٣
وخرجا من المحطة فسارا على الرصيف وراء الجموع المزدحمة، وكانت الأرلندية آخذة ولدها بيدها وهي خائفة وجلة من هذا الازدحام، لا تعلم كيف تسير فإن بائع السمك كان قد أرشدها إلى الشارع الذي تريد الذهاب إليه غير أنها نسيت كل ما قاله؛ لأنها لم تأتِ قبل هذه المرة إلى لندرا، وكانت تضيع رشدها بين هذه الجموع.
ثم خفَّ الزحام بعد سير طويل فسألت أحد المارة عن شارع لورنس ستريت، فأجابها أنه لا يعرفه فشكرته، واستمرت في سيرها، فسألت آخر فأجابها كما أجابها الأول، فواصلت السير وقد ضلت الطريق وسارت في جهة الغرب، وطريقها من جهة الشرق.
وقد أجهدها السير ولم يعد يستطيع ابنها المشي، فشاهدت خمارة فدخلت إليها؛ بغية الاستراحة والاسترشاد.
وفيما هي جالسة مع ولدها على مقعد، شاهدت رجلًا دخل الخمارة وطلب كأسًا من الخمر فسرت الأرلندية لمرآه إذ ذكرت أنه كان معها في سفينة واحدة، فاستأنست به وأملت أن يرشدها إلى الطريق.
وكان هذا شوكنج نفسه الذي أرسله اللورد بالمير مقتفيًا أثر الأرلندية، فوقف قربها وكأسه بيده ثم نظر إليها فلقيها تتطلع إليه فقال لها: أظن يا سيدتي أنك ضللت السبيل في هذه العاصمة العظيمة.
– نعم، فإني أسأل منذ ساعة عن شارع لورنس ستريت، ولا أجد من يرشدني إليه.
– ذلك لأنك لم تسيري إلا في الشوارع التي يسكنها الأغنياء، وهم لا يعرفون هذا الشارع الذي يسكنه أشد الناس فقرًا، غير أني فقير مثلك، وقد وجب التعاون على الفقراء. وإذا شئت كنت دليلك إلى هذا الشارع.
– إني أقبل شاكرة ممتنة، وأسأل الله أن يجزيك عني خيرًا.
فشرب شوكنج كأسه ومشى أمامها فتبعته مع ولدها، وقد اطمأنت إليه لما رأته من دلائل السلامة بين عينيه، وكذلك الغلام فإنه نظر إليه في البدء نظرة تشف عن الريبة، ولكنه لم يلبث أن وثق به، وأعطاه يده وسار وإياه.
وذلك إن مخائل هذا الرجل كانت تدل على المروءة، وطيب العنصر، فلم تحجب ظواهر فقره تلك الشمائل، وإنما رضي أن يقتفي أثر الأرلندية بأمر اللورد لشدة فقره.
ولم يخطر له أن اللورد قد أعجبه جمال المرأة، فقال في نفسه: ليس ذلك من شأني وكان يجب عليَّ أن أعرض عن هذه النقيصة، ولكن فقري شديد وإذا كان هناك إثم، فإن الله يعاقب به ذلك الغني الذي يستغوي الفقراء بأمواله، ويتخذ ذهبه الوضاح ذريعة لإغواء القلوب الطاهرة.
وما زال يسير بهما حتى وصل إلى هذا الشارع، وهو أفقر شوارع لندرا، ولا يقيم فيه غير الأرلنديين، وكلهم فقراء معدمون.
وقد وجدوا امرأة واقفة عند باب منزل فقالت لها الأرلندية: أتعرفين يا سيدتي بتريك؟
– أي بتريك تعني، إن هذا الاسم كثير الشيوع بيننا.
– بتريك الإسكافي.
– نعم إن منزله في أول هذه العطفة غير أنك لا تجدينه في منزله، فإذا أردت أن تكلمي امرأته فهي في المنزل.
فشكرتها الأرلندية، وذهبت مع شوكنج وولدها إلى ذلك المنزل، وهو منزل حقير لا باب له ويصعد إليه بسلم متهدم.
فأجفلت الأرلندية من مظاهر هذا الفقر المدقع، خلافًا لشوكنج، فقد كان ذلك مألوفًا عنده، ووقف في أسفل السلم، وجعل ينادي امرأة بتريك.
وبعد تكرير النداء مرات ظهرت من النافذة امرأة نحيلة رثة الملابس، وعلى صدرها رضيع صغير. فنظرت إلى من يناديها نظرًا تائهًا يدل على اليأس وقالت: ماذا تريدون مني ومن يسأل عن بتريك؟ إن البوليس قبض عليه هذه الليلة، وزجه في السجن دون إشفاق، فهو لا يعود قبل أن يقتلنا الجوع.
فالتفت شوكنج إلى الأرلندية وقال لها: لقد سمعت شكوى هذه المنكودة البائسة، ولا رجاء لك في المبيت عندها.
فنظرت الأرلندية إلى ابنها نظرة ملؤها الإشفاق وقالت: رباه! أين نبيت؟
فقال لها شوكنج ببساطة: لا أعلم إذا كان لديك نقود.
– لم يبق معي غير ثلاثة شلنات وستة بنسات.
– إذن، لقد هان الأمر إذ يوجد في هذا الشارع فندق تبيتين فيه، وتتعشين فيه مع ولدك، ولا تدفعين غير شلن واحد، وفي الصباح يفعل الله ما يشاء.
– هلم بنا إليه فقد أضنى ولدي التعب والجوع.
فحمل شوكنج الغلام وسار به أمام أمه في طريق الفندق، فما سارت في أثره بضع خطوات، حتى شعرت بيد لمست كتفها، فالتفتت فرأت مسز فانوش.
فقالت لها فانوش: ألم أقل لك أيتها الحبيبة إنك لا تجدين مأوى في هذا الحي، وإني أحمد الله إذ لقيتك ثانية وتيسر لي تفريج كربك وخدمة ابنة وطني العزيز فهلمي معي إلى منزلي ولا تخيبي رجائي.
ونظرت الأم إلى ولدها كأنها تريد استشارته غير أن الغلام كان قد أضناه التعب، ونام بين يدي شوكنج.
فعادت فانوش إلى الإلحاح بلهجة تشف عن كرم عاطفة، وسلامة قصد، فاغترت الأرلندية بلطفها وأجابت دعوتها.