القسم الأول

4 0 00

القسم الأول

" حمالة صدر،، مسكرة،، وأحمر شفاه غامق "

كعادته صباح كل يوم، استيقظ مستر أولمبيا من نومه مبكراً، تناول فطوره بعد ساعة كان قد قضى الشطر الأكبر منها في مزاولة بعض التمارين الرياضية التي لم تكن في الحقيقة سوى حركات قدم ويدين بطيئة. فعجوز مثله شارف على الثالثة والسبعين من عمره، لا يقوى على ممارسة التمارين البدنية المتعبة، كما كان يفعل ذلك قبل أربعين عاماً، عندما كان بطلاً دولياً في رياضة بناء الأجسام، ذو عضلات مفتولة تكاد تنطّ من جسده بينما هو يستعرض بها أمام الفتيات في قاعة نادي " بورت كلاب " فيتصارخن أو يغمضن أعينهنّ. يضعن أيديهنّ على خدودهنّ المزوقة مندهشات من رؤية البطل العالمي مستر أولمبيا. قد يُغمى على إحداهنّ قبل أن تعود إلى وعيها برشة ماء باردة وبعض البسملات. في حين يتحلّقنَ أخريات حوله بينما هو يترك توقيعه على مناديلهنّ البيض الناعمة والملطخة بأحمر الشفاه.

كان مستر أولمبيا يملك جسماً مصفحاً يبدو فيه مثل كركدن، وله رأس يناطح به ثور، وكفيّن تكاد عروقهما أن تطقّ بينما هو يلوي بهما قضبان حديدية سميكة، وأضراس يعرك بها زجاج قناني السينالكو والكوكوكولا. وما زالت الأوسمة التي حصل عليها في بطولات محلية وإقليمية وعالمية تطوق عنقه وتتدلى على صدره البارز مثل "بكم" مدرعة، حتى جاء يوم لم يعد يحتمل فيه جنون أحد المعجبين وتطفله عليه طوال الوقت، فوخزه بسبّابته، واتفق أن جاءت الوخزة في قلبه فمات هذا على الفور.

حدث ذلك في قاعة نادي الاتحاد مجاور سينما الكرنك في العشار، ليُحرم بعدها من المشاركة في البطولات المحلية والخارجية. وتم تجريده من كافة الألقاب والأوسمة التي حصل عليها منذ احترافه رياضة بناء الأجسام. وبالتالي اضطر إلى العمل كـ " سوبرمان " يقدم عروضاً خارقة في النوادي الترفيهية، خصوصاً أثناء الأعياد والمناسبات. ولم تكن تلك جنايته الوحيدة، فقد حُكم عليه بعدها بالسجن مدى الحياة بتهمة القتل العمد، قبل أن يُفرج عنه في إحدى قرارات العفو التي جاءت بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية نهاية الثمانينات. ومنذ ذلك الحين وهو يعيش وحيداً في بيت قديم وشبه خرب يقع في حي بريهة.

لم يعد مستر اولمبيا كما كان في الماضي، فقد هزل جسمه وتهدّل جلده وملأ الشيب شعره. بانت التجاعيد على وجهه وسحقت أحذية السجّانين فتوته في الزنازين الرطبة. لكنه ما زال يملك عينين تريان الأشياء بوضوح وقدمين تحملانه من مكان إلى آخر، ويقوم بالأعمال المنزلية بنفسه : يتسوق ويعد الطعام. يغسل ملابسه بيديه ويكويها. لا يدخن السجائر وينظف أسنانه ثلاث مرات في اليوم. يقرأ الصحف ويمارس الرياضة ويستمع إلى الراديو. ونادرا ما يخرج من البيت إما للنزهة أو الذهاب إلى المصرف لتسلّم راتبه التقاعدي الذي خصصه له وزير الرياضة والشباب بعد أن شاهده في التلفاز، وهو يشكو ضحالة الواقع الذي يعيشه. حدث ذلك في احد أيام الشتاء عندما تلفظ مستر اولمبيا بكلمات مؤثرة أمام كاميرا وضعتها قناة فضائية محلية تحت جسر المشاة المعلق في البصرة القديمة. وما زالت تلك القناة تعيد شكواه في برنامج المايكروفون المفتوح مع شكاوى الأرامل والمطلقات ومعاقي الحرب والمهجرين وأصحاب العاهات المستديمة حتى التفت إلى ذلك وزير الرياضة، فأمر بمنحه راتبا تقاعديا تقديرا لانجازاته في رياضة بناء الأجسام.

منذ ذلك الحين ومستر اولمبيا يتسلم راتبه مرة واحدة كل شهرين. يستيقظ في ساعة مبكرة ليقضي ربع ساعة في تمشيط شعره ونصف ساعة أخرى في اختيار ثيابه وإحكام ربطة عنقه، عدا الأوقات التي يستهلكها في المرحاض ثم الحمام ثم تلميع حذائه. يفعل ذلك وهو يردد أغنية لأم كلثوم أو مائدة نزهت. يتعطر جيدا قبل أن يخرج من المنزل. وتلافيا لازدحام المارة يعبر الشارع العام ويسير بمحاذاة نهر العشار حتى يصل إلى سوق حنا الشيخ، يمر من بين السيارات المزدحمة إلى الجهة المقابلة، يسير وسط المارة في طريقه إلى مصرف الرافدين على مقربة من ساحة أسد بابل. قد تستوقفه رائحة السمبوسة التي تنبعث من أكشاك المأكولات المجاورة فيحشر جسده النحيف بين الزبائن المزدحمين ليحصل على سندوتش متبّل على الطريقة الهندية. يسحب نفسه إلى الرصيف المقابل، يأكل على مهل : " حار جدا ! " يتفلفل فمه. يدلع لسانه وتحمر عيناه ثم تدمعان. يلقي ما تبقى من السندوتش في سلة القمامة، ويلوم نفسه لأنه لا يكفّ عن أكل السندوتشات الحارة، فقد يتهيج قولونه وتبدأ معاناته مع الغازات المزعجة.

يترك مستر أولمبيا بعض قطط العشار وراءه وهي تتعارك على نصف السندوتش الذي ألقاه في سلة القمامة. يكمل مسيره حتى يصل إلى المصرف، يجتاز السياج الكونكريتي المحكم بعد أن يفتشه أحد الشرطيين المكلفين بالحراسة. يقف في الطابور أمام شباك الاستلام. بعد أقل من نصف ساعة يبدأ التدافع بين المتقاعدين. يستغلّ اولمبيا خبرته في التحايل على أقرانه واجتيازهم حتى يصل إلى الشباك. يتسلم راتبه ويخرج من الزحام وفي يده حزمة أو حزمتان من النقود الورقية. يضعها في حقيبة صغيرة وينصرف حيث يتلقفه في الخارج احد النشالين ممن يتنكرون بهيئة فاعلي الخير الذي يمدون يد المعونة للمتقاعدين المسنين. في المرة الأخيرة كان بانتظاره رجل بوجه مشوه كأن أحدا ما غلّفه بلحاء شجرة، عرض عليه المساعدة في عبور الشارع، إلا إن اولمبيا تجاهله وانعطف مسرعا نحو شارع الوطن. أخذ قسطا من الراحة في أحد محلات بيع العصائر هناك وفي يده قدح زبيب راح يشربه على دفعات : " بارد جدا ! " دفع ثمنه وخرج ليتمشى بمحاذاة محال الألبسة. اشترى سروالا داخليا وزوج جوارب ومنشفة قطن، قبل أن يدخل إلى أحد صالونات الحلاقة ليشذب شعره.

" نعيما.. "

دائما ما يجامل الحلاقين زبائنهم بهذه الكلمة إشارة إلى انتهائهم من الحلاقة. وقد يزيد بعضهم على ذلك بأن يطبطب على كتف الزبون، لكنّ شيئا لم يبدر من مستر أولمبيا في ذلك اليوم ليكون رداً على تلك المجاملة. نهض من على الكرسي أمام المرآة. أخرج من جيب سترته الداخلي ورقة من فئة الألف دينار وناولها إلى الحلاق الشاب الذي تلقفها بشيء من عدم الرضا، انصرف بعدها متمتماً بكلمات مبهمة أو هي أقرب إلى السباب رداً على شتائم الحلاق الذي أقسم أن تكون هذه المرة الأخيرة التي يحلق فيها شعر رجل عجوز أبله.

أحسّ مستر اولمبيا أن هناك من يتعقبه، فراح يتلفت وراءه بين حين وآخر، بينما هو يتنقل بين أسواق العشار. فمن حنا الشيخ إلى سوق التجار حيث اشترى من هناك بعض المكسرات وأواني جديدة للمطبخ : مقلاة وسكاكين فواكه وأقداح كريستال وقدر ستيل مع خلاط كهربائي. كان على وشك أن يشتري راديو من سوق الهرج لولا أنه تذكر وصيته للبائع المتجول "خليل موتو" بجلب راديو جديد بدلا من الراديو الذي تعطل مؤخرا. اجتاز الزحام في سوق العبي إلى سوق العطارين. اشترى من أحد الدكاكين الصغيرة هناك بابونج وعرق السوس ولبان وزجاجة زنجبيل وقطعة عنبر ومسحوق شبّ معطر يكفّ به عن إبطيه وقدميه الرائحة الكريهة. دخل بعدها إلى أحد الممرات الضيقة التي تفضي إلى سوق البنات. توقف أمام بسطة في وسط السوق، حشر نفسه بين نسوة تزاحمن حولها ورحن يتفحّصن ثيابا نسائية للبيع مكومة بشكل عشوائي، وصرن يفعلن ذلك بشيء من الحياء ما دام أنّ رجلاً عجوزاً راح يمط بينهنَّ كورسيه أحمر ليختبر قوة الخيوط المطاطية، وما إذا كانت ستبيد حول خصر المرأة بسرعة. بعض أولاء النسوة غطين وجوههنَّ بالعباءات ورحن يطلقن من تحتها قهقهات ناعمة وخجلى، في حين أبدت أكثر من امرأة واقفة في الجوار استياءها من وجود رجل بينهنَّ يساوم على سعر حمالة صدر وروب نوم احمر مريش ومهلهل، ويلح على البائع كي يخفّض من ثمن سروال أحمر داخلي.

أخيرا.. اشترى مستر أولمبيا السروال بنصف سعره، إضافة إلى حمالة الصدر وجوارب شفافة وأخرى مقلمة. انتقل بعدها إلى شارع الصيادلة حيث اشترى من إحدى الصيدليات شيت حبوب مانع للحمل وعلبة فلاش لذر ماركة القرش وكيس فوط نسائية ماركة أولويز. وقد لفتت انتباهه بسطة قبالة الصيدلية كوّم صاحبها عليها علب الشامبو والماكياج المختلفة. اشترى عبوة سالسنك ضد تساقط الشعر وقنينة صبغ شعر لون كستنائي. مسكرة، قلم احمر شفاه غامق، طلاء أظافر. في حين تردد في شراء قارورة عطر فرنسي وبودرة لتبييض الوجه ومبراة أظافر.

روب النوم المهلهل يشي أن ثمة امرأة طويلة فيها شيء من بدانة. أضف لذلك أنها تمتلك عجيزة كبيرة ويبدو ذلك جليا من الحجم الأقصى للكورسيه XXXL. فضلا عن ذلك هي امرأة بيضاء ما دام أن الرجل امتنع عن شراء بودرة الوجه المبيضة. كما أنها تعشق اللون الأحمر الغامق، ولا تحبذ الأظافر الطويلة وتشكو من حساسية الأنف. ولا احد يعلم فيما إذا كانت امرأة مسنّة إلى الحد الذي جعل اولمبيا يشتري لها شامبو يقي من تساقط الشعر. كما لم ينس مواراة الشيب بقنينة صبغ الشعر الكستنائي. إلا أن هناك ما يمكن أن يدحض التكهن عما إذا كانت المرأة كذلك، مثل علبة الفلاش لذر وحبوب منع الحمل والفوط النسائية.

بعد كل جولة من تلك الجولات النهارية في أسواق العشار، يستقل مستر اولمبيا سيارة أجرة أو يعود إلى البيت راجلاً في بعض الأحيان. يستحم. يتناول غداءه مبكرا ثم ينام. لكنه في المرة الأخيرة لم ينم لحظة واحدة عندما تذكر أن أحدا ما بوجه كأنه غُلِّف بلحاء شجرة كان يتعقبه منذ أن خرج من المصرف وحتى دخوله إلى البيت.

" ساعي بريد المحبّة "

منذ أكثر من ثلاثين عاما وساعي بريد البلدة ما يزال مواظبا على عمله بهمة طالما جذبت انتباه الصحافة، فكانت صوره تظهر في الجرائد بين فترة وأخرى وهو يقود دراجته الهوائية في شوارع البلدة، حالقا وجهه بعناية ومرتديا بذلته الزرقاء النظيفة وقبعته الموشحة بشريط أحمر. ودائما ما يدبج الصحفيون المحليون أجمل التعليقات لتظهر مع كل صورة يلتقطونها له وتُنشر على الصفحات الأخيرة. ولعلّ تعليق " ساعي بريد المحبة " هو الأقرب إلى نفسه من بين تلك التعليقات. وكان كلما سنحت له الفرصة ومرّ من أمام بسطات باعة الصحف في ساحة أم البروم يسأل أحدهم عما إذا ظهرت له صورة جديدة ليقتطعها من الجريدة مع التعليق ويبروزها ثم يعلقها على الجدار في غرفة الضيوف إلى جانب صوره الأخرى التي التقطت له في مناسبات عديدة.

البصرة مدينة فوضوية. ليس هناك أرقام أو عناوين واضحة للمنازل. إلا أنّ شيئا من التذمر لم يبدُ على ساعي بريد البلدة وهو يتجول على دراجته في العشار والمناطق المحيطة بها، من الساعة الثامنة حتى الواحدة ظهرا. حيث يقوم بتسليم الرسائل إلى أصحابها باليد. العمل الذي أحبّه كثيرا ولم يشكُ يوما من متاعبه. امرأة وفية وولدان صالحان يدعوان له وهذا العمل هو كل ما كان يتمناه ساعي بريد البلدة وقد حصل عليه في النهاية. لذا يمكن رؤيته صباح كل يوم وهو يوزع ابتساماته على زملاء العمل ويلصقها بوجوه المارة في الشارع، قبل أن يبدأ بتوزيع الرسائل والطرود التي تملأ كيسين من الجنفاص يتدليان من مؤخرة الدراجة بينما هو يقودها في الطرق الموحلة شتاءً والمتربة صيفا. فلا ترى على وجهه حينذاك سوى آثار الغبطة، مثل ولد شاطر في طريقه إلى المدرسة.

في ذلك اليوم استيقظ الساعي في وقت كانت الشمس قد أشرقت. والى أن توضأ سريعا وصلى كانت زوجته قد استفاقت هي الأخرى ودلفت إلى المطبخ لإعداد الفطور. لم يكن هناك متسع من الوقت لكي يقرأ بعض الآيات من سورة الواقعة، فارتدى ثيابه وخرج مستاء دون أن يأكل شيئا من فطوره المعتاد : قطعة جبن وخمس زيتونات وقدح من الحليب ونصف رغيف كانت الزوجة قد سخنته في الاوفن الكهربائي. وهو جزء من نظام غذائي اعتاد عليه منذ أن كان بداية زواجه. يخلد إلى النوم في الساعة العاشرة صيفا وفي الشتاء عند العاشرة يكون قد أغمض عينيه وغط في نوم عميق، ولن ينهض من فراشه ما لم يرن منبه الساعة التي يضعها قريبا من رأسه قبل نصف ساعة من الفجر. لكنه في الوقت نفسه كان يتشائم من يوم الأربعاء ويتجنب فيه السفر ولا يقترب من زوجته أبدا. عازيا السبب في ذلك إلى قول الحكماء أن الله خلق جهنم في يوم الأربعاء. فتراه يكثر من الاستغفار في هذا اليوم بالذات أثناء قيادة دراجته الهوائية في شوارع البلدة وأزقتها الملتوية، وبين كل دقيقة وأخرى هناك بسملة وآية صغيرة.

لكنه في ذلك الصباح النيساني ولأول مرة منذ فترة طويلة استيقظ ساعي بريد البلدة من نومه متأخرا. وكان من المفترض أن تبثّ الساعة المصنوعة في اندونيسيا بهيئة جامع ذي قبة ومنارتين تنبيهها الذي كان عبارة عن تكبيرات بصوت مسجّل لأحد مؤذني الحرم المكيّ، لكنَّ شيئا ما أسكتها، فاعتبر ذلك إحدى علامات النحس التي تنذر بيوم عصيب تجري فيه الأمور على نحوٍ سيء، قبل أن يتذكر حلم الليلة الماضية الذي رأى فيه أنه يسلم رسالة من ميّت إلى أحد الأشخاص، ليلاحظ بعدها أن أحد أزرار قميصه الأزرق الغامق كان مفقوداً، فراح يبحث عنه في كل مكان من الغرفة ولم يجد له أثراً. وعندما أراد أن يرتدي ساعته اليدوية اكتشف أن عقربها الصغير توقف عند الرقم 11 في حين لا يزال العقرب الكبير يشير إلى الرقم اثنين منذ أن توقفت عن العمل في الحادية عشرة وعشر دقائق من الليلة الماضية. جمع الرقمان 11 و 2 فكانت النتيجة مهولة بالنسبة إليه وهي على هذه الحال متمثلة بالرقم 13 وهو الرقم الذي يتشائم منه الناس على أيّ حال.

لم يستطع ساعي بريد البلدة أن يتحاشى النظر إلى الروزنامة المعلقة على الجدار بجانب المرآة. تضرع ألا يكون رقم اليوم مشؤوماً أيضاً. وكان ما يزال واقفا هناك يمشط شعره عندما راح يتخيل أبشع الصور التي يمكن أن يراها فيما لو كان تاريخ اليوم هو الثالث عشر. أغمض عينيه لحظات ثم فتحهما على الرقم (9) من شهر نيسان. تنفس ملء رئتيه وأحس أثناء زفيره أن أرواحا شريرة خرجت من أنفه بعد أن عبثت في داخله وأشاعت الخوف في نفسه على نحوٍ جعله يشعر أن مكروها على وشك أن يحدث في تلك الأثناء. ورغم ذلك لم يكن ليطمئن ما دام أن هذه هي الساعات الأولى من يوم الأربعاء، وان هناك متسعاً من الوقت لكي تقع بعض الحوادث السيئة، خصوصاً وأنه استعاد ذكرى احتلال بغداد في مثل هذا اليوم.

كانت الساعة قد اجتازت الثامنة عندما وصل ساعي بريد البلدة إلى مقر عمله، حيث كان بانتظاره المزيد من الرسائل والطرود التي عليه أن يسلمها إلى أشخاص وعنوانات منزلية مختلفة في عدد من الأحياء السكنية القريبة. وكان في طريقه إلى حي بريهة حيث سيسلم أحد الأشخاص ثلاثة طرود ورسالة واحدة عندما شعر بتقلصات أمعائه من الجوع. تذكر أنه لم يتناول إفطاره عندما استيقظ متأخرا، فركن دراجته الهوائية جانبا على مقربة من مبنى الشركة العامة لتجارة السيارات. لم تعجبه فكرة تناول سندوتش كباب أو فلافل، كونه لم يعتد على أطعمة السوق خشية التسمم. فاشترى بسكويت وعلبة عصير رمان من احد الأكشاك هناك. أثناء ذلك وبينما هو جالس على الرصيف قريبا من احد " العرضحالجية " يقضم قطع البسكويت ويمص قليلا من عصير الرمان بواسطة قصبة رفيعة، راح يسترجع ملامح الشخص التالي في قائمة متسلمي الرسائل حتى تذكر شكله في النهاية، فقد كان دائم التردد على بيته طوال السنوات السبع الماضية. لكنه لم يجرؤ يوما على التعرف عليه أو في الأقل تبادل بعض الأحاديث العادية معه، لكنه هذه المرة رأى أن من الجفاء التعامل مع أشخاص يراهم ويتواصل معهم بشكل دوري دون أن يتعرف على أحدهم.

أحس ساعي بريد البلدة بحرقة في عضوه. بدأ يتلوى إثر تجمع كمية كبيرة من البول في حالبيه. ترك دراجته وراح يبحث عن دورة مياه قريبة. عاد بعدها بدقائق، وما زال يضع يده على عضوه ويتلوى.

" كفى دلعاً يا بطّتي "

منذ مدة طويلة وأنا أقف عند بابك الموصد يا دزدمونتي. ألم يحن الوقت بعد لتفتحي لي. تعبت وأنا انتظر طلّتك الجميلة فمتى تحنين عليّ يا وردتي ؟ لم تعد قدماي قادرتين على حملي. إنهما ترتعشان كما يرتعش قلبي. ألا تشعرين به ؟ قلت لك إنني آسف. لم اقصد إيذاءك يا جنّتي. أقبّل قدميك الجميلتين. سامحيني، اغفري لي زلّتي. ألا يعجبك هذا ؟ وماذا تريد المرأة أكثر من أن يهوى رجل على قدميها لكي يقبلهما. أنا مستعد لأن افعل ذلك. فقط لأنك حبيبتي ومثوى قلبي العاشق. ماذا... ماذا تقولين ؟ آه يا عزيزتي. دائما ما تفسرين الأمور بطريقة خاطئة، وهذا طبعا سيحط من شأن العشق الأزلي الذي بيننا. آه يا بطّتي الفاتنة. كفى دلعاً.. أنا حبيبك مستر اولمبيا. ألا تشفقين على انكساري بين يديك ؟!

دعيني أذكرك بشيء. لابد انك ستفرحين ويجرفك الحنين إلى تلك الأيام الجميلة. حينما كان أبوك يصطحبك معه إلى سينما الحمراء الصيفي لمشاهدتي وأنا ألوي بهاتين اليدين الحديديتين قضبان الحديد، وأرفع الصخور الثقيلة، وأسحب سيارات الشوفرليت الأمريكية بأسناني، وأصارع عدة أنفار في وقت واحد، وأكسّر البلاطات على رأسي دون أن ينزف منه قطرة دم. كنتِ تنظرين إليّ مندهشة، تضعين يدك على قلبك والأخرى على فمك، أو تلوحين إليّ بخمارك المخمليّ المعطر. كنتُ أغمز لك بثديي الكبيرين كما يفعل حصان عربي أصيل عندما يحطّ على فخذه ذباب الظهيرة المزعج. أنا آسف يا وردتي. أعرف أنه تشبيه تافه، لكن هذا الذي قدرت عليه الآن. سأفكر في تشبيه آخر يليق بذلك الموقف. أعدك.

يا جنتي. يا حياتي. يا وردتي الندية. ربما عليَّ أن أذكرك بموقف آخر وتحديدا في ليلة زفافنا. عندما دخلت عليك وخفتِ أنتِ مني، حشرتِ جسدكِ النحيف في خزانة الملابس وبدأتِ تجهشين بالبكاء مثل طفلة سرقوا بوظتها. لم تخفِ وقتها خشيتك من أن يكون لي عضواً كالتي تتدلى من حميرنا السائبة في الشوارع. لكنك ما أن رأيتِهِ في تلك الليلة حتى ألقيتِ بنفسك على السرير ورحتِ تلوحين برجليكِ في الهواء من الضحك، بعد أن تلاشى رعبك وأنتِ ترينه على تلك الشاكلة ضئيلا ومضحكا كما في بعض أفلام البورنو المنزلية.

ماذا... ؟ كيف عرفتُ أن هناك أعضاء صغيرة ومضحكة ؟ .. آه .. لا.. ولماذا عليّ أن اعرف ذلك ؟ أنا تكهنت فقط.. يا الهي.. ها أنتِ تصعبين الأمور أكثر فأكثر.. تنظرين بمنظار ضيق، أرجوكِ لا تجعلي من الأمر عقدة. أتوسل إليكِ. افتحي الباب رجاء.. احتاج إليكِ. صدقيني لن أكررها ثانية. نعم، ماذا ؟ أعترف ؟ اعترف بماذا يا لبوتي ؟ آه.. حسنا إذا كان اعترافي يجعلك ترضين عني فسأعترف. نعم، شاهدت فيلما إباحيا منزلياً. مرة واحدة فقط صدقيني. حدث ذلك رغما عني في وقت ما زلتِ فيه تبخلين عليَّ بنفسك. أما لماذا كان الفيلم منزلياً ورخيصاً فهذا ما لا افهمه حقا. البائع هو الذي أعطاني إياه. قلت له أريد فيلما فرنسيا وإذا به يخدعني بفيلم منزلي وضيع. وعندما ذهبت إليه في الجمعة التالية لكي استرجع نقودي أو أحصل على فيلم آخر لم أجده. قيل أنه اعتُقل من قبل لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لأحد الأحزاب الدينية، وقُتل في جحورها قبل أن يتم العثور على جثته ملقاة في احد تقاطعات الطرق في ساعة مبكرة. هو الآن لا يعنيني، ليذهب إلى الجحيم. في الحقيقة أنا أميل إلى مشاهدة الأفلام الفرنسية. النساء عندهم حسناوات وطريات إلى الحد الذي لا أقدر معه الكف عن إفراز اللعاب عند مشاهدتهنِّ. يقال أن الفرنسيات يرتدين الخيوط، إلا أن شيئاً من عوراتهنَّ لا يظهر في النهاية. حتى وهنَّ يجلسن فاردات سيقانهنَّ البيض الملساء الرائعة في مقهى صيفي على الرصيف، في إحدى ضواحي باريس الساحرة. النساء الفرنسيات يا عزيزتي ناعمات مثلك. على العكس من الأميركيات اللاتي يظهرن جافات غليظات، رغم النزق والحرقة التي يبدينها أثناء الجماع. لكنهنَّ يتمتعن بذلك القدر الكافي على ممارسة الجنس القذر مع الأحصنة والكلاب. وهنّ إضافة لذلك يكرهن الواقيات الذكرية. أنا أمقتهنَّ طبعاً. فلا تبتئسي يا طفلتي. آه.. يا معذبتي هل كُتب عليّ الشقاء بحبك يا فاتنتي. أرجو المعذرة يا عزيزتي، أسمع أحدهم يطرق الباب. سأرى من هناك. افتحي باب الغرفة أرجوك حتى أعود، ولا تنسي أن تتزيني من علب الماكياج التي جلبتها لك في المرة الأخيرة.

" سكين المطبخ "

رصاصة واحدة تكفي. لن استخدم السكين. أنا اكره السكاكين منذ أن سخّنت أمي إحداها على نار الطباخ الزرقاء ووضعتها على يدي فانسلخ جلدي وما زلت اصرخ من الألم حتى أعلنت أمامها توبتي وأقسمت لها أني لن أعبث بعضوي ثانية.

لكن. ماذا بشأن الصوت الذي سيُدوي في أرجاء البيت فيما لو أطلقت على رأسه تلك الرصاصة. طبعا سيسمع جيرانه ويتصل أحدهم بالشرطة. ربما يمكنني الفرار منهم، لكن من قال أنهم لن يتعقبوا أثري قبل أن يلقوا القبضّ عليَّ ؟ ما هذا العناء يا الهي ! تُرى هل أنا مجبر على التخلي عن المسدس لصالح السكاكين الكريهة ؟ نعم يبدو أن لا مهرب من ذلك، وما دامت الأمور تسير على هذا النحو فسأقتله بسكين مطبخ باشطة، خشية أن افضح بين خلق الله فيما لو أطلقت عليه النار من مسدس، فيقال عني،،، قاتل !

لقد أمضيت ليلتي الفائتة في اختبار مدى ما وصلت إليه من جرأة، وهي أكثر شيء كان يعوزني لكي أكون قادرا على النيل من قاتل أبي الذي سيظل يشعرني بالعار ما دام طليقا ويتنفّس الهواء، وهو ما قيل مؤخرا على لسان مخبر دفعتُ له مقابل عنوانه وبعض المعلومات عنه.

لم يمضِ على عودتي من السويد، حيث أقيم هناك منذ مغادرتي العراق بعد أحداث 1991 سوى أسبوع واحد كنتُ قد قضيت أربعة أيام منه في البحث عن قاتل أبي. نزلتُ في الشقّة التي تقطنها شقيقتي مع زوجها في أحد الأحياء القريبة من العشار. لم أجلب معي هدايا من السويد إذ تناهى إلى سمعي خبر احتضار أمي فأدركتها في الرمق الأخير وهي تنازع الموت. همست في أذني وصيتها الأخيرة بسفك دم القاتل، ثم دفعت إليَّ البوم صور قديم هو كل ما تبقى من مقتنيات الأب القتيل. عشتُ بعدها فوضى مجلس العزاء الذي استمر ثلاثة أيام. لم أهنأ براحة أو ألتذّ بطعام طوال الأيام الأربعة التالية حتى جاء ذلك المخبر بمعلومات عن الجاني ومكان إقامته. عندئذ رحتُ أفكر بطريقة مناسبة أقتص بواسطتها من ذلك الرجل دون فوضى. حاولت تذكر ملامح وجهه رغم أني رأيته مرات عديدة وهو يؤدي ألعابه الخارقة في مدينة الألعاب عندما كنتُ صبيا. إلا أن شيئا من تلك الملامح لم يتضح بعد. ليس سوى صور ضبابية ما زالت مطبوعة في ذهني، أخذت تكبر بمرور الأيام. وملامح الشخص المحاصر بين القضبان الحديدية تتغير، حتى اكتسب شكلاً نهائياً في مخيلتي، بعد أن انمحت ملامحه الإنسانية تحت وطأة الأوصاف والنعوت الأكثر فجاجة، تلك التي ما زالت تحوكها أمي بخيوط كراهيتها، حتى صارت في يوم ما ملامح ذئب حبيس في قفص مع الغيلان والظربانات والغوريلات الصغيرة.

مضت ساعتان منذ أن استيقظتُ من نومي بعد ليلة مؤرقة، والى أن يحين موعد التنفيذ سألهي نفسي بعمل ما، لكن عليّ أولا أن أعثر على سكين حادة. وكنتُ بصدد البحث عنها في المطبخ لولا أني تذكرتُ ألبوم الصور القديم الذي أعطتني إياه أمي قبل موتها، ما زال تحت وسادتي منذ أن أودعته هناك قبل أيام، أخرجته وتصفّحته محاولا استرجاع بعض الذكريات عن أبي. تذكرتُ أيام كنتُ أذهب معه إلى الشط لصيد السمك في الصيف. لم يكن محترفا لكنه كان يبذل المزيد من الجهد لكي يصطاد بصنارته بضع سمكات صغيرة، ربما تكون في النهاية مدعاة لفخره أمام أمي.

جميع الصور في الألبوم كانت بالأبيض والأسود، التُقطت لأبي مع عدد من نجوم الرياضة البصرية : الربّاع عبد الواحد عزيز، لاعبي الكرة كريم علاوي وعبد الرزاق أحمد وغيرهم. إلا أنّ الشيء اللافت في ذلك الألبوم أن أحد نجوم رياضة بناء الأجسام شُطّب وجهه بموسى حلاقة أو آلة حادة أخرى. لم يظهر سوى جسده المصفّح في جميع الصور التي التُقطت له مع المشجع الشهير رشيد المعقلي - أبي. بالتالي، لم أشك أنّ أمي هي من فعلت ذلك، قبل أن أتوصل إلى حقيقة أن الشخص صاحب الوجه المشطّب الظاهر مع والدي في تلك الصور هو نفسه.. قاتله.

أعدتُ الألبوم إلى مكانه تحت الوسادة وخرجتُ من الغرفة التي ما زلتُ أشغلها منذ سبعة أيام. دخلتُ إلى الحمام، استحممت بماء بارد. في المطبخ تناولتُ فطوري الذي أعدته شقيقتي قبل أن تذهب إلى عملها في احد المصارف القريبة. في حين كان بإمكاني سماع شخير زوجها في غرفة النوم. رحت أبحث عن سكين تفي بالغرض. فتّشتُ في الجرارات والدواليب دون أن ألاحظ أن ثمة محفظة جلدية معلقة على الجدار وفي جيوبها دزينة من السكاكين، متنوعة الأحجام وذوات مقابض برتقالية وأنصال حادة وبراقة. انتبهتُ إليها، ولم أكن أطمح وقتها إلا بسكين واحدة فيها من الطول ما يجعلها تبلغ الغاية المرجوة عند الطعن، خصوصا أن الضحية بنّاء أجسام، ولا بدَّ أنه يمتلك جسدا فولاذيا مدرعا يحتاج إلى قوة خارقة لكي تنفذ الآلات الحادة من جلده السميك.

استللتُ من الحافظة الجلدية المعلقة على الحائط سكيناً متوسطة، وخبأتها تحت كم رداء النوم الذي كنتُ أرتديه. انصرفتُ بعدها إلى الغرفة التي سألبث فيها إلى أن يحين موعد التنفيذ.

" احذر... في البيت نساء نائمات ! "

نيسان في البصرة شهر دافئ. لكنه بارد في الليل. أو، في الأقل، يبدو هكذا بالنسبة للمسنين أمثال مستر أولمبيا وساعي بريد البلدة.

يبدو بيت مستر اولمبيا قديما نوعا ما، ربما يعود تاريخ بنائه إلى الأربعينات من القرن الماضي. وقف ساعي بريد البلدة أمامه، بعد أن أسند دراجته على جدار البيت المقابل. يمكن للمرء أن يجتاز السور الحديدي الذي خُلع بابه، ويهبط إلى الحديقة الداخلية درجة أو اثنتين، فقد ارتفع الشارع عن البيت بفعل عمليات التبليط طوال العقود الفائتة. بإمكان الساعي سماع خشخشة أوراق السدر والبمبر تحت قدميه بينما هو يخطو كلص نحو الباب الخشبي. ثمة نافذتان تطلان على الحديقة الخارجية، ويمكن رؤية الستائر المتهرئة من خلل الفراغ الذي خلفه قصف الحرب الأخيرة ورشق الحجارة من قبل صبية الحيّ على زجاج النافذتين.

يعلم ساعي البريد أن الجرس ما زال معطلا منذ أمدٍ طويل، لذا راح يطرق الباب الخشبي بواسطة حلقة حديدية كبيرة مثبتة عليه، قبل أن يختلس النظر إلى الداخل من خلال النافذة ثم يعود ليطرق الباب مجددا حتى فتح له مستر اولمبيا. رآه واقفا كقبطان سفينة أكثر منه ساعياً للبريد. وكان يتلوى ضاغطا على عضوه بيده قائلا بنبرة توسل :

" هل تسمح لي سيد اولمبيا ؟ "

" تفضل... " قال مستر أولمبيا بعد أن تنحى وأشار بيده إلى المرحاض قائلا بلهجة لا تخلو من زجر : " لكن أحذر.. في البيت نساء ! "

دخل ساعي البريد غاضا بصره لكي لا تقع عينه على امرأة في الداخل، وكان يتحمحم بصوت عال حتى وصل إلى المرحاض، حيث بقي هناك زهاء خمس دقائق قبل أن يخرج وعلى وجهه إمارات الارتياح واضحة وهو يشكر مستر أولمبيا على كرمه وسعة صدره. وكان قد وضع رسالة وثلاثة طرود بريدية على سطح مبردة هواء مركونة في إحدى زوايا الهول. رفعها من هناك وسلمها إلى مستر أولمبيا طالبا منه التوقيع على سند التسليم في السجل. لفتت انتباهه حصالة نقود بهيئة حصان موضوعة على براد ماء. ثم ألقى نظرة سريعة على صور بنائي الأجسام الملصقة على الجدران، وبدا مشمئزا حينما سأل أولمبيا :

" هل أنت رياضي ؟ "

كان مستر اولمبيا ما يزال واقفا هناك، ينظر إلى ساعي بريد البلدة الذي راح ينشّف يديه بمنديل ازرق بعد أن غسلهما بمياه الصنبور الذي يصبّ في مغسلة بلاستيكية صغيرة بجانب المرحاض. ثم وضع قبعته على رأسه ورتّب هندامه، لاحظ بعدها أن صاحب البيت لا يبدو ودودا بما يكفي حتى يرد على تساؤله، أو ربما كان عليه أن يكون أكثر دقة في اختيار احد الأسئلة التي تتلاءم مع ما تكهن به وقتها بشأن أولمبيا. فربما كان الرجل يعاني مسّاً من الجنون وصل إلى تلك الدرجة التي لا يرى فيها مانعا من تغليف جدران الهول بكل تلك الصور بدلا من الآيات القرآنية وصور علماء الدين.

" إذن.. هل تعيش لوحدك ؟ "

سأله مجددا. إلا إن مستر اولمبيا هذه المرة أجابه بمزيد من الجفاء وعدم رغبته في التواصل معه. قال :

" ألم اقل لك أن في البيت نساء ؟! " استدرك بعدها قائلا، وكانت لهجته هذه المرة اقل حدة وفيها شيء من الانفراج الذي بدأ يظهر أخيرا على وجهه، بينما هو يحك رأسه ويطرق برأسه إلى الأرض :

" في الحقيقة إنها امرأة واحدة، وهي زوجتي، إنها نائمة الآن.. هلا تفضلت بالجلوس ؟ "

لم يكن ساعي بريد البلدة راغبا بالبقاء أكثر مما استهلكه منذ دخوله ليتبول. لكنه رأى أن لا بأس بأخذ قسط من الراحة، فجلس على الكنبة الوحيدة في الهول وبادر بالحديث بعد دقيقة تبادل الاثنان خلالها النظرات :

" اليوم حدثت أشياء مروعة يا سيد اولمبيا... "

" حقا.. وما الذي حدث بالضبط ؟ "

" ألا تلاحظ أن ظاهرة خطف المجانين تفشّت هذه الأيام ؟ وأنا في طريقي إلى العمل، رأيت الشرطة تنتشل مجنونا من تحت احد الجسور، وكان قد اختُطف قبل أيام. الملاعين انتزعوا كليتيه ورموا بجثته هناك...! "

" هذا محزن.. ! "

" نعم. ورأيت أيضا في طريقي إليك، وكنت قادما من حي الجبيلة جثتين عائدتين لامرأتين قُتلتا وألقيتا في مقبرة الانكليز. وكانت عينا إحداهما مفقوءتين. وعدا ذلك لا أريد أن أحكي لك عما حدث على مقربة من محطة القطار، عندما انفجرت عبوة تحت باص كوستر يقل موظفين إلى الميناء. إنها كارثة حقيقية يا أخي... "

" فعلا.. لكن ما قصة فقأ الأعين هذه الأيام ؟! "

" لا أعلم بالضبط.. وأما ما حدث اليوم في دائرة البريد حيث أعمل، فكان أمرا عجيبا بل في غاية العجب. فقد تسلمت رسالة غريبة وقديمة جدا مرسلة قبل أكثر من خمسين عاما. هل تصدق ؟! سلمتها إلى المرسل إليه وهي امرأة يهودية عجوز ما زالت تعيش وحيدة في منزلها في البصرة القديمة. فتحتها وراحت تقرأ ما دونه شقيقها المهاجر. قالت أنه مات قبل أحدى عشرة سنة في إسرائيل، وكانت قد تلقفت رسالته كما لو كانت ما تزال في السابعة والعشرين من عمرها، حيث كان من المفترض أن تتسلمها آنذاك. أنظر يا أخي.. أنظر إلى الأيام كيف تركض بنا ! صحيح، وما دمت قد ذكرت الزمن وسرعته الجنونية هذه الأيام، لماذا لا أرى بين هذه الصور الكثيرة المقززة صورة لسعيد عويطة مثلاً ؟ لكن يبدو أنك تهتم برياضة كمال الأجسام تحديدا، صح ؟ يبدو وجهك مألوفا، لكني لا أتذكر أين رأيتك من قبل. في التلفاز أو ربما في جريدة ما... "

نهض مستر أولمبيا من مكانه على الكنبة، وقد قطع على ساعي بريد البلدة حديثه وأسئلته التي بدت مزعجة :

" أولا هذه ليست صور مقززة. وثانيا أنا لست بساعٍ للبريد حتى تظهر صوري في الصحف ! "

" آه.. نعم.. فهمت.. استأذن منك يا سيد أولمبيا، يبدو أنني أثقلت عليك... "

نهض ساعي بريد البلدة. أتجه نحو الباب. تبعه مستر أولمبيا وهو صامت. حتى عندما ودّعه لم يقل شيئا، فقط أغلق الباب برفق وأسند ظهره عليه. أسرع بعدها إلى غرفة النوم، وكانت الرسالة والطرود التي تسلمها ما تزال بيده، يمكن سماعه وهو يتكلم بشأنها مع زوجته :

" ........... "

" إنها مجلات جديدة وصلتني قبل قليل. انظري يا عزيزتي، سألصق بعضها هنا. وفوق الخزانة هناك، ولن أنسى لصق واحدة أخرى على الجدار تحت الساعة "

".......... "

" لا يعجبك ذلك ؟.... إذن سألصقها على الثلاجة في المطبخ. عجيب أمر هذا الساعي، لم أره فضوليا من قبل ! "

" .........."

" هذه ؟... نعم يا عزيزتي، أنها رسالة، سأفتحها في ما بعد. المهم أنك رضيتِ عني وسامحتني.. آه.. يا طفلتي البريئة. كم أنا مبتهج الآن وأتوق لاحتضان جسدك المتوهج. إليَّ حبيبتي.. إليَّ. أقفزي في حضني، هنا تجدين الدفء يا لبوتي. مثلما كنتِ تفعلين من قبل، وكم كنتِ تشبهين وقتها نحلة متهيجة ومشتاقة لرحيقي.. أيتها الفاتنة.. تعالي... ! "

بعد دقائق، بدأ مستر أولمبيا يئنُّ بصوت عال.

" ادعكيه...

العقيه...

أدخليه... آه.... ذبحتِني !! "

" في عيادة الطبّ النفسي "

رنَّ الجرس المثبت أعلى باب غرفة الطبيب ففتح السكرتير العجوز الجالس خلف ميز معدني قديم دفتر المراجعين وصاح :

" التالي... "

قام احد المراجعين في صالة الانتظار واتجه نحو غرفة الطبيب. فعل ذلك بسرعة كأن أحداً ما يريد أن يسبقه إلى هناك. طرق الباب ودخل :

" تفضل أجلس هنا "

قال الطبيب البدين الذي كان يجلس خلف ملصق تفصيلي كبير للجهاز العصبي، ثم عقب وهو ينظر مريضه بعينين صغيرتين يمكن رؤيتهما من وراء زجاج نظارته المظلل :

" اسمك وعمرك وعملك ؟ "

" كافور... " قال المراجع : " يمكنك أيضا مناداتي بكافور الكلماتي، كوني أعمل في تخطيط مربعات الكلمات المتقاطعة في إحدى الصحف المحلية. أما عمري فقد دخلت في عامي الرابع والثلاثين قبل ساعات فقط "

سجّل الطبيب المعلومات في مفكرة بجلاد أحمر ثم قال :

" نعم يا سيد كافور أحكِ لي، مما تشكو ؟ "

لم يتكلم المراجع إلا بعد دقيقة كان الطبيب يشير خلالها بيده حاثا إياه على التكلم وشرح حالته، فقال المراجع وكان محبطاً :

" أنا أعاني من السرنمة يا دكتور... "

" كيف ؟ "

" أسير وأنا نائم "

" هذا وحسب ؟ "

" لا... ربما أعاشر زوجتي وانا نائم، أو أبول في الثلاجة، وأحيانا أصحو من النوم لأجد نفسي في قفص الدجاج أو في بيت جاري العجوز. وعدا ذلك دائما ما أجهش بالبكاء أو أحكي حكايات! "

" نعم... " قال الطبيب وهو يسجل ما قاله المراجع في مفكرته، ثم تابع قائلا : " لكنني قصدت بسؤالي عما إذا كنت تعاني من أمراض أخرى، عصابية مثلا ؟ "

" أبدا... " قال المراجع : أبدا يا دكتور.. " وراح يمتثل لإيعاز الطبيب بالتمدد على السرير :

" قلبك سليم " قال الطبيب وهو ينقل سماعته من موضع إلى آخر، حتى وصل إلى منطقة القلب وما يحيطها، عندئذ قال المراجع : " أنا أعاني من تهدّل في الصمام الإكليلي، لكن طبيب القلبية قال أنه من النوع الولادي الذي تظهر أعراضه في الثلاثين "

" صحيح... " أكد الطبيب، وقد انتهى من الفحص السريري للمريض ثم قال بعدها : " أنه نوع من التهدلات غير الضارة "

عاد المريض إلى مكانه على الكرسي الذي جلس عليه أول مرة وراح يجيب على أسئلة الطبيب :

" متى تنتابك هذه الحالة بالضبط ؟ "

" كل شهر تقريبا، وأعتقد أن الليلة هو موعدها، لذا جئتك يا دكتور "

" هل قلت أنك تروي حكايات وأنت نائم ؟ "

" نعم.. مؤخرا "

" وما نوع هذه الحكايات ؟ "

" لا أعرف تماما ما نوعها، إلا أن جاري العجوز يقول أن حكاياتي إما تكون أسطورية أو ذات إيحاء جنسي، وأحيانا أروي له أشياء عن الآخرة وعذاب القبر "

" وكيف يعرف جارك العجوز عن تلك الحكايات ؟ "

" لأنني أرويها له. قد يفتح الباب أو لا يفتح. ويبدو أنه اعتاد على ذلك مؤخرا وربما صار راغبا بسماع المزيد من تلك الحكايات. وأني لأخشى يا دكتور أن أجتاز بيت مستر أولمبيا في إحدى الليالي نحو جهة مجهولة ربما ألقى حتفي فيها "

" فهمت.. " قال الطبيب وقد بسط ذراعيه على المكتب، وراح ينقر بمؤخرة قلمه الجاف الأزرق على المفكرة المفتوحة، ثم أكمل متشوقا لسماع المزيد. قال :

" هل تقرأ كتبا ؟ "

" نعم "

" وما نوع تلك الكتب ؟ "

" روايات، فلسفة، شعر، فضلا عن كتب الأديان والأساطير "

" ممتاز.. هل تمنيت أن تكون كاتبا في يوم ما ؟ "

" نعم، في فترة مبكرة من حياتي "

" والآن ؟ "

" لا أظن يا دكتور. أنا الآن أقرأ فقط. قد أكتب أحيانا أشياء تشبه الحكايات، لكني سرعان ما أمزقها "

" طيب... " قال الدكتور وقد أعطى للمراجع راجيتة سبق وأن كتب فيها بعض الأدوية والعقاقير أثناء تلك المحاورة : " استمر على هذا العلاج فترة ثلاثة أشهر وراجعني بعدها "

الكلام نفسه كان قد سمعه كافور من عشرات الأطباء، والأدوية نفسها : حبوب مهدئة وأخرى منومة وبعض المنشطات ما زال يحتفظ بنصف كيس كبير في غرفته، في حين يملأ القسم الآخر منها الثلاجة. لذا لم يكلف كافور نفسه عناء الذهاب إلى الصيدلية والعودة إلى الطبيب، لكي يترك على الأدوية تأشيراته بعدد الجرعات، إنما مزق الراجيتة وأحسّ بالندم لأنه اخذ بنصيحة جاره مستر اولمبيا حينما قال له بعد أن أعطاه عنوان عيادة الطبيب سركيس : " انه صديقي، ولديه خبرة طويلة مع غريبي الأطوار، أنا متأكد أنه سيجد لك حلا، فقط اذهب إليه وسترى بعينك... "

اجتاز كافور الزحام في الممر الضيق بين مبنى المرآب وبناية المجمع التسويقي. فعل ذلك بصعوبة حتى وصل إلى الشارع العام المجانب لنهر العشار. عبر الجسر إلى الضفة الأخرى وراح يمشي على الرصيف مارا بالمحال والسوبر ماركتات والمطاعم حتى انعطف يمينا إلى شارع المكاتب، وكان في طريقه إلى ساحة أم البروم. اشترى جريدة من هناك وعلبة سجائر قبل أن يستقل أحد الباصات المتجهة إلى حي ونزل في منتصف الطريق حيث مقر عمله هناك في إحدى الجرائد المحلية. إذ ما زال يتنقل من مكان إلى آخر حتى استقرّ في تلك الجريدة، قسم التسلية بصفة معدّ لمربعات الكلمات المتقاطعة، في غرفة صغيرة ضمن الطابق العلوي.

أخرج كافور ورقة بيضاء من حقيبته الجلدية ووضعها أمامه على المنضدة البلاستيكية، ثم أخرج ثلاثة أقلام جاف ملونة، خطّ بالقلم الأسود والمسطرة مربعا متوازي الأضلاع وراح يكتب الكلمات المتقاطعة بالقلم الأخضر، فيما لوّن المربعات التي تنتهي عندها الكلمات بالقلم الأحمر. وفي كل مرة يفعل فيها ذلك يتنرفز ويمزق الورقة أو يدعكها بيديه ثم يلقيها في السلة البلاستيكية المشبكة تحت المنضدة. بعد ساعة أمضاها في الإعداد والتمزيق خطرت له فكرة الكتابة بأقلام الرصاص لكي يتلافى تمزيق المزيد من تلك الأوراق، فأخرج من محفظته قلما مبريا بشكل جيد وراح يضع الحروف المتقطعة في المربعات المناسبة. وبينما هو يكتب ويمسح بممحاة كبيرة بهيئة الكلب الذي يرعى الخراف في المسلسل الكارتوني شون ذا شيب، تذكر فيما إذا كانت قدماه ستحمله هذه الليلة إلى حتفه.

قال :

" لن أنام الليلة ! "

طوال الأعوام الماضية، ومنذ أن كان يخطط مربعات الكلمات المتقاطعة ويرسلها إلى مجلة ألف باء الأسبوعية، وصحف الثورة والجمهورية والعراق، عمل كافور على ابتكار أساليب جديدة في تصميم التسليات. إلا أن ما صنعه في النهاية من مثلثات ودوائر ومستطيلات الكلمات المتقاطعة تلك، وأوجه التشابه بين رسمين أو صورتين لوجه واحد، لم يلقَ صدى لدى المتابعين الذين اعتادوا على الشكل الكلاسيكي لمربعات الكلمات المتقاطعة. ودائما ما كان يقرأ بنهم ويتابع المسابقات المعلوماتية لكي يستفيد منها في تخطيطاته المسلية. وكانت الجريدة التي يعمل فيها قد خصصت جوائز تُمنح للفائزين نهاية كل أسبوع، فكان هو يعطي حلول ما يخططه من تلك المربعات مسبقا إلى أحد أصدقائه من المدمنين على حلّ الكلمات المتقاطعة، ليحصل في النهاية على الجائزة، حتى صار بحوزته الكثير من الجوارب والسراويل الداخلية وربطات العنق والتي شيرتات والساعات اليدوية وأقلام الحبر ماركة باركر المزيفة وقوارير العطر المجسمة على أشكال مختلفة كدلال القهوة والأبراج الشاهقة كبرجي خليفة وإيفل. وما زال كافور يشعر بالفخر وهو يروي عن أجداده، أولئك الصناع المهرة لمربعات الكلمات المتقاطعة حكايات طريفة، عادة ما تكون مثارا للجدل بين أصدقائه وينقلونها بطريقة مضحكة لم تزل شائعة في أرجاء المبنى وتنتقل من لسان إلى آخر، حتى صار يتفكه بها الناس. والى أن انتهت ساعات العمل الرسمي في الجريدة، كان كافور قد هيأ العديد من مربعات الكلمات المتقاطعة للأيام القادمة. خرج بعدها من المبنى إلى الشارع العام. ركب إحدى الباصات الصفر إلى العشار. اشترى من السوق فاكهة وخبزا وقهوة، قبل أن يقوم بقطع المسافة من ساحة أم البروم إلى حي بريهة مشيا على قدميه، مارا بمحلات الحواسيب والأثاث المكتبي والهواتف النقالة والمكتبات وبسطات الملابس حتى وصوله إلى هناك، وقد أنهكه التفكير في كيفية منع نفسه من السير نائما إذا ما داهمه النعاس في ساعة متأخرة من الليل.

" الـ (5) ميلي "

سبعة أقلام رصاص وممحاة ومبراة والعديد من الأوراق المخططة هو كل ما استهلكه مالك الخمسميلي من أجل إتمام قصة قصيرة جدا استغرقت منه نحو عشرة أيام، وفي النهاية،،، لم تُنشر.

فمنذ أكثر من شهرين وهو يتردد على باعة الصحف في ساحة أم البروم، يستأذن من أحدهم ليطالع الجريدة التي يراسلها، يفتحها على الصفحات الثقافية في الوسط، يبحث بين المواد المنشورة عن اسمه، يتجهم وجهه ويبدو منزعجا عندما لا يجد أثرا لقصته. قد يشتم المحرر الثقافي وأحيانا يبثّ شكواه لبائع الجرائد فيلاحظ الاستياء على وجهه في كل مرة يعيد الجريدة ولا يفكر بشرائها. لكنه في صباح ذلك اليوم تفاجئ ببائع الجرائد وهو يزفّ له بشرى نشر قصته. عندئذ، لم يتمالك الرجل نفسه وهو يرى اسمه يتصدر نصّه المنشور :

" أخيرا... " قال منتشيا.

" تستاهل.. " قال البائع.

اشترى مالك الخمسميلي ثلاثين نسخة من تلك الجريدة، وأسرع إلى مقهى الأدباء في أحد أزقة البجاري الضيقة، وراح يوزعها على المتواجدين هناك من أصدقائه الكتاب. بعضهم أثنى عليه، والبعض الآخر التزم الصمت مدعيا أن النصّ يحتاج إلى أكثر من قراءة قبل البتّ في أصالته. فيما أعرب آخرون عن إعجابهم بها، وفي الوقت نفسه عابوا عليه خروجها بهذا المظهر منشورة في صفحة مخصصة للكتاب المغمورين. إلا أن مالك الخمسميلي لم يكترث للأمر ما دام أن القصة نُشرت في النهاية. ولا بدّ أنها ستُقرأ حتى وإن كانت منشورة في صفحة الإعلانات. وأثناء ما كان في طريقه إلى المقهى رأى أحد باعة الجرائد المتجولين حاملاً معه حزمة كبيرة من الصحف الصادرة صباح ذلك اليوم، وكان من بينها الجريدة التي نشرت قصته، فشعر بالغبطة مفترضا أن عددا لا بأس به من القراء سيحضون بمتعة قراءة نصّه القصصي القصير جدا. ورغم أنه كاتبها، إلا أن مالك الخمسميلي جلس على أحد التخوت الخشبية في ذلك المقهى وراح يعيد قراءة قصته عشرات المرات. كان يشعر بلذة كبيرة وهو يفعل ذلك بمزيد من الغبطة، وفي داخله ثمة آمال تجددت وصارت تنمو حتى تمثلت بصورته وهو يرتدي بذلة أنيقة ويلقي خطاب جائزة نوبل على منصة الأكاديمية السويدية. على هذا النحو الحلمي جاءت لذة الانجاز الأول، إذ لم يسبق لمالك الخمسميلي أن نشر قصة منذ أن صار يشعر بأنه يمتلك القدرة على أن يكون كاتبا. ولم يكتف بتوزيعه أعداداً من تلك الجريدة على زملائه في المقهى، إنما اشترى نسخا إضافية، واقتطع منها قصته وألصقها على جدران المقهى، في حين راح يؤرشف البقية في سجل كبير يحتفظ به في البيت. وقد خطرت له فكرة قصة جديدة سيكتبها هذه الليلة.

" الدعسوقة "

" سأستحم أنا أولا يا وردتي.. اتفقنا ؟ "

خرج مستر أولمبيا من الغرفة منتشيا ويغني. كان ما يزال في ثيابه الداخلية وعلى كتفه منشفة صفراء وثياب داخلية نظيفة وبيجامة وقميص مخططان. وكان يحمل بطرفي إبهامه وسبابته كيس أسود ألقاه في حاوية القمامة التي بجانب الباب. اتجه بعدها إلى الحمام، أقفل الباب عليه وراح يغني بصوت عالٍ أغنية لصالح الكويتي.

كلبك صخر جلمود ما حنّ عليّة

زيد بدلالك.. زيد وآني بأذية...

توقف عن الغناء. راح يستحم بصمت إلى أن خرج من الحمام وما زالت النشوة بادية عليه وهو يمشي صوب المطبخ بطريقة دراماتيكية مضحكة تزامنت مع ما كان يردده من أغنية أخرى أسرع إيقاعا، حتى وصل إلى هناك، حيث يمكن لمن يقبع في غرفة النوم سماعه وهو يصيح :

" هل ترغبين بقدح من الحليب الساخن يا عزيزتي ؟ "

إلا أن أحدا هناك لم يجبه، فقط كان صوته يتردد بين جدران المطبخ بنبرة لم ينجح تماما في تأنيثها، لكي تبدو في النهاية كنبرة ناعمة تخرج من فم امرأة جميلة :

" ما هذا الكلام يا عزيزي، أنت تعلم أنني لا أحب الحليب الساخن، وإذا كان ولا بدّ، فأحضر لي عصير الأناناس "

قال ذلك ثم بدأ يقهقه على نحو صبياتيّ غير مألوف، وفيه شيء من الابتذال. فتح الثلاجة، راح يبحث عن الأناناس، تذكر أن آخر علبة استهلكها بالأمس عندما صنع منها بوظا مجمدة وحملها إلى غرفة النوم. كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحا عندما طُرق الباب، إلا إن شيئا من ذلك الطرق لم يتناه إلى أذنيه إلا بعد فوات خمس دقائق على الأقل. نهض من أمام الطاولة التي تناول عليها فطوره وفي يده كوب حليب كان قد دلقه من علبة كارتونية. فتح الباب، لكنه لم يجد أحدا. رغم ذلك لم يكن الطارق مجهولا بالنسبة له ما دام أن ثمة جريدة تركت قبالة الباب، انحنى اولمبيا لكي يلتقطها فانكفأ شيئا من الحليب على العتبة. تحركت شفتاه حتى بدتا كأنهما تتمتمان بشتيمة. صار يحمل الكوب بيد والجريدة باليد الأخرى وأغلق الباب بقدمه. وما زال يرتشف من كوب الحليب بعد كل خطوة أو اثنتين حتى وصل إلى الكنبة حيث جلس هناك، وكان إغراء الجريدة أقوى من أي محفزات أخرى قد تخطر له في مثل تلك الأوقات، كأن يضع رأسه على الوسادة وينام، أو يطالع البوم الصور خاصته، أو يتصفح الأعداد الجديدة من مجلة نجوم الرياضة الخاصة برياضة بناء الأجسام، حتى انه لم يفكر في ما إذا كان الوقت مناسبا لقراءة الرسالة التي وصلت برفقة تلك المطبوعات هذا الصباح.

انه يكره الأخبار. ولولا صورة الرئيس الذي يبدو كدعسوقة بدينة وهو يصافح الرئيس الأميركي الجديد أوباما في زيارته الأولى إلى إحدى القواعد الأميركية في العراق، لما فتح مستر اولمبيا الجريدة على الصفحة الأولى، فقد اعتاد أن يقلبها على الصفحة الأخيرة متلافيا بذلك قراءة أخبار الحرب الأهلية القائمة في البلد منذ عام 2003 فكان يبدأ أولا بالأخبار المنقولة عن سرقات غريبة وولادات عجيبة وقصص مهولة عن نساء مجرمات وأخريات ماجنات وأناس غريبي الأطوار. وعدا هذه الصفحة والصفحة الرياضية لا يستهويه شيء في تلك الجريدة. أحيانا يمرّ سريعا على الصفحات الثقافية، فربما يعجبه قراءة أحد النصوص التي يشترط أن تكون على مستوى عالٍ من الوضوح حتى يتمكن من الاستمتاع بقراءتها. وإلا فأن إعارة الاهتمام لمثل هذه الأمور لا تعدو عن كونها بالنسبة له في الأقل، مضيعة للوقت. ومن مصادفات صباح ذلك اليوم أن ثمة قصة قصيرة جدا استطاع كاتبها ويُدعى " مالك الخمسميلي " أن يضم مستر أولمبيا إلى قائمة قراءه في ذلك اليوم، إذ أحسّ أن في تلك القصة الموسومة بـ " زائر الليل " ما يستحق عناء القراءة، ولم يكن أمامه في تلك الساعة سوى أن يكون سخيا لإعطاء الوقت الكافي للتأكد فيما إذا كانت القصة ممتعة حقا.

عندئذ،،، راح يقرأ :

" بينما أنت تقضي الوقت في عزلتك المقيتة، حيث ظلمة الغرفة الوضيعة، تقلب دفتر ذكرياتك القديمة : الأصدقاء الذين ماتوا. النساء اللاتي أحببتهن. أمنياتك التي داستها بساطيل العسكر. أحلامك النافقة في عتمة الزنازين الرطبة، حيث الجدري والجرب والسل الرئوي، ورائحة الموت التي تفوح من ثياب المحكومين في غرف الإعدام. بينما أنت تتذكر كل ذلك، وتجهش بالبكاء، يشحذ أحدهم سكينه القاطعة، يدلق عليها نقيع سم الفئران. عند الفجر، تسمع خطواته وراء الباب. لن ينفعك البقاء في العتمة، على سريرك، حيث تختبئ هناك تحت الشرشف البالي. عندما يُفتح الباب، سترى كم هما قاحلتان وتقدحان شررا تلكما العينان. لن تلبث هناك طويلاً، حتى يغمد الزائر الغريب، صاحب العينين القاحلتين سكينه في صدرك. سوف تتقيأ دماً. ترفس كالأضحية في فجر العيد، تغادرك روحك، تبحث عن نسمة باردة تسافر على متنها إلى ما وراء الحدود الفاصلة بين عالمين مختلفين، بينهما برزخ،،، لا يلتقيان. "

" كم هذا مزعج... " قال مستر أولمبيا : " يا ساتر ! "

على ما يبدو أنه أخطأ حينما ظنَّ أن هذه القصة ستكون مسليّة. كانت بليدة وقد شعر بالندم لأنه قرأها. ألقى الجريدة على المنضدة الخشبية الصغيرة أمامه. تثاءب متكاسلاً. اضطجع على الكنبة ونام، ولن يستيقظ إلا بعد ساعة، على صوت شخص ينادي باسمه بين طرقة وأخرى.

" حفاظات أطفال.. أحذية، وبيض فاسد ! "

بعد ثلاثة أعوام من البطالة، منذ أن تخرج في كلية الفنون الجميلة، قسم المسرح، اضطرّ نبيل الخندقجي في النهاية إلى العمل بصفة عامل بلدية في شركة جيفرة التركية للتنظيف، لإعالة أمه وأخويه المنغوليين. اعتاد على النهوض في ساعة مبكرة من صباح كل يوم، يرتدي بدلة عمل زرقاء وقميص فسفوري وجزمة تصل إلى ركبتيه. يضع على رأسه كاسكيت ويلثم وجهه بيشماغ أحمر قبل أن يخرج إلى العمل. يفعل ذلك خشية أن يأتي يوم تراه فيه الفتاة التي يعشقها، فتحنق عليه أو يسقط من عينيها كما يظن هو ذلك دائما، ما أن تراه وهو على هذه الحال المزرية، واقفا على الرصيف حاملا بيده مكنسة، وقد امتثل أخيرا لإيعاز المشرف الذي وجهه إلى تنظيف قذارة القصابين من صوف وأمعاء الخراف المرمية على الضفة الحجرية لنهر الخندق. خصوصا أن تلك الفتاة من سكنة المنطقة نفسها وربما تلمح وجهه من بين الوجوه الكالحة والمتسخة لعمال البلدية هناك، في حال أنه امتنع عن إخفاء وجهه باليشماغ الأحمر.

كان نبيل الخندقجي يخرج من بيتهم الواقع في محلة الخندق، ليس بعيدا عن سوق العشار، حيث يجتمع هناك بزملائه في العمل تحت تمثال العامل في ساحة أم البروم، ينتظرون هناك أحد الباصات المؤجرة لنقلهم وتوزيعهم على مناطق عملهم.

نبيل الخندقجي يحب هذا المكان – ساحة أم البروم – الذي يؤمه الجنود والعاطلون والباعة وصباغو الأحذية واللوطيون والشحاذون والمومسات والمجانين والأسطوات والشغيلة الذين صهرت سحناتهم شمس البصرة. ولعل أكثر ما كان يحزّ في نفسه أن يكون هناك تمثالا يرمز إلى العمل والعمال، بينما يتوسد الأرصفة تحته وعلى مقربة منه الكثير من العمال المحليين الذين لا زالت سراويلهم تُبلى على الصفائح المعدنية والأرصفة القذرة دونما عمل. وفي كل مرة يعود فيها نبيل إلى البيت متعبا من العمل طوال النهار يتناول عشاءه، يلاعب الصبيين المنغوليين قليلا ثم يأوي إلى الفراش في أوقات مبكرة. يحلم أحلاما كثيرة ذات وقائع فنطازية كان آخرها الحلم الذي رأى فيه نفسه وقد تحول إلى تمثال العامل في ساحة أم البروم. على الأقل سترضى به فتاته زوجا حينما يقبل على خطبتها، إذ لا يبدو في تلك الأثناء عامل بلدية ينقل الأوساخ وتضمخ ثيابه رائحة ريش الدجاج والبيض الفاسد. ومن يعلم، ربما لا تريد فتاة أحلامه أن يكون عامل بناء مثلا، كما يظهر ذلك على عامل ساحة أم البروم، وإذا ما اقتصر الأمر على تغيير عنوانه الوظيفي فسيسعى نبيل الخندقجي إلى الحصول على صمام نفط خام بدلا من المطرقة التي تظهره كما لو كان عامل بناء منهك. وبذلك يكون قد قطع ثلاثة أرباع المسافة الضوئية التي يفترضها دائما تجاه الفتاة التي ما زالت تقطر أنوثة وجمالا وهي تنتظره وفي صدرها وما بين فخذيها ثمة نار تشتعل كموقد شتاء. إلا أن شيئا ما، ربما سيكون على خلاف دائم مع ما يشتهي نبيل الخندقجي عندما تكتشف تلك الحبيبة أنه ليس سوى جماد. كتلة هائلة من الكونكريت المسلّح بأشياش الحديد التي لا بد أنها صدئت الآن. وفي النهاية لا يمكن لماكنة أن تعمل بيده، كما لا يمكن أن يفتح بها صمام النفط الخام الذي بحوزته. أيضاً هو لا يستطيع أن يهشم بمطرقته الثقيلة كل تلك العوائق والحواجز الكونكريتية والأبواب الفولاذية التي وضعها والد الفتاة في طريقه، وبالتالي فإنها ستمنعه من نيل أحلامه المخملية الجميلة.

منذ فترة ليست بالقصيرة، تلقى نبيل الخندقجي تبليغا من المشرف على مجموعته بالانتقال إلى حي بريهة المتاخم لبلدة العشار، وكانت مهمته هي نقل قمامة المنازل إلى السيارة التي تقف قريبا من احد النقاط الدالة هناك. ولم يكن العمال حينذاك يجلبون معهم الطعام من منازلهم، إنما ومن قبيل الامتنان وأحيانا الشفقة يزودهم السكان ببعض الأطعمة السريعة والسجائر وربما الثياب والأحذية المستعملة. وقد اعتاد نبيل الخندقجي أن يتناول وجبته السريعة في أحد المنازل هناك. ويحدث أن يتبادل أطراف الحديث مع صاحب البيت الذي عادة ما يشعر بالارتياح عندما يحدثه نبيل بطريقة تنم عن ثقافة ووعي لا يتوفران في البقية من عمال البلدية الذين دائما ما يسخرون من أفكاره وحديثه عن السينما والمسرح. لا يملك في تلك الأثناء سوى أن يصفهم بالأغبياء، الأمر الذي ما زال يثير سخطهم، فيقذفونه بالأوساخ وحفاظات الأطفال والواقيات الذكرية المستعملة والأحذية النتنة والبيض الفاسد. وعادة ما يتأثر الرجل العجوز صاحب البيت عند استماعه إلى نبيل الخندقجي وهو يروي تلك القصص المحزنة عن عثوره في مواضع النفايات وحاويات الازبال على جثث أطفال ونساء يقتلن بداعي الشبهة. فضلا عن الأطراف والرؤوس المقطوعة والأعضاء التناسلية المبتورة العائدة إلى أعضاء في حزب البعث.

بعد ساعات من العمل المتواصل في ذلك اليوم، بين القاذورات والأوساخ والروائح العطنة، نظر نبيل الخندقجي إلى ساعته. كاد الجوع أن يفتك به عندما وصل إلى أحد المنازل هناك. دخل إلى الحديقة الخارجية. ثمة عصافير تزقزق على شجرة البمبر التي علق عليها نبيل كيس نفايات أسود في داخله شيء ما، ربما أحذية أو ثياب من تلك التي يتصدق بها السكان على عمال البلدية. طرق الباب ثم راح ينادي على صاحب المنزل، وعندما لم يكن ثمة من يفتح له الباب الخشبي أعاد الكرة، لكن هذه المرة بصوت عال وصل إلى أسماع الجيران خلف الأبواب الموصدة :

" مستر اولمبيا.. هل أنت بخير ؟ "

" انتبه.. الشقّة عائدة لزوج أختي ! "

ما زلت احبس نفسي في هذه الغرفة الوضيعة منذ أن تناولت فطوري قبل ساعات. في الحقيقة أنا لم أتناول عدا قدح الشاي الذي شربته باردا وعلى عجل، ورحت أبحث بعدها عن سكين باشطة لأقتل بها ضحيتي. أخيرا استفاق زوج الأخت من نومه، وها هو الآن يعد لنفسه الفطور، وبما أن المطبخ ليس بعيدا عن الغرفة التي أسكنتني فيها شقيقتي، فبإمكاني أن أشم رائحة الشاي العطرة وأسمع أقراص الهامبرغر المجمدة وهي تفرقع في المقلاة.

لم ارتح أبدا لزوج الأخت هذا. الآن، وقبل سنوات، وحتى في القابل من الأيام.

الآن : وهو على هذه الشاكلة، كغول لا يعرف سوى الأكل والشرب والسكر والنوم والتبرز. يعتاش على شقيقتي ويستولي على نقودها ويسرق مصوغاتها، وأحيانا يحبسها في الحمام ساعات طويلة. وعدا ذلك هو يلقي باللائمة عليها دائما في ما يخص مسألة الإنجاب.

قبل سنوات : أيام كنا طلابا جامعيين أثناء الحرب في الثمانينات، عندما كانت تنشب بيننا معارك شرسة في الحرم الجامعي في كل مرة أراه فيها جالسا مع شقيقتي يتغازلان. كانت تجمعهما علاقة حبّ سرعان ما انتهت باعتقاله مع مجموعة من الطلاب بتهمة الانتماء لحزب الدعوة، أو هكذا كنت أظنّ على الأقل، حتى تفاجئت بعد عودتي من المهجر بزواجه من شقيقتي. وها أنا الآن أقيم في شقة عائدة إلى أبغض الخلق إليَّ وأكثرهم إثارة لتقززي.

أما في القابل من الأيام : ما لم يحسّن أسلوب عيشه القميء مع شقيقتي. الغريب أنني وخلال الأيام الفائتة لم أرَ شقيقتي هذه تشكوا من شيء. حتى عندما سألتها عن آثار الكدمات التي تملأ وجهها، وآثار الحروق التي خلفتها المكواة على ذراعيها وساقيها وربما ردفيها وثدييها. ومن قصّ لها شعرها الأسود الجميل، لم تجبني. كانت تعزو كل ذلك إلى أسباب سخيفة وغير منطقية أصلا، كأن تقول أنها سقطت وتدحرجت على السلم، أو احترقت بالشاي الساخن، أو احترق شعرها بالمدفئة أثناء محاولة تجفيفه بعد الاستحمام إلخ.. من الأسباب الواهية، فعلمت أن المجنونة ما زالت تعشقه رغم الأذى الذي تعرضت له، إذ ما زالت هناك هالتان زرقاوان تحيطان عينيها وثمة ندوب وآثار حرق سجائر على رقبتها منذ المرة الأخيرة التي رزحت فيها تحت رحمة حزامه الجلديّ السميك. ولعل الأغرب من ذلك كله أنها ما زالت تظن أنني من وشيت بزوجها عندما كانا يعيشان قصة الحب تلك أيام الجامعة. وهذا لا يعني أنها لا تريدني أن أتدخل في ما يجري بينهما من مناكدات ومشاحنات دائما ما تنتهي باستعمال الزوج أساليب جديدة، كأن يضع أعواد الكبريت بين أصابع قدميها ويشعلها وهي نائمة، أو يسكب عليهما ماء ساخنا، ولا اعلم ماذا سيفعل في الأيام المقبلة، لعله ينصب لها أنشوطة في المروحة السقفية ويعدمها الحياة !

أنا في هذه الأثناء، لا أريد أن أُلهي نفسي بزوج شقيقتي الساديّ، فيكون ذلك على حساب تركيزي على مسألة الثأر من قاتل أبي الذي ما زال يتنفّس الهواء، في حين يقبع والدي في حفرته العميقة، وتنخر الأرضة عظامه العزيزة. ولا أريد لزوج شقيقتي هذا أن يعلم بما أفعله في هذه الساعة، حيث أضع على السرير وسادتين أحدهما بجانب الأخرى بشكل طولي وأغطيهما ببطانية مخططة أخرجتها لي شقيقتي خصيصا لتقيني برد الليالي في شقتها الرطبة. أسدد سكيني على المنطقة التي من المفترض أن يوجد فيها القلب، وأغرزها عميقا.

الآن تأكدت أن زوج شقيقتي هذا مجنون. اسمعه الآن وهو يناغي طفلا افتراضيا في المهد، يتظاهر بإرضاعه من قنينة مليئة بالحليب. رأيت ذلك بنفسي عندما فتحت الباب قليلا وكان ما يزال يحاول إسكات طفله الافتراضي في صالة الجلوس الصغيرة. مسكين زوج شقيقتي، أشفقت عليه والله، ولو كانت تلك الشقيقة قد أنجبت له طفلا حقيقيا لما عمد إلى إذاقتها الويلات على النحو الذي ذكرته. هذا لا يهم الآن، فأنا لست معنيا بترهات زوج شقيقتي المجنون. ربما سأبلغ عنه الشرطة لاحقا، أو أسعى لإدخاله المصحة ما أن أفرغ من قاتل أبي. ومن يدري،،، ربما أقتله بدلا من ذلك القاتل. نعم وأكون بذلك قد أخذت بثأر شقيقتي من هذا المعتوه.

ما زالت السكين بحوزتي، حقاً إنها باشطة وقد علق شيء من الخضار بأسنانها الحادة القاطعة. رائحة سلق وكزبرة تذكرني بأمي عندما كانت تطهو لنا مرق " الشبزي " اللذيذ. كان أبي يلحّ عليها كي تطهوه بين يوم وآخر في الشتاء. في حين كان طبق البامياء هو أكثر ما يشتهيه في أيام الصيف المؤرقة، حيث مياه الشطّ العذبة والنبق والبمبر والرطب والعضلات التي تكاد تطق أو تطير كالبالونات حاملة البطل العالمي مستر أولمبيا في استعراضه المثير في نادي الاتحاد الرياضي. ها أنا الآن اذكر مستر اولمبيا كأحد تلك الذكريات الجميلة التي تومض في ذاكرتي ودائما ما يكون أبي حاضرا فيها. لكن انظر ماذا فعل هذا البطل العملاق، قتل شخصا يحبه ! فليكن. اعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام ما أن يأتي الليل. ربما سأنام ساعة أو أكثر إلى أن تأتي شقيقتي من العمل، فأنا لا أحب الجلوس إلى مائدة يجلس عليها في الوقت نفسه ذلك اللعين المسمى زوج شقيقتي.

" شيش كباب "

" مستر أولمبيا.. هل أنت بخير ؟ "

ربما رددها عامل البلدية للمرة الخامسة بينما هو يطرق الباب. ظن أن العجوز نفق أو حصل له مكروه. لكنه ما أن أوشك على طرق الباب مرة سادسة حتى اطل مستر اولمبيا من خلفه، مظللا عينيه بكفيه عن الشمس، في حين وضع سبابة يده الأخرى على شفتيه.

" ششش.. ! اخفض صوتك فالسيدة نائمة ! "

اعتذر عامل البلدية فورا،، قال :

" لم أقصد سيد اولمبيا، عندما تأخرت قلت ربما أصابك مكروه "

" لا.. لم يصبني شيء، أنا بخير " قال مستر أولمبيا ثم فسح في المجال لعامل البلدية قائلا بحفاوة : " تفضل... "

" شكرا.. أتمنى ألا أزعجك "

" أبدا.. "

دخلا معا. وكما هي العادة أجلس مستر أولمبيا ضيفه على تلك الكنبة في الهول، ووقف هناك ليسأله :

" هل كان يومك متعبا ؟ "

" جدا سيد اولمبيا "

انتزع عامل البلدية اليشماغ من وجهه، ففاحت في المكان رائحة العرق. ولأول مرة انتبه مستر اولمبيا إلى أن الشاب الجالس هناك على الكنبة في بيته قد تجاوز الثلاثين من عمره، بشعر أشعث وانف رفيع جدا كأنما سُوي بمنغنة وبعينين صغيرتين يغمضهما عندما يتكلم. قال :

" تصور يا سيد اولمبيا، اليوم عثرت في إحدى حاويات القمامة على كيس نفايات فيه طفل ميت. انزعجت كثيرا. المسكين ما يزال في أيامه الأولى. لم أكن لأتركه يتعفن هناك بين القاذورات أو تأكله الكلاب السائبة. إنه معي الآن وقد علقته على غصن في شجرة البمبر في حديقتك، وعندما أنتهي من عملي سأدفنه في مكان ما "

هزّ مستر أولمبيا رأسه أسفا، وقد تأبط يديه وشبك ذراعيه، ثم قال بمزيد من الأسف :

" " حسنا فعلت. أعتقد أنه يستحق مراسم دفن تليق به. عاهرات ! لا يملكن سوى أن يرمين حملهن كما تُرمى الجراء في المزابل. ولو لا أنها قحبة لما فعلت ذلك، ربما كان عليها أن تضعه برفق أمام جامع أو كنيسة كما يحدث ذلك في الأفلام، لعلّ أحدهم يعطف عليه ويعتني به، أو أقلها يحمله إلى دار الأيتام ! "

" نعم يا سيد أولمبيا ... " قال عامل البلدية : " رأيت ذلك في أحد الأفلام المصرية، وكانت القصة منتقاة من رواية الحرافيش لنجيب محفوظ.. هل تعرفه ؟ "

" لا أظنّ،، لكن أعتقد أني شاهدت الفيلم. قل لي هل أنت جائع ؟ "

" جداً سيد أولمبيا "

دلف مستر اولمبيا إلى المطبخ ليحضر شيئا يأكله عامل البلدية الذي نهض من مكانه على الكنبة وراح يطالع صور بنّائي الأجسام على جدران الهول، ريثما يأتي مستر اولمبيا بالطعام، لكنه وجد نفسه في النهاية على مقربة من باب غرفة النوم. ثمة من يحاول أن يدير قبضة الباب، وفي كل مرة تنتهي المحاولة بالفشل يسمع عامل البلدية شيئا يسقط من علوٍّ وراء الباب من الداخل. أثاره الفضول. فكّر : ربما كانت السيدة زوجة أولمبيا بحاجة إلى مساعدة. ربما سقطت من على السرير، أو أن مستر أولمبيا نسي أن يطعمها أو ينظفها. وبما أنها مقعدة أو هكذا تبدو من حديث مستر أولمبيا، فلا بدّ أنها قطعت المسافة بين السرير والباب زحفا، وما زالت هناك تحاول فتحه، لكن دون جدوى.

" إذن.. هل حقا أن السيدة دزدمونة بحاجة إلى مساعدة ؟ " تساءل عامل البلدية في نفسه : وإذا كانت حقا بحاجة إلى من يساعدها لماذا لا يخبر مستر أولمبيا بالأمر ؟ لكنه بدلا من أن يفعل ذلك مدّ يده إلى المقبض وأداره بسرعة، فتح الباب فتحة صغيرة بالكاد نفذت منها قطة صغيرة تحمل فأرا سمينا انزوت به وراء براد الماء الصغير. فكّر : هل يمكن للقطط أن تفعل ذلك ؟ ربما هي تعبث بكرات الصوف أو تحك الأخشاب ببراثنها الطويلة الجارحة، أما بشأن امتلاكها تلك القدرة على فتح الأبواب، فربما يحدث ذلك مع القطط الأوربية الذكية. أما قططنا الانتهازية المتملقة فليس لديها ما يميزها عن غيرها سوى ذلك الدهاء في مباغتة ربّات البيوت، وسرقة الأسماك واللحوم من المطابخ المنزلية بعد صبر وأناة ومواء لا ينقطع.

في تلك الأثناء تفاجأ عامل البلدية بمستر أولمبيا على بعد خطوات وراءه، قائلاً بنبرة تنم عن غضب :

" ماذا تفعل هنا يا ولد ؟! "

" لا شيء سيد اولمبيا "

" هل تتطفل ؟ "

" أبدا سيد أولمبيا "

" إذن.. تناول غداءك وخذ زبالتك وغادر بيتي فوراً ! "

" حاضر سيد أولمبيا "

ما يزال عامل البلدية مطرقا رأسه عندما ناوله مستر أولمبيا طبقا فيه رز بارد وفوقه فاصولياء أفرغها من علبة لونا مع خبز بائت وقطعتان من الخيار المخلل. وقد تبدى لمستر أولمبيا كم كان جائعا عامل البلدية الذي جلس على تلك الكنبة ووضع طبقه على فخذيه وراح يأكل بشراهة. وكان على وشك أن يسأله عما إذا وصل به الجوع إلى هذا الحد المزري. إلا أنه تردد في اللحظة الأخيرة، وكما لو كان عامل البلدية يعلم بما خطر لاولمبيا في تلك اللحظة قال:

" الجوع يا مستر أولمبيا لا يُطاق. وإذا ما أردت أن تذلّ أحدا فاحبس عنه الطعام ثلاثة أيام وسترى المهانة بادية على وجهه، بل على كامل جسده. آه يا مستر أولمبيا، ما أكثر المواقف التعيسة التي يتعرض لها الإنسان بسبب الجوع. فمثلما يشعرك الجوع بالذل كذلك يشعرك بأمور أخرى كالإحراج والكراهية لمن هم حولك والقنوط، وأعني بذلك اليأس من وجود عالم مثالي تسود فيه العدالة وتكون فيه كرامة الإنسان محفوظة. أنا مثلا تعرضت في أحد الأيام إلى موقف بائس، ولو كان الأمر بيدي لدفنت نفسي بدلا من الوقوع فيه. لكن حدث الذي حدث وتحول الموقف بمرور الأيام إلى ذكرى أليمة. نعم يا سيد أولمبيا ذكرى تمرق في خاطري بمزيد من الشعور بالضحالة. هل تريدني أن أحكيها لك ؟ "

كان مستر اولمبيا ما يزال واقفا هناك منذ أن ناول عامل البلدية غداءه، وراح ينظر إليه بينما هو يأكل ويتكلم في الوقت نفسه، وكانت حبات الرز تتناثر من فمه وتسقط إما في حضنه أو في الطبق، لكنه سرعان ما كان يتلافى ذلك بأن يلتقط تلك الحبات المتطايرة ليعيدها إلى فمه. وعندما رأى مستر اولمبيا أن ضيفه صار على وشك أن يروي له شيئا من حياته التعيسة، جلس إلى جانبه على الكنبة وراح يصغي :

" لم أكن أتصور في يومٍ ما أن أموت من الجوع، أو أن هناك أحداً يحصل له ذلك، مكذباً الأخبار والقصص التي تروي عن ضحايا الجوع، خصوصاً في أفريقيا، حتى جاء اليوم الذي كاد أن يتمكن فيه هذا الوحش القاهر المسمى جوعاً من التغلب عليّ، وتحويلي إلى جثة هامدة على رصيف قذر.

ففي يوم من أيام تموز المحرقة، عندما كان الحصار يلوك لحومنا، ويرمي بعظامنا في حاويات القمامة، كنت بصحبة أبي المرحوم في طريق عودتنا إلى البيت، عندما شعرت أني سأموت جوعاً إن لم آكل شيئاً. كنت جائعاً إلى درجة أن قدمي لم تعد قادرتين على حملي فتوقفنا أمام أحد المطاعم في ساحة أم البروم، جلسنا على الرصيف لنريح أقدامنا المتعبة، ولم نكن نحلم وقتها بأكثر من طبق من الرزّ مع مرق الفاصوليا الذي يقدمونه في تلك المطاعم.

أصابني الدوار، وأحسست بالجوع يجفف أمعائي، يقطعها، وأنا أرى عامل المطعم من وراء الزجاج، يقتطع من فخذ الخروف المعلق أمامه، قطعاً صغيرة يغرزها في الأسياخ لتنضج على نار الفحم الذي يزيده هواء مروحة كهربائية صغيرة اشتعالاً. في حين كانت رائحة الشواء تتسلل عبر خيشومي وتستفزّ الوحش الرابض في معدتي الخاوية.

أخرج أبي حافظة نقوده الجلدية المتهرئة، وراح يعدّ ما تبقى من أوراقي النقدية. فوجد أن ما يحمله لا يساوي ثمن اللحم المشوي الذي رغبت في تناوله. ذلك يعني أني لن أتناول أكثر مما تبادر إلى ذهني قبل دقائق، وهو طبق الرزّ ومرق الفاصوليا، إضافة إلى قرص صغير من الخبز. ثم أن على أبي أن يوفر ثمن علبة السجائر وقدح الشاي وأجرة الباص : لتذهب أشياش الكباب الى الجحيم ! " قال أبي رغم أنها تبدو مغرية، أشياش الكباب تلك، وهي مزينة بحلقات الطماطم والبصل وأعواد الكرفس والريحان وقطع الجزر المخللة، وهو المشهد الذي رأيته أمامي حيث جلس أحد الزبائن، وراح ينثر الملح تارة والسماق تارة أخرى على أصابع الكباب التي وددت أن أتناولها أكثر من أيّ وقت مضى.

" تفضلا..."

قال الرجل البدين الذي يجلس خلف الطاولة البلاستيكية أمامنا : تفضل أستاذ "

" لا... " قال أبي شاكراً : " هنيئاً "

لحظات وإذا بعامل المطعم يخيم على رأسينا بابتسامته البلهاء وبدلته التي لا تختلف عن الزي الموحد لبقية العمال، سوى أنها مبقعة بالمرق والزيوت وسخام القدور. ألقى علينا التحية فكان رد أبي بالعبارة نفسها، ثم قال :

" ماذا تطلبان ؟ "

" كبـ.... كبـ...باااا ! "

" نعم... " قال العامل مقرباً أذنه من فم أبي لكي يسمع ما قاله تواً : " ماذا قلت لطفاً ؟ "

تلعثم لسانه بينما هو يحاول ترديد كلمة كان عليه التفكير بعواقبها زمناً طويلاً. غير أن أبي أفاق مما كان أشبه بالإغماءة التي انتابته فجأة وهو يشمّ رائحة الشواء الطيبة، فقال بصوت خفيض يكاد لا يُسمع :

" فاصوليا مع رز "

دلف إلى المطبخ الذي يبدو كسرداب تنبعث منه أبخرة وروائح المأكولات. أقبل بعدها بدقائق حاملاً معه طبقين وضعهما أمامنا، فنظرت إلى المرق، يبدو ساخناً وشهياً بالنسبة لي، وأكثر منه ذلك الطبق الذي أوشك الرجل البدين أن ينسف محتواه من الكباب المعدّ بطريقة تجعلك تتصبب عرقاً، حين تعلم أنك لن تتناوله، إنما ستكون مجبراً على تناول الرز والفاصوليا الخالية من أيّ شيء.

أعاد أبي حساباته، فرأى أن من اللا منصف أن نحرم أنفسنا من تناول مثل هذه الوجبة، حتى وأن كانت أقل كماً، كأن تكون ربعها مثلاً. لكن عليه أولا أن يتخلى عن قدح الشاي الذي سنشربه معا وعلبة سجائره، وأن نعود إلى البيت راجلين بدلاً من الذهاب في الباص. هذا لأن أبي سيدفع في النهاية ما بحوزته مقابل نصف الوجبة الشهية التي سنتناولها.

" فليكن إذن.. "

قال أبي متحدياً، فلا أحد يعلم، ربما نموت بعد ساعة وينتهي كل شيء. على الأقل أننا سنلتهم أكلتنا المفضلة، ونرضي نفسينا في آخر رغبة لها.

أشار أبي إلى النادل مجدداً، فأقبل نحونا مستفسراً عما إذا كان ثمة شيء ينقصنا. ولما نفى أبي ما تخايل له في تلك الأثناء، طلب أن يبدل الرز والفاصولياء بشيش كباب مشوي حملق الرجل بعينيه اللتين أظهرتا كم هو مستاء في لحظتها، إلا أنه استسلم لإلحاح أبي وانصرف إلى المطبخ بعد أن رفع طبقي الرز والفاصوليا من على الطاولة.

مضت دقائق أقبل بعدها النادل حاملاً بيده طبقاً تنبعث منه رائحة الشواء بينما حمل بالأخرى أقراص الخبز الساخن. لا اعرف ما الذي حدث حينما رأيت شيش الكباب الشهي يتوسط الطبق الذي وضع أمامي. إلا أن بوسعي إضفاء وصف طفيف لما شعرت به حينها. كنت أرتعش بشدة مع أن الجو كان حاراً، والمراوح السقفية تنفث سمومها المعتادة مثل هذا الوقت من الظهيرة القائظة. آآه! لقد مضى زمناً طويلا لم أذق فيه طعم الكباب، فكان العرق ينضح من جبيني وخلف أذنيّ في الوقت الذي لم أعد فيه قادراً على تجنب تلك الرعشة المخجلة. فجاءت اللقمة الأولى بهدوء على نحو لا يشي بأني سأموت جوعا إن لم آكل. وما أن أوشكت على تناول اللقمة الثانية حتى فاجأني وهو يتوقف عن الأكل، بالكاد تناول لقمة واحدة ثم تسمر مكانه عندما سمع صوتا بدا مألوفا حتى بالنسبة لي، قبل أن اكتشف انه صوت مدير دائرته والذي كان أبي سائقه الخاص.

لم يكن بوسعي في تلك اللحظة سوى ان القي باللائمة على أبي لأنه قيد نفسه بالتقليد الشائع : أن يدفع حساب من يعرفه، كونه سبقه إلى المطعم، أو الباص أو حتى إلى دورات المياه. وقد فشلت جميع محاولاته بغية الخروج من هذا المأزق. برأيك ماذا نفعل ؟ أنحمل وجبتنا الدسمة ونهرب بها ؟ ذلك ما ينقص أبي، أن يقف هذا الموقف المخزي أمام شخص طالما أغرقه بكرمه وما زال دائنا له حتى بعد موته. أم يذهب إليه، ويحييه، ثم يسبقه الى الدفع، بينما هو يغسل يديه، فيودع لدى صاحب المطعم بطاقته الشخصية، ريثما يأتي يوم يتمكن فيه من تسديد ثمن الطعام الذي تناوله مديره. لكن من يدري، فربما يُخرج هذا لي عدداً من البطاقات لأشخاص آخرين فعلوا الشيء نفسه، دون أن يرى أحداً منهم ثانية.

في النهاية، قرر أبي أن نلبث في مقاعدنا دونما حراك، حتى يغادر مديره المطعم. تعرق كثيراً وهو ينتظر لحظة الخلاص من هذه الورطة. شعر بالغثيان، اضطربت معدته مفرزة أحماضها وروائحها الكريهة التي راحت تلذع بلعومه. حتى الجوع لم يعد يشعر به، إنما حلّت مكانه رغبة شديدة لتقيء اللقمة اللعينة التي ابتلعها، وربما شعر بها كالسكين وهي تقطع أمعاءه المتيبسة.

حينذاك، سمع أبي صوت مديره عند الباب، يدفع ثمن طعامه ويغادر المطعم. فأحس كأن جبلاً حديدياً أُزيح عن كاهله، دون أن يسهم ذلك في كبح الاضطراب المعدي الذي أصابه وقتها. نظر إلى وجبتنا التي برُدت، كانت باهتة إلى درجة أنه لم يعد راغبا في تناولها. إنما هرع إلى دورة المياه، عندما شعر انه سيتقيأ أحشاءه. أما أنا فقد نغص عليّ قلق أبي وقتها فانمحت بذلك كل متعة لي في الأكل، فلم أتناول سوى لقمتين أو ثلاثاً كان لها طعم الحنظل في فمي.

توجه أبي بعدها إلى صاحب المطعم، الذي يجلس على مقربة من الباب، خلف طاولة من خشب الصاج، في حين لم أرفع أنا عينيّ عن عامل المطعم، فرأيت كيف أنه رفع أطباقنا المفضلة وألقى محتواها في حاوية تجميع الفضلات. أخرج ابي حافظة النقود من جيبه لكي يدفع ثمن الوجبة التي أفسد مديره علينا تناولها. عندئذ، قال صاحب المطعم مبتسماً :

" حسابكم واصل !! "

أنظر يا سيد أولمبيا، هل تصدق ما حدث لنا ؟! لقد قطعنا المسافة إلى البيت مشيا على الأقدام، وكاد أبي أن يموت في الطريق. أنا الآن كما تراني ربما لست أقلّ من أبي حظا سيئا، أحصد ذهبا وألقم حجرا هو الذي سيضعونه في فمي غدا عندما يودعوني القبر. ولا أعرف ما الذي يحدث في المستقبل "

توقف عامل البلدية لحظات راح يمصّ خلالها أصابعه، ثم قال ملوحا إلى قرب انتهاء حديثه :

" سأنبهك إلى مسألة مهمة يا سيد أولمبيا، إذا كنا في بلد الذهب الأسود كما يقال عن النفط وهذه هي الحال لدينا، فكيف تكون في المستقبل إذا ما فوجئ الناس بنفاد هذا النفط في باطن أرضنا الغليظة ؟!! "

نهض ليغسل يديه في المغسلة البلاستيكية هناك، راح يتمضمض بصوت عالٍ، يتغرغر ويزفر ويبصق ويمخط من أنفه مما أثار حفيظة مستر أولمبيا، وكان صوته يأتي من هناك متقطعا، بعد كل بصقة أو غرغرة :

" إذا ما حدث ذلك في النهاية بشكل فعليّ فلا أشك أن الحياة ستتوقف. وإلا ماذا ستقول يا سيد أولمبيا ؟ ربما وحده التمثال الذي ما زال يحمل مطرقته في ساحة أم البروم باستطاعته العمل وقتها. على الأقل لن يجد من يسرّحه من عمله الأزلي هناك ! "

" هأ.. هأ.. هأ… ! " قهقه مستر أولمبيا ثم عقب قائلا : " أنت تتخيل الأمور بشكل مخيف، وأظنّ أن ذلك فائض عن حاجتك كعامل بلدية يا صديقي ! " وأثناء ما كان أولمبيا يضحك، ظهرت أسنانه سليمة وشبه كاملة، ولمّا رأى أن عامل البلدية انتبه إلى ذلك راح يذر الرماد في عينيه : " إنها اصطناعية " فقال العامل وقد لاح على محياه عدم التصديق : " نعم سيد أولمبيا، تبدو كذلك ! "

أعاد عامل البلدية اللثام على وجهه. انتشل كيس القمامة من الحاوية الزرقاء قرب الباب وحمله على ظهره :

" وداعا سيد أولمبيا "

" مع السلامة "

انسحب مستر اولمبيا إلى المطبخ، اخرج من الثلاجة الصغيرة علبة، فتح الغطاء وافرغ محتواها من حبات البازلاء في قدر صغير ثم سخنها على نار الطباخ الغازي الصغير، بعد أن أضاف لها بعض الثوم والبصل وقليلا من الملح. في تلك الأثناء كان عامل البلدية في الحديقة ينبش بقصبة رفيعة ما أفرغه مؤخرا على الأرض من كيس القمامة الذي أخرجه من منزل مستر اولمبيا، لعله يعثر على شيء يعود عليه بالفائدة، إلا أن شيئا لم يكن هناك سوى علب الأطعمة المعلبة : سمك، لحوم، صوصج، مخللات، فاصولياء، همبرغر، صمون وبقايا فاكهة متعفنة. ثمة أكياس شاي ليبتون مستعملة ومناديل ورقية مكورة, أكياس نايلون تحتوي على شيتات حبوب منع الحمل فارغة، وحفاظات نسائية وعلب الماكياج التي يبدو أن السيدة دزدمونة تستهلك الكثير منها. إلا أن أكثر ما أثار اشمئزاز عامل البلدية في ذلك الحين، عندما راح يعيد القمامة إلى الكيس، هي تلك الواقيات الذكرية المليئة بسوائل مقززة. وقد استغرب أن يمتلك مستر أولمبيا من القوة ما يجعله قادرا على ممارسة الجنس مع امرأة لم تتجاوز بعد سنّ اليأس، أو هكذا خمّن في النهاية ما دام أنها تستعمل الحفاظات والحبوب المانعة للحمل.

" ساندويتش معجون الطماطم "

لم أتناول من صحن البازلاء المعلبة سوى ملعقة أو ملعقتين حتى شعرت بالغثيان، وسحبت نفسي إلى غرفة النوم. تمددت على السرير الخشبي إلى جانب حبيبتي دزدمونة النائمة. لم أشأ أن أوقظها، حتى عندما دخلت إلى الغرفة كنت أسير على أطراف أصابعي وقد حرصت على ألّا احدث جلبة هناك لكي لا أزعج دزدمونتي الحبيبة.

أخرجت من كيس نايلون صغير حبتين من اللبان المرّ، ألقيتهما في فمي ورحت أعلك برفق. أعلك وأعلك حتى تعبت من كثرة ما سحقت رحاياي علك البستج. أغمضت عيني بضع دقائق، لم يكن فيّ شيء يتحرك عدا فكّيّ وإبهامي يديّ المشبوكتين على صدري، كانا يلتفان حول نفسيهما في حركة دائرية بطيئة، قبل أن يطبقا احدهما على الآخر حتى خلت أنهما يتدافعان إلى أن انفلتا في اللحظة الأخيرة. تذكرت الرسالة والطرود البريدية، أخرجتها من جرار الدولاب الملاصق للسرير، فعلت ذلك بهدوء أيضا بينما أنا أعض شفتي السفلى وانظر إلى دزدمونتي النائمة كل حين.

منذ سنوات طويلة وأنا أواظب على مراسلة المجلات المتخصصة برياضة بناء الأجسام، كنوع من الهواية بعد أن فقدت القدرة بصورة نهائية على ممارسة مثل رياضة كهه. وكان مجموع ما وصلني صباح هذا اليوم ثلاثة أعداد لثلاث مجلات تصدر في أميركا ولبنان. بقي مظروف رابع لم يكتب عليه عنوان الجهة المرسلة، في حين لم يفت المرسل تدوين اسمي وعنواني بخط واضح أنيق جاء على النحو التالي :

البصرة

العشار / حي بريهة

رقم الدار 17

تسلم ليد البطل العالمي المخضرم مستر اولمبيا

في الحقيقة لم أكن لأتجاهل إغراء صور بنّائي الأجسام، لذا أجلت قراءة الرسالة إلى وقت آخر. رحت أتصفح المجلات التي كانت تحتوي على الكثير من الصور والبوسترات الجميلة لأبطال عالميين في غاية الروعة. أثناء ذلك وبينما كنت اقلب في صفحات إحدى تلك المجلات سمعت دزدمونتي النائمة وهي تنادي باسمي معاتبة :

" اولمبيا.. يا بطلي العتيد، لماذا افلت يدي وتركتني أهوى وحيدة في قيعانك الضحلة ؟!! "

كانت ما تزال مغمضة العينين حينما قبلتها في جفنيها الباردين. سمعتها وهي تنتحب قبل أن تعود إلى صمتها. فعرفت في حينها أنها تحلم. لكن بمن هي تحلم يا ترى ؟ آه.. سحقا لك يا مستر اولمبيا. ومن غيرك تحلم به أيها المعتوه ؟! أنت بطلها.. عشيقها.. فارس تلك الأحلام التي ما زالت تركض هي في جنائنها، وتركض أنتَ في إثرها. تمسك بها. تعانقها. تقبلها. تطير معها على غيمة من زمرد.

خرجت من غرفة النوم، ورحت أنهك نفسي بملأ الفراغات على جدران الهول بصور بنائي الأجسام. جعت. فكرت بسندوتش معجون الطماطم الذي ما زلت أفضله على الهمبرغر منذ أن كنت في الثامنة من عمري. إلا أن أحدا ما وراء الباب لم يترك لي فرصة الاستمتاع بما خطر لي وقتها ووددت أن أسد به جوعي عندما راح يطرق الباب بطريقة غير مؤدبة، وبعنف كاد أن يوقظ دزدمونتي الحالمة.

" الساحر "

منذ أن كان في الرحم الخصيب، تتلقى الأم إيعازاته، فتشتهي : عسلاً، ولحماً، وموزاً، وذرة صفراء، ولحاء شجرة بمبر.

عسل سدر مغشوش من منحل بائس في أطراف أبي الخصيب. لحمُ شاة ميتة اشتراه الزوج من محل قصابة سيء الصيت، في سوق البصرة القديمة. أحد الأقارب يعمل كاسورا في فرقة خشابة، جلب لها موزة من الكويت. قدر من الذرة الصفراء المملحة سلقتها كنتها على نار بريمز هادئة. لم يبق سوى اللحاء، وهذا اقتطعه الزوج من جذع أول نبقة صادفها في طريق عودته من العمل، إلى بيته الصغير في محلة جسر العبيد.

لم تسأل معتوقة من أيّ شجرة اقتطع زوجها هذا اللحاء، من شجرة سدر، أم شجرة توت أم بمبر أم كالبتوس، أم رمان. فقط، تناولته، وراحت تمضغه بشراهة، كما لو أن قدرة عجيبة أحالت لذة الدنيا بأسرها إلى هذا اللحاء المرّ.

في إحدى الظهيرات القائظة، أحست معتوقة بآلام الولادة، أمسكت خصرها وبدأت تصرخ. والى أن جلب زوجها القابلة، كان الطفل قد أطل برأسه على الحياة، وراح يتنشق عفونة الحجرة ويصغي إلى صراخ أمه، التي ما زالت تطلق به، حتى لفظته تماماً. حملوه إلى والده الذي بدأ يناغيه، ثم أسماه نعمان. ولم تزل معتوقة تجهل إلى أيّ الأشجار ينتسب ذلك اللحاء الذي اشتهته في ذلك اليوم، حتى ولدت نعمان ذو الوجه الذي إذا ما قورن بلحاء شجرة بمبر متشقق، فهما واحد.

لم تنفع الأدوية العشبية التي اشتراها الأب من سوق العطارين، وسوف يشعر بالتعاسة كلما رأى وجه نعمان الصغير يبدو مغلفا بلحاء شجرة بمبر. تُرك وشأنه، صار يحبو على مؤخرته، قبل أن يكون بمقدوره الخطو، ثم الركض في باحة الحوش المتربة. كان يلتقط النمل الفارسي، يعبث به. قد يأكل بعضه أو يسحقه بقدمه الصغيرة. يجرّ عجلة من تلك التي يصنعها له أبوه من علب حليب الكيكوز، بعد أن يملأها بالرمل. يشعر بالجوع، ينسحب إلى حضن معتوقة، ليرضع من ثديّ أذبله العوز. يحسّ بالملل، يعلك حلمة أمه فتندّ منها صرخة. تهدده بالفطام إن هو عضّ حلمة ثديها ثانية. وفي الليل يجهش بالبكاء من أثر قرص الفارسي على فخذيه وذراعيه.

أول من نعته بلحاء الشجرة هو أبوه، قبل أن يكون في مرمى سخرية الآخرين، يصد عن وجهه بصاق أقرانه الذين يشاكسونه طوال الوقت. حتى نسي اسمه، واعتاد على التسمية الجديدة. أما أمه فكانت تشبهه بالصقر الذي يلقي على ذويه الأفاعي والسلاحف والسرطانات الصغيرة التي يصطادها من النهر. بينما الصبية في مثل عمره، يملأون سلالهم بالأسماك.

ومنذ صغره تعلق نعمان العشاري بأحد أعمامه ويدعى عبود الساحر الذي كان يعطف عليه ولا ينعته بلحاء الشجرة. وكان هذا العم يعمل في الخدع البصرية على مسرح صغير في مدينة الألعاب، الأمر الذي زاد من ولع نعمان به في كل مرة يراه يقوم بتلك الألاعيب والخدع البصرية الممتعة بخفة لم ير مثلها من قبل، كلما سنحت له الفرصة في اصطحابه إلى مدينة الألعاب. وما زال العم عبود هذا يمارس ما يبدو للناس سحراً، حتى ترك مهنته بعد حرب الخليج الثانية، وراح يستغل خفته في سرقة محفظات النقود في أكثر الأماكن زحاما. عندئذ كان نعمان العشاري يتعلم الخطوات الأولى للسرقة من عمه دون أن ينتبه أبوه لذلك، إلا في وقت متأخر كان فيه نعمان في طريقه إلى احتراف السرقة والنشل في مواقف الباصات وعند مدخل المجمع التسويقي.

دخل نعمان المدرسة في الصف الأول الابتدائي، وكان يجلس خلف رحلته الخشبية والنخامة الخضراء لا تكاد تفارق انفه الأفطس، ربما تسيح على شفتيه فيلعقها، ثم يتفل : " عيييييع مالحة ! " ذات يوم رأته معلمة الانكليزي وهو يفعل ذلك. كانت حبلى في الشهر الثاني، وأوشكت أن تتقيأ أمعاءها. جرّته من ياقة قميصه المتسخة، حاصرته في إحدى الزوايا، داست رجليه بكعبي حذائها، فيما شبكت يديه خلفه ودفعته على الجدار. قيدت حركته تماماُ وراحت تصفعه على خديه حتى تورما.

بدأت يدا نعمان العشاري تطولان حسب التعبير المجازي لمن تمتد يداه إلى ممتلكات الآخرين في سن الثالثة عشرة، وفي كل مرة يطرد فيها من المدرسة بتهمة سرقة الأقلام والمماحي والدفاتر والبرايات، يعيده أبوه إلى مقاعد الدراسة بعد تدخّل وسطاء وأناس ذوي نفوذ.

ولما حان دوره في الإفصاح عن أمنية المستقبل. صاح عليه معلم القراءة :

" أنت.. يا لحاء الشجرة، تعال إلى هنا "

فنهض نعمان من مكانه خلف الرحلة الخشبية، في نهاية الصف، وقف إزاء المعلم الذي سأله عن أمنيته المستقبيلة، فقال هذا :

" شجرة... "

" وأيّ نوع من الأشجار تريد أن تكون ؟ "

" بمبر.. شجرة بمبر طويلة ! "

صفعه المعلم بقوة فارتطم رأسه بالسبورة، وراح يشتمه ويعيب عليه اختياره مثل تلك الأمنية الغريبة. في حين ظل هو يبكي طوال النهار ويتذكر تلك الصفعة حتى جاء اليوم الذي تغيرت فيه أمنيته، فراح يمني نفسه في أن يكون ساحرا مثل عمه، قبل أن تروق له فكرة النشل واستلال محفظات النقود من جيوب الجينز الخلفية .

في الخامسة عشرة من عمره، زجّ به أبوه في أحد مكائد الزنوج في المدينة، عمل في البداية بصفة ولد عمل، وكان شيخ المكيد يستخدمه لتهيئة الأمور وتسوية ساحة الزار بالرمل قبل إقامة الطقوس في ليالي الجمع. قبل أن يتم طرده لأسباب مجهولة، في حين كان أبوه يعلم جيدا انه طرد بداعي السرقة. سحرته الطقوس الغرائبية وموسيقى الزنج الصاخبة، وإيقاعاتهم الفنتازية المخيفة، ولكناتهم التي تختلط فيها العربية بالبمباسية وبالسواحلية أحياناً. أبخرة العلك المر، والنيط، والماني ماني، ولحية الشايب، والعود الهندي. وما زال نعمان العشاري مولعا بفنون الونيكا والهيوة والجتانكة والأنكروكا والحبوش والنوبان. حتى صار يجيد العزف على الطنابير والطبول والصرناي. عندئذ، رآه الكاسور الشهير سعد اليابس في أحد المكائد، وكان ما أبداه في حينها من مهارة في أداء إيقاعات جديدة على الخشبة، سببا لاستدعائه إلى فرقته. وظل نعمان مواظبا على المشاركة في إحياء مناسبات الأعراس والختان مع تلك الفرقة، حتى دخل إلى الجامعة في كلية الفنون الجميلة ، لكنه لم يكمل دراسته إذ ما زلن الطالبات يشكين من فقدان مقتنياتهن وبعض مصوغاتهن والطلاب من اختفاء ساعاتهم اليدوية، حتى جاء اليوم الذي صار واضحا للجميع أن الشاب الأسمر نعمان هو السارق، فنصب له كمين والقي القبض عليه متلبسا بإحدى السرقات، فسجن ثم وجد بعد خروجه من يخبره انه بات شخصا غير مرغوب فيه ضمن أفراد الفرقة الموسيقية. سيق بعدها إلى الجيش لأداء الخدمة الإلزامية اثر طرده من الجامعة، وظل يتنقل بين الثكنات حتى تسرح من الجيش، وهو منذ ذلك اليوم يمارس السرقة حتى صارت جزءا من حياته.

وعلى الرغم من دخوله السجن أكثر من مرة إلا أن نعمان العشاري ما زال مواظبا على السرقة بطريقة ناجحة نوعا ما، إذا ما حالفه الحظ ولم يشِ به أحدهم. في الفترة الأخيرة صار يضفي على سرقاته صبغة أدبية، عندما يظهر لضحاياه كحكواتي مخاتل يدّعي فقدانه لشيء ما، وبهيئات إن دلت فإنما تدل على انه سارق مثقف ومتجدد لا يكاد يستقر على حال. ولا يعني عدم استقراره هذا قلقا سلبيا، إنما هو ذلك القلق الذي ينتج أشكالا جديدة. فالسرقة بالنسبة له فن أو حرفة لا تختلف عما سواها، وهو يمارسها بعيدا عن إملاءات الدين والمجتمع بشأن الحلال والحرام. ولا يسرق نعمان العشاري أيا كان، على الأقل في الفترة الأخيرة، ودائما ما يكون أولئك الضحايا من كبار السن، ممن يسهل التحايل عليهم، خصوصا أن بعضهم صار في طور الخرف ويمكن أن يصدق أي حكاية يرويها، تمهيدا لسرقته.

مضى قرابة الشهر ونعمان العشاري لم يسرق شيئا، أو انه لم يحظ بعد بالشخص المناسب لكي يقوم بخداعه. كما إن محاولته في سرقة المتقاعدين من كبار السن لم تجدِ نفعا مع تواجد رجال الشرطة أمام دائرة التقاعد مؤخرا. وكان قد حاول قبلها سرقة مستر اولمبيا وكاد أن يُضبط لولا انه هرب في اللحظة الأخيرة، لكنه ظلّ يتعقب اولمبيا في الأسواق والطرقات حتى اهتدى أخيرا إلى عنوان المنزل الذي يسكن فيه. وخلال الثلاثين يوما الماضية تردد نعمان العشاري على منزل مستر اولمبيا مرات عديدة، جمع خلالها بعض المعلومات عنه، قبل أن يضع خطته المحكمة للاستيلاء على مدخراته في ظهيرة ذلك اليوم، وقد صاغ في ذهنه أكثر من حكاية قبل أن يتذكر حكاية المزاح التي كانت جدته لامه ترويها له بين فترة وأخرى. فأعاد صياغتها على نحو حاول فيه إضفاء التراجيديا لتطغى في النهاية على الطابع الفنطازي للحكاية دون أن يلتفت إلى تضمين العِبرة التي تحاول مثل تلك الحكايات إظهارها في الخاتمة. تأنق جيدا وراح يطرق الباب الخشبي بقوة حتى فتح له مستر اولمبيا وقد بان الامتعاض على وجهه بينما هو يقول :

" من أنت ؟ ولماذا تطرق الباب هكذا، هل أنت مجنون ؟! ألم يدر في خلدك أن هناك نساء جميلات نائمات، وربما يحلمن الآن بفرسانهنّ الأشداء ذوي الأجسام الفولاذية البراقة ؟!! "

" حرمل.. وملح، وعلك مرّ ! "

أعلم أني لا أسير في نومي أثناء النهار. لذا حاولت النوم منذ أن دخلت إلى البيت ظهرا وتناولت وجبة خفيفة، ثم أوصيت زوجتي ألا توقظني قبل غروب الشمس، حتى أنال كفايتي من النوم استعدادا لليلة عصيبة قُدر لي أن أبقى طوال ساعاتها يقظا، فقط لأتجنب بذلك المشاكل التي يمكن أن أسببها للغير على اعتبار أنني أعاني من السير وأنا نائم. لكن عبثا ذهبت جميع محاولاتي. لم أنم دقيقة واحدة. أنا أكره النوم ظهرا وأشعر عندما أستيقظ عصرا بكآبة حادة وثمة ضيق يعتمل في صدري يرافقني طيلة الساعات التالية. المشكلة أن أمنا لم تعودنا على النوم أثناء النهار، مع أنها كانت تنام كثيرا، بينما كنا نحن نقضي ظهيرات الصيف المحرقة إما في ارتياد الأنهار للسباحة أو في اصطياد الضفادع والسلاحف والسرطانات على ضفاف الأنهر الصغيرة. حتى الأدعية والأحراز التي عملتها زوجتي وعلقتها تمائم في قمصاني لم تنفع. وكانت قبل كل ليلة أتوقع فيها قيامي اللاشعوري أثناء النوم تأتي زوجتي بتمائم غريبة ملفوفة بخرق، تحرقها تحتي في مبخرة كبيرة تفرقع فيها حبات الحرمل والملح وقطع العلك البستج. ماذا افعل لها، كان ذلك نوع من الحلول التي تطرحها لكي تخلصني من هذه المشكلة المسماة سرنمة. وبينما كنت أفكر في حلول أخرى لتلك المشكلة العويصة خطرت لي فكرة. فما دمت قد رويت أكثر من حكاية لجاري العجوز أولمبيا وأنا نائم، سأحاول تأليف حكاية عن أجدادي العظام، أشهر من أعد واخترع وصمم وخطط مربعات الكلمات المتقاطعة. وبعد أن أنتهي من تأليفها سأحاول أن أحفظها عن ظهر قلب لكي ارويها فيما بعد لجاري مستر اولمبيا أذا ما داهمني النعاس في ساعة متأخرة من الليلة المقبلة. على الأقل سأضمن عدم ذهابي هذه المرة إلى ابعد من منزل الجار العجوز.

لكنني وقبل أي شيء سأحتاج إلى خطة ومجموعة من المعلومات لكي أرفد بها حكايتي. وهذا هو ديدن الكتاب الأذكياء مع أني لا احسب نفسي محترفا بقدر ما أنا عليه دائما من الذكاء كمعد لمربعات الكلمات المتقاطعة. إلا أن ذلك لا يمنعني من انتهاج ذلك الأسلوب الناجح في الكتابة. فأما الخطة فيمكنني رسمها بسهولة ما دمت اشتغل على التخطيطات المعقدة أصلا، وأما ما يخصّ المعلومات والشخوص فأظن أني سأعود بذاكرتي إلى الوراء، إلى ليالي المواقد الدافئة في الشتاء، عندما كان أبي يروي لنا حكايات جميلة عن بطولات أسلافنا الأذكياء وإنجازاتهم عبر العصور السالفة. وقبل أن اشرع بالكتابة لا بدّ أن اذرع المسافة بين بيتي وبيت مستر اولمبيا، الخطوات هي الأخرى سأحفظها. ولولا معرفتي بزوجتي واستعدادها الدائم لقضاء ثلاثة أرباع عمرها إما في المرحاض أو في السرير، لما فاتني أن أوصيها بإدارة دفتي بينما أسير نائما. فأما قضاؤها كل تلك الفترة في المرحاض فلأنها تعاني من إمساك مزمن نتيجة إصابتها بالبواسير. الحالة الثانية وهي كثرة النوم لم أجد لها تفسيرا حتى الآن. فمنذ أن تزوجنا وهي تنام بمعدل 12 إلى 18 ساعة في اليوم. وفي كل الاحوال أنا لا أعول على هذه الزوجة أبداً إلا في حالات استثنائية تخص الطبخ والتنظيف وكي الملابس والمعاشرة الليلية.

لديّ فكرة أولية عما سأدونه من تلك الحكاية. ولا شك أن الأفكار ستتوسع أثناء الكتابة لتشمل أكبر عدد من الشخوص، قبل أن أعمل على تشذيبها من أدران اللاوعي، دون أن يمسّ ذلك الجوهر الرئيسي للحكاية. أنا لا أسعى لأن أكون حكّاء في النهاية، لكنني أطمح بالتأكيد إلى اجتياز الليلة التي بدأت أعدّ الساعات تنازليا لقدومها. وهي ليلة عصيبة بالتأكيد. لا أشك في ذلك أبدا. إلا أن الذي لا أفهمه ويبدو غامضا في هذا المرض اللعين هو لماذا أعمد إلى رواية الحكايات : هل لأنني كنت أتمنى أن أكون كاتبا مرموقا في صغري ؟ أم أن لذلك دواعٍ نفسية نتيجة فشلي في أن أكون ذلك الكاتب المرموق ؟!

ربما رواية الحكايات لجاري العجوز مستر أولمبيا أفضل من أن أحمل سكينا وأغرزها في جنبه ما أن يفتح باب المنزل. أنا لا أشك أن حكايات تُروى عن القتل مثلا هي أفضل من القتل نفسه، إذا ما تسنى لك أن تفعل ذلك وأنت نائم !

لأبدأ إذن،،،،،،.

" حارس النساء الجميلات النائمات "

لم يتفوه نعمان العشاري ببنت شفة وهو يحاول أن يبدأ خطوته الأولى في الظهور كشخصية غريبة الأطوار. شعر بالارتياح وهو يسمع مستر اولمبيا عند الباب متحدثا عن النساء الجميلات النائمات والحالمات. وكان اولمبيا قد سأله مجددا :

" من أنت وما الذي أصاب وجهك ؟! "

" أنا... " قال نعمان العشاري متظاهرا بالتردد، ومقطّعا إجابته إلى كلمات متفرقة قبل أن تعود لتلتئم في عبارة سكبها دفعة واحدة : " أنا المزاح، وابحث عن ماء وجهي ! "

" ماذا ؟! " صاح مستر اولمبيا : " هل قلت ماء وجهك ؟! "

" نعم يا سيدي،، ماء وجهي،، الم تره ؟ "

" ومن أين لي أن اعرف أين ذهب ماء وجهك ؟! "

ما أن أتمّ مستر اولمبيا جملته التساؤلية حتى بدأ الرجل الذي يدّعي انه مزّاحا بالبكاء. ثمة دموع حقيقية يمكن لاولمبيا رؤيتها وهي تسقط من عينيه فيمسها المزاح بمنديل احمر نظيف. قال :

" أنت لا تصدقني يا مستر اولمبيا لذا سأذهب من هنا... "

" توقف لحظة،، هل تعرفني ؟! "

" طبعا... " قال المزاح وقد اختفى ما ظهر على وجهه المشوه من حزن أول مرة عندما راح يجهش بالبكاء، ومستر اولمبيا يحاول إسكاته. قال وقد شعر بالزهو : " ومن لا يعرف مستر اولمبيا،، البطل الاولمبي الذي قهر الحديد بذراعيه الفولاذيتين في اولمبياد روما ؟! "

" آه.. سحقا.. بالطبع أنت لا تقصدني، ذاك هو صديقي الربّاع عبد الواحد عزيز. أنا لست ربّاعا، أنا بنّاء أجسام. ألا ترى بعينك ؟! "

" هكذا إذن ! والله ! " لطم المزاح جبينه شاكيا ضعف ذاكرته : " صحيح،، صحيح،، الآن تذكرت أنت بنّاء أجسام إذن ! كيف لم انتبه لذلك يا ترى ! تبا كم انا مغفل !... " ثم راح يدعك عينيه قبل أن يفتحهما على سعتهما قائلا : " يبدو أنني عميت في تلك اللحظة التي كان من المفترض أن أميّز بين الرباع وبناء الأجسام. مع أن من يراك لا يغفل أبدا عن حقيقة انك بنّاء أجسام فعلا ! "

ما أن سمع مستر اولمبيا إطراء المزّاح حتى ابتسم وانفرجت أساريره. تخصّر وراح يدور حول نفسه في ما يشبه رقصة الفلامنغو. وما زال يفعل ذلك في كل مرة يسمع فيها إطراءً مشابها ثم يخبر دزدمونة بمزيد من التباهي، وبنبرة متعالية ومختلفة تماما عما يكون عليه وهو يتحدث عن أمور أخرى.

لم يعد اولمبيا يدور حول نفسه. توقف فجأة. إلا أن شيئا من الغضب الذي اعتراه في البداية لم يبدُ عليه هذه المرة. سأل المزاح عما إذا كان بمقدوره تقديم المساعدة، فأجابه هذا وقد عادت نبرة الحزن تشوب صوته، كما يبدو ذلك في عينيه اللتين اغرورقتا بالدموع وهو يقول :

" قلت لك يا سيد اولمبيا، أنا ابحث عن ماء وجهي ! ألا ترى ؟! "

اقترب نعيم اولمبيا من المزاح، راح يحدق في وجهه الذي يشبه اللحاء، وضع سبابته على وجنته وبدأ يضغط قائلا وقد تراجع خطوتين : " وما علاقتي أنا بماء وجهك يا..... ! " تردد اولمبيا لحظات قبل أن يقول : " يا لحاء الشجرة هأ هأ ! "

" كنت ابحث عنه في الجوار... " قال المزاح وقد رفع عن رأسه قبعة من خوص النخيل : " فقلت في نفسي : لماذا يا ولد لا تسأل العم اولمبيا عنه علّه رآه يوما ! "

" وكيف عساني أراه ؟ "

" يعني... " ردّ المزاح مطرقا برأسه : " في المرحاض مثلا وأنت تقضي حاجتك. أو في الثلاجة وأنت تشرب من عبوة مياه معدنية. كما يمكن إيجاده في الحمام مع ماء الإسالة ! "

" وكيف أضعت ماء وجهك يا ترى ؟ " قال مستر أولمبيا، وقد سحب نفسه إلى الداخل، وبان على وجهه الخمول في معرفة المزيد عن ماء الوجه المفقود، عندئذ،، شعر المزاح أن مستر أولمبيا صار في نيته أن يصرفه،، فقال :

" تلك قصة لا تخلو من تشويق، إن أردت أحكيها لك،، لكني أخشى أن تنطّ عليَّ إحدى عضلاتك المفتولة يا سيدي،، وآه كم أحسدك عليها أيها البطل.. هل تعلم، كان أبي احد المعجبين بك، وما زالت صورك معلقة على جدران غرفة الاستقبال مع ستيف ريفز وريج بارك ولاري سكوت وسيرج نوبريه وسيرجيو اوليفيا وسمير بنوت والشحات مبروك وبنّاء الأجسام البصري فاضل مبارك. هل تصدق ذلك يا مستر اولمبيا ؟! "

" حقاً... " صاح اولمبيا : " هل حقا ما تقول يا لحاء الشجرة ؟ "

" طبعاً،،، يا حارس النساء الجميلات النائمات ! "

أدخل مستر اولمبيا ضيفه المزّاح إلى البيت، أجلسه على الكنبة القديمة نفسها، والتي ما زالت تقبع في الهول منذ سنوات طويلة. وكانت حصّالة النقود على شاكلة الحصان على براد الماء هي أول ما وقعت عليه عينا المزّاح.

" خذ راحتك،، تصرف وكأنك في بيتك،، لا محاذير هنا عدا أن تتكلم بصوت عال..... " قاطعه المزّاح بقوله : " نعم،، نعم،، يا مستر اولمبيا،، أعرف ما تقصد،، أنهنَّ النساء الجميلات النائمات الحالمات... "

" ششش ! " أسكته أولمبيا. كمم فمه بيده قائلا بصوت خفيض : " أنت تتكلم بصوتٍ عالٍ يا لحاء الشجرة ! "

" حسنٌ... " قال المزاح هامسا : " هكذا أفضل ؟ " فأومأ أولمبيا برأسه إيجابا، عندئذ بدأ المزّاح بسرد قصته العجيبة :

" مذ أن كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، وأنا أبحث عن ماء وجهي. كانت جدتي لأمي تحذرني، قائلة :

- لا تكثر المزاح يا بنيّ، لئلا يذهب ماء وجهك !

لم أصدقها حتى ماتت. كنتُ أمقت فيها تلك النبرة التي تبعث على الشؤم، وأني لأجهل حقاً كيف تحققت نبوءتها، إذ ما زلتُ أمزح، وأكثر من المزاح، حتى استفقت يوما، ووجدت أن وجهي قد جفَّ تماماً، كأرض أصابها القحط فأجدبت.

بحثتُ عنه – ماء وجهي – في الجداول والأنهار، في الأكواز والينابيع، في ترامس العمال، وقِرَبُ السقائين، في المجاري والبالوعات الطافحة، في الأهوار والمستنقعات، وعلى ساحل البحر وفي عبوات المياه المعدنية وماء الإسالة. إلا أنني لم أجده.

فكرتُ : تُرى، أين ذهب ماء الوجه هذا ؟

وما زلت أبحث عنه، حتى عثرت عليه عالقا في بركة مياه آسنة. رأيته هناك في ضوء القمر، وقد استحال لونه الى حمرة مشربة باللون الوردي. كاد أن يتلاشى، الى بقع قذرة، او يضمحل في قاع البركة، حيث سلابيح الماء وأبو دبيلة، لكنني أوقفته، ودار بيننا الحوار التالي :

- أين كنتَ يا ماء وجهي العزيز ؟

- أنا هنا، ما زلتُ تائهاً في الحياة الدنيا يا صديقي.

- لكنني أراك على العكس، سابحاً هنا، في هذه البركة المليئة بالمياه الآسنة !

- ها أنت تعود مجدداً، لتعبث بالكلمات !

- أنا...! وكيف ذلك ؟

- لا يبدو الأمر صعباً. لقد أبدلت الحاء ميماً، ورفعت النقطتين المتجاورتين من فوق التاء المربوطة، حتى أتلفت حياتنا، وصارت في منظورك مياهاً. أنت مغرم بالانزياحات الحروفية. وما زلت تدمن المزاح حتى فقدتني.

- وهل تبدو الحياة عندكم آسنة هي الأخرى ؟

- جداً، وقد تفوق عفونتها تصوراتك.

- إذن، إذا كنتَ تصرّ على أنك في الحياة، هلا أخبرتني أين أنا الآن ؟

- طبعاً، هل تتذكر الفتى البدين جاركم، الذي كان ينافسك في ظهيرات الأيام الحزيرانية على صيد الزنابير ؟

- نعم.. أتذكره..

- ماذا قلت له في ظهيرة ذلك اليوم ؟

- قلت أنه يشبه قنينة مليئة بالفساء !

- نعم، وقد ألقى قصبته والقنينة الزجاجية المليئة بالزنابير، وضع أنفه لصق أنفك، وجأر بوجهك. كان لصيحته عصفٌ سيّحني من وجهك، فالتقطتني البركة تحت قدميك. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى متَّ أنت، وانصرفت أنا إلى شؤوني.

فجأة، اختفى ماء وجهي.

ما أن مددت يدي لأنتشله من مياه البركة، حتى فوجئت بجدتي وهي تدمغني على رأسي. وبينما هي تجرّني من أذني، موبخة إياي على عبثي بمياه البرك المتعفنة، كنتُ أنا أنكثُ يدي، أحاول التخلص من أدران حياة آسنة، توقفت عند سن الخامسة عشرة ! "

لم يعلق مستر اولمبيا إلا بعد فوات دقيقة أو دقيقتين كان المزاح خلالها ينظر إلى الحصالة فوق البراد. أراد أن يقول شيئا بصددها إلا إن مستر اولمبيا سبقه حين قال :

" هل تعني من ذلك انك ميت الآن ؟! "

" نعم... " أجابه المزاح : " جميلة تلك الحصالة، تذكرني بحصان طروادة "

" لكنك لا تبدو في الخامسة عشرة من عمرك، وعلى حد علمي أن الموتى لا يكبرون ! "

تأوه المزاح واصفا اولمبيا بالشيخ،، قال :

" سأخبرك شيئا،، عندما كنت في العاشرة أهداني عمّي حصالة على هيئة فيل. نعم فيل ضخم وجميل. رحت ادخر فيها مصروفي اليومي، قبل أن انتبه إلى أن النخيل المسكوك على الدراهم المعدنية سيموت في جوف الفيل إذا لم يتعرض للماء والشمس. فأحدثت عدة ثقوب في الحصالة لكي يتسنى لأشعة الشمس أن تنفذ منها. ثم رحت اسكب الماء من خلل الشق في مؤخرة الفيل والذي كنت ادخل منه دراهمي. وما زلت مداوما على هذه الممارسة حتى جاء العيد، واستفقت في صبيحته فرحا مغتبطا بقدومه وبمدخراتي في الحصالة. وكان أول م فعلته في صبيحة ذلك اليوم هو أني فتحت حصالتي – الفيل – وأخرجت الدراهم التي قضيت شطرا من الليل وأنا أفكر في كيفية إنفاقها. فربما اذهب إلى مدينة الألعاب أو أحقق حلمي الكبير في ارتياد السينما للمرة الأولى. لكنني وبمجرد أن فتحت الحصالة وانتشلت عددا من دراهمي المدخرة حتى أرعبني المشهد. ألقيت بها على بلاط الغرفة فراحت تتدحرج هناك مثلها مثل الأشياء التي فقدت بريقها، في حين اصطبغت يدي بلون كالحناء، ما أن شممته حتى أيقنت أنها رائحة الصدأ ! "

" إنها مأساة ! " قال مستر أولمبيا وقد نهض من مكانه على تلك الكنبة : " والآن،، ماذا تريدني أن أفعل يا لحاء الشجرة ؟ "

" خدمة صغيرة يا سيد أولمبيا... " قال المزّاح : " أريدك أن تبحث لي عن ماء وجهي الوقح، علّك تجده في مكان ما في البيت. في قدح الماء الذي وضعته قريبا من رأسك قبل أن تنام في الليلة الفائتة. أو في ماء البراد. أرجوك يا سيد أولمبيا، وأعدك،، لن أضيعه ثانية "

" اسمع يا لحاء الشجرة... " قال مستر أولمبيا، ثم استدرك بعدها، كما لو تبادر إلى ذهنه أحد تلك الأشياء المنسية : " صحيح،، أيّ نوع من اللحاء في وجهك ؟ "

" لحاء شجرة بمبر "

" ممتاز،،، أنا أحب البمبر، يريح المسالك التنفسية، وعندي شجرة بمبر في الحديقة، لكنها مهملة. وعلى العموم يا سيد لحاء، أنا لا أضع أقداح ماء قريبا من رأسي. وأما البراد فهو عاطل منذ الصيف الفائت. لكنني سأتفقد ماء مطر ادخرته في قنينة زجاجية قبل أيام. يقال أن فيه شفاء لكل داء. ذكرتني به الآن. أرجو ألا يكون ماء وجهك قد أفسده. سأعطي دزدمونتي الجميلة المريضة بعضا منه، لعلها تبرأ من علّتها. سأجلبه. دقائق وأعود. "

ارتقى مستر أولمبيا السلم القريب ببطء. راح يتشبث بدرابزينه الحديدي الذي تقشّر طلاؤه الأزرق بفعل الزمن، حتى وصل إلى باب البيتونة الذي يفضي إلى السطح. فتحه. ثمة دولاب معدني قديم مركون في أحدى الزوايا هناك، فيه عدة عبوات زجاجية راح يخلع عنها أغطيتها، واحدة تلو أخرى. وفي كل مرة يفعل ذلك يشمّ قطع المخلل فيها : خيار، باذنجان، جزر، قرنابيط. يتذوقها ثم يبصق معبرا عن اشمئزازه عبر تشنجات في شفتيه وأنفه ومن خلال قشعريرة تتسلل إلى رأسه الذي يهزّه بطريقة تدل على فساد قطع المخلل. أخرج بعدها القنينة التي تحتوي على ما المطر. أزاح غطاءها. وراح يمعن النظر فيها، حتى صار بإمكانه رؤية الديدان التي كانت تسبح في قاع القنينة. وسوى ذلك لم ير مستر اولمبيا ماء وجه المزاح الذي ما زال ينتظر في الأسفل. أعاد الغطاء إلى القنينة. نهض من مكانه واتجه نحو باب البيتونة بخطوات وئيدة وخاملة. هبط السلم وهو ينادي المزاح :

" هيييي،، انت يا لحاء الشجرة،، جئتك بماء المطر "

وما إن هبط من الدرجة الأخيرة حتى رفع رأسه، ولم يجد المزاح هناك. التفت إلى حيث يمكن أن يرى الحصالة على براد الماء العاطل. هي الأخرى اختفت. فجأة،، انزلقت قنينة ماء المطر من يده وتهشمت على الأرض المبلطة بالكاشي الأصفر :

" سرقني لحاء الشجرة ! "

صاح مستر اولمبيا. تذكر المبلغ الذي سبق وان ادخره من راتبه التقاعدي. كاد أن يقع أرضا حينما أسرع خطاه نحو غرفة النوم. بوغتَ بالفوضى التي خلّفها لحاء الشجرة. فتح الدولاب الخشبي. مد يده. لكنه لم يجد هناك سوى الرسالة التي تسلمها من ساعي البريد قبل ساعات. أحس بالدوار. ألقى بنفسه على السرير. لم يعد يفكر بشيء. اعترته رغبة شديدة في أن يحتضن دزدمونة ويخبرها أن أحدا ما سرق ثمن كفنه. لكنه في تلك اللحظة بالذات لم يستطع النهوض.

أغمض عينيه،، ونام.

" الحكّـــــاء "

منذ أن اعتقل من قبل السلطات المحلية نهاية 2007 على خلفية كتابته تقارير صحفية كاذبة من شأنها تضليل الرأي العام والدولي، بشأن الحالة الأمنية التي يمر بها البلد وسعدون الخصيبي دائم التجوال في المدينة، يتسكع في شوارعها الموحلة وبين أحيائها الغارقة بمياه المجارير الطافحة. يروي للناس حكاية المدينة السعيدة، مكذبا الأخبار المأساوية التي تُحاك بصددها، عادّاً كل ما حدث وما زال يحدث في المدينة مجرد أقاويل مغرضة وأوهام سخيفة من نسج أخيلة الرواة الأفّاقين.

كان سعدون الخصيبي روائيا مغمورا قبل عام 2003، لكنه ما أن تنفس الحرية بعد زوال نظام صدام في تلك السنة حتى أصدر روايتين لاقتا حظا وافرا من القبول في أوساط المثقفين، في المدينة وخارجها، قبل أن تتسنى له فرصة العمل كصحفي لحساب إحدى الوكالات الأجنبية، وكانت مهمته هي كتابة قصص خبرية عما يجري في مدينة البصرة تحديدا من عنف، متمثلا بقتل النساء وعمليات الخطف والابتزاز والاتجار بالأسلحة والمخدرات والأطفال، وما يجري خلف الكواليس من بروتوكولات فساد حكومي وغسيل أموال، وعن طغاء الميليشيات الدينية المسلحة على مفاصل الحياة المهنية والجامعية والحياة بشكل عام في مدينة البصرة. وما زال سعدون الخصيبي يزاول مهامه الصحفية التي لا تخلو من خطورة أن يتعرض للتصفية، حتى اختطف في احد الأيام من قبل مليشيات حزبية، وذلك بعد يوم واحد من تهجّم رئيس الوزراء على مجموعة من الصحفيين قال إنهم ممن ينقلون أخبارا كاذبة لا تمت لواقع الحالة المستقرة نسبيا في العراق بصلة.

اقتيد سعدون الخصيبي إلى مكان مجهول مع نفرٍ من الصحفيين، في حين اغتيل آخرين بكواتم صوت في عدة مدن عراقية. ولم يخرج سعدون من معتقله السري في إحدى المباني الحكومية إلا بعد ثلاثة أشهر كانت كفيلة بأن تجعله يبدو كما لو كان مجنونا.

ودائما ما يروي سعدون الحكاية نفسها، للبقالين في سوق الخضار، وللمسنين في المقاهي الباردة، وللعمال في مسطر الساحة في ام البروم، وللحمالين في المسفن، وللجنود في الثكنات ومحطات القطار، وللمتسولين على أبواب الجوامع وقصور التجار، وللمجانين أمثاله على الأرصفة وفي الأماكن الخربة. وإذا ما أملى عليه جنونه في التنقل بين المنازل، فإنه يفعل ذلك في النهاية. يطرق الأبواب قائلا : " يا أهل الدار،، افتحوا لي،، أنا حكّاء المدينة وصانع حكاياتها الأوحد ! " يستعلم من أصحابها عما إذا كان هناك حدث صغير يمكن أن يدونه في حكاية يكسر بها روتين الحياة السعيدة جدا حدّ الملل.

وما زال سعدون الخصيبي يعيش مع أبويه في بيت صغير ترجع عائديته إلى دائرة الأوقاف، ليس بعيدا عن المدينة. وكما هي العادة في صباح كل يوم، يستيقظ أهله على صوته وهو يمجّد بالحكومة التي لم تدع شيئا فيه لذة وحياة إلا وجعلته في متناول إيدي الناس في المدينة الهادئة. ثم سرعان ما يحنق على تلك الحكومة لأنها جعلت منه عاطلا عن الكتابة، إذ ليس ثمة ما يمكن كتابته، ما دام أن الأمور وصلت حدا يصعب معه العثور على صبيّ وقح يسلخ جلد قطة صغيرة.

لم تنفع السلاسل والقيود التي صار أبوه وإخوته يكبلونه بها لمنعه من الخروج، وما من مرة فعلوا بها ذلك إلا وازداد الرجل جنونا فوق جنونه. وفي الوقت الذي كانت المدينة تحترق وتغدو أطلالا، كان هو يشيع بين الناس في الكراجات والساحات العامة أن ما يسمى حربا حصلت مؤخرا لم تكن في الواقع سوى أطياف عدمية وعبثية تريد أن تخرب الجمال لتزرع القبح والتعاسة بدلا عنه. وكما هي الحال التي تمثلت في مجانين آخرين كانت حالة سعدون الخصيبي مثارا للسخرية ثم الضحك ما أن يكتشف المرء أن هذا الرجل مجنون، إذ لا يبدو سعدون كذلك من الوهلة الأولى نظرا لأناقته وعباراته المنمقة وهو يتحدث عن السعادة والجمال والعيش الكريم. وهناك أيضا الكتب التي كان يحملها معه، والمعنية بالمدن الفاضلة ويوتوبيا الأماكن والبقع الأكثر سعادة وأمنا في العالم. ولن يكف سعدون الخصيبي عن التجوال في المدينة حتى يعثر على مستمع جديد لحكايته التي لم تكن تتطور بمرور الوقت، إنما تزداد رسوخا في مضامينها الثابتة التي تدل على خشونة وقسوة العقليات الروائية وهي تمضي قدما في تشويه صور المدن السعيدة وتحوك من خيوط الخراب ثوبا لها، ممزقاً ووسخاً.

ها هو الآن يقف أمام أحد البيوت القديمة. بيت يبدو كمكان تؤمه الأشباح وحيزبونات الحكايات المخيفة. أخيرا راح يطرق بابه الخشبي العتيق قائلا :

" يا أهل الدار،، افتحوا،، أنا حكّاء المدينة و،،،،،،،،.

" دموع على كتفي "

المعروف عن مستر اولمبيا انه من النوع الانتقائي أحيانا، أو هذا ما خلصت إليه طوال الأعوام لتي مضت وكنا خلالها جارين متحابين. لكنه منذ أن قُتلت زوجته وهو يبدو شخصا غريب الأطوار أو لأقل انه بلغ مرحلة الخرف التي تبدو فيها الأشياء اكبر من حجمها، أو أكثر ضبابية أو ربما تخيلا. هذا إن لم أجزم أن الرجل فيه مسّ من الجنون ربما أصابه مؤخرا.

والحق يقال،،، إن مستر اولمبيا هو الذي قتل زوجته بوشاية من فاعل سوء، وكاد أن يجنّ عندما اكتشف أنها لم تخنه، أو أنه جُنّ فعلاً، لكن بطريقة لا يبدو خلالها ذلك المجنون القذر الذي يتبرز على نفسه ويعتاش على رائحة غاز قناني الطبخ، أي أن الجنون لم يكن ظاهرا عليه بشكل رسمي وهو يعيش حياته وحيدا ومنعزلا في ذلك المنزل المخيف. ودائما ما يسمي اولمبيا امرأته دزدمونة. طبعا أنا الذي أرشدته إلى هذا الاسم، وإلا ما الذي يعرفه بنّاء أجسام قضى أعواما طويلة في السجن من عطيل ودزدمونته المغدورة ! عندما رويت له تلك المأساة الشكسبيرية المحزنة أجهش بالبكاء، وأفضى لي برغبته في الانتحار لكنني وحتى هذه اللحظة لم أره يلقي بنفسه من سطح المنزل، أو يربط قدمه بحجر ثقيل قبل أن يلقي بنفسه في شط العرب.

عندما تكون في مواجهة مستر اولمبيا، وترى فيه ذلك الرجل الغامض، هلامة الغضب تلك، فقط اذكر اسم دزدمونة أمامه، فما أن تفعل ذلك حتى تتحول هذه الشخصية – دزدمونة – الى زر ( ديليت ) يجعل من أولمبيا كالحمل الوديع الذي سرعان ما يحتضنك في النهاية ويذرف على كتفك الدموع. المحزن في الأمر والمزعج في آنٍ معا أن مستر أولمبيا ما زال يظنّ أن دزدمونة تعيش معه في نفس المنزل البائس. يحضر لها عصير الأناناس، يشتري لها حمالات الصدر والسراويل الداخلية وعلب الماكياج وحبوب منع الحمل، وحفاظات أولويز لتدرأ عنها خطر النزيف المزعج الناتج عن التغيرات الفايزيولوجية في أيام معينة من الشهر.

أنا لم أرَ زوجته. لكن يقال أنها كانت جميلة. وكان أولمبيا يغار عليها غيرة صبيانية. يحرص على ألا يظهر منها سوى الظلّ الذي لم يكن في يده الحيلة لطمره هو الآخر. حتى وهي ميّتة، كان أولمبيا يتحدث عنها بمزيد من الحشمة والوقار، عدا الأوقات التي يشطح فيها خياله، فيصف لي بعض مفاتنها الجسمانية، رقبتها، ثدييها، فخذيها، وأحيانا الشيء الذي بينهما. لكنه، دائما ما ينتبه إلى نفسه في اللحظة الأخيرة، فيبدأ بشتمي، أو يطردني ناعتاً إياي بالمتطفل على حياته الزوجية، تلك الحياة التي انتهت منذ فترة طويلة.

ربما يعجبني جنون أولمبيا، خرقه، بلاهته، خرفه، سمه ما شئت. لكنه في المقابل يثير فيَّ تلك الشفقة التي دائما ما نشعر بها إزاء المسنين الذين نرى فيهم أشباحنا أو صورنا الشاحبة ونحن في عمر الثمانين. فهنا، في هذا الوقت بالذات تتحول الشفقة إلى نوع من عدم الاتزان والشعور بالخوف من المستقبل. عندما تتجلى صوره بالموت. نعم، المستقبل هو الموت في النهاية. ليست حكمة، إنما هي رؤية لا تمنع أن نعيش كما نحن، أو كما وجدنا عليه أنفسنا. قد نتذمر أو نشعر بالظلم، أو نشتم الحياة، ثم نعود لنرتمي في أحضانها.

لكن،،، أن تسير وأنتَ نائم، فأعتقد أنها مصيبة لا ينفع معها دفء الأحضان الدنيوية !

" دراجة هوائية لطفلي البكّاء "

استفاق مستر اولمبيا من نومه قرابة الساعة الثانية والنصف بعد الظهر. كان حلقه يابسا وأمعاؤه تقرقر من شدة الجوع. ترك مكانه وكان في طريقه إلى المطبخ عندما أحسّ بهشيم القنينة الزجاجية تحت قدميه. ليس ثمة خبز في الثلاجة : ماذا أفعل يا إلهي... ! " قال مستر أولمبيا ثم تذكر أن هناك كعك ما زال يخبئه تحت ثيابه في خزانة الملابس خشية أن تسرقه القطة. جاء به إلى المطبخ، أعدّ له شايا. تذكر ما حدث له قبل أكثر من ساعتين. تألم كثيرا لفقدان الحصالة وحزمة الأوراق النقدية في الدولاب. إلا أن ما أحسّ به وقتها لم يدم طويلا ما دام أنه صار يستمتع بغمس الكعك في كوب الشاي الكبير أمامه على الطاولة البلاستيكية. هناك،،، سمع مستر أولمبيا طرقا متأنياً على الباب. لم يخفِ رهابه من احتمال أن يكون الطارق هو نفسه لحاء الشجرة السارق، ربما عاد مجددا بعد أن وجد فيه صيدا سهلا. خرج من المطبخ واتجه نوح الباب بخطى بطيئة تكاد لا تُحسّ،، خطوات بطيئة وحذرة. قال :

" من...؟! "

فجاء الصوت من وراء الباب خشناً وفيه بحّة : " أنا... "

" أعرف أنك أنت،، لكن من تكون بالضبط ؟ "

" أعطونا من مال الله ! "

فتح مستر أولمبيا الباب قليلا وأطل من وراءه، رأى هناك رجلا ربما تجاوز الخمسين من عمره، بوجه كالح كأنما رُشّ عليه من علبة سبريه أسود، أو أن أحد الزياتين على جانبي الطرقات لطمه على وجهه فترك عليه تلك اللطخ الزيتية. وهناك احتمال ثالث فكر به اولمبيا وهو أن هذا المتسول المسكين ربما قضى ليلته الماضية تحت رحمة دخان عوادم السيارات في أحد الكراجات.

متسول،،، أو ربما مجنون !

لم يشكّ مستر أولمبيا في أحد الأمرين. فالدشداشة الرمادية الممزقة والحذاء المتهرئ، تشيان بأن الرجل الماثل أمامه إما يكون متسولا معدما أو مجنوناً، وفي كلتا الحالتين، لا بد أنه يبغي الحصول على بعض الطعام أو بعض الأوراق النقدية من فئة المائتين وخمسين ديناراً. إلا أن مستر أولمبيا لم يعطه سوى ورقة واحدة من فئة الألف دينار شبه ممزقة وملصوقة من طرفيها. ناولها للرجل المتسول أو المجنون، قائلاً :

" ليس عندي غيرها،، لقد سرق لحاء الشجرة كل ما عندي ! "

تناول الرجل الورقة النقدية دون أن يفهم مما قاله أولمبيا بشأن لحاء الشجرة. قلّبها بيديه المتسختين، قرّبها من عينيه، تفحّصها جيدا ثم وضعها في جيب سترته. أراد مستر اولمبيا أن يغلق الباب، إلا أن المتسول وقف حائلا دون فعل ذلك. قال بصوت أجشّ : " جوعاااان ! "

" ليس عندي طعام الآن،، ربما في فرصة أخرى " قال العجوز أولمبيا، فردّ عليه المتسول بكلمات، وكان يصرّ بأسنانه غضبا، وقد تغيرت نبرته على نحو فيه من العدوانية ما جعل أولمبيا يظن أن وجهه صار هدفا محتملا لقبضته. حاول أن يغلق الباب ثانية، فتلقاه الرجل بيديه، وراح يدفع إلى الداخل، في حين كان مستر أولمبيا يقاوم ذلك بكل قواه حتى تلقى دفعة قوية، فارتطم رأسه بالباب وأُغمي عليه فورا. تراءت له عضلات بناة الأجسام وهي تقفز من الصور التي تملأ الجدران لتتحد في النهاية في جسد واحد انتقض أخيرا على المتسول وقذفه من النافذة. لم يستغرق المشهد بالنسبة لمستر اولمبيا سوى دقيقة واحدة أو أكثر، بينما كانت الساعة على الجدار تشير الى الرابعة عصرا.

لم يصدق مستر أولمبيا أنه أغمي عليه طوال ساعة أو أكثر. هرع إلى غرفة النوم فوجد أن الفوضى هناك ما زالت قائمة منذ أن اقتحم لحاء الشجرة غرفته وعبث بأشيائه قبل أن يسرق ماله. تذكر الرسالة التي وصلته هذا الصباح ولم يقرأها بعد. ها هو الآن يفتح الدولاب ليخرجها من هناك، يضعها في جيب قميصه المنزلي المخطط، يستلقي على السرير، نادبا حظه وشاكيا تعاسة يومه الذي لا يريد أن يكون كسائر الأيام. أحسّ بالتعب، عاودته حالة الغثيان، خرج من غرفته إلى الحمام، تقيأ هناك، عاد بعدها إلى المطبخ، فتح الثلاجة وابتلع أقراصا مهدئة وأخرى لاضطرابات المعدة. عاد بعدها إلى الهول ليستلقي هناك على الكنبة. مرت الوعكة بسلام. ترك الهول واتجه صوب المطبخ عندما أحس بالخواء يحتل معدته. لكنه لن يأكل الفاصولياء طبعا، فربما ستنتفخ بطنه وتعود القرقرة المزعجة إلى أمعاءه. حضّر لنفسه إناء من الشوربة الجاهزة، ساءه أن تحتوي على هذا القدر الوفير من التوابل. لكنه تناولها في النهاية. سمع بعدها الباب وهو يُطرق للمرة العاشرة :

" من...؟ "

صاح أولمبيا من مكانه في المطبخ. إلا أن أحدا لم يجبه. نهض بهدوء. أخرج من وراء الثلاجة قضيب معول خشبي, تحرك نحو الباب بحذر. وبلهجة أظهرت وقتها كم كان خائفا ويرتعش،، صاح :

" من هناك ؟ "

" أنا... " قال الطارق : " خليل موتو،، أفتح يا عم أولمبيا "

تأفف مستر اولمبيا وانزل قضيبه الخشبي. قال بصوت خافت : " هل يريد تسليبي هو الآخر ؟! " قبل أن يجهر بصوته سائلا الطارق من وراء الباب : " ماذا تريد مني موتو...؟ "

" سلامتك عمو.. جئت لك بالحاجات التي طلبتها في المرة الأخيرة، خيوط وإبرة وراديو جديد "

اطمئن مستر اولمبيا إلى أن خليل موتو لا يمكن أن يكون على تلك الدرجة من العدوانية التي ظهر بها المتسول، فهو يعرف موتو هذا جيدا منذ ما يقارب السبعة أعوام، لم يبدر منه خلالها ما يزعجه. فتح اولمبيا الباب للبائع المتجول خليل موتو، وهو رجل في الثلاثين، يعاني من مشكلة في إحدى كليتيه. متزوج ولديه ولد وحيد لم يتجاوز الثامنة من عمره. رآه مستر اولمبيا أول مرة قبل سنوات وهو يواظب على هذه المهنة المتعبة كبائع متجول على دراجة هوائية، قبل ان يستبدلها بستوتة حمراء ماركة إيرانية. مزينة بالشراشيب والميداليات واللزقات الفسفورية الملونة وصور الأولياء الصالحين. وثمة مسجلة صغيرة مثبتة على المقود تنبعث منها أصوات الناعين في اللطميات العاشورائية طوال الوقت.

أعطى موتو لمستر اولمبيا أغراضه التي طلبها في المرة الأخيرة، وكان من بينها راديو صغير بدلا من الراديو العاطل. وكما هو الحال في كل زيارة يقوم بها خليل موتو إلى بيت اولمبيا، راح يتفرج على صور بناة الأجسام الضخام حتى بدا وكأنه يراها للمرة الأولى، في حين كان اولمبيا مرتبكا ويشعر بالخجل بعد أن تذكر انه لا يستطيع دفع ثمن تلك الحاجات التي جلبها البائع موتو.

" قال مستر اولمبيا : " لماذا لم تأتِ في الجمعة الماضية، لقد انتظرتك، قلت ربما حدث له مكروه "

" آه يا سيد اولمبيا... " ردّ خليل موتو متذكرا : " لقد حزرت،، لو تعلم ما الذي حدث لي في الجمعة الماضية، كدت افقد عقلي ولولا ستر الله وعنايته لكنت فقدت ولدي بسبب مزحة سخيفة خرجت من فاه احد المعتوهين في سوق الجمعة "

كان خليل موتو ينتظر من اولمبيا أن يقول له : حقا،، وماذا حصل يا خليل، ولماذا كدت أن تفقد عقلك ! لكنه في تلك الأثناء كان يتفحّص الراديو الجديد، وقد أداره على موجة 91.5 فانبعث من هناك صوت محمد عبده، في حين عاد خليل موتو ليحكي له ما حدث في تلك الجمعة :

" كان الزحام قد بلغ ذروته في سوق الجمعة في الساعة العاشرة، عندما كنت أتجول هناك بحثاً عن دراجة هوائية مستعملة، أشتريها لولدي الذي ما زال يجهش بالبكاء منذ خروجنا من المنزل، وكانت هذه عادته كلما اصطحبته معي إلى السوق. لم أسأله عن السرّ وراء بكائه، فأنا أعرف جيداً أنه سيكفّ عن ذلك في حال حصوله على الدراجة الهوائية، وحتى ذلك الحين ربما يتحول نشيجه إلى صراخ، ويظلّ ينتحب بصوت عالٍ ما دمنا نتجول في السوق المزدحم.

كنت ممسكاً بيده اليمنى كي لا يفلت مني، ويتيه بين المارة والمتبضعين الذين غصَّت بهم السوق، إلى درجة بلغت من السوء أنني ما عدت قادراً على التنفس بسهولة. فكرت في العودة إلى المنزل، لكني تذكرت طفلي والغاية التي جئنا من أجلها إلى السوق. حملته على كتفيّ ورحت أشقّ طريقي بصعوبة، حتى وصلت إلى مكانٍ لا يقل اختناقاً عن غيره في هذه البقعة المليئة بالناس والحاجيات المختلفة، فرأيت هناك، على الرصيف، أحد الباعة يعرض دراجة هوائية مستعملة.

كان ثمة رجل يصطحب معه فتىً نحيلاً ومحدودباً، بوجه أسمر ورأس حليق، يرتدي دشداشة رمادية متسخة، لكنه كان هادئاً كصنم، لا يكاد يتحرك منه سوى عينيه الصغيرتين، ولا يبدو عابئاً بما حوله من الفوضى.على العكس من طفلي المزعج الذي أنزلته من على كتفيّ، وقبضت على معصم يده بقوة ازداد في إثرها بكائه الذي لم أعد أطيقه. وكان الرجل يساوم على سعر الدراجة، أما أنا فقد وجدته مناسباً جداً، فأبديت رغبتي بالشراء، ما جعل الرجل يحنق عليَّ، وقد بان ذلك من ملامح وجهه التي تشنجت، وعينيه اللتين راح يشزرني بهما. لكني لم أكترث لذلك، إنما أعتقت يد طفلي البكّاء، أخرجت حافظة نقودي ودفعت للبائع ثمن الدراجة.

سمعت الرجل يهذي من ورائي، ويشتمني قبل أن يغادر مع ولده الذي راح يبكي بصوت عالٍ – كان صوتاً مألوفاً - ما زال يتناهى إلى أذنيّ بإحساس ثقيل، حتى تلاشى تماماً، أو اختلط مع أصوات الباعة وسط الزحام.

لا أخفي عليك يا سيد أولمبيا، شعرت وقتها أني كنت انتهازياً إزاء ما فعلته، بتفويت الفرصة على ذلك الرجل، عندما خطفت منه الدراجة التي كان راغباً أكثر مني في شرائها. أما طفلي.. فلم أسمع له صوت، فقد زال سبب بكائه بعد حصوله على تلك الدراجة الهوائية.

وبينما كنت أعظّ أصابعي ندماً لما سببته لذلك الرجل المسكين، سمعت صوتاً مخيفاً راح ينبعث من إحدى مكبرات الصوت التي يستعملها الباعة للترويج :

" أهربوا...! "

آه.. يا سيد أولمبيا، أنت لا تعرف ما الذي حصل لي وقتها. كاد شعر رأسي أن يُنتف ويُسلخ جلدي بسبب القشعريرة التي راحت تأكل فيَّ عندما شرع ذلك الشخص بتكرار النداء محذراً، بصوتٍ مقززٍ تناهى إلى آذاننا بقسوة : " أيها الناس... أهربوا ... قنبلة !!...."

لُجمت الأفواه، واصفرت الوجوه، وساد الصمت على نحوٍ جعلني أبحث عن أكثر اللحظات صفاء في حياتي، لكي أتذكرها قبل أن تنفجر القنبلة، إلا أن شيئاً من ذلك لم يخطر في ذهني، فقد كانت ذاكرتي مليئة بكل ما هو بائس، ولا يمكن أن يقف عائقاً أمام تسليمي للأمر الواقع.

وقتذاك، حملت الدراجة بيد، وأمسكت بالأخرى طفلي الذي لم يعي خطورة الوضع، وأن غبطته بالدراجة ستُمحى إلى الأبد عندما ستفجر القنبلة اللعينة، وتحيلنا إلى أشلاء. لذا لم أدخر جهدي في الهرب من المحذور الذي يكاد أن يقع ويأخذ نصيبه منّا.

حدث تدافع مميت، وفي كل مرة أكاد أسقط فيها على الأرض، تدفعني موجة بشرية نحو الاتجاه المعاكس. وفي كل موجة عاتية تضربني اسمع هديرها المخيف : صراخ النسوة وبكاء الأطفال الذين كانوا يستغيثون، إلا طفلي لم يصدر منه شيء عدا صوت أشبه بصوت الدجاجة وهي تُخنق، ما جعلني أظنّ انه صار في عداد الأموات، فشرعت بالبكاء وأنا أسحب جثته تحت أقدام الناس المتشابكين، والذين كانوا يتماوجون كالسكارى ساعة الحشر!

ربما ستحتقرني إذا قلت لك أنني فكرت بالانتحار في لحظتها.. أسقط نفسي فتدوسني الأقدام. ذلك أفضل من أن أعود حاملاً طفلي الميت إلى أمه المسكينة، إذ لا أمل في أن تعود الحياة إلى الجثة التي ما زلت أجرها خلفي. إلا أن أحداً ما.. شخصاً بدا وجهه مألوفاً راح يسحبني إلى ضفة الحياة، عند نقطة تحتم على المرء امتلاك قوة إضافية لكي يستطيع عبور السور الحديدي الذي يفصل الشارع عن الرصيف. شعرت كأني أسقط من على قمة البؤس إلى حضيض الموت، فيرتطم رأسي بالأرض المكسوة بالإسفلت الذي أحسست بسخونته تتسلل إلى جسدي المنهك. ثم لم اعد أشعر بعدها بشيء، إذ أُغمى عليَّ لدقائق أفقت بعدها على صوت طفلي وهو يبكي. أمعنت النظر إليه، احتضنته، رحت أتفحص وجهه. كان ما يزال خائفاً مرتعشاً من هول ما حصل، إلا أن شيئاً من آثار السحق لم تبدُ عليه. " يا إلهي!... ما الذي حصل ؟! " كان يبكي كمن لم تسنح له الفرصة بالبكاء طوال حياته، في حين كان الرجل الذي انتشلني من ضفة الموت يوبّخ ابنه الذي ما زال صامتاً. يفعل ذلك بالإشارات، يتحدث معه بلغة البكم، في حين كان الفتى يحاول استعادة أنفاسه ويهزّ رأسه بصمت، وآثار الكدمات تملأ وجهه الأسمر! "

يبدو أن مستر اولمبيا لم ينصت جيدا إلى البائع الجوال وهو يروي قصته مع المزحة المميتة في سوق الجمعة، عندما استبدل موتو طفله بآخر ظننا منه انه ابنه. وكان ما يزال واضعا الراديو على أذنه اليمنى ويدندن مع عبد الحليم حافظ، ثم التفت إلى خليل موتو الذي رفع صوته بقصد التنبيه :

" صحيح سيد اولمبيا،، الم أخبرك ؟ "

" تخبرني... " ردّ مستر اولمبيا منتبها : " تخبرني بماذا يا موتو ؟ "

فقال البائع المتجول :

" يقال أن ذئبا هرب من سيرك مونت كارلو ! لقد شاهدته بالأمس. أخذت طفلي إلى هناك بعد إلحاح دام لأكثر من أسبوعين. المسكين كان كئيبا ! "

" من... " تساءل مستر اولمبيا : الذئب أم ابنك ؟ "

" الذئب طبعا.. " ردّ خليل موتو : " لم أرَ من قبل ذئبا في سيرك ولا حتى في التلفاز. بدا كأنه مريض أو يشكو من شيء. لم يكن قادرا على الاستجابة لضربات سوط مدربه في داخل القفص، وكان هذا قد بلغ الذروة في جهده لكي يحثه على أداء ما علمه من حركات مسلية،، لكن دون جدوى "

كان خليل موتو قد جلس على الكنبة عندما راح يروي ما حدث له مع ابنه في السوق. ها هو الآن ينهض هاماًّ بالمغادرة، دون أن يطالب أولمبيا بثمن الأشياء التي جلبها له. حتى عندما رافقه إلى الباب لم يلمح موتو إلى انه صار راغبا في قبض دنانيره. فشكره أولمبيا، قائلا أنه سيدفع له في مطلع الشهر القادم، وأوصاه أن يجلب له حصالة.

" الحصالات أنواع يا عم أولمبيا... " قال البائع : " ما شكل الحصالة التي تريدها ؟ "

فكّر أولمبيا، ثم قال : " أريدها بهيئة ذئب ! " وطفق يضحك، حتى بدا كأنه يمزح.

اتجه خليل موتو الى الستوتة. شغل المسجلة ورفع الصوت ثم انطلق مسرعا، يتبعه بصاق الصبية المشاكسين وصدى شتائمهم المقذعة في الشارع. ولم يستغرب مستر اولمبيا أن يغادر البائع المتجول دون أن يقبض منه فلسا واحدا من ثمن الراديو والحاجيات الأخرى. ولم تكن تلك المرة الأولى فقد اعتاد اولمبيا أن يرجأ الدفع حتى يتسلم راتبه التقاعدي.

انصرف نعيم اولمبيا إلى غرفته. جلس على حافة السرير. فكر في ما الذي يمكن فعله في تلك الأثناء، وكيف سيتدبر أموره المعيشية بعد أن سرقت نقوده. وبينما هو كذلك قرر ألا يعطي المزيد من الفرص لاحتمال موته جزعا. إلا إن شيئا لم يخطر في ذهنه تلك الساعة سوى الرسالة التي أرجأ قراءتها لوقت آخر. أخرجها من جيب قميصه، فضّ المظروف واخرج منه ورقة صفراء معطرة ومزينة الحواشي.

أخيرا، سيقرؤها. لكن بعد أن يحضّر لنفسه كوبا من نقيع البابونج.

" ننّو،، عنّون،، وكَجَيْكَتِي "

لا اعرف بالضبط لماذا تتظاهر شقيقتي وزوجها بأن لديهم أولاداً. مع أن احدهما يعاني من علة تحول دون الحصول على طفل واحد على الأقل. ولا اعلم أين تكمن تلك العلة، فربما في شقيقتي، بعد أن ماتت بويضاتها بينما هي تنتظر خروج ذلك الزوج من السجن. ويمكن أن يكون العيب في زوجها الذي ما زال يضفي طابع السرية على أمرٍ سيكون مفضوحا إذا ما أوضح احدهم أنه عقيم. عنين. خصيّ !

عادت شقيقتي من العمل في ساعة متأخرة. حوالي الثالثة عصرا. وكما هي العادة في مثل هذا الوقت، أخذت هذه الشقيقة سيئة الحظ قسطها من الشتائم التي يصوغها الزوج ببراعة، لكي يقذفها بوجهها ما أن تدخل إلى الشقة، مع كمية كبيرة من البصاق. لم يضربها هذه المرة، إنما اكتفى بتلك الشتائم التي يبدو أنها اعتادت على تلقيها يوميا. انتهت شقيقتي من افتراضاتها اليومية المزعجة بوجود طفل وأولاد آخرين تعتني بهم، تغذيهم، تحممهم، تتابع فروضهم المدرسية. سمعت صوتها من وراء باب الغرفة وهي تدعوني إلى غداءنا المتأخر. هرعت إلى الصالة الصغيرة. كنت منزعجا من الجلوس إلى السفرة الأرضية مع أولاد افتراضيين تدعوهم شقيقتي بأسماء دلع غريبة : ننّو،، عنّون،، وكجيكتي. وأما طفلها الافتراضي الرضيع فكانت تدعوه سنبل الذي افترضت انه نائم في تلك الساعة.

" حسنا إن سنبل نائم، وإلا نغّص علينا غداءنا ! "

قالت شقيقتي، ثم ضربت بيدها الفراغ فوق احد الصحون على السفرة، مفترضة إنها يد الابن الافتراضي الأكبر لكي تمنعه من التقاط جزرة مخللة.

" استحِ يا ولد، إنها لخالك ! "

هي تعلم أنني أحبّ هذا النوع من المخللات، لذا وضعت أمامي صحن مليء بقطع الجزر اللذيذة المشبّعة بخل الليمون. قالت إن عمل المخلل بهذه الطريقة احد الأشياء الجميلة التي تعلمتها من أمي. ثم رأيتها تعضّ سبابتها غضبا متوعدة الولد الافتراضي الأوسط لأنه سكب نصف قارورة الشطة الحارة في إناء مرق البامياء. أو هكذا افترضت المسكينة عندما رفعت القارورة وخبأتها وراءها. ولولا أنه لم يكن ولدا افتراضيا من نسج خيال شقيقتي لكنت وبّخته أنا أيضا وقلت له : أن معدة صغيرة كمعدتك لا تحتمل كل هذه المحفّزات الحارة.

" ستنمو لك بواسير وتغدو كالسلبوح في البرك الآسنة ! "

في حين يبدو الولد الافتراضي الأصغر مؤدبا، وقد بان ذلك من امتداح أمه له وإطراؤها عليه قائلة : " أنه هادئ، لا يحلّ رجل الدجاجة... " ثم استدركت ذلك بصوت مخنوق بعد أن شربت قدح ماء لتدفع لقمة توقفت في بلعومها : " مثلك تماما ! "

لم أكن لاحتمل المزيد من تلك الافتراضات. سحبت نفسي إلى الغرفة مجددا، وسط احتجاجات شقيقتي وافتراضها أن طهوها لم يعجبني، في حين كان طعامها لذيذا كما كان من قبل. والحقيقة أن افتراضاتها السخيفة هي أكثر ما أزعجني. لكن هذا لا يعني أنني لم آكل. أبدا. فقد أكلت بما فيه الكفاية لأشعر بالتخمة. لكنها لم تلاحظ ذلك بسبب انشغالها بأولادها المفترضين الوقحين عدا كجيكتي الذي لا يحل رجل دجاجة.

سحقاً،،، أيّ حياةٍ تلك التي تُعاش مع كائنات افتراضية !

في تلك الغرفة الصغيرة المطلية جدرانها باللون الفستقي الفاتح، جلست على السرير ورحت أفكر في ما يمكن أن اعمله في ذلك الحين، ويكون شاغلا للفراغ الذي بتّ أعاني منه وأنا بانتظار موعد تنفيذ خطتي والاقتصاص من قاتل أبي. طبعا لن أذهب إليه نهارا. لست غبيا إلى هذه الدرجة التي تحتم عليّ ارتكاب جريمة قتل في وضح النهار. ولما لم يكن هناك ما يصلح لألهي به نفسي، تمددت على السرير ونمت. كانت الفرصة مواتية لكي آخذ قسطا كافيا من النوم. رأيت أبي في الحلم. كان يرتدي ثيابه التي مات فيها قبل سنوات عديدة. تراكسود أزرق وكاسكيت أبيض. إلا أن أكثر ما بدر منه في حينها وحزّ في نفسي هو دموعه التي انهمرت بينما هو يتوسل إليّ ألا أبقر بطن مستر أولمبيا بسكيني. في الوقت نفسه كان صوت أمي ينبعث من أحد القبور في الجوار، وكانت تحثّني على المضي في الإجهاز على اولمبيا الذي بدأ يبكي بين يديَّ.

فجأة،،، استيقظت على صوت شقيقتي وهي تتعارك مع زوجها المعتوه، ثم سمعتها تطرق باب الغرفة. لم يكن ثمة داعٍ لأنظر إلى الساعة الجدارية هناك، فقد كان صوت المؤذن يتسلل من منارة أحد الجوامع القريبة، عاليا وخشنا، من النافذة المفتوحة على الشارع، داعيا الناس إلى صلاة المغرب. نهضت من على السرير. أحسست بألمٍ في عنقي. وكانت شقيقتي ما تزال تطرق باب الغرفة المقفل، تدعوني للجلوس معهم في الصالة الصغيرة ومشاهدة التلفاز ريثما يتم تجهيز العشاء. قلت لها أنني ما زلت متخما منذ الغداء ولا ارغب بالعودة إلى افتراضاتها المزعجة. لكنني استسلمت لإلحاحها وخرجت.

حاولت استرجاع تفاصيل الحلم الذي رأيت فيه أمي وأبي. هذه تحرضني على قتل مستر أولمبيا، وهذا يحاول أن يكون أكثر إثارة للشفقة لكي لا ألطخ يديَّ بدم بنّاء الأجسام العريق. لم أفهم شيئا مما دار في ذلك الحلم، وكنت قد غسلت وجهي بماء بارد قبل أن أجالس شقيقتي وزوجها أمام التلفاز. وقد عاد الاثنان لممارسة عملية الافتراض، لكن بطريقة فجة تنم عن تخبطهما في بركة من المياه الضحلة. ولم أكن مجبرا على تحمل ما قامت به شقيقتي مؤخرا عندما طلبت مني مداعبة رضيعها المفترض كجيكتي. قلت لها أنني لا أجيد الافتراض، وأكرهه، كما لن أكون مستعدا في يوم ما للخوض معهما هي وزوجها في تلك البركة مع العليقات والطفيليات، لا لأجل شيء سوى مداعبة كائن افتراضي لا وجود له ولا أساس.

طبعا، لا هي ولا زوجها فهما مغزى كلامي. لكنها اقتنعت بضرورة أن أبقى بعيدة عن تلك البركة التي لا تلاءم سوى المجانين والموسوسين أمثال زوجها الكريه. ما زلت اكرهه، زوج الأخت هذا. أمقته. خصوصا وهو على هذا الحال، يمسك بالريمونت كنترول ويقلب القنوات التلفازية بشكل عبثي، دون الاستقرار على قناة معينة. ولم يكف عن ذلك إلا بعد مضي ساعة ونصف تقريبا لم نتبادل خلالها سوى بضع كلمات، ثم ناولته شقيقتي شيئا ما، وأظنه رضيعها الافتراضي كجيكتي، إذ ما زال يلاعبه مطلقا أصوات غريبة وغير محببة في مسعى لإسكاته. في وقت كانت فيه شقيقتي في المطبخ تعدّ طعام العشاء. أثناء ذلك، كان زوج شقيقتي يسألني عن الحياة في المصحّات، وكأنني طبيب نفساني ولست مندوب مبيعات. ربما كان الأحرى به سؤالي عن الحياة في السويد، وماذا اعمل، وكيف اقضي وقتي هناك، وما إذا صار بإمكاني عقد علاقات تشبه تلك التي تظهر في قصص الأفلام مع نساء جميلات وشقراوات. ثم طلب مني مرافقته غداً إلى إحدى عيادات الطب النفسي. ولا أنكر أنني استحسنت الفكرة، فلعله يكفّ يده عن شقيقتي في النهاية.

" الرسالة "

حضرة البطل العالمي المرموق نعم اولمبيا المحترم.

بعد التحية والسلام.

أود ان أجدد لك من خلال هذه الرسالة عن عظيم إعجابي بشخصك الكريم كنجم لامع في سماء الرياضة الجسمانية التي أعشقها. فأنت رغم الذي فعلته بي، تبقى رمزا من رموز الرياضة العراقية عموما، ورياضة بناء الأجسام خصوصا.

لعل الشيء المفرح، وغير المتوقع مني حدوثه، على الأقل خلال السنوات الماضية، منذ أن قتلتني تلك القتلة الباهتة والهادئة جدا، إنني فكرت كثيرا قبل أن أقرر العفو عنك، ومسامحتك، مع انك تسببت في الآلام كبيرة وجروح غائرة ما زالت تحز في نفوس أفراد عائلتي حتى الآن. لكن ماذا افعل؟ لم يكن الأمر بيدي يا صديقي العزيز. فمن شدة إعجابي بك، وتوقيري لشخصك المحترم، لم يعد بوسعي إلا إن أعفو عنك وأُسامحك على فعلتك التي فعلتها بي. والآن أود أن أسألك، هل رأيت من قبل مقتولا يعفو عن قاتله بهذه السهولة، لا لشيء سوى انه من اشد المعجبين بك، وهذا الشخص هو أنا ! أليس غريبا أن يحدث هذا في زماننا الأعمى الذي بلا قلب ؟!

عموما..

أود أن اسأل عن أحوالك. هل أنت بخير، وكم صار عمرك الآن. آه.. صحيح.. تذكرت، هناك معلومة مهمة أريد أن أنقلها لك بأمانة. إن ابني البكر، الذي أسميته نعيما، توسما بك وتيمنا باسمك المبارك يبحث عنك في هذه الساعة، لا لينقل لك تحيات أبيه الذي قتلته، أو يطلب منك توقيعاً، إنما يبحث عنك لكي يقتلك ثأرا لي. ها أنا ذا حذرتك يا صديقي اولمبيا، فلا تقل غدا أني لم افعل ذلك. ولكي أكون وفيا معك إلى النهاية، فقد أقسمت على ولدي هذا عندما زرته في أحد أحلامه، إذا ما كان مصرا على الأخذ بثأري، أن يضع على صدرك وردة جوري حمراء.

ما زلت أتذكر تلك الأيام الجميلة، عندما كنت في قمة مجدك يا اولمبيا. لم أكن لأفارقك أبدا، حتى في قاعة التدريب، كنت اجلس هناك، أراقبك من بعيد وأنت تمرن عضلاتك القوية وتنميها لتجعل من نفسك بطلا. هل تصدق، كنت اجمع النقاط التي تحصل عليها في المسابقات، لكنني اجهل الآن الرقم الذي انتهيت إليه. كنت نجما بحق يا اولمبيا. هذا اقل ما يمكن أن يقال عنك يا بطلي. لكنك في الوقت نفسه كنت أنانيا ولم توازن بين العقل والعضلة. نعم،، أظن انك كنت بحاجة إلى عقلية اكبر من التي كنت تمتلكها في تلك الأيام، وبالتالي فهي التي أفسدت عليك كل شيء. وكنت أودّ لو أكون مرشدك أو دليلك الذي يقيس لك حجم الموطأ الذي ستشغله قدمك على الأرض، وقد عرضت عليك الأمر لكنك وكما هي عادتك السيئة في استقبال المبادرات، سخرت مني. نعم يا أولمبيا. طالما سخرت مني ومن قدراتي حتى على التشجيع. صحيح أنك لست لاعب كرة قدم أو سلّة أو حتى لاعب تنس، إلا أن شيئا مما قد يتسلل إلى داخل المرء ويكون مملا وأنا أتعقب خطواتك، خطوة إثر خطوة. أيضا،، لم يكن لديك هم حقيقي لكي تكون نجما مرموقا في أعين كل الناس، إنما كان همك هو المال أولا ثم اجتذاب النساء الجميلات، لكي يكون بمقدورك مواعدتهن فيما بعد. كنت تسير وسط السوق، وأنا وراءك، كما لو كنت ملاكك الحارس، وفي كل مرة أراك فيها نافشا ريشك وزاهيا بعرفك مثل ديك هراتي مغرور، أتدخل لأنهاك عما أنت فيه من الأنفة والغرور. فتنهرني أنت واصفا إياي بالمتطفل تارة وتارة أخرى لا تردد عن اعتباري فضوليا يحاول أن ينغّص عليك عيشك بداعي الإعجاب.

أضف لذلك أنك لم تكن على مستوى كاف من الثقافة البدنية، وبالكاد لا تتحاور إلا مع العضلات والأثقال الحديدية. لم تشغّل عقلك مرة واحدة في حياتك، بينما تعال إليَّ أنا، رغم بساطتي، وعدم مغادرتي المقعد الذي أجلس فيه لتشجيعك، كنتُ أعرف أكثر مما تعرفه أنت عن رياضة كمال الأجسام. مثلا،، أنت لم تكن تعرف أن أول بنّاء أجسام في العالم هو يوجين ساندو الذي كان يستعرض عضلات جسمه في المهرجانات في بداية القرن العشرين. ولا بدّ أن أذكرك هنا بفيلم " زيجفيلد العظيم " الذي أعرتك إياه ذات يوم، وقلت لك شاهده يا أولمبيا واستفد من سيرة هذا الرجل الأسطوري ساندو، لكن أين كنت أنت من هذه الأمور يا أولمبيا، كنت مشغولا بممارسة الجنس مع عاهرات منزول البصرة القديمة. وقتها،، كنت أحاول عبثا أن أهبك شيئا من ثقافتي، ولكن وفي كل مرة أفعل فيها ذلك وتُمنى محاولتي بالفشل تزداد قناعتي من أنك بغل، أو ربما غوريلا. مجرد غوريلا لكنها قوية وتثير الإعجاب دائما. حتى الكتب التوضيحية، تلك التي تهتم بالثقافة البدنية، والتي أعرتها لك في بداية مشوارك، والمكتوبة بأقلام عظماء بناة الأجسام مثل إيرل ليدرمان ورالف باركوت أهملتها، ولم تحز على اهتمامك، إنما تركتني ورحت تلهث وراء مدربي اللياقة البدنية الفاشلين. ورغم ذلك، لم أكن أجرؤ على تركك أو حتى التفكير بالتخلي عن كوني الأكثر ولعا بين المعجبين بك يا صديقي.

وأودّ تذكيرك هنا بمسألة مهمة جدا، وهي انك لم تكن في البداية شيئا يذكر او يشار إليه، وما زلت تعمل حمالا في المسفن حتى رأيتك في احد الأيام، وكنت في التاسعة عشرة من عمرك، وكنت أعمل وقتها جالب كرات لفريق كرة القدم، قبل أن تجتذبني رياضة بناء الأجسام، لأتحول بعدها إلى مراقب قاعة تدريبات الرياضة البدنية في نادي الاتحاد. أنا الذي جئت بك إلى هناك، هل تنكر هذا يا اولمبيا ؟!

كنت ما تزال صديقي، وتشعر بالامتنان لأني اكتشفتك وقدمتك إلى النادي كموهوب. لكنك سرعان ما أنكرت ذلك حتى صرتُ في ما بعد، بالنسبة لك طبعا، فضوليا ومتطفلا مزعجا، وأحيانا شخصا مخبولا لا يعي ما يفعل أو يقول. وفي الوقت الذي ما زلت تراني على هذا النحو الفظيع، كنتَ تتراءى لي كسوبرمان، وأحيانا أخرى أراك مثل سبايدر مان، تنط بين البنايات والجدران، تدافع عن النساء الحسان وتنتشل الأطفال من داخل العمارات المحترقة. نعم يا صديقي اولمبيا. بينما كنت أنت تتجاهلني، كنتُ أنا أتملق إلى الصحافة مثل كلب، فقط ليجمّلوا وجهك ويعيدوا إلى وجهك الحياء الذي تنزعه في أحضان النساء الساقطات. كنتُ ارشي الصحافيين لكي يمتدحونك ويدبجوا أجمل المقالات بحقك، وإلا هل كنت تظنّ إن ألقاباً مثل شمشون العرب وهرقل البصرة وسوبرمان العراق حصلت عليها هكذا، من دون تعب، أو كدٍّ، أو سهر أو مسعى حثيث من احد ما زال يعمل على إسعادك وراء الكواليس ؟! أظن انك في الفترة الأخيرة صرت تفرط في تناول كميات كبيرة من الأطعمة التي تحتوي على البروتينات، ولما لم تكن منتظما بالتدريبات، طبعا لانشغالك بمصاحبة النساء الماجنات، كدت تصاب بهشاشة العظام. وأظنك وحتى الآن ما زلت تعاني من تلك الحصى في كليتيك، وكنت قدّ نبّهتك إلى انك ستمرض بسببها أثناء فترة الإحباط التي مرت بك بعد حلولك وصيفا لسيرجيو اوليفا في مستر اولمبيا تلك السنة.

انظر ماذا فعلت بنفسك يا بطلي ! لو انك لم تتهور في ذلك اليوم، لكنت الآن على غير الشاكلة التي انتهيت إليها. وعلى الرغم من ذلك، سأظل افتخر بك، على انك البطل الذي باستطاعته أن يطرح الناس أرضا بوخزة صغيرة من سبّابته !

عزيزي نعيم اولمبيا.

أنا الآن على وشك إنهاء رسالتي. فقط أود أن اكرر إعجابي الشديد بك، أيها البطل الأسطوري. أتمنى أن تعيش أعواما أخرى لكي تفكر بشأني جيدا. ولترى إن كان هناك أمثالي من المعجبين الأوفياء.

دم سالما.

رشيد المعقلي

مقبرة وادي السلام

النجف الأشرف

" بصرة عدن "

لم يعلق مستر اولمبيا على تلك رسالة سوى قوله أنها رسالة غريبة. وإن إرسالها من قبل أحد الأموات هو ضربا من الحماقة، ثم راح يعيب على ذلك الشخص قلة أدبه واختيار عنوان بيته هدفا للتسلية، لكنه لم يشك انه اختار أكثر الكلمات ملائمة، حتى بدت وهو يقرأها أن مرسلها ميت بالفعل. أيضا هو لم ينتبه إلى أيّ مدى يمكن أن يكون ذلك الشخص قريبا منه، حتى يذكر له مثل تلك التفاصيل. لم يأبه. دس الرسالة تحت وسادته. فعل ذلك بهدوء كما لو أن شخصا نائما هناك ولا يريد أن يقضّ مضجعه بصوت أو حركة. خرج من الغرفة وأغلق خلفه الباب بهدوء. كان الطعم المرّ لنقيع البابونج ما يزال يلذع حلقه. فكر بشيء من الحلاوة. تذكر إن قطعة صغيرة ومفتتة من حلاوة رملية تقبع هناك في الثلاجة منذ فترة طويلة. جاء بها من المطبخ، تمنى لو أن رغيفا ساخنا من الخبز يتوفر في تلك اللحظة، لكان الأمر أكثر إمتاعا. ألقى تلك القطعة في فمه دفعة واحدة. آلمته أسنانه. ٍلم يعر اهتمامه لشخص راح يطرق باب البيت طرقا خفيفا بالكاد يُسمع، كما لو أنه ينقر بمنقار.

ربما يستطيع مستر اولمبيا أن يتجاهل الطارق لبضع دقائق فقط، ربما يشعر خلالها بالملل يغادر، قبل أن يشك في إمكانية أن يكون ذلك الطارق قد ملّ فعلا، إذ اتضح انه عازم على أن يكون ثمة من يفتح له الباب، بعد أن صار يٌكثر من طرقه، إلى درجة بلغت من الإلحاح ما جعل اولمبيا يذعن في النهاية.

" من الطارق... " صاح مستر اولمبيا.

" أنا الحكّاء... " أجاب الطارق : " حكّاء المدينة، أود أن احكي لك حكاية يا سيد ! "

أحسّ مستر اولمبيا أن هذا اليوم لن يمرّ بسلام ما دام أن ثمة من يقف وراء الباب في تلك اللحظة مدعيا انه حكّاء المدينة، وقبل فترة وجيزة كان هناك شخص يبحث عن ماء وجهه.

" ومن قال لك أني أريد أن أسمع حكاية، لماذا لا ترويها لأحفادك يا أخي، مالي أنا والحكايات في هذا اليوم المنحوس ؟! "

استمر الرجل الذي يدعي انه حكّاء المدينة بالطرق على باب البيت وهو يقول :

" صدقني يا سيد، ستشكرني على لطفي في النهاية، وأشكرك على حسن إصغائك. إنها مجرد حكاية. حكاية صغيرة أسمعك إياها وأنصرف. ألا تفتح الباب رجاء ؟ "

وما أن فتح الباب حتى دخل الرجل الحكّاء إلى البيت مسرعا، دون أن يأذن له اولمبيا الذي تبعه معترضا عليه ومشددا في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون مهذبا، وإلا :

" لن أسمع منك شيئا،، فهمت ؟ "

هزّ الرجل الحكّاء رأسه موافقا، وقد جلس على تلك الكنبة في الهول، وتبدى لمستر اولمبيا جنونه وهوسه بشيء ما، بالحكايات ربما ما دام انه ما زال يصر على انه حكّاء المدينة الأوحد والأخير.

" هكذا إذن... ؟ " قال اولمبيا : " ولماذا أنت الحكّاء الأخير يا ترى، وأين برأيك ذهب باقي الحكّائين ؟! "

" ماتوا... ! "

" حقا... " تظاهر مستر اولمبيا وبانت على وجهه دهشة مفتعلة : " وكيف حدث ذلك، هل انفجرت عليهم عبوة مثلا، أم اختطفوا وذُبحوا وسُلقت لحومهم كما يحدث ذلك الآن ؟! "

" تلك هي المسألة... " قال الحكّاء، ثم راح يروي لمستر أولمبيا تلك الحكاية :

" منذ أن كانت أرضاً غليظة، وأبصروا فيها تلك الحجارة الصلبة، التي تقلع وتقطع حوافر الدواب، وهي تعوم في بحر من رغد العيش، ساكنة وجميلة كالجنائن السماوية، هادئة ووقورة كالمدن الفاضلة. فعبر مئات السنين، لم تكن هناك حادثة واحدة، تستأهل أن تروى على ألسنة الرواة الناجين من مذبحة أفروسياب الرهيبة في البصرة.

صُحفنا خالية من صفحات الحوادث، ولا أخبار عاجلة تبثها قنواتنا الفضائية. لم نرَ قتلى في حياتنا، ولم نسمع بأحدٍ اغتيل ورمي في حاوية للقمامة. الجدّات متْنَ على أسرة الانتظار، وأمام المواقد الذاوية، في ليالي الشتاء، دون أن يروين حكاية واحدة على الأقل. في حين ما زالت المدينة خالية من السُرّاد المهرة، باستثناء راوٍ وحيد، هو أنا. ما زلت ألحّ على أمي، كي تدعو لي، كلما خرجت لأتسكع في الشوارع الآمنة، والأزقة الهادئة والوديعة جداً. فلعلي أعثر على أحد الحوادث الدامية التي تخلو منها المدينة، كانفجار عبوة ناسفة، أو سيارة مفخخة، أو حادث صغير، كأن يسرق أحدهم حقيبة امرأة تقف في الطابور أمام فرن الصمون.

الجميع هنا طيبون، ومتحابون، يعيشون بسلام وطمأنينة، ويموتون بصمت، ودونما ضجة. فمراكز الشرطة والثكنات والسجون والمعتقلات وحتى المستشفيات، أغلقت منذ أن كان أفروسياب حاكما على البصرة. وكل ما أشيع قبلها حول تعرض المدينة الى حروب وحشية وانقلابات دموية وأوبئة وقحط وغلاء ومجاعات وفيضانات وطواعين وما سواها، وما أدنى منها، ما هي إلا سرود ميتافيزيقية وأحداث غرائبية، دونها المؤرخون، لكي لا ينقرض نسل الرواة القصاصين.

الحكاية الوحيدة التي ما زالت تتردد على ألسنة الأهالي في البصرة، والملحقة بمناهج التعليم الابتدائي، في كتاب القراءة تحديداً، هي ناتجة أصلاً عن الحادثة الأخيرة التي وقعت في فترة الحكم الأفروسيابي، عندما بدأت بوادر الدمار تظهر على مفاصل المدينة. فخطرت للحاكم افروسياب فكرة ان يدعو سُرّاد المدينة الى وليمة عشاء في حديقة قصره المنيف، على الضفة اليمنى لشط العرب. عندئذ، بدأ هؤلاء بالتوافد على قصر الحاكم، متجاهلين بذلك ما تردد على لسان حكيم الرواة بشأن الحذر من موائد السلاطين. ولم يستتب الطعام في معداتهم الخاوية بعد، حتى أمر الحاكم بالحراب لتُغمد في بطونهم وظهورهم، فقُتلوا جميعاً، ودفنوا في نقرة واحدة، ما زال مكانها مجهولا حتى الآن. منذ ذلك الحين، ولم يحدث شيء في البصرة، حتى حوادث الشرف اختفت فجأة، ولم يعد بالإمكان رؤية قط يطارد فأراً، ولم يكن هناك لا حادثة كبيرة ولا صغيرة يمكن أرشفتها في جريدة الوقائع، أو تُصب في قالب حكاية قصيرة من قبل راوٍ هاوٍ متخفٍ.

ما زلت اتباهى بكوني الراوي الوحيد في المدينة، وكان أحد أجدادي، من السُرّاد الكبار، قُتل مع الرواة الجياع، على أيدي حراس أفروسياب قبل قرون. كل يوم، صباحاً، أخرج من البيت، أحمل معي دفتراً مدرسياً، وقلماً جافاً أحمر. أجلس على مصطبة، في إحدى الشرفات الكونكريتية المنتشرة على ضفة الشط. أو أقوم بعمل آخر، هو أن أذرع الشوارع والأزقة جيئة وذهاباً، أراقب المدينة عن كثب، وحركة الناس من حولي، حالماً باقتناص حدث مأساوي أدونه في قصة، لأكسر بها رتابة الواقع بلا حوادث، وروتين الليالي المأهولة بقصص فرسان الطواحين والملاحم المملة، والقصص الرومانسية الكاسدة، منذ أن أصبح كل شيء هنا آمنا، الى درجة أن أحداً في البصرة لا يفكر بإيذاء جاره.

قد أصادف في طريق عودتي إلى البيت، مظاهرة احتجاجية ضد الحكومة، فأزج نفسي وسط المحتجين الغاضبين، أهتف معهم، مطالباً بتوفير الأحداث المأساوية، أو على الأقل توفير فسحة صغيرة ينطلق منها الإرهابيون الذين نراهم على شاشة التلفاز وهم يسلخون ويطبخون وينفخون النار التي تغلي فوقها، في قدور ضخمة، رؤوس الضحايا وأشلاؤهم الممزقة. فليس من المعقول أن تخلو بقعة على وجه الأرض من أحداث تؤرخ ويكتبها القصاصون. فالحياة على هذه الشاكلة لا تُطاق. ما هذا العناء يا ربِّ ! "

على الرغم من أن الحكاية تبدو فنطازية أكثر من اللازم، خصوصا أن راويها مجنون. إلا أن مستر أولمبيا استمتع بسماعها في النهاية. بان ذلك وهو يشيد بالرجل الحكّاء ويثني على أسلوبه في الحكي. قال وهو يقهقه :

" تبدو كجدة عتيدة وأنتَ تروي حكايتك يا سيد.... ما اسمك لطفا ؟ "

" سعدون... " قال الحكّاء وهو يمدّ يده ليصافح أولمبيا : " سعدون الخصيبي، صحفي وروائي "

" وأنا مستر أولمبيا، لا بدّ أنك تعرفني "

تصافحا عند الباب، وقد بدا الحكّاء ممتنا، وهو يعبر عن سعادته بحيازة حكايته على إعجاب أولمبيا :

" تبدو مندهشا، يعجبني ذلك يا سيد اولمبيا ! " قال الحكّاء.

" وأنت أيضا، تعجبني طريقتك في الحكي "

غادر الحكّاء. وقد بلغ من الانتشاء حدا لم يعد يرى بعده ما حوله أو يشعر بشيء سوى الوقع الأثير لكلمات اولمبيا في نفسه، حتى كاد احد الصبية في الشارع أن يدهسه بدراجته الهوائية.

شعر مستر اولمبيا بانقباض في صدره، واصفرّ وجهه. وانتابه نحول عم كامل جسده. الشيء نفسه يحدث له بين فترة وأخرى في أوقات الغروب، حيث تبدو زوايا البيت أكثر شحوبا. كاد أن يقع أرضا بينما كان في طريقه إلى غرفته. جلس هناك فترة حاول خلالها إخاطة بعض ثيابه المفتوقة، والى أن ادخل الخيط في ثقب الإبرة على ضوء المصباح كادت روحه أن تخرج من بدنه. تبادر إلى ذهنه رفيق دربه الرباع الاولمبي عبد الواحد عزيز. خطرت له فكرة التسلي بمطالعة البوم الصور العائد له.

كان ذلك الألبوم يحتوي على العديد من صور الأصدقاء، وصور شخصية له يظهر فيها على منصات التتويج مع أبطال عالميين. هناك صور أخرى تجمعه بصديقه عبد الواحد عزيز الذي بدأ حياته الرياضية برفقته، رغم أن عزيزاً يكبره سنا. فجأة،، ألقى مستر اولمبيا ما في يده واستلقى على السرير. شغّل الراديو على الموجة نفسها، رفع الصوت وقربه من أذنه لكي يتلافى سماع زعيق الصبية في الشارع، وهم يتعاركون، وربما يشج احدهم رأس الآخر قبل انصرافهم إلى منازلهم.

نام مستر اولمبيا. وكان صوت عبد الحليم حافظ يصدح بصوته كما لو كان عندليبا حقيقيا.