3
يعلو أذان المسجد في أذنيه، يمتد حبل الدلو ويتدلى، يدق ويدق، يؤذن هو الآخر مع المؤذن، يمر الحبل عن يمينه، وتارة يراه على يساره، لا يجرؤ على مدّ يده ليلمسه، يعلو صوته بالأذان للصلاة، فتحة البئر تعلو وتعلو، والحبل المجدول القوي يجاوره، ان ابتعد عنه يحس انه دقيق رفيع، يصعد درجة او اثنتين للأعلى، كي يصل إلى اقصى المئذنة، يتذكر فيرى الحبل قريباً منه، كل جدلة على الحبل هي إحدى درجات المئذنة اللولبية، يخطو عليها وينزل بحذر، والفتحة إلى السماء تضيق وتضيق، يردد الأذان، يرفع صوته، يجوّد فيه ويرفع صوته أكثر، (الله اكبر الله اكبر) يسمع صوت اخته بعيداً، ثم صوت سعاد، يقهقه عالياً (الله اكبر، الله اكبر) لا يهتم لهما ولا لندائهما، ينادي للصلاة (حي على الصلاة!) يهبط ويهبط ويهبط، يتوقف ليستمع إلى صدى أذانه، كم يكره الهبوط، يحب صعود المئذنة أو الأشجار العالية، يتسلق الجدران والمباني وكل شيء صعب، يرى أحمد الأعمى يسعى إلى المسجد، يدق الأرض بعصاه، ولولا شيخوخته وضعفه، لما أعاقه حجر أو زقاق مظلم في البلدة، انه يؤذن لصلاة العشاء، هي هبات هواء خريفية، تلتف حوله، فتحميه جدران المئذنة الملويّة حوله، يصعد قليلاً، وينزل أكثر، يرى الشيخ علي داود يتجه للصلاة، يتمايل كذكر البط الساعي إلى بركة ماء، واثقاً متباطئاً، كرشه يمتد للأمام، يتكئ على عصاه القوية الثخينة ليوازن مشيته المتثاقلة، يطبق الزقاق عليه، لا يلتفت يمنةً ولا يسرةً، حتى لو حاول النظر والتمعن، فلا يرى شيئاً، عين اصيبت بشبه العمى، وعين ضعيفة تغمرها الدموع في معظم الاحيان، لا يستطيع افلات يده، ليمسح الدمعة الباردة على وجهه، (حي على الصلاة!) ينزل ويقهقه، يبرد جسده، يضيق الزقاق حوله، هل تبتعد الفتحة؟ أو ان عينيه تضعفان، لا يرى سوى شق صغير يطل على السماء، لا شك ان الشيخ على داود يرى افضل منه، شيء ما يجذبه، يلتصق بالدرجة ويزيد تمسكه بها، والحبل يلوح بعيداٌ، ما اطول المئذنة، (حي على الفلاح!..) يرى صديقه سليمان يقود جدّه، يتجهان للصلاة، يرتفع صوته أعلى وأعلى، يتمنى لو يجتمع جميع أهل القرية أمام عينيه للصلاة، لا يهم اغلبهم الظلام ولا يؤخرهم البرد، تضيق الملوية حوله، يتأمل جدرانها، ملساء ملساء، لا يخشى حشرة ولا عقرباً يلسعه، تلك الحشرات لا تحب البرد والرطوبة ولا تستفيد من عينها داخل البئر، ويستمر سليمان يقود جده، يقتربان دون التفات يمنةً ولا يسرةً، يحادثه جده، يوصيه أن ينتبه امامه، يحثه على الاستعجال حتى لا يتأخر وصولهما، يمسك الطفل بالحائط الأيسر ويده الاخرى تمسك بعصا جده، يخفت صوت جدته، بعد ان ابتعدا، لم يقبل ان يذهب للدكان لشراء علبة ثقاب لها، ظلام الزقاق أهون عليها وأخف من ظلام البيت، تقعد على عتبة بيتهم، تحادث وتسائل كل مار في الشارع الضيق، تلوم الطفل والجد، لولا الهواء الضعيف لحملت سراجها إلى جارتها ام حامد لاشعال فتيله من سراجهم، تخجل من طلب الثقاب منها، كررت ذلك مرات عدة في الايام الماضية.
هزّ الدرجة، هذه هي الدرجة الأسوأ، سمع عنها وقالوا انها تكاد تنخلع، وحينما تحركت للأعلى والأسفل ارتعد واهتز كل كيانه، كادت اصابع يديه ان تضمحل وترتخي، تصور نفسه يهوي في الفراغ والظلام، سيهوي ويهوي ويهوي، وعند قاع البئر ستصدر صيحة طويلة، تتردد اصداؤها بين الجدران الاربعة، صرخة قوية مدوية (ستظن شقيقتي أنني اعبث بالنداء والصياح حتى أسمع صدى صوتي، فلا تهتم لذلك، ستناديني، هيا أسرع! لا تضع الوقت بالصياح واللعب! يتبع ذلك صدى مكتوم مختلط بتمزقات وتكسير عظام ورأس).
ستحاول أن ترفع رأسك، لتستطلع ما جرى, ستنتظر شقيقتك، تنتظر ان تسحب لها حبل الدلو المدلى للقعر، ستنتظر وتنتظر، يحضر اناس جدد لملء الماء، تطلب منهم الانتظار حتى تخرج مفتخرة بشقيقها الذي تنتظره، سيملّ الناس الانتظار، ينادون عليك ويصيحون، كأنك تسمع نداء، تتمنى نسمة هواء منعشة، تود حبة هواء تدخل صدرك، تتلوى قليلا، لا قوة لديك للصياح، او للإمساك بالحبل تحس رؤوس اصابع قدميك تلتوي وتنعقف، تتقوس قدماك على قضيب الدرجة، أصبح حديد الدرجة عدواً تتهالك على التمسك به بقدميك.
تتمادى في الضغط على القضيب الذي بين اصابع يديك، تسرع في الابتعاد عن منطقة الدرجات المهترئة، تنحدر بسرعة، يقطع عليك تفكيرك صوت شقيقتك.
- الا تسرع (يا خوي).
- نعم؟ هل تحدثينني؟
- هل وصلت قاع البئر؟
- الجو بارد هنا! احس بالقشعريرة!
- اسرع! اسرع!
تعيش الجدة مثله في الظلام هي الأخرى، لا تقوم بأية حركة وهي تقعد على العتبة، حتى لا تخيف أي مار امام بيتهم وفي شارعهم الضيق، والصدى يملأ المكان، واصوات وحركات غريبة حوله، يرى اشياء واجساماً تلوح، تسبح للاعماق وتتحرك في الفضاء الضيق حوله، سرعان ما تختفي، تتحرك جفونه وعيناه بسرعة، والى كل اتجاه، يداه تؤلمانه، الألم بسيط في عضلات ذراعية، وعند عقد اصابعه، يطبق اصابعه على عنق عدوه، قضبان الدرجات الحديد بقوة، يستغرب ان ذاك القضيب أملس حتى انه يستطيع ان يرى لمعانه، يتوقف عنده ويحس بتسلية كلما نظر اليه او تحسسه، اما قضيب الدرجة اسفل منه فهو خشن يفركه بيده، فيحس بفتات الصدأ وغباره يغطي كفيه، يمسح يده بملابسه، ويعود للتشبث بقوة بحديد الدرجة، يسرع بالابتعاد والنزول، حرام أن لا يختم الاذان (الله اكبر الله اكبر)، وينزل اكثر، يسمع من الاسفل نداء بعيداً، أهو صوت انثوي؟ يمكن ان يكون اذاناً من بعيد، لكن سمعه قادم من الاسفل، ايكون لهم مسجد في الاعماق، مسجد بعيد، بعيد جداً، اصبح باب البئر العلوي بعيداً جداً، ونزوله بطيء جداً، لابد ان يستمر، عليه ان يصل بسرعة، كلما احس بالضيق نفض يده التي تؤلمه، ومسح الصدأ عنها، الحركات والاصوات ونقط صغيرة نورانية تظهر بل تزداد تارة وتخبو، او تتناقص تارة اخرى، لا تتوقف حركاته ولا ثرثرته ، حتى يخفي قلقه عن المخلوقات حوله، يتنحنح أو يسعل، تماماً مثل الجدة التي تلتصق بالعتبة، كلما سمعت مشياً أو همساً تنحنحت أو سعلت، حتى لا يجفل المار او يفزع، فيجفلها ويفزعها هي الأخرى .
درجات قليلة بقيت حتى أصل الارض، ما كنت اعتقد ان طريق النزول بهذا الطول والشقاء، اتأمل جدران البئر الاربعة فأراها ترتفع للاعلى شامخة تشتبك بالسماء، متساوية ملساء، ومن كل زاوية من زواياه الاربع يمتد خط طويل طويل، يربط السماء بقعر البئر، اما خطوط المربع العلوي فتقترب مني من جميع الجهات، تقترب وتقترب، تزحف متقاربة صوب بعضها، احس انها تطبق عليّ من الأعلى لتمنع عني السماء، لتسحقني وتطمرني، تضغط على انفاسي. (لا بأس! كل الاماكن المنخفضة يصعب التنفس بها، سأملأ لهما الماء، ستفخر شقيقتي بي، سأسخر بالكثير من الاولاد والشباب الذين يرفضون المغامرة كما فعلت، لكن ماذا سأفعل لو تكسرت الدرجات الثلاث الأخيرة، أو حتى اثنتان مع الدرجة الصدئة المتآكلة، سأصيح حتى الانهاك، سأجلس بعدها في أحد الأركان انتظر النجدة، سأقف ساعة وأجلس اخرى، لن يكون بامكاني الاستلقاء أو الراحة، هذا إذا لم يتفجر النبع وترتفع الماء فتغمرني، سأعود للصياح والاستغاثة ثانية حتى الكلال، سيدوي صوتي في أرجاء البئر، حتى لو سمعت شقيقتي وصاحبتنا صوتي فلن تكونا قادرتين على عمل شيء يساعدني، وحينما يحضر الناس القادرون على انتشالي سأولي الادبار فور وصولي السطح، لن اكلم احداً منهم، لا اريد ان يسألني او يعاتبني أحد.
يتزايد طول السلم العلوي (لا إله إلا الله) تصغر فتحة البئر وتبتعد، حتى انه لو اراد الصعود لما أمكنه الوصول مرهق حتى الكلال، فليتدبر أمره ويفكر ماذا عليه ان يفعل من تفاصيل في قعر البئر وهو متلاصق بيديه ورجليه وصلت قدماه الدرجة الأخيرة، حاول النزول لقعر البئر، مهمة عسيرة، لا يجرؤ أن يقفز، وما يدريه عن طبيعة الأرض تحته، والنور قليل، دلى قدمه فلم تصل، تعلق بإحدى الدرجات بكلتا يديه، دلى رجليه الاثنتين في الهواء، سمح لقدمه بتلمس أرضية البئر، رطوبة الارضية ونعومة ملمسها دفعته لجذب قدمه للاعلى ثانية، اعادها للدرجة الاخيرة، لكنه بعد تفكير هوى وتدلى ثانية حتى كاد أن يلامس الأرضية، ممسكا بقضيب الدرجة الاخيرة بكلتا يديه (الصلاة والسلام عليك!...) ظل متعلقاً بالسماء، ويداه تتشبثان بحديد الدرجة الأخيرة، حتى لا يقطع نفسه، لماذا يبرد الحديد كثيراً؟!... وأحياناً يسخن ويصبح دفيئاً ؟!
الحبل هو الذي يصل قعر البئر بالسماء، افلت يده اليسرى، مدها صوب الحبل المدلى، كان بعيداً عنه قليلاً، سيظل ممسكاً هذه اللحظة بالدرجة، يلتفت يميناً ويساراً ويداه تعصران القضيب، بدأتا تتزحلقان من كثرة العرق والرطوبة، تأمل فتحة السرداب، حاول النظر لداخله، ظلام! والتصاقه بالحائط وبالدرجة يجعله يقف منحرفاً عن فتحة النفق. لابد من تحرير يديه، ها قد وصل قعر البئر، قدماه تقفان على الأرض، بالرغم من انها رطبة لينة الا انها ثابتة، ما عليه الا ان يفلت يديه الاثنتين، وماذا بعد ؟! وسيقف امام باب النفق قبل دخوله، سيحاول ان يقف طويلاً حتى تعتاد عيناه على الظلام، ويرى في اعماق الاعماق.
أُحسُّ الان بمغص، ربما كان جوعاً، وها هي جدران البئر الأربعة تقترب ثانية من بعضها، كنت أحسب البئر واسعاً، اما هنا فجدرانه العلوية تضيق، تكاد تنطبق تماماً على بعضها، أرى فتحة البئر أصغر من بؤبؤ العين.
لم اكن انتبه لما كان يقوله النازلون قبلي، فالماء الذي ابحث عنه ليس في قاع البئر، والا لاستخرجناها بالدلاء من فوهة البئر، تذكرت الان ان عليّ ان ادخل سردابا طويلا تحت الجبل.
(لا اكاد ارى الجدران والارضية تحت الفتحة التي في السماء، فكيف سأسير وارى في هذا النفق؟ لن اعود هنا ثانية لن اعود! لن اعود! لا بد من طريقة اخرى افضل للشرب والعيش، يجب ان نتخلص من هذا العذاب ها أنا اعتدت على النزول، لكن المصيبة تكمن في النفق الطويل، كيف سأدخله؟ كيف سأعيش فيه؟، كم سيطول مكثي فيه؟ امام هذا النفق يهون كل خوف وكل نزول. ماذا اقول لأهلي؟ لشقيقتي؟ لسعاد؟ حتى لاصدقائي؟ لا أحب النفق؟ لا اريد النفق؟ اكرهه؟ او اعترف لهم بالحقيقة المرة، نعم! نعم! أمرٌ ما مرّ عليّ أمرُّ منه! حتى واكثر مرارة مما سمعت من عذابات الجن والجنون، وظلم الغيلان والظلام ! صحيح قول جدتي... الخروج من الحمّام ليس كالدخول فيه...، او (ما الذي يضطرك للمر؟!... قال الأشد مرارة!).
هذا ما قتل اخي، انه الكهف، لكن لماذا لجأ للكهف الضعيف؟!... لأنه لا يريد ان يتراجع ويستسلم كما قالت أمي.
أصابعه تؤلمه من شدة ضغطه على حديد الدرجة الأخيرة، هي مرتفعة عن الأرض واكثر من متر، قل بمستوى كتفيه، وصعوده ثانية سيتطلب جهداً كبيراً وقوة اذرع للارتقاء على الدرجة الاولى، لا شك انهم لم يحسبوا حساب نزول ولد مثله الى الاعماق، معظم الناس ينسون هموم الاطفال وما يواجهونه من صعاب، إحدى يديه تلامس الحبل بخفة، حتى لا تظن شقيقته انه ملأ الدلو لها فتسحبه، فتجده فارغاً، فتشبعه لعنات وبصاقاً يقع بعضه على راسه، حنى رأسه وامال رقبته وظهره، ونظر بعيداً بعيداً... في داخل النفق، حاول ان يرى الماء، لم ير شيئاً يذكر في النفق، يرى بدايته، لكن أعماق المجهول تبدأ بعد المترين او الثلاثة الاولى، بعدها كحل وسواد، لم ير شيئاً سوى الظلام والمجهول في النفق، وهل هناك مناص من المغامرة والاقتحام؟... نزل لهذا الغرض، وعليه محاولة النجاح، هكذا علمه ابوه، أفلتت يداه الدرجة، مشى خطوتين صوب الفتحة، وقف متردداً، ينظر للداخل، هل سيدخل السرداب؟ يقدم رجلاً ويؤخرٌّ أخرى.
سقف السرداب مرتفع، يستطيع ان يقف فيه اطول رجل. سار للداخل بظهره، خطا خطوتين او ثلاثا متباطئا، توقف وتردد، حاول الامساك بأي شيء، ضغط على الجدار بيده، تداخلت حصى الجدار الخشن بلحم اصابع يده اليسرى ضاغطة عليها، والتصقت اصابع يده الاخرى بمقبض العلبة الفارغة، يمسكها بحزم، ظل نظره متجها لجدار البئر المقابل خارج النفق، كلما تقدم خطوة للخلف، ازداد تأملا للجدار المقابل الذي يربطه بالنور، صحيح أن الحياة هي فوق الارض وليس تحتها. يركز يدا على حائط السرداب الايسر ويزداد التصاق العلبة الفارغة بيده الاخرى، يتقدم للخلف خطوة او خطوتين لا يدري أهو يتقدم أو يتأخر أو يهرب من المحسوس ؟!، يغير الوضع، فتنتقل العلبة لليد اليمنى، ويمسك الجدار الايسر بيده اليسرى، ليتأكد من سلامة وسعة النفق، لم يكن قادرا على النظر ليديه وتبديل حركاتهما، ظلت عيناه مصوبتين الى اثر بصيص النور القادم من فوهة البئر، تبقى عيناه تدوران حول فتحة السرداب، نظر للحائط المقابل شاهد بقعة اسمنتية بلون مختلف، ليست بقعة!.. إنها صورة أم تضمّ طفلها!، تحنو عليه، يخشى ان يقفل الجني تلك الفتحة عليه، (حدثتني جدتي ثم والدتي من بعدها، أن على كل كهف أو مغارة حارس من الجن، وبعض الجن يخافون الله ولا يحبون الضرر، والبعض الآخر يكرهون بني البشر، والمصيبة اذا ظهرت لي ابنة ملك الجان، او أية جنّية، فمن الذي ينجيني، هل سأصبح جنياً يا ترى ؟ كيف يمكن أن أختفي مثلهم ؟ انهم يعيشون في الهواء، تحت الأرض، فوق الأشجار، في الكهوف، هل سيكون نصيبي العيش في هذا السرداب ؟.... واقضي حياتي بلا نور أو فضاء! وحتى لو كنت على وجه الأرض، سأعيش بلا عقل بشري، سأهيم في البراري، سيتبعني الأطفال ويهزأون بي، ربما يعذبونني، الم نكن نعذب -عوض- المجنون ؟!!، أنا اتبع الجنية التي عشقتني وعشقتها إلى كل مكان، والناس حولي أو ورائي يعجبون ويسخرون مني. )
واذا كان الجني ملكاً وأقفل باب الكهف عليه ليزوجه لاٌبنته، فسيبقى اسير الظلام الى الابد، ومصيبته انه لا يعرف كلمة السر، ليخاطب الجني حتى يعيد فتح الباب له، عيناه تتجهان إلى صورة الطفل وأمه، يثبت نظره عليهما، يتأخر للداخل متقدماً بخطىً متباطئة متعثرة، ومن المؤكد ان اسم الجني ليس (سمسم) حتى يقول له (افتح يا سمسم)، يركز نظره صوب فتحة السرداب المستطيلة والتي يمر من خلالها اطول رجل، يتأكد انها ما زالت مفتوحة، فهي التي سيخرج منها الى ارضية البئر، ثم الى الهواء فوق الأرض بعد انهاء مهمته، يركز نظره على الجدار المقابل، يقول لنفسه: (بقعة إسمنتية، يختلف لونها عن لون الجدار، هي غامقة قليلا، لكنه يرى حركةً بها، هي بها حياةٌ فعلاً، لم أتنبه لهما قبل قليل، الصحيح انها ام تحتضن طفلها، تقربه من صدرها لترضعه) يقشعر بدنه، ينسى نفسه، يسير للخلف وعيناه تناجيان أم الطفل.
- ما هذا! هل ينمو شعر الرأس بسرعة في الظلام؟
احس بشعري ينمو ويتحرك سأتأكد من ذلك بعد خروجي، يزداد الجو إظلاما، ويبرد الهواء هنا، اخشى ان تتلبد الغيوم في قريتنا وتحجب قرص الشمس، سوف يزداد الظلام هنا وينزل المطر مدرارا في الخارج، وينفجر النبع في النفق ستهرب شقيقتي ورفيقتها من المطر، سيرتفع الماء في البئر، كم دقيقة سأعيش بعد ذلك ؟... المهم انني سأبقى في هذا الكهف، سوف لن اطفو على وجه الماء مثل كل الأموات، لكن ماذا سيحصل لجثتي يا ترى ؟ !.. سيشرب كل واحد في القرية ومنهم أهلي جزءاً ولو بسيطاً من رائحتي ولحم بدني.
أما سماهر وسعاد فماذا ستفعلان ؟ ستهربان من المطر، ستختبئان في الكهف الاثري المجاور، اخشى عليهما من الارواح الشريرة هناك، او تظهر لهما أرواح الجنود الاتراك الذين قتلهم الانجليز في الكهف، بل اخشى ان ينهدم الكهف عليهما كما هدمه الانجليز على اخي مراد ومن قبل ذلك على الجنود الاتراك، لن يسمع تخبطي احد، "هل يسمعنني لو ناديت يا ترى؟..أو هل أسمعهن لو نادت احداهن عليّ ؟ "
- ( سماهر............!!!)
-.........................
(لا شيء سوى الصدى لماذا لا اسرع بالصعود؟ ومن يكرهني على البقاء والمعاناة ها هنا؟ لكن ماذا سيقول الاولاد لي؟ وماذا سيقول عني اهل القرية؟ شقيقتي وصديقتها؟ ستكثر معاتبات والدتي، لأنها بحاجة ماسة للماء، اما والدي فسيشبعني تأنيباً وتقريعا.)
شيء ما يداعب رأسه، شعر رأسه اولا، شيء يقترب من شعره ورأسه رويدا رويدا، ضربة قوية تهوي على مؤخرة رأسه، كاد يسقط على الارض من شدتها، لولا تشبثه بالجدار، شيء ما اطبق على رأسه، اعاق حركته، منع تقدمه للخلف، لم يعد يقوى على الوقوف، أحسَّ برجفة في ركبتيه، ارتخت مفاصله، تمنى ان يتمدد على الارض، لكن الوحدة والظلام والماء افاقته، واعادت له وعيه، يده تزداد تشبثا بالجدار, واليد الاخرى تقبض على نفسها وعلى علبتها، يحس بأن اصابعه تحطم بعضها، صاح بأعلى صوته فجأة:
- سماهر سمااااا.... هير!
ارتفعت قبضة يده المقفلة للأعلى دون وعي ضاربة ما يطبق على رأسه، ارتدت يده الى أسفل بعنف، "ما هذا الذي حطم يدي واصابعي!؟" ارتخت اليد الضاربة المضروبة، ركزها على الحائط المقابل رفع يده الاخرى للاعلى يتحسس رأسهُ لامس سقف السرداب، يتذكر الان، ابلغوه ان ارتفاع السرداب يقصر قرب الماء، وعليه ان يبدأ بالانحناء والاستعداد لجلوس القرفصاء، للمباشرة بغرف الماء (لا وقت للشكوى هنا والانين, انا هنا للعمل وغرف الماء)، حمدا لله ان شقيقته سماهر لم تسمع نداءه، ربما ابتعدت عن فوهة البئر قليلا، او انشغلت مع صديقتها بالاحاديث النسائية، أحسَّ بصداع في رأسه والم حاد يشل يده، اراد ان يتحسس مكان الضربة في رأسه، ما الفائدة من لمس رأسه!؟ لن يتمكن من التأكد ان اصيب بجرح أو رضّ او هل مكان الضربة ينزف؟! تختلط رطوبة الجو بحرارة جسده وعرقه، لن يحس الفرق بين حرارة الدم النازف وسيلان العرق، وحتى لو اراد تذوق ما يعلق على اصابعه، فالعرق مالح أيضاً كالدم، ولن يميز اللون في النفق فبصيص النور الذي امامه، كعدمه داخل السرداب، يحس بماء قليل تحت قدميه، ينحني ليحدد طرف البركة الصغيرة، يتجمع فيها الماء، كما سمع من النازلين قبله، سيبدأ بملء العلبة التي معه من البركة الصغيرة، وسيخرج من النفق مرات عدة ليسكبها في الدلو المدلى في الحبل.
(ما هذه القرقعة؟ تشبه صوت الانهيار، انهيار ماذا؟ هل يحدث انهيار او انفجار هنا؟ وإن حصل زلزال فهل يصل الى هنا؟ ثم ما معنى ان يحدث الزلزال الان؟! ولماذا هذه اللحظة؟ بينما انا في غرفتي المسحورة! لا! لا! لا اعتقد ذلك! لايمكن ان يكون انفجارا! او هو دوي انفجار قنبلة ؟، إحدى العصابات التي نسمع عنها؟ هاغاناه؟ شتيرن؟ لكنهم لا يصلون لقريتنا! إذن ما هذه الأصوات المدوية؟ هل يمكن أن تكون من يهود؟ انجليز؟ رصاص؟ قنابل؟ ظلام! سرداب مظلم! الظلام نقمة! احيانا نعمة! كيف يعيش الطفل في ظلام وأمان في بطن امه؟ ما دمت على هذا العمق، وفي هذا الظلام، فأنا الآن في أمان. اتسمع؟! هل سمعت؟! نعم سمعت! هي انفجارات قنابل! لا شك انها بعيدة، ما دام اذاها لا يصلني فهي بعيدة. الظلام ليس خطراً.)
أين علبة الماء؟!. بماذا سأغرف الماء؟ ضاعت العلبة! العلبة! العلبة! لا شك أنها وقعت من يدي حين اصطدم راسي بسقف السرداب.
يده تبحث عن العلبة، يرفع ظهره قليلا، يتحسس رأسه. تقع عينه على صورة الطفل من بعيد، بعيد جداً، هو في السرداب لوحده والطفل يحتضن امه، امه تحتضنه، يتحرك الطفل ويتململ، وساهر يتحسس شعره، عنقه، يحرك قدمه اليسرى، قدمه اليمنى، الأم تضم الطفل، يلتصق الطفل، يهمد وتقل حركاته.
الظلام لا يخيفه، بل العكس، يستطيع ان يفعل الطفل الكثير في الظلام.
أنت حر هنا، حتى اعداؤك لن يكتشفوك، تفكر كما تشاء، تفعل ما تريد، تخاف ولا يراك أحد، وتجبن على هواك، تتلمس ذات اليمين وذات الشمال. حتى انك تستطيع أن تبول وتخرج برازاً دون ان يراك احد، ودون احتياطات، ضغط ثقيل اسفل بطنك، إنّه الم، تقرفص وتخرج منك اصوات كثيرة وانت تسند ظهرك على الجدار، لتبتعد عن قناة الماء الضعيفة والبركة الصغيرة التي بدات تتحسس اطرافها، وتعرف حدودها، سيمتصه الظلام... والأرض... والأيام...، لن يصل البول للبركة، قد يجف قبل وصوله لها. تتحرك يدك يميناً ويساراً، تصطاد العلبة بعد أن تعودت على الظلام في السرداب، إذن فالفرقعة والاهتزازات كانت منها!... ما عدت تهتم بقرقعة أو دويّ، إنها العلبة! طفتْ على سطح البركة، سارت مع التموجات في الظلام، ابتعدت عن متناول يدك، تبحث عنها بقدمك، تصطدم قدمك بها، تقرّبها، تلتقطها يدك، ينظر الطفل في وجهك لحظتها، يبتسم في حضن أمه، دفن راسه في صدرها، بدأ يملأ فمه وحلقه بالحليب الدافئ، وأنت ستشرب الماء من مصدر النبع الصافي ما دمت وجدت العلبة التي ستغرف بها.