2

6 0 00

2

معظم صبايا القرية ونسائها يحببن طريق النبع، يجدنها فرصة لعرض ما عندهن من ميزات وأحاديث، هذه تتباهى بملابسها الجديدة، تلك بمشيتها، ثالثة بزوجها، والاخرى بعينيها او أسنانها، وبعضهن بوسامة زوجها او خطيبها او من تتوقعه شريك المستقبل لها.

شقيقته سماهر عمرها أربعة عشر عاماً ممتلئة ملتفة قوية الجسم، يتمنى كل رجل في القرية ان تكون شريكة حياته مثلها، سمع سماهر الكثير من رجال القرية يمدحون الفتاة الممتلئة، يقولون أنها ستقوى على الحمل والإرضاع والعمل، ثم إن الفتاة الممتلئة دلالة على كفاية الطعام في بيت أهلها، كانت سماهر تتباهى بأشياء اخرى كثيرة غير قوتها وصلابة جسمها، حين تفرد شعرها الاسود الطويل الغزير. تطلب مساعدة امها وامرأة اخرى من الجارات لتمشيطه وتجديله، لكنها كانت تحرص ألاّ يراه اي غريب، مستقيمة القامة، تمشي رافعة الرأس، مفرودة الكتفين بصدر منتفخ، وتكويرتين شامختين تجبران ثوبها على التشكل مثلهما، تجذب عيني أي إنسان، امراة او طفلا او رجلاً، تلف الشال على شعرها وتحاول أن تخفي رقبتها ناصعة البياض، اما اسفل العنق بقليل، فربما كانت تتهاون في تغطيته، وتقول انها تحب الاحساس بدخول الهواء الى صدرها، حتى لا يضايقها الحر والعرق، والنساء في قريتنا لا يغطين وجوههن لا في البيت ولا خارج البيت، في الطريق الضيق الى البئر، يسرن في صف واحد بسبب ضيق الطريق الوعر إلى النبع، وتقود القوية والطويلة حسنة الملامح ذاك الصف، تتحدث بصوت مرتفع حتى يسمع جميع الفريق، تعلو ضحكاتهن، وتحدياتهن ونكاتهن، يقهقهن فيتردد صدى احاديثهن بين الجبلين، اما شباب القرية المارّون او العاملون قرب الطريق فيستمعون لتلك المناقشات والمماحكات، ويعيدون ما سمعوا على مسامع بعضهم اثناء اجتماعاتهم ولقاءاتهم المسائية، مما جعل بعض الشباب المتسكعين، يتعمدون الذهاب لتلك الطريق لمراقبة الصبايا وتعداد مزاياهن، (هذه اسنانها جميلة، تلك صدرها ممتلىء، والثالثة فمها كبير لكن شفاهها هي النعيم، والاخرى تكاد تنقصف من نحافتها، اهلها بخلاء لا يأكلون، عظامها ناتئة كالاعواد الجافة،) اما الطريقة التي تحمل سماهر جرتها بها، فظلت مثار اعجاب الشباب بالاجماع، وخاصة عندما (تعنكرها)، فأذا كانت في الصف فلا يتقدمها او يسبقها احد، وجرتها منحنية جداً لليسار أواليمين وهي على رأسها.

قالت سماهر لوالدتها:

- ارأيت جرة عطاف؟ اريدها اكبر بكثير! لن تحمل فتاة في القرية اضخم من جرتي، صدقيني يا امي! اذا لم تكن الجرة كما طلبت فلن امسها!

قالت الام: جرتنا القديمة لم تعد ترشح، ولا يبرد فيها الماء، وانا احب شرب الماء البارد، وكذلك يلزمنا جرة أكبر بعد أن كبرتِ يا سماهر.

- كم هو شعور جميل يا امي! عندما اقود صف الصبايا، اسير في المقدمة، جرتي المملوءة مائلةٌ على رأسي، وكلهن يحاولن تقليدي، أما سمعت بنفسك تعليقات البنات؟! ذكرت اكثر من واحدة ان اخاها او خطيبها غمزها قائلاً، (أتستطيعين حمل الجرة على رأسك كما تفعل سماهر؟!!)

سعاد جارة وصديقة سماهر، تزوجت منذ حوالي العامين، ورزقت بطفلة منذ سنة أو أكثر قليلاً، مع ان عمرها لم يتجاوز الخامسة عشرة. عندما مرت أمام بيت سماهر قبل ايام، ردت سعاد التحية وهي تحتضن طفلتها، كانت سماهر تقتعد عتبة الدار بجانب والدتها، وامامهما عشرون او ثلاثون دجاجة بلدية، في الساحة الصغيرة المسوّرة أمام البيت، القت الام ببعض الحب للدجاجات فلم يشبعن، طلبت من ابنتها إحضار رغيف الخبز الجاف، وبدأتا تفتيته قطعا صغيرة، والدجاجات يتسابقن في التقاط الطعام، بعضهن نفر بعيداً خوفاً من سعاد التي تقف بالباب، تهيج الديك وصار يخرج أصواتا ونقنقة، وكأنه يحرس الدجاجات الصغيرة والضعيفة، حتى تحصل على نصيبها كاملاً. ولكي تجلس بجانبها على العتبة، اخترقت سعاد جمع الدجاج، صاح الديك، وهب عاليا على طرف السور، وتشتت شمل الدجاج.

- والله يا خالة! لا نجرؤ ان نحمل الجرة مثل سماهر، اننا نخشى سقوطها عن رؤوسنا، فيعيب علينا الاهل والــ......، فتصبح الواحدة منا مهزلة في البلدة، وزوجي قالها مرارا:(معظم شباب القرية، حتى الكبار لاحظوا كيف تحمل سماهر الجرة (معنقرة) ومائلة كثيرا على رأسها) ثم انها لا ترفع يدها لتسندها او لتمسك بها اثناء الطريق الصعب، تسير بهمة وتوازن، كأن الجرة مثبتة او ملصقة برأسها، وإذا كسرت امرأة أو بنت جرتها في الطريق، سيعيب الناس عليها وسيظل هذا الخبر على ألسنة الناس لأسابيع، يتندرون ويسخرون من اهمالها ورخاوتها.

ظل واقفا حتى ابتعدتا عشرات الامتار عنه، انتبهت الى انه لا يتبعها، نادته سعاد ساخرة متسائلة عن سبب توقفه وانتظاره، توقفت، دارت بكل جسدها للخلف وسألته:

- هل تريد ان تعود للنزول للبئر لتملأ الماء للبنات الاخريات؟

- فال الله ولا فالك يا شيخة! كنت اطمئن عليكما!

ثم أكمل في نفسه (أحسُّ بالحزن لأنني بلّلت صدرك، اعتقد أنني سأعود ثانية إلى أسفل هذه البئر، إذا طلبتا ذلك مني).

غادرتا باحة البئر منحدرتين صوب المنبسط بين الجبلين، بعدها سيبدأ ثلاثتهم بصعود الجبل الاخضر.

يقفز ويركض من جانب الى اخر، ليظل سائرا بمحاذاتها، يسابقهما بالرغم من وعورة الطريق الجبلي وضيقه، وفي منتصف الطريق المصعد الى رأس الجبل احس بقرب غروب الشمس، يحثهما لزيادة سرعتهما في المشي.

تقول سعاد في شبه همس حين ابتعد عنهما ، كادت تتوقف وتلتف صوب رفيقتها سماهر ، حتى لا يسمع ساهر كلامها :

- لو كان ساهر أكبر سناً لما خشينا عليه ، ومن يعلم فربما لن يكون معنا ، هل تعتقدين بأنه سيكون متزوجاً لو كان في السابعة عشرة؟ طبعاً سيرافق زوجته بدلاً من أن يساعدنا في ملء جرارنا. إنه شاب ظريف ، جذاب وشجاع وشهم ، ولو أن رأسه به عناد. فتجيبها سماهر

- إمشي! .. إمشي! حتى لا يسمعنا ، إننا غير قادرين نضبطه وهو في هذه السنّ ، وعيناه فارغتان في عمر الثلاثة عشر ، فكيف لو كان أكبر سناً ، والدي يقول أنه يريده أن يدرس أو يتعلم له مهنة ، حتى يستطيع أن يقوم بإعالة نفسه وعائلته بعد الزواج ، لم يعد هناك أمان للعمل في يافا وحيفا ومع الإنجليز.

يتظاهر ساهر بعدم سماع ما تقولان ، يواصل حركاته البهلوانية ، متباهياً مسروراً بما أنجز ، كثيرون من شبابا القرية ورجالها يتهيبون من النزول لأعماق النبع المظلمة ، أما هو فقد فعلها، يزداد نشاطاً ، وتسارعاً ، حتى أنه يسبقهما قليلاً أو يخرج عن الطريق ويقفز على الصخور الوعرة والعالية على جانبي الطريق ، كأن له أجنحة.

- ألا يتعب هذا الولد ، كان الله بعون زوجته في المستقبل ، عفريت نطاط ، لكنه كالديك حديث السن بين الدجاجات ، لايتوقف عن الصياح والمداعبة. تجيبها سماهر

- أوقفي مثل هذا الكلام ودعينا نصل البيت أولاً ، بعدها نتحدث عن بهلوانات ساهر ، إنه صغير ، وإذا جاع أو صاح به والدي لجأ إلى البكاء ، طفل ، قلت لك إنه طفل ، ولا تغرنك شيطنته. سمع ساهر حاد ، وأذناه تتابعان ما يقولان ، ومع أنهما انتظمتا في السير على الطريق صعوداً ، إلا أنه قال لسعاد:

- ستجف كل الماء والرطوبة عن ملابسك من المشي والدفء والحرارة بعد تخطي هذه العقبة وقبل وصول أعلى التل. فتجيبه سعاد

- أخشى أن يزيد البلل الذي تتحدث عنه ، فقد بدأ العرق ينزّ من جسدي من ثقل الجرة ومن لهاث الصعود.

- يا خسارة يا سعاد ، صدقيني أشعر وكأنني لا أحمل شيئاً على رأسي ، فرح بجرتي الجديدة ، وبكمية الماء الكبيرة بها.

قال لهما: (نريد الوصول قبل المغرب!) وعند قمة الجبل، تنبسط الطريق قليلا، نظر للغرب، وانتبه الى حبة الشمس، لم تسقط بعد على الجبل، لم يفكر بالنظر للغرب والشمس بعد ذلك، طلب في داخله من الشمس وقف انحدارها لأنه يحس بالعطش، ويطلب من شقيقته ان تسمح له بالشرب من الجرة، ضحكت وقالت:

- ستشرب في البيت بعد نصف ساعة أو أقل يا ساهر!

ألحّ عليها ان تسقيه، حاولت ان تنسيه طلبه، ارادت ان تكلمه بأمور اخرى غير الماء، سألته:

- عندما تكبر، هل ستتزوج امرأة طويلة ام قصيرة، بيضاء ام سمراء؟ وهل ستساعدها في ملء الماء؟

زادت من سرعتها، زاد في تقافزه ومسابقته لها، لم يجب على تساؤلاتها، أصرّ على ارواء عطشه من الجرة الجديدة، (اليس الابن المدلل؟!)، سمع أمه مرات عدة، توصي أخته سماهر به، (انتبهي لأخيك، ولا تزعليه ولا يضربنّه أحد بل أطيعيه واستمعي شكاواه!).

بدأت الطريق بالانحدار، نزولا صوب القرية، أدرك ساهر أن مضايقتها هناك ملائمة، خاصة وقد ضاقت الدرب بين الصخور، اصطدم حجر بقدمه شبه العارية، فانطلق الحجر امامه أمتاراً عدة، اراد ان ينحني كي يتحسس الالم لكن الوقت غير ملائم، زاد لهاثه، اضطرب ولم يعد يشعر بالوقت والناس، قال له ولدٌ مار انه شاهد والده في اطراف القرية، اضطرب وجفل، بدأ يفكر بالهرب بعيداً عن عيون كل البشر.

يحاول رؤية أي شيء في الظلام، أحسّ بحركة خفيفة بين اشجار الصبار في اطراف القرية، اقشعر بدنه فزعا، هائم لا يدري اين يتجه، تؤلمه قدمه ربما كانت تنزف في مكان ما من الصدمات، تنطرح الحجارة امام قدميه بعيدا، واحيانا يتعثر، يحجل بضع خطوات، ويميل بظهره للامام مهرولاً حتى لا يقع على الأرض إذا تعثر، يمشي على أربعٍ أحياناً، تنغرز بيديه أشواكٌ وقطع حصى صغيرة ساندا جسده بكلتا يديه، حتى لا يصطدم وجهه او رأسه بالارض، والظلام الذي يغطي قريته من كل اتجاه امام عينيه، قطط تموء وكلاب تنبح، في ذاك الظلام يزداد حلكة، سمع صوت اذان العشاء قبل قليل، لا يدري ماذا يفعل، عليه ان ينتظر حتى ينام اهله، يسمع نداءات ضعيفة من بعيد، صوت اخته سماهر يناديه، يتبعه نداء من والدته، توقف قليلا وتردد، ثم مشى والتصق بسور احد المنازل في أطراف البلدة، عاود سيره على غير هدى حول القرية، اقتربت اصوات وخطوات المنادين من اهله، يقفز فوق احد منازل القرية للاختفاء اكثر قبل وصولهم اضطر للالتفاف بعيداً عنهم، ثم دخل وسط القرية، معظم منازل القرية مبنية من الحجر والطين، واطئة يسهل الصعود على سطحها، أمر عادي بالنسبة لي، قبل أيام كنا نلعب "فرقة تختبئ وفرقة تبحث" على هذا السطح اختبأت، لم يستطع أن يكتشف مكان وجودي أحد، وعندما ابتعد الفريق الخصم، قفزت عائداً لمقر الانطلاق، اربكتهم جميعاً، حينما وصلت صائحاً مجلجلاً، قالوا ان همهم منصبٌّ عليّ يريدون الإمساك بي، ومنعي من الوصول إلى حجر الأمان لأنني ولد سبوق.

أخطاء تجرّ إلى أخطاء اكبر، رعب في البئر وظلام هناك، ظلام وخوف من الاهل ومن كل شيء على هذا السطح في العتمة، قد يكون عقرب هنا فيلسعني، أو قد يغتاظ ثعبان مني فيهاجمني، حتى فأر يجفل فيفزعني، أيها الاشدّ يا ترى؟ عقاب الأام ام الأب ام الرب؟! هل سيتناوب والداي على ضربي بالدور، طلقات رصاص؟ طلقة أخرى؟ نعم هو رصاص! هل يهاجم البلدة لصوص او جنود الانجليز؟ ربما يصيبني الرصاص، او يظنني الاهل عدوا! هل جوف الأرض أكثر أمنا؟! هنا لي فرصة للهرب، وتنفس الهواء النقي، هنا لي أمل أن يطلع النهار، ليس كما الحال في غيابة الجب، لكن أسرتنا ستحتاج للماء بعد يومين أو أكثر؟ الموت راحة أحيانا!! قالها جدي مرات عدة ، لكن من سيرافق سماهر للبئر؟ ستبكي امي كثيرا، هل ستبرد أعصاب والديّ، هل سيفكران بالحاجة لي، لو عدت للبيت غدا أفلا يضربني أحدٌ؟

كان عفريتاً ، عرف عنه خفة حركته، يحب تسلق الأماكن الخطرة، يستطيع الوصول الى أي سطح او غصن مائل او شارد، لم يكن ينقصه الا اجنحة للطيران (ليتني املك اجنحة) لم تعد تقلقه النداءات المتكررة من أهله ووالديه، سحرته فكرة الطيران… رأى نفسه صقرا على طرف السطح تضايق من اقتراب الناس منه، اراد ان يبتعد عن أماكن تواجدهم ، نظر يمنة ويسرة ، الصقر يحرك جناحيه للأعلى وللأسفل ، يهزهما مرات عدة استعداداً ، يضرب الهواء بجناحيه بقوة حلّق وحلق وحلق، لم يعد يسمع نداءاً ولا ترى عيناه القويتان أحداً ، أحس بشيءٍ من الحرية والنشوة، تمنى لو يظل محلقاً مبتعداً عن مراقبة الناس، برودة الجز تجعل تنفسه ولهاثه أسهل، بل أصبح دخول الهواء الى رئتيه يشعره بقوة، فيزيد من تحليقه وابتعاده، لا يرى ان للعالم حدوداً نسي الليل والنهار والمسافات، ابتعد وابتعد وابتعد حتى وصل الصخرة العالية.

هناك على كتف الطريق الضيق حاصرها، عند المنحدر الشديد جنّ جنونه، لاحظ ان المسافة الباقية للوصول الى البيت بعيدة، ازداد احساسه بالعطش، بدون وعي، انزرع في وسط الطريق، تجمدت عيناه، كان الشرر يقدح فيهما، قال لأخته :

- اذا تقدمت خطوة واحدة، سأدفع الجرة عن رأسك!

- ارجوك يا حبيبي ساهر، خلينا نصل البيت قبل الغروب.

الغروب !... لا يوجد غروب، توقفت الشمس عن الهبوط، عشت ثلاث ساعات في ظلام البئر ولم أشرب مرة واحدة ! أريد الآن أن أشرب على ضوء الشمس، مع انني اكره قرص الشمس، لكنني أحب أن أشرب على نورها ! نعم في النور !

كاد ان يلين ويسمع كلامها، لكن أفكاره الطفولية تتوارد وتتشابك ، بعد الظهر خرجنا لملء الجرة الجديدة، يا رب! لماذا تفتقر بلدتنا للماء من دون القرى الأخرى! ولماذا يضعف نبع الماء في الصيف؟ قال كبار السن من أمثال (أبو مصطفى و أبو جميل) اللذان يقضيان معظم النهار ، يجلسان على قارعة طريق غير عريضة ، يراقبان الغادية والقادمة ، ويسألان كل رجل يمر عن وجهته ، قال أبو مصطفى ، لو آمن الناس واتفقوا لأعطانا الله المياه، ولظل نبع الماء قوياً ، فيجيبه أبو جميل قائلاً ، لكن ماء النبع يأتي من جوف الارض ، فما دخل المطر بالنبع ، وما دخل قوة التدفق بالاتفاق وبالإيمان.

لم تتوقف سماهر عن المشي، كادت اصابعها أن تلامس رأسه برفق وهي تدلله، وتحاول أن تلهيه، لكنه يحس بالاهانة. يقفز بعيداً، يلتقط حجراً في كل يد، يهددها ان لم تتوقف ليشرب من الجرة فسيوقف جميع البنات في الطريق..

حصى صغير ينغرز في مؤخرته، حرك نفسه قليلاً بخفة، نخسه عود جاف، سمع أحداً يناديه، والظلام يشتد، أحسّ بالإعياء، اضطر أن يغامر ويتمدد على سطح المنزل، وتذكر وقوفه عند فوهة البئر.

لا يمكن أن أسمح للبنت ان تنزل اسفل النبع! ثم لماذا حفروا هذه البئر العميقة؟ إنهم الإنجليز الذين خربوا النبع الذي اعتادت عليه الأجيال، قال الحج أبو داوود أكبر رجال القرية سناً ، كانت الماء تخرج فوارة من جوف الأرض بنفسها، وعندما جاء الإنجليز، حفروا بئرا عميقة في موقع النبع" حفروا لعمق اكثر من ثلاثين مترا، وغطوا جدران البئر المتطاولة المتعامدة بالخرسانة. ثبتوا سلما من قضبان الحديد على احد الجدران، وبلغ عدد درجاته اكثر من خمسين درجة، وكل درجة تبعد حوالي ثلاثة ارباع المتر عن الاخرى.)

حينما وصل ثلاثتهم للعين، لم يكن أحد من شباب القرية هناك، وقد زاولت الشمس منتصف السماء.

- اخشى عليك السقوط (يا خوي!) ألا ترى عمق البئر، لكن الشمس في وسط السماء تقريباً تلقي الكثير من أشعة النور فيه.

- لا تخافي! أحبُّ التسلق وأنتِ تعرفينني ، يناجي نفسه (أحبُّ التسلق! تسلق؟؟ نعم أحب التسلق! لكنه النزول ها هنا ... )، سأنزل الآن وأملأ الجرتين لك ولسعاد دلّى قدمه الاولى في البئر، ارجحها يمينا ويساراً للوصول للدرجة الاولى.

أحسستُ عفريتًا فاغرا فاه، كان ضخما بشعا ومرعبا، سيقضم نصفي الاسفل ويبتلعه. رفعت رأسي للأعلى، كنت على وشك القفز، خارجا وبعيدا عن باب البئر،عندما واجهت عيناي عينيّ شقيقتي (هل لاحَظَتْ تصلب اصابعي والنوبات الارتجافية التي تجتاحني بين لحظة واخرى؟!…..)، قهقهت صاحبتنا سعاد وضربت كفا بكف، فتحت فمي اكثر، اردت الكلام، لكنه العفريت الذي فغرفاه…..، ابتلعت لساني، لساني لا يتحرك، لا شك انني أتضاحك، أكتم رعبي ، ريفي يجب أن يكون صبوراً شجاعا كتوماً ، يبدو عليّ أنني أضحك عند الحرج أحياناً ، وربما أقوم بحركات لا أريدها، سعاد تخاطبني ، لا أفهم شيئاً مما تقول، سمعتها قالت لي في آخر حديث لها في ، تسألني

لماذا يزداد فمك انفتاحاً!؟..

نظرت شقيقتي إلى أعماق البئر، مدَّتْ سعاد يدها ووضعتها على شعر رأسي، أحسست بدفء اليد على رأسي، كأنني مربوط بحبل متين مدلّى من مظلة أمينة، حنت سماهر ظهرها، أكثر، رأيتها تنفض كلتا يديها، قرفصت ثم قالت:

- حرك قدمك لليسار قليلا! أنزلها اكثر ها أنت تقترب من درجة السلّم الأولى.

- لماذا أبعدوا الدرجة الأولى عن باب البئر.

قالت سعاد:

- هل تخاف النزول؟! هل يقتصر شرورك وشيطنتك على تسلق الأشجار والأسوار وسطوح المنازل ؟! أرنا قدرتك هنا!

حالما لامست قدمه القضيب ، انعطفت وتقوّستْ، أصابع قدمه مخلب صقر جائع تقع على فريسة قوية في ريح شديدة الهبوب، تمنّى الصعود ثانية، بدأت أخته ترشده، ليضع قدمه الأخرى على الدرجة، وهو مهتم بكل حرف وكلمة تلقنه بها، لم يجرؤ أن يرى بعينيه موضع قدمه.

- نصحتك اكثر من مرة، دعنا ننتظر حتى يحضر شخص ما مع زوجته أو ابنته، لكن عنادك وإصرارك قوي دائما.

- لا تهتمي سأملأ لك الجرة الجديدة بنفسي، وها هي الشمس تضيء البئر!.........

بالرغم من تشجيعها لك، وتشجيعك لنفسك ومكابرتك، إلا أن ذلك غير مجدي، مفاصلك تهتز، تحس بقوة عظمي تشدك وتجذب قدمك ، تريد أن تهوي بجسمك للأسفل ، تهزك حتى أعلى شعرة في رأسك ، همها أن تطويك إلى المجهول، لكن نظرات شقيقتك ، واهتمام رفيقتكما سعاد يعطيك العزم ، فتسترد عضلاتك قوتها ثانية.

اصبح رأسه على مستوى قدمي أخته، عند خرزة البئر، أصابع يديه ما زالت تتشبث بقضيب الحديد المركب على الفوهة، وهما في حالة ترقب تتأملان نزوله دون كلام، يدعانه يفعل ما يراه مناسبا. ينظر للأسفل، أحسَّ برعدة ورجفة أقوى لم يشعر بمثلها من قبل، سحت قنوات العرق على جسمه في كل مكان، سرعان ما برد ، وزاد ارتجافه، بينما هو يحاول إخفاء كل ذلك، آفاق على خطورة المهمة والمغامرة التي يقدم عليها، وعليه في جانب آخر تحمل نتيجة التحدي والمكابرة، سمعهما تتحدثان معه، لكنه لم يفهم كلمة واحدة، فسأل:

- ماذا تقولين.

لم يسمع إجابة من إحداهما ، أفاق فجأة من أتون قلقه، لاحظ اختلاف ألوان وجهيهما، استغرب الجحوظ الذي في عيونهما، خشي أن تقفز عيونهما من محاجرها وتسقط في غيابات الجب.

جبان وأبله! لاشك أن الندم والجبن باد على وجهه هو الآخر، ولهذا فهما مضطربتان، انه بلا لسان لا يتكلم ، نسي شيطنته وتمرده، ما الذي أتى به الى هنا؟؟ ولماذا هو اكبر اخوانه؟ ولماذا هرم والده مبكرا؟) يكثر العرق على بدنه ثانية، يحس بالبرد تارة أخرى، نوبة حرارة، تتلوها نوبة برد

تلتقي عيناك بعيني شقيقتك، تضرب صدرها بيدها دون وعي منها، شهقت، أرادت الكلام ، لكنها تذكرت، فلم تتمالك إلا أن تضاحكت، تسألها بصوت متهدج:

- ما بك يا سماهر؟!

تبتسم، ثم يرتفع صوت رفيقتها سعاد بتهكم في أبيات حداء ونعي:

يا حسيرتي حمّلوا يا حسيرتــي جابــــــوا

يـــا حسيرتي طيّـروا عن عينيّ غابوا

قوموا ارقصوا يا ربعي في عرس خِلاّني

يا ويل الباقـي وحيد بعد فراق احبابوا

تصيح بها شقيقتي وتنهرها، تدفعها بعيدا تدير ظهرها حتى لا أرى، وتصوب لوجهها نظرة ذات معنى، تردعها وتسكتها ، تتظاهر سعاد بالابتسام، فتقهقه عاليا، ودون وعي، لطمت خدها ندما على ما قالت.

تتسمر عينا سماهر في عيني رفيقتنا، وأنا ملتصق في مكاني انظر لهما في بَلَهٍ، (الغريب انه لا يتكلم، ولسانه ليس مكانه،) ودون اي تعبير كلامي. تمتد يد سماهر لتمسك يدي وتخاطبني كأنما لتوقظني من كابوس. وقبل أن تنحدر قمة رأسي عن مستوى فتحة البئر ، وعن مستوى أقدمهما الحافية ، نظرت إلى الجبال، شاهدتها تتراقص كالسراب، لا حدود ولا تضاريس ، أنا مسافر للماء ، رحماك يا رب !.. هناك سأرتوي من النبع ، كلما أحسست بالنار في داخلي ، سأبترد بمائها العذب شربا وبللا، لا يرقبني أحد، سأعبث بالماء هناك، سأغرق يدي في الماء، وأدلّى قدمي وساقيّ.

- هيا انزل للدرجة الثانية! حرِّك إحدى يديك للدرجة الأولى ، إنزل بقدميك للدرجة الثانية والثالثة، لا تعطلنا وتعطل غيرنا، أو دعك من هذه المحاولة، واخرج لينزل شخص آخر غيرك فور حضوره.

كل عصب وعضلة في أطرافي ما زالت ترتعد، وعلى الرغم من ذلك أحس لزاما عليّ أن أثبت أمام هذا الامتحان الصعب، ولا بد ان اواصل نزول الدرجات! إنهم الإنجليز!! حفروا لنا بئرا عميقة، سنظل كذلك لأجيال وأجيال!

نزل اكثر من عشر درجات دون وعي، حتى انه لا يتذكر كيف تم ذلك، لم يستخدم عينيه ولم ينظر لشيء تحته او فوقه، انتبه فجأة عندما احس حركة تحت احدى قدميه، اهتزت وقرقعت درجة السلم قليلا تحت قدمه اليمنى، جفل وتجمد، ظل نصف جسمه على تلك الدرجة، والنصف الاخر مشبوحا على الدرجة التي قبلها، اراد ان يجفل ويهب للأعلى فزعا، لكنه نظر لقدمه السفلى، رآها ثابتة على درجة السلم، والدرجة مثبتة في الجدار مكانها، قال في نفسه:

لست الوحيد الذي ينزل، ولست اضخم من اي رجل! ينزل العشرات غيري كل أسبوع ويصلون لأهدافهم، هناك في السرداب، اسفل البئر، لا يخشون النزول او الجنون، ولا يقلقون مثلي من هذه الدرجة، فربما هي الدرجة الوحيدة، سأتجاهلها واستطيع ان اتخطاها، ولو تدليت في الهواء، معلقا بكلتا يدي، لأضع قدمي على الدرجة اسفل منها، ثم اواصل نزولي بسرعة حتى اصل الى قعر البئر.

قالوا انهم يغرفون الماء من رأس النبع تحت الجبل، يملأون الدلاء، فتسحبها البنات بالحبل.

- سماهر! انني انزل بسرعة، انظري كم ابتعدت! لا ارى وجهك، هل تنظرين اليّ ؟!… هل ترينني!؟…

لم ير ولم يسمع ردها، ربما هزت رأسها، ربما تصنعت الابتسام! او ربما كان صوتها ضعيفا او مخنوقا لم يسمعه احد، ضاع كلامه في الاعماق ومع تردد الصدى بين الجدران. نزل درجة اخرى وثانية، اصبحت كلتا يديه الان مثبتتين بالدرجة المتحركة، والمطلوب أن ينزل أربعين درجة أخرى . توقف وتوقفت جميع أعضاءه عن الحركة، حتى تنفسه يكاد ينقطع، يحس أنه ريشة تلتصق بقشة قرب حائط، دودة بأربعٍ وأربعين قدماً، الحائط خشن، وكثرة أقدامه وخفة وزنه تجعل نزوله أو صعوده سهلاً . القدمان تنزلقان للأسفل، تكادان أن تحفرا الجدار، وهما تحتكان به أثناء انحدارهما، يداه تتشبثان بالحديدة الصدئة امامه، هو عنكبوت لا وزن له، معدته تنكمش وأمعاؤه تضمر، يحس ببرودة الجدار والجو هناك، يكاد يرتجف، لكنه يخشى أن تضعف أصابيعه ومفاصله، لو سمح للبرد أن يهزه وينفضه، لا يريد أن ينظر إلى الاعلى، يريد ان يحسّ أنه ابتعد عن الدرجةو الصدئة، عليه ان يتذكر ان الاولاد الأذكياء فقط هم الذين يعودون سالمين، العنكبوت لا يخاف السقوط، لا يخشى الارتفاعات ولا الاعماق ، الهواء والفراغ مجال تحركه، ينصب شباكه في كل زمان وفي كل مكان ، تنجح حيله وأساليبه دائماً ، ويبقى على قيد الحياة.