ورد اسم دولة اسرائيل كجوز للتميمة لابد منه ولكن نسبة لخبرة الحكومة المركزية الكبيرة في مجال الحرب الأهلية كان اصحاب القرار لا يعرفون ان الجنغو وتمردهم هذا المفتعل على الواقع ليس خلفه احد سوى الجنقة انفسهم وان اخمادهذا التمرد لا يتم باسلوب قتل باعوضة بقنبلة نووية ولكن يتم فيه قتل الباعوضة وليكن برطل من ال ..
كان الخريف قد أجهز على هيناته الاول جميعها بل ومضى الى ما بعد المنتصف ونمت الاعشاب عالية في طول اشجار الكتر والطلح بل اصبحت بعض اعشاب العدار اطول من قطيات التايات ولأن المطر غزير هذا العام فان معظم الآفات التي تشكل خطورة على المحصول في مراحله الأولى ، الفأر وبعض أنواع الحدار قد دمرها المطر وهي في تشققات الأرض التي انسدت تماما بفعل السيول وتصعب الحركة كلما ازداد المطر هطولا وتشربت التربة الطينية الخصبة السوداء بالماء ، الجنقو يعرفون المكان كمعرفتهم ببطن أكفهم .. العسكريون لا يعرفونه .. الجنقو يستطيعون دخول الاراضي الأرترية او الاثيوبية اذا تركوا سلاحهم بمكان ما ولو داخل احراش احدى الدولتين ولكن جيش الحكومة لا يستطيع ..
الجنقو يحاربون لأنهم يحسون بالظلم والغبن والعسكر لا يعرفون لماذا يقاتلون .. لأجل من ؟
لذا كانت غالبا ما تنتهي المعارك غير المتكافئة بانتصار الجنقو او ايقاع خسائر كبيرة في جيش الحكومة والنصر الدعائي الذي يفتعله العسكريون في الغالب يضعف الروح المعنوية للمواطنين ولكنه لا يخفى عنهم حقيقة الهزيمة الشنيعة التي تكبدوها وهذا اليوم شاهد على ذلك ، حيث استيقظنا في الصباح الباكر على صوت بروجي وعزف مارش عسكري بغيض وخرجنا مع جميع السكان الى الشوارع وهي في الحيقية ليست سوى ازقة تددها اشواك الكتر التي تحفظ احواش القصب والبومي من الاغنام ثم كما لو أن هنالك جهازا سريا يقود ارجلنا .. توجهنا الى الميدان العام قرب الهلال الاحمر السوداني حيث تم عرض جثة القتيلين ، كانا معلقين على صليبين كبيرين من الخشب ، الرجلان معروفان لدى جميع السكان .. حتى الأطفال منهم : الذي يرتدي زي الجيش الحكومي ذو الجثة الكبيرة المنتفخة المزينة بالذباب والرائحة الكريهه هو أبكر هبيلا على طليق حلوم الزقاوية ن الرجل الآخر في جلبابه المتسخ ولباسه الكبير المنتفخ في هذه اللحظة ، النحيف في الماضي ، الصامت الان الحزين .. المرح في الماضي .. صانع النكات .. هو عبدالله مهدي الحردلو ..
قالو :
-كل يوم حنجيب اتنين من الجنقو الكلاب ونعلقهم هنا ..
وسميت الساحة في حينها بساحة النصر ، أطلق جنود سكارى منفعلون الرصاص على الجثتين .. كانت الروح المعنوية للجميع متردية في مهاوي عميقة مرة ومظلمة .. عدنا الى بيوتنا ونحن نخمن ماذا يكون عليه واقع الحال ؟ .. وفيما يشبه الندوة في يوم عسلية ام جابر يوم الجمعه .. توصلنا بسهولة على ان الامر ليس سوى انتقاما لمقتل ود امونة واتفق الناس على ان الرعب قد تملك كثيرا من الموظفين الاثرياء بالمدينةة وربما ذكر رجل او رجلان ان الفكي علي يفكر في مغادرة الحلة نهائيا وانه قد ابتنى له بيتا في الخرطوم وانه سوف يذهب الى هناك نهائيا ..
-السوق هناك احسن .. ناس الخرطوم تعبوا من الدكاترة والمستشفيات الخاصة .. والفُقرة هناك شغالين زي المكات .. قروش زي التراب .. ونحنا قاعدين هنا .. يوميا فلان كتلوه .. فلان صلبوه .. فلان طردوه للحبشه ..
شيلني صديق الطاهر اردبين من الذرة كتغلي والمح لي بدبلوماسية باردة انه بالرغم من علامات الاستفهام الكثيرة حولي وحول صديقي الا انه عملا لله شيلني الكتغلي حتى ادفع لعمال الحصاد ، ادعيت عدم الفهم بل وتبالدت وانا امضي وصل الامانة بثلاث اضعاف المبلغ الذي اخذت فعليا
كان مختار علي قد خصص وقته كله من احلي وقبل بعد لأي ان نكون شركاء في المشروع الصغير الذي نعمل فيه معا منذ بداية الموسم الزراعي وكان معنا الشايقي الذي فضل العمل في صفوف ما اسمتهم الحكومة الشفته وقد جلب لي المشاكل ومراقبة الشرطة واستدعيت اكثر من خمس مرات للاستجواب بمكاتب الامن في الحي القربيي .. وحدثني ذات مرة ود امونة انني وضعت في القائمة السوداء ..
علاقتي ببوشي تميزت بامور ثلاثة .. اولها ان بوشي كانت معجبة بي كشخص يعرف اشياء كثيرة – بتعبيرها هي : كل شئ – وكانت كما قالت لي اكثر من مرة تتمنى ان تكون مثقفه ملمه باشياء مختلفة في الكون على الاقل ان تتخرج من الجامعة .. ولكنها تركت المدرسة وهي في الرابعة عشر نسبة لعدم مقدرة اسرتها على دفع الرسوم المدرسية وخاصة ملابس المدرسة فهي ترى فيّ حلمها ..
اما الشئ الاخر فهو حكايتي مع الم قشي ويعجبها حبي ووفائي لأم قشي وهذا حسب ما تعتقده نادر الحدوث .. الرجال في هذا الزمن قلوبهم طايرة .. فهي ترغب بشدة وهذا ما لم تصرح به أن تحل محل الم قشي ..
اما الشئ الثالث هو انني ضعيف جدا امام النساء السوداوات جدا والنساء البيضاوات جدا وخاصة اذا كانت الواحدة منهن تتمتع بقامة عالية وساقين طويلين ممتلئين عند اسفل الرجل واحبهن اكثر اذا كن يجدن الغناء اوالرقص او اية موهبة كانت حتى اذا كانت طريقة متميزة في الكلام و المشي .. وبوشي هي انموذجمثالي لهذه المرأة .. أكثر من الم قشي .. حيث ان ما يميز الم قشي عن كل النساء هو انها اول من طلب مني من نساء الدنيا ان : احملها ببنت .. ولم استطع ان احقق لها هذه الامنية التي اصبحت امنيتي انا ايضا .. اهم ذلك ان الصدق الذي تكلمت به .. عذوبة النطق وسحره .. كأن جسدها كله يتكلم الهواء حولنا .. المرقد .. الم قشي امرأة .. اخرى .
ولم تعرف بوشي حقيقة ان الم قشي امرأة اخرى ومحاولة حل محلها عبث لا طائل منه ولكن البحث عن مكان مجاور اكثر امكانا للتحقق ولكن لماذا وضع الم قشي في الاعتبار .. هذا ..
كنت اعجب ببوشي ولكن كنت معها بحذر شديد خوفا ان ادخل معها في التزام وانا شخص يوفي بالتزامه مهما كلفه ذلك ولكن .. في الحق .. لم احس الى الان على الاقل بحاجة لمرأة كشريك فراش ازمة الم قشي مازالت مستفحلة
وقد قالت لي الأم
-أنت كل يوم اسوأ
ولكني ايضا اتعامل مع النساء وفقا لشروط نفسية معقدة وربما وراء نفسية ولكن في كلا الحالتين تمضي العلاقة بيني وبين المرأة سلسة وطيبة بل واستطيع ان اقول خالية من العقبات الكبيرة مثلما كانت الم قشي تأتيني في منتصف الليل تفعل بوضي تأتي لتغني لي كي انام ، تغني بلغة الشكل والباريا وتحفظ اغنيتين بالأمهرا وذلك بالتأكيد يعجبني جدا
عمرها بالتمام سبعة وعشرون عاما وهي في الواقع تكبر هذا العمر بعشرين او ثلاثين اخريات .. فطبيعة الحياة التي عاشتها بوشاي تجعل فكرة حساب اليوم في حدد اربع وعشرين ساعة مفارقة بائسة وسيندهش الكثيرون .. وانا نفسي اندهشت .. اذا عرفوا ان بوشي تعيش في اسرة تتكون من شخص واحد هو بوشاي ذاتها ، حدث هذا منذ اكثر من عامين ، كانت مثلها مثل الاخرين لها اخوان علي وألالا ولها اخت واحدة صغرى اسمها أبوك والدهل من الشلك وقد انضم لجيش الحركة الشبعية تحت قيادة عبدالعزيز الحلو واستشهد في احدى المعارك على مشارف همش كوريب .. امها توفيت بعد ذلك بزمن قليل ..ألالا هاجر الى استراليا عن طريق مصر ، علي لا أحد يعرف اين هو .. آخر مرة راته فيها قبل عامين .. اهل والدتها لا يحبونهم لأسباب عرقية ولو ان والدهم كان مسلما .. ابوك اخذتها التاية للسعودية وهي ترسل اخبارها بانتظام
ووجدت بوشاي نفسها وحدها وقبلت التحدي وعملت كما تعمل النساء الفقيرات في صناعة الخمور البلدية ولكنها لم تقم بانشاء علاقة تذكر مع رجل ما على الاقل لم يتسن لود امونة معرفة ذلك ولم تستطع ندوة ما كشف اية علاقة لبوشي برجل من الجنقو او غيرهم ولكن هذا لا ينبغي ان لبوشي عشاق ونها تصطفي منهم ما شاءت ولكن لأسباب تعرفها .. خارج بيتها ..
حسنا ، كان الجميع يتعاطف مع بوشي وكثير من صديقاتها يتطوعن على المبيت معها في المنزل ورفضت عرضين للزواج وعرض للمصاحبة والآنن الناس يتحدثون عن زواج عرفي بينها ومدير بنك تركاوي .. وقدر الأهالي علاقتي معها ليست الا قضاء وقت من جانبي ومحاولة فاشلة لزواج من رجل عصامي من جانبها هي ويجد كلانا العزاء في الاخر ولكني كما قلت : معجب ببوشاي كفتاة عصامية تعمل طوال الوقت لتوفير قوت يومها .. بل ابعد من ذلك حيث ان بوشاي هي اول من اشترى جهاز استقبال قنوات عالمية رقمي في الحي الشرقي كله لم يكن ذلك اعتمادا على ما ترسله ابوك لها من السعودية حيث ان ابوك لا ترسل شيئا مازالتتعمل لتغطية تكاليف سفرها واقامتها في السعودية وهي مدينة بذلك للتاية .. وألالا ايضا لا خبر منه في استراليا ولا اثر له ولا تعرف كيف تتصل به .. كانت تبيع المريسة والعسلية وهذا ليس بالعمل السهل لأن التعامل مع السكارى يحتج لطولة بال وسياسة فانهم يبدأون هادئيين وطيبين يحكون عن ابندلاف ويتغالطون فيما اذا كان يدهل بيته مقدما مؤخرته ام رأسه .. ويقصون مغامراتهم مع ابشوك او المرافعيين ويقيمون ندوات القطيعة.. هذا في الساعات الأولى واذا لم يكن من بين الندماء رجلا مدمنا لأن المدمن يسكر من أول كأس ويبدأ برامج الشجار مبكرا مما يخرب الجلسة ويعكر صفو صاحبة البيت وقد يكون سببا في استقدام الشرطة أو بوار المريسة .. لكن اذا لم يكن هذا المدمن ، فان الساعات التالية تتسم بمحاولة السكارى للاستمتاع بوقتهم عن طريق الطرب يغنون لأنفسهم مستخدمين آنية المريسة الفارغة كادوات ايقاع والبعض وهم قلة يقومون بتسلية انفسهم بالتغزل صاحبة البيت او بناتها او يديرون مجرد حوار عن الزواج والحب والأسرة .. وهذه الساعات الوسطى نفسها تزداد فيها الرغبة لمعاشرة امرأة ما ، وهذا ما يمثل خطورة كبيرة اذا استغرق السكران في التفكير في النساء فانه حتما سوف يصتدم برجل اخر ... زوج ، اخ ن عشيق ، صاحب او حتى رجل قانون ويبدأ العراك الفعلي وقد نستخدم في الاسلحة المحلية ببراعة وشراسة وعدم رحمة او مسؤلية .. صاحبة البيت المدربة الذكية العاقلة هي الأمهر في ادارة هؤلاء الناس المنفلتون وهي تمثل بذلك أمهر الاداريين مطلقا طالما تستطيع أن تعمل في وسط يعتبر حقل الغام وكوارث فسه كبيرة : طعنة سكين .. تليبة في بيت جار .. كسر يد بعصى .. حضور الشرطة .. مصادرة ادوات العمل وقد تصل العقوبة لسجن طويل .. تعلمت بوشاي سياسة ادارة السكارى من جامعة السكارى انفسهم وكانت تعرف طبائع الزبائن كلهم المدمن الذي يبتدر الشجار والمدمن الذي ينام من اول كاس على البنبر المبتدئ الذي عندما يسكر يتبول على ملابسه مثل الطفل او يبكي وينوح متحسرا على حياته كلها .. الفرادي الشِريب المتزن العاقل الذي عندما يسكر يكتفي بالغناء او اخذ عكازة والمضي الى بيته او فرش عمته على الارض في مكان جانبي والذهاب في نوم عميق ..تعرفهم بالاسم والصفة وتديرهم بنمط ادارة شخص ، بوشي ، في الحق لا تميل للجنقو كرفقاء سرير ..
-هم وسخانين .. ما بيهتموا بنظافة ملا بسهم ولا جسدهم وريحتهم ترمي الصقر من السما .. ديل ناس ساي ..
وعلى بوشي ان تعمل بدبلوماسية ايضا في جبهة اخرى وهي جبهة البنك ، ذلك الغول الذي تدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية .. قص لها مدير البنك كثيرا جدا حكاية امرأته غير الجذابة التي تعشق المال فقط ولا تهتم به كرجل .. وانه تزوجها لأنها بنت عمه وذلك دون حب يذكر ..
-وانا دخلي شنو ؟
حسنا ، صنع الخمر البلدي يجرمه القانون ، وبامكان الشرطة والمباحث تخصيص قليل من وقتهما قلتكن الظهرية لوقف هذهالبلاوي ، تركوي يستطيع ان يمنعهم ويستطيع ايضا ان يأتي بهم ..
كل مشاريع ضباط الشرطة والمؤولين الكبار هي بتمويل منه شخصيا او من البنك وتركاوي كما وضح لها هو نفسه رجل تقي ويخاف الله .. هو يرغبها ولكن ليس بالحرام وايضا ليس بشناة السمعة ولكن بزواج عرفي واصل له بنصوص شيعيه ولا النصوص ولكنها تمتعت العجرفة والادعاء ورائحة الضان النفاذة التي زكمت انفها يم ان قابلته .. لن تنساها ابدا .. قالت له :
-انا ما عايزة اتزوج لا بالعلن ولا بالعرفي ولا بالحرام ولا بالحلال ..
ولكن الذي يعرف التركاوي يعرف ان المعركة لا تنتهي هنا .. قابلته مرة واحدة فقط .. جاءها متنكرا في شكل جنقاوي ثم افصح عن نفسه .. ولكن ظل اللقاء اليومي بينهما قائما عبر ود أمونة .. كان بارعا في نقل الكلام كما هو .. وكانه مسجل او كتاب وذلك تلبية لطلب التركاوي نفسه وكان قد رشح ودأمونة بوشاي لمدير البنك بعد أن شكى له مظالم البيت وشرح له مشاهيه هو .
الكلام عن الحرب هو كلام الساعة والكلام عن مقتل ود امونة وشنق طليقحلوم وعبدالله مهدي أو صلبهم او رميهم بالرصاص طغت على اخبار الخريفف ومكائد البنك الذي – كما فسر الكثيرون أنه ينتقم لنفسه من ثورة الخراء التي ما عاد احد يذكرها .. لقد كانت دخيلة على هذا المجتمع وتم اسقاطها تدريجيا من السجل اليومي للقولات ... وذكر كلمة خراء نفسه يعاني من اشكالية جمالية هنا في مجتمع يحتفي بالطهر والنقاء .. الجنقو وغيرهم من العاملين ، بعد مقتل الجنقاويين على يد جند الحكومة انحسرت اخبار الحرب قليلا وقيل ان الجنقو قد انسحبوا الى تخوم تسني حيث يقضون الخريف هنالك مستفيدين من ثمن الاسلحة التي استولوا عليها من قوات الحكومة وقاموا ببيعها للزبيديه في جبهة الشرق وكان هذا مصدر ذخل كبير جدا للجنقو اذا استثنين العائد من تجارة الخمور حيث كانوا يهربون الخمور المستوردة من ارتريا واثيوبيا الى داخل مدينة خشم القربة ثم عن طريق البطانة الى الخرطوم وعطبرة وربما شرب سُكارى عاشقون الأنشا الاثيوبية في دنقلا العرضي وفي وادي حلفا وفي ابي حمد ..
زارني الشايقي وبعض اصحابه في التالية منتصف ليله مظلمة مطيرة عواء ذئابها يطير القلوب شظايا .. احتفلنا باللقاء العزيز وذبحت لهم تيسا من الأغنام التي احتفظت بها في التاية وشربنا الشاي والقهوة واخذوا يحدثونني عن مغامراتهم ، وعندما تذكرنا يوم باص هدائييت وكيف انهم تغابوا فيّ العرفة ضحكوا وقالوا لي :
-قروشك ياها دي معانا .. هاك ليها ..
واخذت ما لي من مال منهم وسألوني اسئلة كثيرة جاوبتها بصدق وقالوا لي ..
-نحنا حالفين نأدب ناس البنك .. نوريهم نجوم النهار .. وما .. الآن .. ولكن لمان يجي وقتو حتعرف ونحن حنكون في ارتريا الى أن يجئ اليوم داك .
قالت لي اداليا دانيال ذات مرة :
-الجنقو اتعلموا طبيعة الحبش .. ما بيخلوا حقهم بالساهل .
* * *
أُفتتح البنك
أُفتتح البنك في وقت حسب بدقة ليواكب الموسم الزراعي لهذا العام . . وجاء الموظفون ونزلوا في ضيافة شركة الاتصالات الى ان تكتمل المسات الاخيرة لميس خاص بهم تم بنائه من المواد الثابته وشبه الثابته ليوائم المناخ وطبيعة المكان ، كان يدور حوله صريف من القصب والشوك كغيره من بيوت السكان ولكن القطاطي فيه مبني الجزء الاسفل منها بالطوب الاحمر والحجر ، الجزء الاعلى من القش النال والقنا كما تبتني القطاطي عادة في الحلة .. أول من تعرف عليه موظفو البنك كانت الم قشي .. حيث انها تعمل في ميس شركة الاتصالات وعندما سألوا عن شخص يعمل معهم كمراسة .. اقترحت عليهم ود أمونة بدون تردد .. كان الشخص الوحيد الذي بدا لها مفيدا في هذه المهنة ولربما لمعرفتها التي اكتسبتها من معاشرة اولاد المدن في ميس الشركة ولمعرفتها لود امونة حيث انه طيع وطائع وسهل التعامل ويمكن ارساله لأي غرض مهما صغر كاشعال سيجارة مثلا ومهما كبر كخطبة امرأة .. فلا يشكو او يتبرم .. دائما ما يُرى نظيفا طلق الوجه ، لا يسكر اطلاقا بالنهار مهما كان الندامى اما عند الليل ليس بعد ان يتأكد أن لا أحد يحتاج الى خدماته .. شخ مثله نادرا نا يتواجد حيث السمة العامة للرجال هنا هي الفظاظة والرعونة والرائحة السيئة ..
ود امونة .. ود امونة .. ما في غيره .. ظريف وسيم مؤدب طيع ومسكين ويترسل ..
حدثتهم .. انه يعمل الان في بيت الأم بأجر زهيد وشرحت لهم الصفات التي اعتبرها بعضهم نعمة ..
لم يرفض ، شكرها ، اشترى بنطلون وقميص وصتني وصيتا جديدين وذهب للعمل ..
في الحقيقة الأم هي التي اعطته المال ليبدو بمظهر يليق بمراسلة كان يعمل عندها منذ صغره ومثل ام رؤوم دعت له بالتوفيق والنجاح في مهنته المقبلة وطلبت منه ان يبتعد من خصلة وحيدة سيئة رافقته منذ الصغر
-اوعك من نقل الكلام من زول لزول ..
وتقصد الأوم " القوالة والسواطة"
اشترت له امونة حذاء جديد ، دعت له بالخير والبركة وحذرته من خصلة وحيدة سيئة فيه رافقته منذ ان اخذ يعمل عند الأم ..
-أوعك من فش اسرار الناس ..
وتقصد امونة علاقات التاس العاطفية وعاداتهم التي يريدون ان تبقى سرية ..
أهدته اداليا دانيال ساعة سيكوجميلة لها خلفية ذهبية كانت قد اشترتها من احد الجنقو قبل موسم مضى .. وحذرته من خصلة واحدة سيئة فيه اتصف بها منذ ان عرفته
-أوعك من التعرصة !!
وتقصد عدم المقدرة على مقاومة الرغبة الجامحةة نحو جعل كل فتاة جميلة او غير جميلة ايضا تنام مع رجل ما ويكون الفضل له في ذلك وحده ... وعندما يتم مثل هذا اللقاء يشعر ود امونة برضى في نفسه ولذه لا تشبهها لذه ابدا .
أرسل اليه فكي طالبا ان يبارك وظيفته الجديدة ، اعطاه حجابا من الحسد ولغيرة واولا الحرام وبنات الحرام وحذره من خصلة واحدة سيئة فيه عرفها عنه الفكي منذ عامين ونيف ..
-أوعك من النسنسة والدسدسة والخسخسة ..
ويقصد فعلة كان هو طرف فيها والطرف الآخر الشرطة ولُقِّن فيها الفكي درسا لن ينساه ..
طلبته بوشي ، أهدته شريط اغنيات حبشيه وحذرته من خصلة وحيدة فيه اذا تركها فانه سيمتلك القلوب .. قالته له
-اوعك من الكذب
وتقصد ما شهد به في ندوة بغيضة من قبل اعوان نوقشت فيها حقيقة عذريتها ..
وطلبه كثيرون لأجل هدايا ووصايا الا انه اعتذر في ادب جم في ان الوقت سوف لا يسعفه بالذهاب الى العمل اذا لبى كل الدعوات ..
مضى وفي ذهنه وصية واحدة خمست بها نفسه اليه قائله :
-اوعك تخلي الفرصى تفوتك .. اطلع فوق .. فوق .. فوق .. فوق .
* * *
جاء الى
جاء الى الحلة بعد قترة غياب طويل ربما قضاها في مكان ما استمتع به ولكن بدا واضحا ان الحلة هي اصبحت المكان المفضل عنده بين كل الامكنة التيزارها ويزورها باستمرار وقد قال لأكثر من شخص ذلك : هنا اجمل مكان ..
كان يرى ما قام به الجنقو من حمل للسلاح وقطع للطرق وحرب للجيش الحكومي لن يستمر طويلا ولن يقود الى أي نتيجة مالم يسنده تنظير ساسي وهدف محدد بدقة يمكن تحقيقه في مثل هذه الظروف وقرر أن يكون هو حادي ركب التنظير ولا يتم ذلك اذا لم يتعايش اجنقو الذين يحملون السلاح ويعيش معهم في غابات الكتر والخيران المتوحشة تحت تهديد نيران كتائب الحكومة ، في الخوف والجرى والاقبال والادبار والجوع والحرمان والهزيمة والنصر .. كان يقول
- التنظير بدون معايشة الواقعة ذي طباخة الاجرام على النار مباشرة بدون وسيط يفسد الادام وتفسد النار .
وطلب مني أن ادله الى المكان الذي يختبئ فيه الجنقو المسلحون ونصحته بانه قد لا يستطيع ان يعيش كما يعيشون ولو انه ياكل كل شئ تماما مثل الجنقو ولكنه –كما اضفه- ود مدينة وعلاقته بالمكانلا تتعدى كونها سياحة خشنة والخطر الكبير الفعلي هو انه قد يتعرض للاعتقال او الاصابه او ربما القتل ..
قال كعادته عندما يخشى عليه من الموت
-انا ما حاموت قريبا .. عارف كدا ..
والانسان يموت بارادته واذا لم يكن مستعدا للموت فلا شئ يستطيع قتله ..
انا اعرف انه لا يحاج ودائما ما لديه ما يبرر به فعلته واعرف الصعوبات التي سيواجهها ، اقصد التي سوف تهزمه هزيمة شنيعة .. وذكرته بعواقب مغامرته مع الصافية وكيف انتهت بتوريته سمعة سيئه ولكن الأمر الآن قد يضل للموت وهنا تكمن الخطورة !!
قال ،
موضوع الصافية دا موضوع مضوع من خيال الجنقو والجنقاويات لا أكثر ..
ومستحيل مرة تغضب يا راجل ..
قلت له ضاحكا
-حتى لو كان عندها موضوع وصفه الفكي على الزغراد بكلمة كبير
قال محتجا
-وين شافو الفكي على الزغراد .. وكيف ؟
اخذته الى التايه معي وختار على وبقي معنا هنالك لخمس ايام قبل ان يرحل مع الشايقي الى تخوم ارتريا ، كفا نسمع باخباره من وقت لاخر ، تأتينا اخبار مشوكة بالكتر والحسكيت ملطخة بطين اغسطس اللذج وعليها فوق الناقل حرص السامع وهوهوة الريح الجنوبية الرطية ، تأتينا اخباره مره باللغه التجرنه ومرة بالأمهرا، واحيانا بالنبي عامر والبجاويت او العربية المكسرة ، عربي جنقو ..
كان يرسل لي رسائل كثيرة مع اقرب زائر او صديق مشترك يلتقيه .. وكنت اراسله ولكن بحذر شديد ..
طلب مني ذات مرة ان ارسل اليه ما اسماه الجدول الزمني اليوم لحركة موظفي البنك كتقرير بعد مراقبة لصيقة لأسبوع واحد فقط ثم اسبوع آخر بعد مرور اسبوعين من الاول ثم مراجعة الجدول كل ثلاث اسابيع لحساب معدل الانحراف بصورة دقيقة وفعلا قمت بالعمل على اكمل وجه مستعينا بعلي مختار ومستفيدا من معلومات استخلصتها من بوشاي نفسها حيث ان مدير البنك مازال يلاحقها عن طريق الوساطات او متنكرا في ملبس جنقاوي .. كانت تعرف قليلا عن نظام حياته ولكن الفائدة التي نجينها من علاقته ببوشاي هي كبيرة لأن بوشاي اذا طلبت منه ان يحضر الى منزلها في وقت ما ، فانه لا محالة قادم وحده متنكرا دون ان يعلم احد بتحركه وهذا يتيح فرصة التصرف فيه كا يشاء الجنقو المقاتلون ..
* * *
بعد مقتل ود أمونه دار لغط
بعد مقتل ود أمونه دار لغط كثير عم علاقته بأدي أكثر مما دار حول الطريقة البشعه التي قتل بها .. في الحق كان الجميع متعاطفين مع ود امونه حتى عندما ثبت بصورة قاطعة انه هو الذي اوشى بالجنقو تعاطف الناس ايضا معه .. قائلين
-دا ما سبب يخليهم يقتلوا زول مسالم مسكين وخدوم زي ود امونه دا ؟ وكمان يضبحوه ؟؟
دار لغط واقيمت ندوة في ذكرى اربعينة صادفت يوم مريسة " هدية بت سلمتا " وهي من سيدات المجتمع اللائي اشتهرت بالشجاعةوالبراعة في ادارة الشجار وبامكانها الانتصار على ثلاثة رجال في معركة واحدة بالعصي وهي ايضا لا تجاري اذا استدعى الامر استخدام السكين، وفوق ذلك كله كانت هدية بت سلمتا مثل كل بنات الكوكا بني حسن جميلة .. ذات بشرة دهنية ناعمة رقيقة ووجه طفولي صغير .. كانت مريستها يوم الاربعاء ، السكر في بيتها بادب واحترام و " لم ضنب " ..
والماعاجبو الأدب .. يتحمل قلة الأدب..
بدأت الندوة بابداعات ربابة العجوز في اغنية جميلة قصيرة :
أبَّا موسى ،
متين ،
جيتا ،
من الغربة ،
سلامة عليك ،
أبَّا موسى . متين جيتا . من الغربة . سلامة عليك ..
انشدت بصورةمنائحيه حزينة ، شربوا الدقة ، تحدث الناس عن ود امونةكاحد العلامات البارزة في مجتمع الحلة ، عن حيات القصيدة الملئية بالاحداث ، لقد بدا حياته العمليه منذ الخامسه حيث عمل في بيع الفول والتسالي عند باب البيت ، تقوم اخته الكبرى – مدينة وهي الان بالسعودية – بضاعتها ووضعها له في تربيزة صغيرة قرب الباب ، يجلس على الأرض يلعب بالحصى وعندما يحضر الزبون يأخذ منه القروش ويعطيه طليه من الفول او التسالي ، لا يستطيع خداعه او سرقته ،كانت اجرته في اليوم خمسين قرشا يقوم بوضعها في علبه صغيره "حصالة" يحرص على حفظها بعيدا عن متناول اخته حنان التي تكبره مباشرة .. هي الافة الوحيدة التي تصيبه في مقتل بغير رحمة .. كانت تكبره بعام واحد فقط ولكنها تُرى كاخت اصغر سنا منه بكثير ، فهي طويلة ونحيفة وبروحها نوع من المدح الذي يحتفظ بصاحبة دائما في عمر الطفولة ، يصعب على حنان دائما التفرقة ما بين ما يخصها من طعام ومال ومنقولات وما يخص اخوها ود امونة ..
فهي تلبس ملابسه وتلعب بكرته التي يشتريها بما يوفر من مال ، وتأكل حلواه وتأخذ وحيدة من مال وفه بعرق جبينه .. وهي لا تعمل شيئا يجعلها تحصل على المال .. وكانت تقول لأنها بكل وضوح عندما تتشاجر معها اذا اشتكى ود امونه من سلوك اخته ..
-امان اكبر واشتغل معلمه حاديهو كلالقروش الادينتها منو .. على دايرة المليم ..
كانت تكرر هذه الجملة منذ ان كانت عمرها سبع سنوات ومازالت حتى الليله التي توفي فيها اخوها ود امونه ..
تؤرخ امونه لعمل ولدها في زمان اكثر بكورة من الخامسة ل منذ ان كان رضيعا " الجنى الوحيده الكنت آخدو معاي للعمل في قطع السمسم والعيش او للكديب وكان دائما يجي برزقو .. كنت لمان اخلص العمل وينتهي الومسم ونرجع مع الجنقاويات .. كنت ديما اجي بقروش اكثر منهم .. الناس ما كانوا يخلوا الولد ساكت .. اليديهو قروش . اليشتري ليهو ملابس .. واليهدي ليهو نعال او لعبه والله في جنقاوية اهدت ليهو هلال دهب عشان لمان يطهروه يلبسو " ولكنه في الثالثة انقذ جنقاوي من الموت عندما كان الجنقاوي ان يطأ التعبان الراقد تحت قصبة ذرة الذي كان يشاهد ود امونة وصرخ بشدة صائحا منبها الجنقاوي من الثعبان ..
كان بارعا في صيد الطيور والقنافذ والجراد والفراشات ايضا ..
اشتغل ايضا مع والدته واخواته الثلاث في جمع السنامكه من الوادي ليبيعها لتجار غرباء يأخذونها بأسعار زهيدة ويسفرونها الى بلد من بلاد الله لا يعرفه احد من الجنقو ..
ولكن عندما ادخلته امه المدرسة عند الثامنه اظهر نفورا وكراهية واضحة بل عدوانا تجاه كلما هو يرتبط بالمدرسة .. بعد أن جربت معه اموهكل اساليب الترغيب والترهيب يئست من خير سوف يناله من المدرسة والحقته بالعمل كتلميذ م "جمعة" الترزي بالسوق ، عله يكتسب صنعه تقيه شر الجوع والحاجة .. بقي عاما كاملا تعلم فيه الكثير من فن اللبس والتفصيل وجمعه وهذا هو الذي جعل منه شخصا نظيفا ..انيقا في قابل ايامه ولكنه فشل في ان يجعل منه حائكا ماهرا او ان يحبب اليه عمله كخياط ..
قالت أدي لأموه وهي تحكي لها متاعبها مع ولدها الذي رفض المدرسة ورفض الترزي واخذ يقضي جل وقته في رفقة الصبية الشياطينوتخاف عليه من الغرق في النهر او تعلم السرقة ..
-والله ما عارفه اعمل ليهو شنو ؟
قالت لها أدي
-وديهو للخلوة يمكن يتعلم شوية دين ..
الخلوة فيها بركة أكثر .. شايقة المسلمين يفضلوها كتير ..
قالت امونه في اثارة
-الخلوة .. دا يوم قلت ليهو شيل الكرامة دي وديها للفكي في الخلوة أداها للكلاب .. دا ولد ملعون ..
ثم اظهر ود امونة ميلا للشراء والبيع وعمل مع بائعي الخضر والفاكهه ثم مع صاحب فرن .. ثم عمل صبي كنتين ثم نادل بمطعم ، سائق لكاروى يسحبه حمار وهي المهنة التي قادته تدريجيا الى بيت ادي ، حيث كن يحمل الخضر والدقيق والعجين نت السوق بالكاروى الى منازل النساء ، أخذن يرسلنه لشراء بلح العرقي ، الحطب ، وهكذا خلق نفر من الزبان يزداد كل يوم الى ان تمكن من شراء كارو بنفسه ..
كانت أي تمتك اكبر منزل في الحلة كلها وهي كذلك تحتفظ باكثر قوة عمل من النساء صانعات المريسة والعرق ، عواسات الكسرة الانجيرا والكسرة السودانية ، طباخات الادام من الغرباويات ، منظفات المنازل والملابس والصحون ، بنات المبيت ، نساء الدلك ، صانعات الشاي والقهوة وغيرهن ..فكانت اكرهن طلبا لخدماته ، ونسة لأمانته فيما يخص المال عقدت معه صفقه شفهيه ..
-يا ود امونه .. اخير تشتغل لي أنا بس .. وكل سوم أديك علف الحمار وفطور وغدا وعشا وكمان الف جنيه .. رأيك شنو ؟ .. أنا محتاجه ليك جد جد .
كان ذلك قبل خمسة عشر عاما من اليوم الذي يحتفل فيه اهل الحله باربعينه الاول ..
قالوا ود امونه قبل العقد وقبل ان يقيم في قطية جانبية في بيت الأم وهو لا يدري ان ععالما كبيرا قد فتح مغالق اسراره عليه وانقطع باخلاص في خدمة الأم وبناتها وهي المدرسةالتي تعلم فيها فن الأسرار ..
قال مرة ليوشاي ..
العرفتو في يت أدي .. ما حيرفوا زول في المدرسة ..
وهذا موضوع شيق ستتناوله ندوة في بيت مريسة ما بعد اعوام كثيرة من موت ود امونه ..
وبدات العلاقة – علاقة العمل – بين ود امونه وادي وهو في العاشرة من عمره ، سمينا ، طويلا ، ذا لونيميل للصفره وسيما يبدواكبر من عمره بخمس اعوام او اكثر ..قليل الكلام .. طيّع ولكنه ايضا شرسا جدا وهذا ما جعله يحتفظ برجولته الى يوم مماته حيث كان يمقت اللواط واللوطيين نظيفا وهذه الصفة بالذات هي التي اراحته في خدمة الكارو الى خدمة بيت ادي .. حيث انه اجر الكارو لصبي اخر يقضي به خدمات بيت الأم واصبح ود امونه فتى بنات ادي المدلل ..
تعال يا ود امونه
امشي يا ود امونه
الحقني يا ود امونه
ووب علي يا ود امونه
جيب لي يا ود امونه
شيل مني يا ود أمونه
خُت لي يا ود أمونه
جيت لي يا ود أمونه
فكان يأتي ويذهب ويلحق ويجيب ويشيب ويخت وفي فمه ابتسامة كبيرة ، لقد وجد نفسه في المهنه التي اذا خير الف مرة سيختارها ، عجبته النساء ومجتمعهن بل ورائحتهن ايضا ، الطريقة التي يتكلمن بها .. الصبر العظيم الذي لا يشبهه صبر .. تعجبه همساتهن عن الزبون .. كيف يتهيأن له .. هنا عرف ود أمونه أن الرجل هذا مخلوق غريب ويحتاج لمعامله خاصة بل يجب التعامل معه بحذر يجيده النساء فقط ولكن الجانب الآخر الغريب هو أن امونه تمنى –حقيقة- أنه لو خلق امرأة لتمتع بهذا الحياة ، حيث ان فرص النساء في اصطياد مباهج الحياة اكبر .. ها هو يراهن الآن أمامه كيف يعملن بصبر وضجيج ورهق وكيف يتحول مهرجان العذابات هذا الى ما يشبه الاحتفالية المقدسة عندما ينتهي اليوم وتمضي الطباخات والمنظفات والعاملات الى بيوتهن اطفالهنوازواجهن وتأتي بنات الليل الى الزبائن الليليين ..
كما كان ود أمونه يخدم طالبي وجبات الافطار والغداء والشاي والقهوة والشيشه ، كان يخدم طالبيالمتع الجسديه : العاشقين ..
-كان سكرتيرا فوق الاده ..
قالوا عنه ..
يحب النساء ليس كمخلوقات سريرية او كائنات مطبخ ولكن حواءات مدهشات يتمتعن بذكاء كبير وطاقة لا تحدوكسل مفتعل جميل .. لقد تخطى ود أمونه العشرين في بيت كله نساء جميلات ولكنه لم يقترب اقترابا جسديا من امرأة ما .. بل ليست لديه مثل هذه الرغائب اطلاقا .. كان اعجابه بالمرأه جعله يخصص كل وقته لخدمة النساء ,,
فهو صانع عطور جيد
فهو صانع حلوى للتخلص من الشعر الزائد بخلطة لا تضاهى
فهو منظف ملاين ببراعة جني ومهارة ساحر .. ويستطيع ود امون دلك الفتيات ومسجهن وتطويع اناملهن وكانه شيخةعجوز خبيرة ودأمونه كما تصفه الأم
-ونّاس ، حنّاس ، رقاص وود ناس .
الجانب الغامض قليلا في حياة ود امونة هو المرأة العشيقة ..
جربته ، وكانت او من حاول معه ، زينب ادريس البني عامراوية القادمة من القرقف ،صبية صغيرة معجبة بنفسها عاشت في اسمرا ما لا يقل عن سبع سنوات عرفت فيها حياة الحرية والرفاهية ونظافة الجسد والمكان والروح .. هربت من الخدمة الوطنية الالزامية ، أقامت بالقرقف اسبوعا كاملا الى ان ارشدها بعض فاعلي الخير الى الحله ثم اقتيدت الى بيت الأم وعند الباب قابلت ود أمونة ، ولم تخف اعجابها به حين اعلنت وهي في دشتها الاولى
-هنا برضو في رجال حلويين ونضاف بالشكل دا ..
قلن لها:
- بالتأكيد..
ولم يفصحن أكثر حيث اتفظن باجابات كثيرة اخريات لأنفسعن وقد سألت بعضهن انفسهن
-لماذا لم تفكر في ودأمونه كرجل ؟
لقد ظل عالقا في اذهانهن كصديق او اخ او خادم طيع وربما في كثير من الأحيان : غراب ؟
شرحت لها أدي وضعية ود امونه في البيت وان بامكانها الاستعانه به في كل شئ .. وعليها ان تعامله برفق ولا تثقل عليه
-هنا نحنا نعامله كدا
تم تصنيفها كفتاة سرير جيدة بالتالي حددت لها شروط الوظيفة واخلاقياتها وقيمها .. كان لها طلبان ..
الأول .. أنها لا تفعل شئيا مع أي كان اذا لم يكن هنام عازل جنسي وعرقته بالاسم "كوندوم"
الثاني .. لها الحق في ان تقبل بالزبون او ان ترفضه .. ولا يجب ان يجبرها احد .. حسب مزاجي اقبله او اقول لأ ..
ثم اضافت جمله جعلت اوي تصنفها في مصاف المحترفات حيث قالت وهي تلوي فمها يمنة ويسرة في مزاجية عجيبة
السمعة الطيبة المروفة بيها ادي خلتني ما اناقش مسألة القروش .. نصيبها ونصيبي كم ؟
ولأن أدي في حاجة الى دماء جديدة وافقتعلى كل الشروط وكلف ود امونه بالذهاب الى سوق الكترة وشراء كرتونة كبيرة من العازل الجنسي الكوندوم بالمواصفات التي قدمتها زينب ادريس مرفقة باسم الشركة وسنة الصنع اععته ايضا عينة مقارنة حتى لا يمكن خداعه بعينه قديمة انتهت صلاحيتها ..
في حقيبتها تحتفظ بكمية كبيرة من اجود الانوع ، للطوارئ ..
قالت لها "أدي"
-ود أمونة ، اعتبريه اخوك ..
واعتبرت ادي نفسها قد قلدت زينب تميمه تحمي ود امونه من أي نوايا سريرية قد تفكر فيها زينب تم التقاطها من جملة استحسان في حق ود امونة شاعت منذ الثواني الأولى التي اطلقت فيها .
لم تعلق زينب بت اسمرا .. هزت رأسها ايجابا وابتسمت .. قالت زينب لود أمونه فيما بعد
-انت اجمل راجل في الحلة دي كلها ..
قال خجلا حيث انه اول مرة في حياته يسمع تعليقا واضحا عن نفسه وصريحا
-معقول ؟
قالت بصراحة ووضوح
-كلهم عفنين ووسخانين وريحتهم ترمي الصقر من السما ..
ارجال في اسمرا يشبهوا الملايكة .. انتا مفروض تعيش في اسمرا .. تشتغل في أي بار او فندق هناك بارستا تكسب دهب عديل..
ثم أخبرته عن المكانة الكبيرة التي كانت تشغلها في اسمرا وكيف انها كانت نجمة عالية في سماء اسمرا عالية سمعتها تملأ الآفاق .. لولا التجنيد الاجباري ... آه ... آه
-من الجنة للكوشة ...
أخبرها عن رجال مختلفين وثقفين جاؤوا من الخرطوم مدني ، القضارف ، كسلا وبورتسودان .. يعملون في البنك وشركة الاتصالات طلمبة البترول االأمن الشرطة سوق المحاصيل وفي المحلية ايضا هنالك ضباط جيش وبعض الجلابة اصحاب المشاريع الكبيرة واولادهم ايضا شرح لها ان الحله بالنهار ليست الحله بالليل وان معظم من ذكر يأتون للعشاء الفاخر في منزل أدي ليلا وبعضهم يأتي لتناول وجبة الافطار حتى معلمو الثانوية العليا وأكد لها بانه وأدي سوف يخصصانها للرجال من طبقات عليا وليس الجنقو ..
اشارت له انها تحس ان بينه وادي شئ غريب فحلف لها بربه ان ذلك لم يكن .. وان أدي لا تمثل له سوى صاحبة المنزل .. فالمهنه تقتضي الا تخترق حدود الأم ولما اطمأنت .. راودته عن نفسه ..
حسنا سوف تقض آخر طلبات ادي ويعود اليها ولكنها فقط عندما طلعت شمساليوم التالي تأكد لها بما لا يدع مجال للشك انه لن يعود .. نامت ..
* * *
الأراضي التي
الأراضي التي زرعها البنك وموظفوه قدرت بثلاثة الف فدان او اكثر بقليل في الواقع كانت هذه الأرض بورا تنموفيها اشجار الكتر الطلح واسيال وبعض الأعشاب الموسمية التي تخضر مع موسم المطر مثل البوص والنال والقدار وقد حجزت هذه المساحة منذ عصر الاستعمار الانجليزيالمصري كمراعي للماشية حيث يسكن تلك المنطقة بدو الحمران واللحوييين باعداد كبيرة وهم يعتمدون في حياتهم على الرعي وما كانت فدادين البنك تثير اشكاليية ما لولا انها كانت كلما تبقى من اراض غنية بالاعشاب للرعاة حيث ان كبار التجار ظلوا يستولون على اراض الرعي بشراهة في السنوات العشرين الأخيرة مما دفع الرعاة على الهجرة الى ما حول المدن والتجمعات السكنية وقد تخلص كثير منهم من حيواناته واشترى عربة بوكسي وبيت وفتح دكانا او مطعما وعمد على حياة المدينة ولكن البعض وهم كثر – المتبقي هم من اثار مشاكل اليوم ..
دفع مدير البنك بوثيقة قديمة منذ عهد الانجليز تخصص المكان للعي .. تريمه .. تحدد معالمه مختومة وموقعه من حكومة السودان .. كان يحتفظ بها احد شيوخ اللحويين في جراب من جلد الماعز محشورا في شنطة حديدية كانت تستخدم لتخزين الذخيرة من بقايا حربتعرف بحرب الطليان والانجليز .. كانت تفوح منها رائحة وبر الشياه وعبق عشرات المواسم المطيرة التي مرت عليها ووهن الأزمنة التي تنسحب متباطئة كسولة .. وعفونة خيانة حكوماتوطنية شتى صبرٌ حذرٌ مثل نزع فتيلة لفم قديم صدئ ..
طرحت الوثيقة على الارض مباشرة بالرغم من المحاولات امميتة لأعضاء اللجنة لوضعها على طاولة كبيرة من الصفيح كانت تتوسطالخصوم والمصلحين ..
قرأت على عجل وكأنها محفوظة مدرسية ثم حلف شيخ العرب بالطلاق اذا لم يتنازل الان موظفو البنك عن الأرض وعليها ما نزعوه انه سيفعل ملا تحمد عقباه وختم قسمه قائلا
السوَّاي مو حدَّاث ..
وأكد انه لا يخشى الحكومة اطلاقا طالم كانت عصابة من البلطجية والسفهاء تقلع حقوق الناس نهارا جهارا ..
لم يستمع لما قيل بعد ذلك .. اطبق وثيقته في رفق وأناة وخرج .. تبعه سبعة من اولاده وكبار عشيرته صامتين ووصل الى مسامعهم بعد يومين ان مدير البنك علق قائلا
-ورقو دا خليهو يبلو ويشرب مويتو .. هو قايل الانجليز لسع قاعدين !!
ظاهر عليهم ديل ناس اهل الكهف استيقظوا الآن ..
لجنة المصالحة والاعضاء الاخرون نسبة لما ادعوه من معرفة حقيقية وثرية وعميقة .. معرفة معايشة للعرب ان بعض المال سوف يبطل ثورة شيخ العرب ويحولها في الغالب الى تكبيرة فرحة ، وفعلا .. حدد مبلغ من المال كبير واضيف اليه وعد بهبة شيخ العرب مائة جوال من الذرة بعد الحصاد .. وتم ارسال المبلغ والوعد مع وفد صلح رفيع المستوى أكرمهم شيخ العرب .. ابدى رفضا ضعيفا للمال والوعد ولكن اجبره المرسلون على استلامه ..
فيما بعد فسَّر احد اعضاء وفد المصالحة ان قبول الشيخ للمال بهذه السهولة يعني انه اخذه كحق لا كرشوة وهذا يعني انه مازال على موقفه الأول .. لم يصدقه احد .. فالبعض مشائيم تسيطر عليهم روح التشكك ولأنه شيخ العرب بنفسه اكد على اكرام الزائرين لا يتم بأقل من قبوول وساطتهم وهذا ارث يحرصون على صونه واذ قال شيخ العرب فانه : يعني .
قال العضو المتشكك : ولكنو حلف بالطلاق ..
وهذا اضعف خيط من نسيج المنطق.. قالوا
-العربي لوما حلف بالطلاق في اليوم ثلاثة مرات يكون مريض ..
كانت في نفس المتشكك خيوط منطق واهنة اخرى ولكنه فضل الاحتفاظ بها حتى لا يصنف "طابور خامس" وبه رغبه في ان تستمر علاقته بالبنك مزدهرة وسليمة من عيوب الزمان والمكان " مالك وموضوع شيخ العرب "
قالوا ، ان البنك عندما صنف اعداء التقدم والمدنية بالحلة الموسومين بتهمة خلق المشاكل واثارة النعرات القبلية وادعاء المعرفة .. أخذت أنا وهو مواقعا في اعلى القائمة وليس غريبا ان يستجوبني مكتب الامن في بناياته خلف لسوق وكانوا يطالبونني باجابه لسؤال واحد داروا وله كثيا وقد بدأوا به ايضا وخرجت منهم ولك اشبع شهية السؤال فيهم لأنهم انتهوا به كذلك ..
-لماذا جئت الى الحلة ؟
أنا لم أسأل نفسي هذا السؤال وكان حري بي ذلك .. لقد زرنا اماكن كثيرة انا وهو .. قرى مدن مفازات ومنذ ان طردنا للصالح العام قبل خمس سنوات ما استقر بنا الحال في مكان اكثر مما هو الحال بالحله . حيث تزوجت بها وذلك للمرة الاول في حياتي احب امرأة واعرفها جيدا وهي ألم قشي وللمرة الأولى افلح الارض ويكون لي بيت وارض خاصتي بل وطفل ايضا واظن هكذا يتم ايضا تحقيق هدف الحياة "اعمار ال
أرض" .. لا ادري كيف كنت اجاوبهم ولكنني ذكرت اسم الم قشي اكثر من عشرين مرة بالرغم من انهم لم يطرحوا علي ولو سؤال عرضيا عنها .. قالوا انهم يعرفون عني وعنها كل شئ ما عدا
لماذا جئت الى الحله ؟؟
ولكن بيني وبين نفسي اعرف ان هذا السؤال هو المفتاح السحري لدائرة ابليس عند طواسين الحلاج .. اذا قبلت به .. دخلت الدائرة اللعينة التي تحتوي دوائر فيها كلما انغلقت واحدة انفتحت اخرى بالتالي يستحيل الخروج الا للدائرة السابقة فقط ، لذا كنت بغرائزية ميتافيزيقية انزلق على سطح الدائرة ولا احفر فيها للولوج وهو ما يعرفه الامنيون بالزوغان من الاجابة وغالبا ما يعالج هذا المرض الخطير بالضرب مباشرة في الرأس ، لكنهم لم يفعلوا ظنا منهم ان الوقت تجاوز هذا الاسلوب ..
-امشي ولمان تلقى الاجابة تعال قول لينا .. ونتمنى ان يكون الكلام دا سريع قبلما نناديك انحنا بعد اسبوعين من اليوم دا .. فاهم ؟؟
* * *
أرسلت لي الم قشي
أرسلت لي الم قشي ما يفيد انها قد تنجب طفلا في الاسبوع القادم وعليّ لن احضر السماية .. كنت في التاية وحدي حينما نقل لي احد الجنقو رسالتها ، وقال انها بصحة طيبة وصعيدة جدا في بيت والد زوجها وانهم يحبونها جدا ويحبون اطفالها بقدر سعادتي بانها ستنجب قريبا طفلا يخصني كان حزني كبيرا واحباطي اعظم بالعلم بانها سعيده وان اسرة زوجها تحبها .. اليس يعني ذلك ان فرصة ان تطلق فرصة هززيلة بل تكاد تكون معدومة .. قال لي الجنقاوي غندما قرأ في وجهي الحزن
-في همدائييت جات حبشيات كتار .. جميلات وحلوان زي السكر وصغار .. امشي شوف ليك واحده اتزوجه .. النسوان كتار .. بلالاويات وفلاتيات وظبرناويات بازاوايات وجعليات ودينكا .. البلد كلها نساء دي اجمل من دي .. ودي تقول ل دي شنو ..
قلت له بصوت يخرج من بطني مباشرة ..
-مازي الم قشي ..
قال بتحد
-في اجمل منها كتير ..
قلت محاولا ان اجعله يفهم
-ما مسألة جمال
قال بسرعه
-مسألةشنو .. في نسوان في الدنيا عرفن الموضوع دا اكتر من نسون غيرهن ؟
قلت له محاولا ان اجعله يفهم
-المسألة ما مسألة موضوع ..
قال ساخرا
-يعني حب ؟ .. مافي مرة تعرف تحب غيرها .. معليش عايز افهم ..
قلت له محاولا ان اجعله يفهم
-في .. في كتير .. ولكن ..
قال لي محاصرا مقاطعا
-اها .. شنو ال في الم قشي ومافي مرة تانيه
قلت له محاولا ان اجعله يفهم
-ما عارف .. حقيقة ما عارف ..
قال لي بيقين راسخ واعصاب باردة ..
-انا عارف
قلت له بسرعة
-قول لي ليه .. أنا ما عارف ..
قال لي وهو ينظر للبعيد وكانه يتحدث مع الفراغ الشاسع حولنا
-الم قشي دي جنيه .. امرأة من الجن ..
قلت مستعجبا
-جنيه ؟
قال وهو يضع يده على كتفي في حركة غريبة
-نعم .. جنية راسو عديل جات من البحر دا .. البلد كلها جنون ساكنين مع الناس وما في زول عارفهم ..
-وانتا كيف عرفتها ؟
قال بنفس قصير وهو يبتلع ريقا جفا
-عرفتها
ولأنني لم ار هذا الجنقاوي من قبل ، أتاني احساس غريب انه فرد من الجن ووجدتني انظر الى هيئته، رجلينه واصابعه متحريا العلامات التي يقال انها تفرق ما بين الجن والبشر وهي الاقدام .. الجن دائما ما تكون اقدامهم اقدام حمير والقلة كلاب ، ... له قدما بشر وهيئة انسان سوي ولا غرابة فيه اطلاقا ..
قال لي
-اول شخث عرف الم قشي في البلد دي كلها انا .. اسحاق المسلاتي لقدامك دا .. وجاتني في تايه الجلابي عثمان الريح في الهشابه جنب الكبري وقالت لي انها شردت من السجن من الحمرا .. وقعدت معاي اسبوع كامل .. وكنت حاصدقها لوما شفت بعيني دي ختم الجان في ضهرها في اخر الضهر وجنب الصلب في شكل ختم النبي سليمن ورسمه لي في الأرض هكذا ــــــــ
-شفت الختم دا ولا ما شفتو ؟
قلت له باستسلام
في شي لكن هو ختم ولا وشم ولا شامة خلقة والله ما فكرت فيهو ولكنه قريب من الشئ الرستمو انتا دا
-ياخوي .. دا ختم الجن .. واليوم ال سألتها منو اختفت تاني ما شفتها .. الا في الحلة معاك وتاني قابلتها في همدائييت الايام الفاتت دي وقالت لي ..
-استرني يا اسحق .. استرني .. ولكنك زول اخوي وحبيت اوريك ..
قلت له :
-ومن وين عرفت انتا ختم الجم ؟
قال لي
أنا عمري كله قضيتو في البحر هنا بين هشابة ، الجيرة ، الحفيرة ، همدائييت، الحمرة ، زهانة، حتي خشم القربة .. المنطقة دي فيها أكبر مملكة جن في العالم ...
ختم كلامه ..... قائلاً إن الشخص الذي ضاجع امرأة من الجن لا يذوق طعماً لأية امرأة أخري وأكد لي بصور ة قاطعة أنه منذ عاشر ألم قشي قبل خمسة عشر عاماً إلي الآن لم يلمس أية امرأة كانت .. وقال .....
_ انا مش حأخليها ... حترجع لي .. حترجع لي ... وأنا ... ما حأموت قبل اليوم داك أبداً
قلت له ساخرا
يعني إنت في الصف معاي ؟!
قال بجدية
_ مُش أنا وإنت فقط .. يفوتوا الألف .... ألف ألف من الرجال ... في الدنيا كلها منتظرين ..
تمنيت لو كنت في حلم، ولكن للاسف كنت أعايش واقعاً فعلياً ... يمكن لمسه، سماعه، رؤيته، والتحدث إليه...
بقي معي إلي مابعد منتصف اليوم يتحدث عن ممالك الجان وأوطانهم وأسمائهم وحلاوة نسائهم وأنهم يتواجدون في كل مكان في كل أشكال الاشياء ويمكن أن تكون نصف الاشجار التي حولنا الآن من الجان ويمكنهم التحور في شكل حشرات، طيور، حيوانات أوبشر وفيهم المسلم والمسيحي واليهودي والكافر، وفيهم الذي والبليد، المستقيم والشقي وو.......
عندما جاء مختار علي من "الحلة" بالمؤن استاذن وأنصرف قاطعاً علي نفسه وعداً أن يزوزي بين حين وآخر .
عندما أختفي ساتل عنه مختار علي ...
قال لي ضاحكاً
_ كلمك عن الشياطين ... مُشْ كِدا...
قلت له مستغرباً
_ كيف عرفت !!
قال لي
_ الزول دا مُصَاحِبْ جنية ...
والناس كلها عارفاه ... ساكن جنب البحر في الحفيرة ... مُشْ قاليك إسمو إسحق المسلاتي قلت بدون إحساس بما أقول
_ أيوا ..
قال لي وهو ينظر إلي ام عيني مندهشاً
_ أنت مالك .. خايف ولاشنو .. قال ليك شنو الزول دا أصلو؟!
قلت محاولاً أن أكون طبيعياً...
_ لاشئ... لاشئ.
في الصباح الباكر إستأذنْتُ مختار علي للسفر إلي همدائييت ألم أخبره لماذا ولكنه بالتأكيد يكون قد عرف السبب.
***
في الباص كان
في الباص كان الناس يتحدثون عن إنضمام شباب اللحويين والحُمران إلي مُسَلحي الجنقو، قدروا عددهم بالمئات وأنهم الآن يتدربون علي السلاح في تخوم تسنس ولكي يبدو الموضوع في غاية الخطورة أضيفت إسيرائيل إلي الحكاية وأقسم أحد المتحدثين أنه رأي اليهود راي العين وهم يقومون بالتدريب بينما نفي البعض الاخر ان اللحويين أو غيرهم من الأعراب قد أنضم لجيش الجنقو
لم أبدِ رأياً في شأن الحرب، لقد كنت منشغلاً بخزعبلات ما يسمي باسحق المسلاتي ثم بألم قشي ثم بصديقي حامل لواء التنظير لما أسماه مرة بثورة الجنقو ومرة اخري بإنتفاضة المظلومين ولكن مايشغلني حقاً هو إنقطاع خبره عني بل خبر الجنقو بشكل عام قلت غزواتهم ومناوشاتهم لجيش الحكومة والعربات التجارية وإنقطعت حكاياتهم في الحمرا وتسني وهمدائييت نفسها كانما انشقت الأرض بهم وإبتلعتهم ....
لست منشغلاً بالحروب، كنت منشغلاً بخزعبلات رجل إسمه إسحق المسلاتي ... جملة عجيبة قد تفوه بها أبت أن تغادر وعي ومنامي ... قال لي
_ إنت واقع في سِحْر جنية..
قال لي احد الركاب فجاة دون قادم إنذار
_ إنت ماشي الحبشة ولا ماشي همدائييت .؟
كان البص يقفز علي الحفر والخيران وبقايا الأشجار كارنب هارب من ثعلب، الغبار الحر الطليق يدخل عبر النوافذ المشرعة، يمر بالافواه المفتوحة التي تلوك الكلام في متعة ليخرج بالشبابيك المشرعة أيضاص بعد ان يفقد كمية لاباس بها من في رئة وصدور المسافرين ..
أجبته بزفير قوي من الغبار وثاني أكسيد الكربون وقلت له شيئاً لايمكنني تذكره الآن ولكنه كان كافياً وافياً شافياًلأنه لم يسألن مرة أخري.
أحتفي بي ابناء ألم قشي واسرتهم وابوهم وأحتفت بي الم قشي نفسها وهي تمد بطناً كبيرة أمامها فيها طفلتي او طفلي ..
كنت سعيداص بان ألتقي بها وان تحتفظ بنساي في امان الله وحفظه، بعد الغداء خرجت أنا وزوج حبيبتي ألم قشي إلي السوق وشربنا قهوة وشيشة عند قهوة امرأة طويلة جداً طيبة كثيرة الكلام، تطلقه بلغات كثيرة، معروف عنها انها تتحدث : التجرنة، التجراي، الامهرا، البازا، البلين، البني العامر، والهوسا، والبلالة كلها بطلاقة .. وعندما تصاب بنوبة "الزار" فإنها تتحدث الانجليزية والايطالية ايضاً..
قال لي سائلاص بعد صمتٍ طويل
_ حتبقي معانا حتي السماية..
_ هي حتي الآن ماولدت...
قال مبتسماً
_ دخلت شهرها التاسع..
قلت له
_ لو كان يومين ثلاثة .. حانتظر ... وإنت عارف العيش الايام دي محتاج لكريب كثير .
تحدثنا كثيراً عن الزراعة والحصاد، الجنقو، الحبشة، ارتريا، البنك، شركة الاتصالات، المعتمد...
وحاولت مراراً ان أجرجره للحديث عن الشياطين والجن ولكنه دائماً مل كان ينزلق من سطح الدائرة ويفلت من حصار الموضوع إلي رحابة الكلام عن الدنيا ومشغولياتها..
لم يتح ليَّ فرصة للإنفراد بالم قشي وخاصة انها في اليوم التالي لقدومي انجبت ولداً جميلاً ...
ذبحت له خروفاً كبيراً في يومه السابع سميته "هود" ..، وأنا ألقي الوداع حملته علي كفي، كان جميلاً ورقيقاص ومستسلماً في حركة غير ارادية قابته علي بطنه، كان الختم في نهاية ظهره واضحاً جلياص لاشك فيه : خِتْم سَيَّدنا سُليمان
***
إنتصف شهر إكتوبر تماماً،
إنتصف شهر إكتوبر تماماً، ويعني هذا ضمن ما يعني من رمز أن المزارعين كادوا من الفراغ من حصاد السمسم وأن العيش إستوي تماماً، جفت أقصابه وقناديله وأستدعي حاصديه، وأكدت دعاية من أن البنك أستورد عدداً كبير جداً من الحاصدات الآلية المتقدمة الصنع لكي تقوم بحصاد العيش والسمسم، والحاصدة التي تحصد مئة فدان في اليوم لاتحتاج لغير ثلاثة من العاملين الفنيين القادمين مع الألآت من المدينة وعاملاً واحداً غير ماهر يقوم "بالعتالة" وحضرت آلات حصد السمسم في وقت ينتظره الجنقو طويلاً وهو الشهر الأخير من موسم الحصاد حيث يرتفع سعر العمل إلي أعلي مستوياته، هاهم الجنقو الآن فرادي وجماعات يتفرسون في الألات الشيطانية وهي تقوم بالعمل بيابة عنهم وترميهم في جُبْ العطالة دون رحمة ... وتضحك عليهم بصوت معدني حامض ممقوت تهتز له الأرض .
كان يمتلكها موظفو النبك أيضاً قللت سعر العمالة للربع تقريباً ...
ولكي تطلق طلقة الرحمة علي الجنقو الذين يحبطون الآن بصورة فردية .... نوقشت في ندوة غاب عنها المغني العجوز في منزل أداليا دانيال موضوع المبيد الكيماوي الذي لايترك قشة واحدة من النباتات المتطفلة أن تنمو ... وينوي البنك إستيراده في الموسم الزراعي القادم،بل سياتون بماكنة " الم بحتي"
_ حاجة قريبة من السحر عديل ...
_ آها ياجنقو .. خموا وصروا..
قال أحدهم ساخراً
_ الناس ديل ما لقوا آلة تَحمِّل النُسوان كمان عشان نشوف لينا شغلة تانية في الدنيا ؟!
لقد كان أثر هذه الألات والدعاية المصاحبة عميقاً علي كل نواحي الحياة ليس في " الحلة" وحدها ولكن في الجيدة والحفيرة، خور مغاريف، الفشقة،الهشابة، زهانة، همدائييت، جبل عسير، في الحمرة نفسها وضواحي مدينة القضارف غلي تخوم سمسم، الجنة برا، اللية، الحوري، أم سقطة، العرديبات، المقرن،المفازة، الحواتة، دوكة، وريفها إلي أعالي نهر الدندر ومشروع غنم، عرديبة كُرسي، عرديبة تجاني،...
أصيب الجنقو بخدر في الروح بارد مُرو.... قاسي "الحلة" تمثل مركزاً لهم دون منازع، لذا كانت الفجيعة هنا أكبر والتغير واضحاً مثال لذلك "بيت الأم" الذي قلَّ زواره من الجنقو وصغار المزارعين وشردت داعراته وعاملاته وكثير منهن هاجرن للمدن المجاورة وخاصة مدينة خشم القربة والقضارف ليعملن في الطريق القومي بائعات للقهوة، الشاي،الشيشة والاطعمة لسائقي الشاحنات السفرية. أذا سمع أحد صراخ الصمت الصادر من قطاطيها الكثيرة التي كانت تحتفي بالناس لقُصَّ..
حدث هذا في اقل من شهر ولكن في اعز تقوم عليه السنة كلها وفيه تكتمل زينة الجنقاوي وربما إستطاع أن يضع أمَنيِّة كبيرة من المال عند صديقاته من صانعات الخمور البلدية أو "أديَّ" اللائي يمثلن بنوكاً شعبية صغيرة امنية رحيمة، طيبة،وغير ربوية .
في ذات الشهر تحتفظ النساء بحاجاتهن من العيش الذي يشترينه من صغار المزارعين رخيصاً وأيضاً قد يحتفظن " بجوال طحين" من السمسم قد يستفدن من فرق السعر لاحقاً عندما تفتح زريبة المحاصيل مستقبلة الموسم الجديد او عندما تدخل شركة السمسم كمشتري او تحدث كارثة ترفع سعر السمسم ولكن هذه الايام تمضي سريعاً يحصد البعض المال سهلاً كثيراً ويقف الجنقو وصغار المزارعين والنساء يتفرجون وقد هرب الكثيرون وعلي راسهم الفكي علي الزغراد ومدير البنك بعد محاولة إغتياله الفاشلة وسافر عدد كثير من الجنقو إلي أقاليم أخري علي مشارف الحواتة وضواحي القضارف مؤكدين للجنقو هنالك ان البنك قادم إليهم قادم إليهم ومن الاحسن ان يبحثوا عن سبل للعيش أخري .. وأن الدعاية ماهي إلا الحقيقة عينها
إمتلأت الحلة بالعسكر : بوليس وجيش، إحتياطي مركزي ودفاع شعبي، شرطة شعبية، أمن عام، أمن إيجابي، أمن إقتصادي وظهرت حملات تجنيد مذعورة للشباب والشابات أيضاً وحتي العجزة أدخلوا الدفاع الشعبي وبدا واضحاً للجميع أن هنالك علة ما.. ماهي .. ولكنهم يفهمون .. من وراءها.. علي الاقل يستطيعون ترشيحه بكل سهولة.... ولكن لايمكن لأحد "غيره" أن يسميه لي، ليلة الامس بالتاية ..
_ المال ..
هي نفسها لحظة إكتشاف الذهب في الارض الجديدة والماس في بريتوريا والكيب تاون والقطن في السودان .. إنها لحظة إكتشاف المال السهل .... نوع من الحمي غريب....
***
الصافية تحمل علي ظهرها
الصافية تحمل علي ظهرها القوقو مشدوداً عصاه من حطب المندراب يتبعها خمسة من الجنقو الذين دائماً ما يشكلون معها فريقاً واحداً، نزلوا عندنا في التاية، في الصباح عملوا معنا في الحصاد وسكب القصب في آنٍ واحد، كانوا سعداء وهم ينشدون أغاني الحصاد الجميلة التي كادت أن تيبس في علي افواههم منذ اسابيع كثيرة توقفوا فيها عن العمل نتيجة لمنافسة الالي الرخيص السريع والأكثر دقة، كانوا يعملون بشهية كبيرة ومتعة لاتحدها حدود، ثم جاء إلينا فريق آخر بقيادة تور مراح مرسال وفي رفقته ثلاثة من الجنقو ثم إنضم إلينا فريق اول أجانقثم محمد العوض ود النوايمة ثم .. ثم .. ثم ...
كانما دعي الجنقو عن طريق الاذاعة التي يسمعونها جميعاً طوال الوقت وملأت الأغنيات سماء المكان الصافية الزرقاء وأقمنا اجمل الليالي هنا، لأن قطعة الأرض التي اشتريتها بقصد الزراعة وعملت في نظافتها مع الشايقي ومختار علي لاتتعدي الثلاثين فداناً ففي خمسة ايام فقط تم حصادها وقطع قصبها وجمعه في كوم واحد كبير وزربه بالشوك حتي لاتصيبه الحيوانات أو تعبث به القرود، وافق مختار علي أن نترك للشايقي نصيبه لأنه غير موجود الآن وأن نقسم الباقي مع الجنقو بالتساوي ، وهو مارفضه الجنقو تماماًولكنهم وافقوا علي أن تخصص خمس جوالات عيش الفيتريتة للمريسة وأن تسلم لبيت الأم نقلنا العيش بلوري الخط "الحلة"، وكان اول عيش يتم جلبه وشاء القدر كذلك أن يكون آخر عيش في هذا الموسم الحافل يصل "الحلة "
***
بعيداً عن
بعيداً عن رأي انا الخاص عما حدث هل هو خيراً أم شراً اريد ان أوكد علي شئ أساسي، انني كنت بعيداً عن مجريات الاحداث أولاً إنشغالي بحصاد الأرض التي زرعتها مع الشايقي ومختار علي من جانب وإنشغالي باخبار الم قشي وخاصة بعد ان انجبت لي "هود" وعلي ظهره ختم الجن كما افقهني المسلاتي، في الحقيقة اخذ هذا الشئ الأخير الجزء الأكبر من وقتي وتفكيري، وما كنت أعرف تفاصيل الجنقو المسلحين ولا من أنضم أليهم من رعاة حانقون منذ ان زارني الشايقي فبل شهرٍ مضي ورد لي المبلغ الذي أخذه مني في حادث بص همدائييت كنت أفكر في كيفية ان ينتمي لي طفل من الجان وهل هو طفلي أنا فعلاً، ولكن الا يعني هذا انني صدقت فكرة أن ألم قشي من الجان؟!
ماهي حقيقة الختم اولاًوأخيراً
مختار حدثني عن كثرة الجنون والشياطين في هذه المنطقة ومعروف ذلك منذ أقدم العصور .. وبالتالي زاد ذلك من قلقي وانا شخص مسلم أؤمن بوجود الجن والشياطين والملائكة كقوي خير او شر مادية وليست علي المستوي الروحي فحسب، وهي جزء من المكون النفسي والجمالي لديَِّ توازنه، قراته وعايشته يوماً بيوم، فكان تأثير حكايته عليَّ قوياً عن غمراة أحببتها ليس كانسانة _ وهذا أمر اصبح مشكوكاً فيه _ فقط، ولكن كطقس خاص، كمجموعة سلوكية بصورة اخري كمنظومة اخلاقية جسدية تمثل إطاراً خارجياً وأفهال واقوال واحلام بائسة ولكنها مثل كل الاحلام العظيمة يحاط تحققها بمخاطر هي ثانوية ولكنها تحول _ دون تحقيقها...
أقصد انني ما كنت متفرغاً بصورة أو باخري للندوات الكثيرة التي اقامها الجنقو في التايات المجاورة وربما حتي تلك التي عُقدت مؤخراً في " الحلة" وكان "الله يرحمه"ودأمونة في حيلته دائماً ما يملأ فراغاتي المعلوماتية بزيارة خاطفة يحكي ليَّ فيها ماذا تفعل الخليقة بالخليقة، ولكنني لاأستطيع ان أسامح نفسي بأن أفاجا مثلي مثل الهوام والبهائم بالحدث العظيم
في الندوة الفجائية او في الحقيقية الندوات التي تفوق المائة الطارئة الأنعقدت في شوارع "الحلة" وبيوتها فجأة كالنبت الشيطاني في لحظة واحدة "عن النار" حسناً دعنا نلتقط بعض الأوصاف
_ جهنم .... جهنم ....... عديل
قالت امرأة عجوز ...
_ دي شئ ما حدث إلا لقوم "سمود" قالت الم خديجة كودي للأطفال المرعوبين الذين يصلون بالكنيسة...
_الرب يسوع يكون في عونهم ...
وسموا خلفها شارة الثاوث المقدس دعوا اصحاب المشاريع بالعوض الجزيل آمين
***
حدث ذلك عند
حدث ذلك عند لساعة الواحدة منتصف الليل،حينها استيقظ الناس علي اثر ضوءٍ قوي يصدر من حريق هائل في عمق المشاريع وكان اللهب الجبار يمد ألسنته للسماء الصافية الزرقاء كتنين أسطوري يحاول أن يصيب الأنجم بلسانه الناري، ثم بدات عدة حرائق هنا .. وهناك .. ثم أشتعلت الرض كلها ناراً قل ألسنة تنانين مجنونة تلعب لعباً كان عرساً من الجحيم لايمكن وصفه، وتبع ذلك موسيقي تصويرية بائسة من صراخ الأطفال الذين صحوا مذعورين وولولة النساء وهترشة السكاري ثم علا عزيف الطلق الناري من أعماق غابة زهانة، وتحركت كتيبة من الأحتياطي المركزي والشرطة تتخبط دون هدي حول "الحلة" حيث لايمكن الخروج لمكان آخر، النار هناك دائماًن، "الحلة" المكان الوحيد الآمن : فبقوا فيها يكونون تشكيلات مُرتجلة غامضة في الغالب لامعني لها . فضَّتْ النار إحتفالها قبل قليل من شروق الشمس، كانت الأرض سوداء كحناء علي جسد عروس هائلة ، دافئة أسطورية في حجم آلاف الأفدنة، تَهِبُ جَسدَها قُرباناً للريح .
عرس الطين
فبراير|2006
كوستي