3
مع وصول الحافلة إلى دير الزور، توقّف شريط الذكريات وغابت الصورة .. صورة أبيه وتقاطيع وجهه القاسية التي لا يتذكرها جيداً، بعد أن غادر بيت خاله غاضباً، دون أن يلتفت إلى زوجته وأولاده.
هل كان غير مبال بهم، لا يكنّ لهم حباً و وداً ؟
هكذا قال الخصوم والمغرضون، وهذا ما أراد أن يؤكده خاله. لكن الحقيقة غير ذلك تماماً .. كل ما في الأمر أن الكرامة تطغى على العاطفة، والرجولة تقتضي التضحية. . حتى لو كانت تضحية بالنفس.
ذاك هو أبوه .. الرجل البسيط الذي غاب عنهم واختفى .. مات في أرض بعيدة وانقطع ذكره، وإن ظلّت ذكراه لا تغيب عن الخاطر.
توقّف شريط الذكريات .. وحمل عبد الله حقيبة السفر ومشى .. تسلل بسرعة وقد آثر أن لا يراه الرجل العجوز الذي رافقه في الحافلة، لئلا يفتح صفحة أخرى من الحوار والحديث.
اتجه صوب الجسر العتيق. بعض السيارات تقف في الشارع الموازي للفرع الصغير من نهر الفرات. تنقل البشر من قراهم إلى المدينة ومن المدينة إلى القرى .واحدة منها لم تقلع بعد أن غصّت بالركاب، وضاقت بهم المقاعد والممر وغطاء المحرّك. ولم تتحرك من موقفها رغم هدير محركها. وقد أخذ السائق مكانه خلف المقود، و مدّ رأسه من نافذتها محدّقا ً في وجوه المارة، منتظرا أية إشارة، لينادي على معاونه، ويأمره أن يلتقط راكباً، ويزج به داخل الكتلة التي ضمت الرجال والنساء والأطفال والأكياس والخبز والخضار والأواني الفارغة.
راوحت السيارة في مكانها .. ما إن تدور عجلاتها دورة إلى الأمام، حتى تعقبها دورة أخرى إلى الوراء. وقد اختلط هدير المحرك وصوت المنبه ولغو البشر بأغنية تصدر عن آلة التسجيل، فتثير الأعصاب و تثقب الآذان .. موسيقى صاخبة، أقرب ما تكون إلى قرع الأواني وتكسير الصحون.
بلغت نشوة السائق ذروتها، فصار يدق بيده على المقود، ويميل برأسه يميناً ويساراً، ويردد كلمات الأغنية بصوت أجش .
تصبب العرق من الأجساد المتلاحمة المتراصة .. سال على الوجوه المتغضنة والأيدي السمراء الخشنة، بلل الثياب ورسم بقعا ً كبيرة على المقاعد والمساند.
الرائحة كريهة، والهواء فاسد يبعث على الاختناق والتقيؤ .. رائحة العرق والدخان وأنفاس البشر الذين تكدسوا فوق بعضهم والتحمت أجسادهم وتداخلت أذرعهم وأرجلهم، وبات تحريرها أمراً متعذراً.
بكى الصغار حينما وجدوا أنفسهم مدفونين عند أقدام الكبار، وبين أجسامهم الكبيرة وثيابهم الكثيرة التي يرتدونها رغم الحر الشديد. وصرخ أحدهم :
ـ خنقوني يا أمي.
وصار يلعن و يسب ويشتم باكياً : ( يلعن أبوكم وأبو السيارة ) اتركوني .. أريد أن أنزل .. اتركوني.
ضحكوا رغم أن الموقف لا يدعو للضحك، وضايقوه ثانية حتى يسمعوا مزيداً من السباب والشتائم. إذ رأوا في ذلك متعة و تسلية تخفف من الضيق والاختناق.
تدلّى معاون السائق من الباب .. قدماه على الحافة وجسده معلّق في الهواء ينادي ويعدد أسماء القرى التي تصل السيارة إليها.
صرخ رجل عجوز بالسائق بعد أن نفذ صبره :
ـ ماذا تفعل ؟ أين تريد أن تضع هؤلاء الناس ؟ حرام عليك يا رجل. لقد اختنقنا.
منذ ساعة ونحن ننتظر. لو أننا مشينا على أقدامنا لوصلنا منذ زمن.
قال السائق باستهجان :
ـ ومن قال لك لا تمش ! إذا لم يعجبك الحال انزل وخذ سيارة خاصة.
زجره رجل تعلو وجهه علامات الهيبة والوقار بنظرة لوم وتأنيب، وقال له :
ـ الرجل لم يغلط، فلماذا تردّ عليه هكذا !
أجاب السائق وقد تبدلت نبرة صوته :
ـ وأنا لم أغلط، ولكن .. كما تعرف يا أبا عبد .. السيارة عليها أقساط شهرية ومصاريف يومية، والمحروقات غالية، وشرطة المرور مثل المنشار .. يقصّون في الذهاب والإياب .. وعليك الحساب. .
قاطعه الرجل : هكذا إذاً ! اعمل منها قصة، فكل يوم نسمع هذا الموال.
ردّ عليه السائق معتذراً :
ـ حاضر يا أبا عبد .. أنا بأمرك .. دقيقة واحدة.
طالت الدقيقة وامتدت خمس دقائق، ثم زأر المحرك و دارت عجلات السيارة ثم توقفت. لوّح المعاون بيده إلى شاب أقبل لاهثاً وفي يده حقيبة كبيرة، ونادى عليه : هيا .. اصعد. هات يدك.
تعلّق الشاب بالسيارة، وبصعوبة حشر نفسه بين الحشد الهائل المتشابك من البشر، بعد أن قذف المعاون حقيبته على سطحها. ولما لم يجد له إلا موضع قدم واحدة، فقد ترك الأخرى معلقة، و استند على كتف واحد من الركاب. فتململ الرجل متضايقا وقال : قتلتني .. ابتعد قليلاً.
وفوجئ عندما رفع رأسه ونظر إليه، فقال : عبد الله ؟ يا للمصادفة !
هل هي صدفة حقاً ؟ أبداً .. طريقهما واحد .. إنه الرجل العجوز الذي رافقه من دمشق إلى دير الزور، وأحد سكان قريته.
تحرّكت السيارة نحو الأمام .. سلكت الطريق الموازي للفرع الصغير من نهر الفرات. . شارع عريض مكشوف بعد أن اقتلعـت أشجار التوت الخضراء من ضفة النهر، و زرعت مكانها حواجز من الإسمنت وأسوار من الحديد. بدا ماء النهر راكداً آسناً .. غطته الأعشاب والطحالب، وفاحت منه رائحة نتنة.
انعطفت السيارة إلى اليسار. آثار عجلاتها انطبعت على الإسفلت المنصهر بحرارة الشمس. ثم عبرت الجسر العريض على الفرع الكبير للنهر. ومن جهة الغرب بدا الجسر المعلق شامخاً رشيقاً، وقد انعكست صورته على صفحة الماء، ورسمت لوحة فنية رائعة .. إطارها أشجار الغرب الخضراء على الضفتين وظلالها الوارفة.
انعطفت السيارة مرة ثانية إلى اليسار، وسلكت الطريق الإسفلتي الذي يمرّ بالثانوية الزراعية وكلية الزراعة .. تابعت طريقها بين ضفة النهر والبيوت المتناثرة واجتازت البناء المدرسي المنهار في قاع النهر. .
صور من الماضي مطبوعة في الذاكرة .. اليوم الأول له في المدرسة، والمعلم الذي وصفه بالبغل وابن الحمار. والفيضان الذي غمر الحقول واقتلع الأشجار ..
صور ثابتة، وأخرى تبدّلت. . أحياء سكنية تحمل أسماء الأسر التي سكنتها، أو المزارعين الذين امتلكوا الأرض ونصبوا مضخات الماء على ضفة النهر. ظلت الأسماء ثابتة وإن تبدّل كل شيء .. انتقلت بعض الملكيات إلى مستثمرين جدد، من أبناء المدينة ومن الفلاحين في الريف. بنيت مساكن جديدة و( فيلات ) لقلة من الناس ظهروا على السطح حديثاً، وهدمت أكواخ وعنابر زراعية. تصدّعت جدران المخازن القديمة، واقتلعت أشجار الغرب من مساحات واسعة. وخرّبت حدائق الزهور المحيطة بمضخات الماء، وتحولت إلى مزابل أو صارت زرائب للبقر.
.............
عندما نزل عبد الله الراشد من السيارة، كان بعض الفتيان يسبحون في مياه الساقية الكبيرة المحاذية للطريق الفرعي المؤدي إلى البيت. توقفوا وصعدوا إلى حافتها وقد دفعهم الفضول لرؤية القادم من السفر .. ارتدى بعضهم ثيابه على عجل ورافقوه في الطريق، ساروا بجانب الساقية وتحت ظلال أشجار التوت الكبيرة. على درب ضيق، فأثارت خطواتهم سحابة من الغبار تصاعدت إلى الأعلى.
سألهم عن أحوال القرية والناس، فقصوا عليه أخبارها وأسرارها .. ما يعنيه وما لا يعنيه .. ما يرغب أن يسمعه وما لا يرغب .. كانوا يتكلمون معاً وفي آن واحد. يبدأ أحدهم بسرد حكاية أو خبر فيقاطعه الآخر ويكمل أو يضيف وكأنه أكثر علماً وأوسع دراية.
قال واحد منهم : حميّد تزوج على امرأته.
سأله عبد الله : من هو حميّد ؟
أجاب الفتى موضحاً :
ـ حميّد البقر .. حميّد الراعي، راعي البقر .. قصير القامة. ألا تتذكره؟
قال عبد الله : لكنه ما عاد يرعى البقر، منذ أن أصبح رجلا،ً وتزوج زوجته الأولى.
ـ صحيح. إلا أن الناس لا يعرفونه بغير هذا اللقب.
عقّب آخر مؤكداً : وأنت واحد منهم. لم تعرفه إلا عندما قلنا .. حميّد البقر.
هزّ رأسه أسفاً، و حدّث نفسه بمرارة وأسى : وأنا كذلك، لا يعرفوني إلا بعبد الله الصالح .. اللقب يغلب على الاسم الحقيقي، ويلتصق بصاحبه كما يلتصق القراد بجلد الدابة.
قال الثالث : وعايد الجدعان مات .. غرق في النهر.
أثاره غرق الفتى وأحزنه موته .. الخبر المؤلم يدعو للانقباض والتشاؤم. وقد جرت العادة أن لا يستقبل المرء ساعة وصوله بالأخبار السيئة والمحزنة. هكذا يفعل الكبار، أما الصغار فهم يرون في ذلك بادرة تثير الاهتمام بهم لدى القادم، وترفع من شأنهم في نظره.
سألهم بأسى :
ـ متى حدث ذلك ؟
ـ منذ أسبوع .. كان ماء النهر عكراً أحمر. قلنا له لا تسبح يا عايد لئلا تكون الضحية. ولم يسمع كلامنا.. قفز إلى الماء من شجرة عالية. غطس ولم يظهر ثانية. ثم وجدوا جثته طافية على السطح عند طرف القرية من جهة الشرق، بعد أن جرفه التيار.
قال عبد الله :
ـ أنتم تؤمنون بهذه المعتقدات كالعجائز. تعتقدون أن النهر عندما يتعكر لونه يصبح مثل وحش جائع لا أمان له .. لا يهدأ، ولا يصفو ماؤه إلا بعد أن يبتلع ضحيته.
ـ بل هي الحقيقة التي يعرفها كل الناس. وغرق عايد يؤكدها.
اقتربوا من البيت، فقال ثالثهم :
ـ و أخوك جاسم ...
أحس بوخزة في صدره فوقف في مكانه، وسأل بهلع :
ـ ما به أخي ؟ ماذا أصابه ؟
تنفّس بعمق وهدأت نفسه عندما قال الفتى : لقد سافر.
ـ إلى أين ؟
ـ لا أدري.
ـ متى ؟
ـ منذ شهر أو أكثر، ولم يرجع.
قال أكبرهم : يقولون. إنه سافر إلى السعودية أو إلى الكويت، ولن يعود في وقت قريب.
سألهم بقلق ولهفة :
ـ وأمي ؟ وأختي .. ؟
ـ ما بهما ! إنهما في الدار.
عقّب أحدهم وهو يقاوم شعوراً بالخجل :
ـ أختك نعيمة، جاءها عريس.
ـ ماذا تقول ؟
استطرد الفتى : عنده سيارة طويلة بيضاء، جيبه مليء بالدنانير، وفي يده ساعة ذهبية.
أضاف آخر : و يدخّن سجائر أمريكية .. لها ( قطنة ).
أثارته كلمات الفتيان، فاضطربت أفكاره، وساوره شعور بالقلق والخوف من وقوع أحداث أخرى جرت ولم تصله أخبارها.
ترى .. ماذا خبأت له الأيام أيضاً ؟ ولماذا تكون الأخبار مزعجة دائما ؟ تصدّ النفس وتوقظ الحزن وتدعو للاكتئاب والتشاؤم !
منذ مدة طويلة لم تصله رسالة من أهله. وقد أدرك سر هذا الانقطاع الآن. إنه سفر أخيه الذي كان يرد على رسائله، و يكتب له بين آونة وأخرى. ومن غيره يبادله الرسائل و ينقل إليه أخبار العائلة والقرية ؟ ! أمه ؟ أخته ؟ أمه لا تعرف القراءة والكتابة، وأخته لم تكمل المرحلة الابتدائية. لقد قال خاله يوماً : ما حاجة البنات للتعليم ! تعليم البنت ضياع وقت وخسارة. فلماذا نعلمها ولمن..؟ لرجل غريب يتزوجها ويأخذها إلى بيته !
هذا الخال غيّر رأيه بعد أن تزوج امرأة أخرى، وأنجبت له بنتاً. بل إن رأيه لم يكن كذلك منذ البداية. ولو أن نعيمة كانت ابنته لما تفوّه بهذا القول. إنه يكيل بمكيالين ويزن بميزانين. شأنه شأن كثير من الناس الذين تتغير مبادئهم، وتتبدل أحكامهم بتبدل الظروف والمواقف.
تماسك وهو يستعيد شريط الذكريات، وتظاهر بالهدوء وسأل :
ـ من هو هذا العريس ؟ أهو واحد من القرية ؟ هل تعرفونه ؟
ـ لا. لا نعرفه، فهو غريب.
عقّب الفتى : هي لا تريده .. هكذا سمعنا.
وأضاف آخر : خالك معجب به ويريده .
رد عبد الله ساخراً بمرارة :
ـ يتزوجه خالي.
ضحك الصبية .. فاجأهم الرد، وتساءل أحدهم بسذاجة :
ـ كيف .. ؟ هل يصح هذا؟
تحركوا نحو البيت، بعد أن تكاملت الصورة في ذهن عبد الله. .صورة القرية وأهلها .. وما يهمه من أخبار وتطورات. وقد سبقهم فتى صغير حافي القدمين، صبغت الشمس بشرته باللون الأسود. وقبل أن يصل عبد الله، كانت أمه وأخته قد خرجتا من الدار وهرعتا لاستقباله.
...........
في بيتهم الصغير المؤلف من غرفتين وفناء تظلله أيام القيظ شجرة توت كبيرة ، تزقزق العصافير على أغصانها و يهد ل الحمام البري، تجمع الجيران وقد سمعوا بقدومه .. توافدوا يلقون عليه التحية، ويهنئون أمه بسلامة العودة... يدخلون ويخرجون دون قرع على الباب أو استئذان. وبعد أن غادروا البيت، سأل أمه :
ـ سافر جاسم .. أليس كذلك ؟
أجابت بلوعة وأسى :
ـ صحيح يا بعد عيني. تركنا وسافر.
ـ متى ؟
ـ منذ شهرين.
ـ إلى أين ؟
ـ قال إنه مسافر إلى الكويت.
ثم أضافت بحسرة : أصلح الله أولاد الحلال .. لعبوا بعقله وأغروه بالسفر.
نظر إليها وفال مشككاً :
ـ أولاد الحلال فقط ؟
قالت وقد أدمع الحزن عينيها :
ـ تقصد خالك ؟ مازالت المشكلة بينهما قائمة. أراد منه قطعة أرض يزرعها ويستثمرها بنفسه فرفض، ولم يرض أن يكون فلاحاً بالأجرة في أرضه.
ـ تقصدين أرضه وأرضك ؟ ألست وريثة ولك الحق فيها مثله ؟
ـ يا بني لا تحمّلني فوق طاقتي ..
ثم صارت تميل برأسها، وتنوح مرددة بحرقة وألم قصيدة شعبية تراثية عن الفراق وضياع العمر و بعد الأحبة.
أحس عبد الله أن جروحها قد تفتقت فقال يلاطفها مداعباً :
ـ ولو يا أم جاسم أنت مازلت صبية. على أية حال نسمع منك قصيدة أخرى غير هذه في وقت آخر. والآن أخبريني ماذا جرى بعد ذلك ؟.
ـ تشاجر مع خاله، وتبادل معه كلاماً واتهامات لا تليق بهما، وصار يذهب مع طلوع الفجر كل يوم إلى المدينة، ولا يعود إلا في المساء.
ـ ماذا يعمل في المدينة ؟
ـ يقف في الساحة منتظراً من يرغب في استئجار عامل حفر أو ردم أو رفع الحديد والإسمنت إلى الطوابق العليا .. وقد باتت فرص العمل قليلة، والأجور لا تتناسب مع الجهد وغلاء المعيشة. فقرر أن يسافر إلى الكويت.
ـ ألا تصلكم رسائل منه ؟
ـ لا. لم تصلنا رسالة أو خبر .. وهذا ما يقلقني .
هز عبد الله رأسه وقال بأسى :
ـ هو الآخر يهاجر. أبي تركنا وهاجر إلى السعودية، لما تخاصم مع خالي عندما رفض أن تعودي معه إلا إذا دفع مهرك. فغضب وتركنا وغادر. كان في نيته أن يجمع مالاً ثم يعود ليغيظ خالي ويتزوج امرأة أخرى .. فماذا كانت النتيجة ؟ !
صمت لحظة، وأطرق برأسه إلى الأرض، كأنما يستجمع شتات أفكاره وذكرياته التي تثير أشجانه كلما استعادها، ثم أضاف قائلاً بصوت حزين :
ـ مات بحادث سيارة فور وصوله، و دفن هناك. . في أي أرض ؟ لا ندري. لا أرض له في بلده .. حتى ولا قبر. فهل من غربة بعد هذه الغربة ! هذا هو الواقع، وأي واقع ! كم عانينا وتعبنا وتعذبنا ! عشنا على فتات مائدة خالي وما يتكرّم به علينا من مالنا .. أقصد من مالك. ألست وريثة مثله وشريكته في الأرض والبيت ؟
لا شك أنه شعر بالندم عندما سمع بموت أبي .. لماذا ؟ لأننا صرنا عبئا ً عليه، ولا ريب أنه تمنى لو لم يصد أبي عندما جاء ليأخذنا، أو لو أننا لحقنا به فانتهى منا. نحن نكد و نعمل، ولا نحصل على اللقمة إلا بالتعب والعرق، أما خالي فقـد استأثر بالأرض والبيت، و تفضًل علينا بهذا الكوخ .. نحن يا أمي كالأيتام على مائدة اللئام. حقاً نحن أيتام بعد أن مات أبي. أما خالي فقد تزوج امرأة أخرى، غريبة عنا، وأنجب منها .. إنهم ينعمون بما حرمنا منه والفرق شاسع بيننا.
قالت أمه :
ـ يا بني، لا تجعلني أشعر بالخوف على أخيك. . عسى أن يعود سالماً ويجتمع شملنا من جديد. . أما خالك ـ سامحه الله ـ فقد يغير رأيه ويعطيك قطعة أرض من أرض الصالح .. أرضنا، وهذا حق، ونحن لا نستجديه، بل نحاوره بالعقل. فإذا أخذت نصيبي من تركة أبي .. نعمة وألف نعمة. أما البيت الكبير وما فيه من مال وحلال فهو له، حلال عليه. بيتنا هذا كاف علينا.
زفر عبد الله وقال بأسى :
ـ تصوري يا أمي. . أهل قريتنا جاؤوا يسألون عني ويسلمون علي. ولا شك أن خبر قدومي وصلهم، وبيتهم لا يبعد عنا إلا خطوات، ولم يأت منهم أحد،لا خالي ولا ابن خالي ولا زوجة خالي. يصغرون إن فعلوا. يريدون أن أذهب إليهم وأقدم لهم ولاء الطاعة والاحترام. . وهذا لن يحصل أبداً.
ـ اهدأ يا ولدي، ولا تنس أنه خالك، وهم عياله. والظفر لا يطلع من اللحم .
ثم أضافت : خالد ابن خالك من زوجته الثانية مازال صغيراً. أما فواز فقد التحق بالجيش لأداء الخدمة الإلزامية منذ فترة قريبة. أنت ليس لك علم، أليس كذلك ؟ لكنك ستراه اليوم .. يأتي إليك ويراك، فهو يحبك، ولك عنده مودّة خاصة.
ـ كيف يزورني وهو في الجيش ! هل هو في إجازة ؟
قالت موضحة ببساطة :
ـ فواز يخدم في دير الزور. كأنه ليس عسكرياً يا ولدي .. يذهب صباحا ً ويعود بعد الظهر .. ينام في بيته كل يوم.
ثم أضافت : حظ. الدنيا حظوظ، وحظه يفلق الصخر.
علّق عبد الله ساخراً :
ـ الدنيا حظوظ أم أن خالي دبّر أمره ؟ يا أمي .. الدنيا تغيرت والزمان تبدل .. هذا زمن الشطار و خالي واحد منهم،
ـ ماذا تقصد ؟
ـ لا جدوى من الكلام .. دعينا منهم.
ثم التفت إلى أخته وقال مداعباً :
ـ وأنت يا نعيمة. ما هي أخبارك ؟ لقد كبرت يا ملعونة .أ صحيح ما سمعته من الأولاد ؟
سألت أمه : ماذا سمعت ؟
ـ يقولون .. جاءها عريس. هل هذا الخبر صحيح ؟ ولماذا لم أعرف بهذا الأمر من قبل ؟
انطفأت ابتسامة الفتاة واكفهر وجهها. هبت واقفة وغادرت الغرفة. فالتفت إلى أمه وسألها :
ـ هيا .. قولي أنت. ما هذه القصة التي سمعت بها من الصغار؟ من هو العريس؟
ومن جاء به ؟
ـ لا عروس ولا عريس. لا تشغل بالك. حكاية عابرة راحت وانتهت.
سأل بلهجة حادة :
ـ قلت إنها انتهت، المسألة جد إذاً ؟
سكتت برهة، ثم قالت :
ـ لا جد ولا جدة.
ـ أريد أن أعرف الحقيقة.
ـ نعم .. اسمع. منذ أيام جاء خالك ومعه عريس لأختك ..
قاطعها : شاب أم رجل ؟
ـ رجل.
ـ رجل كبير السن.
ـ عمره من عمر خالك تقريباً.
سألها بتهكم : من أين جاء هذا الرجل الذي هو من عمر خالي تقريباً ؟ هل أعرفه ؟ أهو واحد من القرية ؟
ـ لا، إنه من منطقة البوكمال ومقيم في الكويت منذ سنين.
عقّب عبد الله مضيفاً :
ـ عنده سيارة وهو غني. متزوج وله أولاد شباب. . ربما كانوا متزوجين أيضاً.
ـ كيف عرفت ؟
ـ يا أمي .. المسألة لا تحتاج إلى ذكاء، فقد صارت ظاهرة معروفة، وحكاية تتكرر كل يوم. والمؤسف أن المال يعمي البصر والبصيرة. فلا أحد يسأل عن الأصل والفصل، ولا عن السن والشكل.
ـ أبداً .. ليس الكل، أنا لم أوافق عليه وقلت .. الكلمة لأخويها الغائبين.
ـ وكيف كان موقف خالي ؟
ـ غضب قليلاً وقال : أنا خالها وكبير العائلة وليس لي كلمة! ثم تراجع وقال : ننتظر حتى يأتي أحدهما. و ها قد جئت، وأعتقد أنه سيأتي إليك، أو يرسل في طلبك، ويعرض الأمر عليك.
ـ وأنت .. ما هو رأيك ؟
ـ الرأي لك، أنت رجل البيت. إلا أنني غير مطمئنة ولا أشعر بالارتياح.
ـ وهي .. ؟
سألته : من ؟ نعيمة ؟
رفعت يدها وقالت بنبرة قاطعة : لا تريده.
ثم أضافت :
ـ دع عنك هذه الأمور، و لنضع حداً للحديث في هذه المسائل .. يحلها من لا تغمض له عين .
..............
مساء .. جاء خاله وبرفقته ابنه فواز.
أوقف سيارة ( البك أب ) التي اشتراها في مطلع الموسم أمام بيتهم، وبادر عبد الله الذي خرج لملاقاته معاتباً :
ـ يا ناكر الجميل .. من أول النهار هنا، ولا تقول أرى خالي وأسلم عليه ! على الأقل كنت ترسل من يبلغني بمجيئك !.
بدا لطيفاً ودوداً، أو هكذا يظن من يراه ويسمع عتابه. عانق عبد الله وشدً على يده .. وكذلك فعل فواز.
قال عبد الله :
ـ العفو يا خال .. لم أصل إلا منذ ساعات قليلة، والدار لم يفرغ من الضيوف والزوار.
كان رجب الصالح طويل القامة عريض الصدر ممتلئ الوجه والجسم. تضفي عليه ثيابه الريفية التقليدية هيبة توحي بأنه واحد من شيوخ العشائر. يتمتع بقدر من الذكاء والدهاء، وطلاوة الحديث، وحلاوة اللسان .. كان واثقاً من نفسه، معتداً بها. وقد اكتسب هذه الصفات عندما تطورت أحواله المادية، وتعددت علاقاته مع أشخاص لهم مكانتهم الوظيفية والاجتماعية، وبعد أن صار عضوا ً في مجلس المحافظة، ورئيس الجمعية الفلاحية، وقبل أن يرشح نفسه إلى مجلس الشعب .
يكنّ له أهل القرية الاحترام والتقدير حيناً، ويدارونه أحياناً، ويعرضون عليه مشكلاتهم فيتوسط لهم عند ذوي الشأن والنفوذ من أصدقائه ومعارفه .. أولئك الذين يترددون على بيته أيام الجمع والأعياد، بسياراتهم أو سيارات دوائرهم، فيذبح الذبائح ويقيم لهم الولائم. و يدعو وجهاء القرية ليروا بأعينهم ضيوفه الذين هم من علية القوم في نظرهم.
كلّمه خاله عند عتبة الباب، وقد وقفت أمه إلى جانبه ترحب بأخيها وتلح عليه أن يدخل. إلا أنه لم يفعل، لأنه على عجلة من أمره كما يقول. كانت تريد أن تطوي صفحة الماضي وتفتح صفحة جديدة، وتودّ أن تتحسن العلاقات بينهما. وقد سرّها مجيئه إلى بيتها، ونسيت أو تناست في تلك اللحظة آلام الماضي وما أوقعه بهم من عسف وضيق.
وقبل أن ينصرف التفت إلى عبد الله، وسأله :
ـ إجازة ؟ طويلة أم قصيرة ؟
ـ طويلة جداً.
نظر خاله إليه مستوضحاً فقال :
ـ انتهت خدمتي الإلزامية.
تبدلت ملامح رجب الصالح، وقال وقد تغيرت نبرة صوته :
ـ إذاً جئت لتبقى ؟
ـ نعم.
سأله بجفاء :
ـ تبقى هنا ! في القرية ؟
ـ نعم .. في القرية. ما الغريب في الأمر ؟
أدرك رجب الصالح أنه قد جار عليه بكلامه فغير لهجته وقال :
ـ لا .. لا غرابة. إنما ماذا تعمل في القرية ؟ أقصد ماذا تشتغل ؟
ـ في الأرض.
قطب الخال جبينه وقال باستغراب :
ـ في الأرض ؟ فلاح ؟ أنت تعمل فلاحاً ! أما نسيت أمور الزرع والقلع والقطاف والحصاد، واعتدت حياة نظيفة في الجيش ؟ مالك وللشقاء ؟ دع الهم لأهله وابحث عن مستقبلك في وظيفة أو مهنة أخرى.
لم تغب على عبد الله نواياه .. لا يريده قريباً منه، ولا يريد أن يثير قضية الأرض وحق أمه فيها. تمنى لو أنه ظل في الجيش أو طالت خدمته إلى أمد بعيد.
أما وقد عاد فقد لاحت في الأفق غيوم ماطرة في غير أوانها. و الغيوم الماطرة في غير أوانها كارثة وبلاء على من قصّر أو تأخر في الزرع أو الحصاد .
قال عبد الله : كما تقول أمي .. يحلها من لا تغمض له عين.
أضاف خاله معقباً :
ـ أما كان من الأفضل لك لو أنك تطوعت في الجيش ؟ على أية حال الحديث طويل و هناك موضوع بيني وبينك. تعال إلينا غداً .. لا تنس .. أنا بانتظارك.
أقلعت السيارة مسرعة، وأثارت عجلاتها غبار الطريق فحجبها عن عينيه رغم نور المصباح الكهربائي المتدلي.
سعل عبد الله وسعلت أمه مسرعة إلى الداخل. وقبل أن يغلق الباب همس بمرارة : كيف أنسى ! وهل هذا أمر ينسى ؟ !