4

8 0 00

4

(تسبح الفراشات في بؤبؤ كل عين، بل تغلق واحدة وتزوغ الأخرى، كان لي عينان حادتان قبل قليل، أين طارت شهرتي في قوة النظر، حتى لساني تجمد، تساقطت خيوطه وشرايينه التي تحركه، كنت أود أن أبصق أو أسعل لأدلل على حياتي، لكن مئذنة المسجد ما زالت متكومة متمركزة على رأسي من الخلف، الله ما أشد ثقلها، بالرغم من أن يدي لمست موضع الألم، إنها دائرة بقطر علبة السعوط على مؤخرة رأسي، ارتكزت المئذنة بل مسجد القرية الضخم مع مئذنته اتكأتا داخل علبة السعوط فوق رأسي، "عطية السِّقّا " الكفيف هو سبب ذلك، اجلس في السطل المطاطي الكبير، يضعون به الحصى والتراب عادة وهم يحفرون البئر الجديدة، يسحب عطية الحبل لرفع التراب والحصى المحفور من البئر إلى السطح، يريد عطية الاعمى ان يريني قوة عضلاته، يراهن أنه سيوصلني سطح الأرض في ثلاث سحبات حتى لا اخاف، مضى عليه حوالي الشهر وهو يعمل داخل بئرنا الجديدة، فهناك عامل يحفر الصخر داخل البئر وآخر يملأ الحصى والتراب في السطل، وعطية الأعمى يقوم بسحب حبل البكرة ليرفعه إلى مستوى وجه الأرض، فيتناوله عامل آخر لافراغه بعيداً، رايت العمال الاخرين ينزلون ويصعدون بواسطة الحبل والسطل والبكرة، وعطية الأعمى هو الذي يتحكم في الحبل ويضمن صعودهم وهبوطهم، لهذا قبلت الجلوس في السطل المطاطي الكبير ذلك اليوم، يسحب عطية الأعمى الحبل بعزم شديد، أعجب كيف يعيش الأعمى ويعمل؟... وكيف يقع المبصرون ويسقطون، ينحرف السطل في السحبة الأولى، تأرجح قليلاً في السحبة الثانية، كدت أصيح لأنبهه، ابتعد السطل عن الخط النازل من فتحة البئر، وفي السحبة الثالثة كان راسي يصطدم بسقف البئر، كان السطل عميقاً وإلاّ وقعت، لم أشعر بالدنيا حولي، صاح العامل على سطح الأرض عند فتحة البئر، مال وعدل الحبل ثم سحبني وسحب السطل قال العامل في الخارج: (الله يعمي قلبك يا عطية فوق عمى عينيك، لماذا هذه الدفاشة؟!)

أين أنت الآن يا عطية لا أمانع ان يضرب راسي ثانية في سقف البئر، على ان أخرج من هذه البئر بسرعة وحالاً، شرط أن يتم ذلك دون لوم أو تقريع، حتى مع معرفتي بخطورة الصعود فإنا مستعد أن أقعد في الدلو المطاطي الكبير، وتسحبني للأعلى قوة عمياء أو مبصرة. فهل من ينقذني مما أنا فيه ؟!... ما أكثر ما نوقع بأنفسنا وبأيدينا !.....

هل يحسّ طفل النبع الملتصق بصدر أمه بالجوع؟! من المؤكد انه يحس بالجوع مثلي، هذه المرة، كلانا بحاجة للحضن والدفء والطعام.

سأتحسس رأس الطفل عندما أقترب منه، آمل أن لا يكون به جرح! وصل الدلو منتصف البئر، اهتز الحبل انسكب منه بعض الماء (سماهر ! سماهر ! لا تضيّعي الماء!) يبدو انها لم تسمع، يصعد الدلو يقترب من فتحة البئر، يدخل الفتحة، تمتد يد لتناوله، يتدلى ثانية نازلاً (هذا غباء مني لماذا انتظره؟! لماذا لا اذهب داخل السرداب والنبع، للعمل على ملء العلبة، انني اهدر الوقت!)

لا ارغب في مغادرة الحائط الذي عليه صورة الأم وطفلها، (لكن العبء عليك! فلا تماطل يا ساهر، فمهما تاخرت فانت الخاسر!).

ما دمت لا ارى شيئاً داخل السرداب فلماذا لا اعود بظهري، وداعاً يا أمُّ، وداعاً يا طفل! سأعود بعد قليل...! الظلام لم يعد يخيفني! ثم أنني أقوم بمهمة محددة، عندي أمل أن أنتهي منها بسرعة، سأحاول ذلك، لابد من إنهاء ما علينا، حتى لو كان الأمر في غاية الصعوبة، أو في جو مظلم ورهيب.

يرفع الطفل راسه من تحت ابط والدته، يبتسم لي (ليتني اعود للوقوف عنده!) يصطدم راسي بالسقف ثانية، هذه المرة صدمة اخف، احني ظهري، عيناي تتجهان خارج النفق، صوب الحائط المقابل، (انني بحاجة الى امي مثل ذاك الطفل!!... طفل كبير!... كلا! ولد كبير!

هل انا ولد كبير؟، لو لم اكن كبيراً لما تجرأت على النزول وحدي!.. ليتني جبنت عن النزول! التجرؤ في غير محله مصيبة!)

امتلأت العلبة بسرعة، لا احتاج للالتصاق بالجدار فعيناي تريان صورة الطفل والأم، ويداي تحملان العلبة لحفظ توازني، ما دمت ارى الطفل ووالدته فلن اتزحلق أو اتعثر بحصى، حتى لو كانت الأرضية مائلة في بعض المواقع في السرداب، املأ العلبة الثانية والثالثة، الدلو يمتلئ، يصعد للاعلى، التصق بالجدار، الدلو يصعد بسرعة، وانا ازداد التصاقاً بامي، (ضميني اليك يا امي لا اريد ان يرانا احد! لا احب ان يسمع كلامي احد، لا ولا حتى اختي! نحن هنا لوحدنا! اعتبريني مثل ابنك الذي في جوارك! ها أنا التصق بك، المكان دافئ هنا، لا احس بالجوع ولا بالعطش، لولا العمل الذي ينتظرني لما تحركت من جوارك يا أمي، سأتوقف واراقب صعود الدلو ونزوله، لكن معذرة يا امي!، سابتعد عنك قليلاً لملء دلو جديد، وسأعود لك ثانية، ضمي اخي الى حضنك، ارضعيه جيداً ريثما اعود، سالتصق بك، سأدفئ الحائط الذي تقيمين عنده، فما دام هناك دلو وحبل وجرار فارغة ساظل احلم بلقائك، انا بحاجة لحنانك يا أمي ولأنسك، وأن أسمع دعاءك إلى الله ليرضى عني، لهو غذائي وقوتي ذاك اليوم.

(احس بالعطش، والجوع، وال... وال.... وال.....)

وأنا في أعماق هذا الجب لا يسمعني أحد ، أسمع كلماتي وأحاديثي ، ربما أنا مجنون ، وربما يراقبني جنية أو حورية أو حتى شيطان ، إنه عذاب في عذاب في عذاب ، عندما أكبر سأشتري بندقية مثل تلك التي تكلم عنها الرجل العجوز ، وسأجعل زوجتي تفخر بي أمام شباب القرية ، وإن قتلت فسيفخر أولادي بسيرة والدهم ، سأحاول أن يكون لي أولاد كثيرون ، والمرأة؟ طبعاً ستكون جميلة ومتوافقة مع طباعي.

يستنشق رائحة العرق والرطوبة والهواء المحصور. اعتاد بعض الشيء على بصيص الضوء وقلة الهواء، لكن هناك الأصوات الغربية والاصداء، اذا نظر للظلام خلفه، احس بالحركة والحياة الغامضة الصاخبة فيه، حتى أنه يكاد يتلمس كل ذلك يحني ظهره للامام يداه تغرفان الماء وعيناه تمتدان في خيط دقيق، يرى الطفل يتململ في حضن امه، يهم بالبكاء، وربما الانفجار في صياح مجلجل، تسمعه والدته المصغية الصافنة، يرتد طرفها اليه، تنظر في عينيه تضمه بيدها التي تطوقه، تحني رأسها لتقبله، لكنه يهدأ ويهجع قبل وصول فمها له، يلجأ لصدرها يختفي فيه، ينشغل بما يلهيه عن الجوع والفزع، يشعر ان أمه معه أو أنه في حضنها فتزول عنه اختناقات الوحدة وشرور الأعماق. ويعتقد أن هناك أرواحاً تريحنا، وأرواحاً تروح معنا في غدونا ورواحنا، وأرواحاً لا تراوح مكانها.

يصدر حفيف من كل شيء حولي، وأحس بالقوى الكثيرة الخفية التي تشاركني هذا العالم، أتشاغل بالعمل ومواصلة ما يتوجب عليّ عمله، وسط حركات متواترة متكررة لانجاز المهمة، سنملأ الجرة الجديدة، سنشعربالأمان والتميز، ماء جديد، جهد مبذول في مكان معزول، اختبار لقدرتي على ملء جرة كبيرة تدخل بيتنا للمرة الاولى. اقوم بملئها انا بنفسي للمرة الاولى ومن يعلم........ (ربما للمرة الاخيرة.) احس بالقوة والقدرة على الانجاز، مخلوقات تعمل وتعيش في الصمت والظلام البارد. هل الخوف موت؟ هل الموت خوف؟! هل يخاف الإنسان بعد موته؟!... هل يبدو على وجهي شيء غير طبيعي كالخوف مثلاً!... لو كان النور كافياً لقلنا أن الطفل والأرنب لاحظا أنّ وجهي بلا لون. وبعض القشعريرة التي تفاجئني حيناً بعد حين.

ها هو يطل برأسه ثانية! لا يمكن أن يكون أرنباً!؟... مشكلتي هو ذاك الأرنب! يتمدد مرتاحاً دون مبالاة خلفها، كأنه ولدها، أو من مقتنياتها يطلّ برأسه تارة، يرفع أذنيه، تلمع عيناه، بل تبرقان وتشعان بقوة حين يوجههما صوبي، أرى شعاعاً أحمر قاتماً يمتد إلى وجهي! لا يلتفت يمنة ولا يسرة، بعدها يغض الطرف أو يرخي رأسه بين قدميه الأماميتين.

أي منا يخشى الآخر؟... لو لم يكن خائفاً لما اختفى خلف أم الطفل، لا يستطيع مغادرتها، فهي التي تطعمه وتحميه، أنا ولد كبير، فهل صادف أن خاف ولد من أرنب؟!... إننا نسمي الولد الخواف (أرنب)، اعتدنا أن نغني: (أرنب! أرنب! ارنوبة، قيَّل تحت الخرّوبة)، يختفي الأرنب هذه اللحظة، هل يسمع حدائي، يختفي كل أثر له، إذن فالأرنب هو الذي يخاف!... ومن يختفي يخاف، لكن ارجو أن لا يرجع ثانية، ها هو يبرز تارة أخرى، يمعن النظر إليّ، لماذا ينظر إليّ بتأمل يا ترى؟!... هل فهم أنني غريب عن هذا المكان؟ شكله شكل أرنب لكن تصرفاته نادرة! لا يمكن أن يكون أرنباً! شكله يوحي بأنه أرنب، لكن حواسه تعمل كحواسنا، أعتقد أنه يفهم حتى كل ما يخطر لي ببال، يحسّ بما يدور في أعماقي، وكأنه يدرك رغبتي في الهرب، بل يشجعني على ذلك.

لكنه أرنب! وما دام أنه أرنب فهو أرنب وما علاقتي أنا بذلك، فليكن أرنباً أو حتى جملاً ما دام لا يفارق جداره، ولديّ ما يشغلني عن النظر إليه، أو حتى التفكير فيه، وأم الطفل فاصل بيننا، لا أظن أنها ستسمح له بالتقدم للسرداب، أو للوصول إلى الماء في الظلام، فهو يخاف مني أكثر مما أخاف منه، ليتني أستطيع أن أتلفظ ما أفكر فيه، كل الأرانب تخشى الماء، فهل أحس بالاطمئنان في الظلام قرب نبع الماء داخل الجبل؟...

(لا بد أن تقع يوما ما بين يديّ!... لن يقطّعك إلا يديّ!، ولن يطبخك أحد غيري، سأصبر! سأتحمل! لكن من يعش سوف يرى!)

(هل يعيق الخوف العمل؟! حتى الظلام لا يحول دون التحرك!... ها قد ملأ الدلو الثاني!) احس ببعض النشوة، تامل ماء الدلو المملوء، اتجه بنظره الى السرداب، اقشعر بدنه، اجتاحه شيء من البرد، فطن لألم راسه وعقد اصابعه، جذب حبل الدلو للاسفل ليبلغ سماهر او صديقتها بامتلائه، ها هو الدلو يصعد للاعلى.

رجفة في اكتافه واحشائه، لا يدري اهي من البرد ام من الـــ...!، كم يكره تذكر وجوده في السرداب تحت الأرض. ومع أن عقرباً لدغه عند الماء قبل عام، فهو لا يأمن أي مكان، كان ذلك عند وادي سلمان، وفي فصل الربيع، ذهب ورفاقه يسبحون في الوادي، كانت الزهور والاعشاب والخضرة تشرح النفس والعين هناك، ليس مثل هذا المكان المظلم، ثم لم يكن لوحده، كان رفاقي اكثر من عشرة أولاد، أردنا رفع مستوى سطح الماء في بركة على طرف الوادي، صاروا ينقلون الحجارة إلى طرف البركة لتعيق مرور الماء، كلما ازداد ارتفاع الحجارة ازداد ارتفاع الماء، لم يعجبه تناول الحجارة المتوسطة والصغيرة، أراد الأسراع، صار ينقل الحجارة الكبيرة، شوكة قوية تدخل في لحم أصبعه، رمى الحجر فإذا بها عقرب صفراء كبيرة، تحاول الهرب، (عقرب!.. عقرب!..) وقبل وصول الأولاد، كان قد مزّقها بحصى وادي أملس يصلح لدقّ حبّ الزيتون. هناك كان الألم، ربطوا له أصبعه، أسرع لملابسه وعاد للقرية جرياً، كانوا على بعد ثلاثة كيلو مترات جنوب البلدة، جرح الشيخ مكان اللدغة، وقرأ عليها الكثير من الآيات والأوراد، خف الوجع، لكن سريان الوخز انتشر إلى كل مكان في جسده، ومع أنني أحسّ بالبرد إلاّ أن لدغ العقرب هناك أهون ألف مرة من العمل هنـا.