1
ألا تستحي يا رجل؟ أترك عادة متابعة النساء ومحاولة معرفة كل بنت أو امرأة في القرية؟
مُرّ ذلك الشعور، لا أدري كيف كبرنا بسرعة ، الحياة حلوة ، وشباب المرأة هو الذي يعطي العمر نكهة.
إسكت يا (أبو مصطفى) يا مغلوب! اسكت أحسن لك!
مغلوب والله مغلوب يا(بو جميل) ، طول عمري مغلوب ، لم أدر كيف مر العمر بسرعة ، هل تعلم لو كنت سعيداً أو لو كانت عجوزتي أعني زوجتي فيها مثل هذه الفتنة والنكهة ، لما جلست معك ولا مع أمثالك على قارعة الطريق ، محنطين عقلاً وقلباً و ..... لكنت أستطيع أن أستحم كل يوم.
هات يدك أساعدك على النهوض يا شايب يا مغلوب ، لأساعدك على حمل كرشك للمسجد.
لولا أذان العصر لجعلتك تضل طريقك من خسارتك في اللعبة. فيجيبه أبو جميل
بل احمد ربك أن الريح بعثرت تراب الداما وخلطته فحمتك من إكمال اللعبة والإجهاز عليك.
وهل تعتبر نفسك غالباً؟ ألم أقتل لك جنديين؟
قتلت لك ثلاثة جنود وبدأت رؤوس كلابك تتهاوى.
يا سلام ليتك قتلت جنديا واحداً من جنود الاحتلال كما فعلت في شبابي ، كل الناس تعلم كيف ألقيت بحجر كبير أمام سيارته فتدهورت ، فتحطمت رأسه.
ربما لم يكن بريطانياً ، قد يكون مستوطناً ممن قدموا من ألمانيا أو بولندا للتضييق علينا في عيشنا.
لا فرق لدي ، شاهدت خوذة وملابس عسكرية بجانبه في السيارة.
لم أستطع أن أوفر ثمن بندقية ، حاولت تخزين جرة زيت أو جرتين لبيعهما وتوفير الثمن على مدى أربع أو خمس سنوات لشراء بندقية ، ولو بندقية صيد ، لكن كل مرة كانت تحصل معنا مصيبة ، إما مرض أو موت أو خراب موسم ثمار الزيتون ، وهكذا مرت سنوات هذا العمر قبل أن أحقق أمنية امتلاك بندقية.
عقلك في الجمال والصبايا ، وليس في بندقية ، عيناك ترصدان البنات والصبايا والنساء ، كالعادة أغتنم فرصة افتقادك الشباب والجمال فأزيد تنغيص عيشك ، ناولني يدك وهيا للمسجد ، وهاهي الشمس قاربت على الغروب.
عندك حق هات يدك ، مفاصل ظهري تؤلمني ، ومفاصل ساقي تيست من الجلوس على الأرض. ألا تنفض ملابسك من الغبار؟
حتى أنت انفض الغبار عن ملابسك ، ولا نريد أن ننقل الغبار للمسجد.
هذه أرضنا ، واعتدنا على غبارها وترابها ، لم أعد أهتم بذلك ، تلومني العجوز كثيراً حين أعود للبيت ، لكنني لا أعيرها اهتماماً ، لا نستغني عن الجلوس على الأرض للعب السيجة أو الداما أو كما يحصل كل يوم خلف المسجد ، يتحدث الجميع في شئون القرية ، أو في أي موضوع.
كان اللاعبان يجلسان على منبسط من الأرض قرب المدخل الرئيس للمسجد، ومعهما ثالث يشاهد اللعبة يجلس قرب مربع السيجة، وثلاثة رجال آخرون يقفون يرصدون حركات اللاعبين، وبين الفينة والأخرى ينبه احد اللاعبين الواقفين بعدم التدخل، حتى تتقرر مصير اللعبة، حتى إذن لصلاة العصر، فاضطر الجميع لمغادرة المكان المترب، لكن غباره لا يعلق بالملابس، فمن السهل نفضها.
أوقف ساهر زحفه ومشيه على أربع، انبطح على سطح المنزل، لهث مرات عدة، لم يفكر بما قد يكون تحته من حشرات، ولا بما حوله من عقارب، أراد أن يسترد أنفاسه، أحس ببعض الأمان، لكن الظلام يطوقه، عانى الكثير من ظلام النفق، وقبل أن ينسى أي لحظة مما مر به، ها هو على سطح هذا المنزل المهجور في الظلام الدامس هذه الليلة.
كان ثلاثتهم يصعدون الجبل عائدين إلى القرية ، شقيقة ساهر وابنة الجيران سماهر تحملان الكنز ، الماء الذي أشقى ساهر ، وأضاع عليه يومه ، ساعات خمس مرت وهو في غيابات الجب ، يتجهون صاعدين الجبل غرباً صوب القرية ، والشمس تعشي أعيهم ، أو على الأقل يحسّ ساهر بأشعتها تخترق عينيه ، فلا يقوى على رؤية الطريق بسهولة ، يفركهما ، يجذب طرف كمّ قميصه ، يمسح به عينيه ، يقول في نفسه ، أريد أن أصل القرية بسرعة ، مللت الظلام ، ظلام البئر وظلام الخوف وظلام الوحشة ، وظلام الحيرة ، وحتى ظلام الغباء والأخطاء ، كيف فعلتها؟ وما الذي جذبني لتلك الأبعاد العميقة الأغوار؟ ليتني كنت عجوزاً أفترش الأرض هذه اللحظات ، ألاعب غيري من كبار السن لعبة السيجة أو الداما ، طلعت من البئر قبل قليل ، وما زالت عيناي لا تصدقان أنني أسير في جو طلق ، وهواء بري نقي ، انحدرت الشمس أكثر ، وقطعنا مسافة أكثر صاعدين الجبل، والبنتان تلهثان، لكننا كنا سعداء جدا لأننا نحمل كنزا عزيزا من الماء يكفينا يوما وليلة، لكن لشدة تعبهما من صعود الجبل، والحمل الثقيل على رأسيهما، فلا تستطيع واحدة منهن قول جملة طويلة، بل ينقطع كلامها، وتشهق نفساً عميقاً، تفوه بكلمة أو اثنتين، وتشهق هواء جديداً ثانية، والشمس تقارب الوصول إلى الجبل الغربي عند الأفق الغربي الأبعد ، لتتكئ عليه ، على كتف الجبل الغربي في (فعوش) ، قطعوا اكثر من كيلومترين قبل وصول أعلى نقطة في جبلهم ، أصبحوا يشرفون على القرية من رأس (أبو اسماعيل) الطريق وعر متعرج ، وساهر يحاول جاهداً أن لا ينزلق ، فكيف بالصبيتين اللتين تحملان جرتي الماء على رأسيهما ، يوصلون الانحدار ، وما أصعبه في أرض جبلية صخرية قاسية لا ترحم ، هي أعلى نقطة في الجبل شرقي البلدة.
في الغرب حول منطقة هبوط الشمس كنت أحاول أن أرى قرية البرج التي تبعد أربعة كيلو مترات، حيث تقيم عمتي المتزوجة هناك، وحيث يعيش صديقاي عمر وظاهر اللذين سألتقي بهما ثانية بعد أسبوعين أو ثلاثة، عندما تفتح مدرسة (صَفّا) أبوابها، حينها سنعود لعذاب المشي أربعة كيلو مترات ونصف صباحاً ومثلها مساء ذاهبين عائدين من المدرسة يومياً. (متى نكبر يا رب وننتقل إلى مدرسة المدينة، أو نعمل مع الانجليز أو في الأرض؟!...).
كادت قرية (البرج) تغوص مع الشمس مبتعدة لتختفي هناك في بحر يافا الذي سبحت فيه قبل أكثر من شهر، لم أرَ شيئاً من بيوتها لولا لمعان اصفرار الخيوط الذهبية فوقها.
أما في الغرب وللجنوب قليلاً اتجهت بنظري إلى قرية (بير أمّ ماعين) التي بها نبع البيك، كنت سأغرق به مرةً حينما أغراني جمع من الأولاد الشياطين بالنزول فيه، وحين تعبت لم أتمكن من الصعود لارتفاع الباب عن منسوب الماء، تلك القرية الأثرية والتي تتميز بارتفاع مئذنتها، صعدت عليها مرة، مكثنا طويلاً في الأعلى حتى أظلمت الدنيا، عانيت طويلاً في النزول، زرت قرية بير أم ماعين مع ابن خالي حيث كان يزور خالته وجدته وأهل أمه هناك، أطعمونا (المسخّن) بالطابون، خبز بالبصل والزيت لكن بدون لحم دجاج ولا حمام، لا شك أن كل أطفالها بدأوا يدخلون بيوتهم، استعداداً لليل الذي يأتيهم من الشرق، ومما يزيد الظلام وجود الآلاف من أشجار السرو والصنوبر الكثيفة العالية، والتي تملأ كرم البيك الواقع شرق القرية، وحول البئر الذي كنت سأغرق فيه.
- يا خوي! يا خوي! يا حبيبي! سنصل البيت بعد قليل!!...
- لا اقبل! لا اقبل أن اصبر! أنا ملأت الجرة بالماء، وسأكون أول من يشرب منها!!.
- الجرة كبيرة يا حبيبي!، ولا أستطيع إنزالها عن رأسي، وأنت صغير قصير، ولا يصل فمك لفوهتها لتشرب وهي على رأسي، غدا تكبر، وسيكون بإمكانك أن تشرب من فمها، وسأحني لك رأسي.
في طريق العودة إلى القرية، ركب رأسه، أصر على مطلبه.
- قلت لك أريد أن اشرب، ولا أستطيع الانتظار!
- الطريق وعرة متعرجة كما ترى، والمشي والوقوف صعب هنا، قطعنا اغلب الطريق ولم يبق إلا القليل، فأصبر يا ساهر حتى نصل البيت.
استمرت سماهر في مشيتها، تحاول مشاغلته عن مطلبه بصبر وحنان، تلهث تارة، وتمنع نفسها من الضحك تارة أخرى، متأكدة أنها ستضحك عليه، وتلهيه في الكلام والحكايات حتى يصلا البيت، لكن ساهر ظل مصراً على أن يشرب من جرة أخته.
- سأطلب لك الماء، عندما نمر بأول بيت من بيوت القرية، بعد مئات الأمتار.
يرون بيوتها تقترب مع كل خطوة يسيرون، ومع أنها تحاور أخاها إلا أن انتباهها الأعظم يظل مركزاً على الطريق الوعر المتعرج، ترجو لو أن الطريق تسمح لتزيد من سرعتها، قالت لرفيقتها
- أتمنى لو أستطيع القفز من راس الجبل إلى حارتنا، لأصل للبيت، ولكي أرتاح من هذا الإلحاح. سأجد أمي تنتظرني بفارغ الصبر. ليتها تسمعنا لتتدبر أمر هذا (القرد) وتريحني من شيطنته وإصراره.
تبادر سعاد قائلة:
- أتسمع يا ساهر؟ هل يعجبك ذلك؟! هل ما زلت مصراً؟!
-........................ (نفخ متذمراً لم يجب بكلمة واحدة.)
بينما تواصل سيرها بعناد وصلابة في طريق تقدمها، ينفر ساهر مهرولاً بمحاذاتها مبتعداً قليلاً خارج الطريق، يصعد الصخور العالية، وقد يبتعد عدة أمتار ليتجنب حجراً أو منعطفاً أو نزولاً مفاجئاً، لكن عينيه تظلان يقظتين، يراقب حركات أخته وتصرفاتها، يخشى أن تنقض عليه لتمسك به، فربما تتعاون مع سعاد على سحبه وكتم صوته حتى الوصول لأطراف القرية، أو تسليمه لأحد الأقارب أو الأنسباء أو الجيران، يلمح زوغان عينيها وهي تنظر شزراً بطرف خفي له، بين الحين والآخر، ليس حقداً، وإنما تتصيد نقطة ضعف فيه، أو تحوطاً من هجوم مفاجئ له لكي تكون يداها جاهزتين دائماً لحماية نفسها وجرتها الجديدة، والتي ستكون سبباً جديداً في ازدياد إعجاب الناس بها، وتضيف إبريقين إضافيين من الماء العذب للعائلة، شاهدهما تهمسان، تحاول سعاد الخروج عن خط الطريق الضيق الوعر، يتنبه لها فيقفز عشرات الأمتار فوق قطع الصخور العالية عن الدرب، والتي تملأ جبل (باطن الأقرع)، بقيتا تسيران في الطريق المتعرج بين الصخور الضخمة على جانبيها، بحثاً عن أسهل ممر ضيق للقدمين، قفز عن صخرة عالية لأخرى أوطأ منها، فشاهد شجرة زعتر فلسطيني برية بين الصخرتين، تكتلت وكثر أغصانها، معمرة لمئات السنين تتجدد كل عام، لكن الجفاف أثر عليها كثيرا، فكانت أغصانها التي نجت من القطف قصيرة، وداكنه اللون، توقف عندها، ما إن لمسها حتى فاحت رائحة الزعتر البلدي الأصيل في أنفه، قطف بأصابعه الطرية رؤوس أغصان عدة، والقاها في فمه على عجل، حتى يلحق بشقيقته، أحس بحرقة قوية في فمه من الزعتر الفلسطيني البري، لكنها حرقة لذيذة، تأكد ان رائحه انفاسه ستبقى زعترية عطرية لساعة او ساعتين، مما زاد من عطشه ورغبته في جرعة من الماء.يخاطب اخته
- قلت لك توقفي أريد أن اشرب ، أحس بجفاف حلقي ، اسقيني ولو جرعة واحدة من الجرة الجديدة.
- حسبي الله عليك يا ساهر! لولا حرصي على خاطر والدتي لدعوت عليك بالعمى والهلاك، ولقمت بإنزال الجرة واللحاق بك لأقيدك بهذا الحبل، حتى يحضر والدك لمعاقبتك على ما تفعل.
يقول العجوز السمين لرفيقه الذي يلعب ضده في الداما (السيجة)
هناك جرة أخرى تتحرك صوبنا ، الماء! الماء! كان الله بعون نسائنا في قريتنا، فأجابه منافسه
- ليس في قريتنا وحدها، بل حتى في جميع منطقتنا كلها. وفي بعض مناطق أخرى من فلسطين، سمعنا أن الرجال يقومون بتأمين الماء من الآبار القريبة أو العيون البعيدة على ظهور الدواب.
- ألم تكن أيام شبابنا جميلة؟
- هل تعني حين كنا نختبئ خلف الصخور بعيداً عن الطريق نتأمل البنات والصبايا وهي يحملن جرارهن المملوءة من نبع الماء على رؤوسهن؟
أو نستمع لأغانيهن وحكاياتهن عن اسرار بيوتهن وأزواجهن واحبائهن، بأصواتهن الناعمة شبه الهامسة، لم نترك واحدة في البلدة إلا عرفنا خصائص مشيتها ، أو أحاديثها ، وبعض أسرارها.
عند العين ساعدتها سعاد في تحميل الجرة الفخارية الكبيرة على رأسها، اراد ان يقوم بهذه المهمة في وضعها على رأسها. لكنه احس بضآلة قوته وبطفولته، (متى اكبر واصبح قويا!؟ ليتني كنت شابا لأرفع الجرة بيد واحدة، او بكلتي يدي!)، لكنه أصر على مساعدة سعاد بعد ذلك في تثبيت جرتها على رأسها، ابتسمت سعاد له، حاولت رفع رأسها لتنظر في عينيه، لكن حمل الجرة الثقيل حال دون ذلك، لكنه شاهد بياض عينيها حين ارتفعتا تنظران له، أعجب كثيرا بذلك البياض الصافي، قال في نفسه ما أجمل تلك العينين اللوزيتين النقيتين، يا بخت من يصاحبهما ويلتصق بهما.
يتزود أهل القرية بالماء في معظم شهور السنة من ذلك النبع، لأنه النظيف والقريب، بنات القرية يملأن جرارهن بالدلاء، يذهبن للنبع زرافات ووحدانا، ولكن لنضوب ماء العين في تلك السنة وفي شهور الصيف المتأخرة، تصحب المرأة او البنت رجلا او شابا مراهقا معها، ينزل لقعر البئر، ليملأ الدلاء من النبع الضعيف، ثم يقمن بسحب الدلاء بالحبال.
قبل وضع الجرة على رأس شقيقته سماهر بمساعدة سعاد، راى الجرتين مملوءتين بالماء، دق عليها براحة يده، كأنما يتحسسها ويداعبها أخذ يخاطب أخته وصديقتها ويوصيهما بالحفاظ على كل قطرة ماء تم جمعها في ذلك اليوم، وتمنى توصيل الماء إلى الأهل، ضحكت الفتاتان وهما تحاولان تصحيح وضعها على رأس سماهر، سألته رفيقتهما سعاد:
- ما الذي اعجبك؟ ولماذا تتحسّس الجرة؟
- جرة جميلة وكبيرة وجديدة، ثم إنها سرعان ما بدأت ترشح، وهذا ما يجعلنا نشرب ماء باردا هذا المساء الحار جدا، وسنستمتع بمنظرها وبمائها العذب، نحتاج منه الكثير لوالدي ووالدتي!
ساعد سعاد بمفرده في حمل جرتها الأصغر على رأسها، مالت الجرة قليلاً، اندلق بعض الماء من الجرة على وجه سعاد وأسفل ذقنها ورقبتها، رأى الماء يختفي تحت ملابسها، وحوالي العنق، لامته اخته سماهر لأنه لم يرفع جيداً، ولم يبق ممسكا بها حتى تريجها على رأسها، شاهد ثوبها مبتلا فوق صدرها، اضطرت أن تحرك ثدييها يمينا ويسارا، لتمسح الماء المرطب للحرارة، او لتفرده حتى يختلط مع عرق جسدها في الطريق إلى البيت، لكنها واصلت حركات أصابعها على صدرها، فمدت سعاد يدها إلى عنقها، أدخلت يدها اليسرى ثم اليمنى بالتناوب تحت ملابسها، بعدها اضطرت أن تضغط بكلتا يديها أسفل ثدييها حتى توقف تسلل الماء.