١

9 0 00

١

فلمَّا كانت الليلة التاسعة بعد الألف أفاق شهريار من نومه مذعورًا، وجعل يتسمَّع لعله يجدُ ذلك الصوت الذي أيقظه، فلم يسمع شيئًا، وجعل يمدُّ يده عن يمينٍ ويمدُّ يده عن شمالٍ ليتبيَّن أَيُنكر من مضجعه شيئًا، فلم يُنكر شيئًا، ثم استوى جالسًا في سريره، وجعل يُدير رأسه عن يمين وعن شمال ويمد بصره في الظلمة المتكاثفة من حوله كما يمد سمعه في الصمت المنعقد في غرفته، فلا يقع بصره على شيء، ولا ينتهي سمعه إلى شيء، ولا تصل نفسه إلى شيء، فلم يشك في أن طائفًا قد ألمَّ به أثناء النوم فرده إلى اليقظة ردًّا لم يخلُ من بعض العنف، وما أكثر ما تهيم في ظلمات الليل هذه الأرواح المشرَّدة التي تنطق في لغاتها الخفية بألفاظ تصل إلى نفوس الرقود أحيانًا كما تصل إلى نفوس الأيقاظ أحيانًا أخرى، فيفهمون عنها مرة ويخطئون الفهم مرات، ويكون لهذه الألفاظ الغريبة المبهمة في حياة الناس آثار غريبة مختلطة؛ منها الخير ومنها الشر، ومهما يكن من شيء فقد عاد شهريار إلى نفسه وارتسمت على ثغره ابتسامة سريعة لم تلبث أن مرت كأنها البرق، وثارت في نفسه عاطفة ضئيلة ولكنها حادة، فيها شيء من حسرة، وفيها شيء من يأس، وفيها شيء من حزن على عهد قد انقضى وليس إلى رجوعه من سبيل.

ثم ثاب إلى الملك رشده فتمكن في مضجعه وأغمض عينيه وضم يديه إلى صدره ودعا النوم إلى نفسه دعاء قويًّا، وكأن النوم كان ينتظر أن يبلغه هذا الدعاء، فما أسرع ما مد ذراعيه فطوَّق بهما عنق الملك الحزين في كثير من الرأفة والرحمة والحنان، وإذا الملك ينسى نفسه ويُمعن في هذا الرقاد الحلو الهادئ المطمئن، ولم يدرك الملك أطال هذا الرقاد أم قَصُرَ، ولكنه أفاق مرة أخرى مذعورًا ومد بصره في الظلمة المتكاثفة، ومد سمعه في الصمت المنعقد، وتحسس بيديه عن يمين وشمال، فلما لم يرَ شيئًا، ولم يسمع شيئًا، ولم ينكر شيئًا؛ أنكر نفسه كلها، ونهض من مضجعه متثاقلًا، فجعل يمشي في غرفته على غير هدى، حتى انتهى إلى نافذة من نوافذ الغرفة ففتحها، وكان ذلك إذنًا لضوء القمر في أن ينسلَّ في هذه الغرفة، ولكنه لم ينسلَّ، وإنما اندفع إلى الغرفة اندفاعًا أضاء له كل ما في الغرفة من فضاء ومن أثاث. هنالك أدار الملك بصره في الغرفة فلم ينكر من أمرها شيئًا، ثم أشرف من النافذة فاستنشق الهواء الطلق، ومد بصره في الفضاء العريض المنبسط أمامه، فلم يرَ إلا هذه الأشجار الباسقة الشاهقة في السماء، وقد لبست من ضوء القمر أردية نقية ناصعة، وامتدت غصونها تضطرب في الهواء اضطرابًا خفيفًا، كأنها ترغِّب في النوم هذه الطير التي أوت إليها حين ولى النهار، وكأن هذه الطير قد سكنت إلى حركاتها الخفيفة المنتظمة فنامت مطمئنة وادعة، لولا أحلام خفيفة خفية كانت تمر بنفوسها الضئيلة الوادعة، فتبعث من أفواهها أصواتًا قصيرة حلوة، وتبعث في أجنحتها خفقات يسيرة لا تكاد تبدأ حتى تنقطع، وقد أطال شهريار وقوفه أمام هذه النافذة مادًّا بصره في هذا الفضاء العريض، ومادًّا سمعه في هذا الصمت الجاثم عليه، وممتعًا نفسه بهذا الضوء الرقيق الذي يترقرق بينهما، وبهذه الأصوات الرشيقة التي تبلغه من حين إلى حين، حتى إذا ثاب إليه الهدوء، وامتلأ قلبه سكينة، وآنست نفسه أمنًا ودعة تراجع متثاقلًا، ولكنه لم يذهب إلى مضجعه، وإنما ذهب إلى مجلس من مجالسه في الغرفة، فترامى عليه متهالكًا، وقد أزمع أن ينتظر مطلع الصبح يقظان؛ فقد كره مضجعه، وكره النوم، وكره هذا الطائف الذي أخذ يزعجه منذ الليلة.

ولكنه لم يكاد يطمئن في مجلسه حتى غاب عن نفسه، أو غابت عنه نفسه، وكأن النوم كان ينتظره خلف هذا المجلس، فلم يكد يستقر فيه حتى مد إليه ذراعيه فطوق بهما عنقه في رأفة ورحمة وحنان، وإذا هو مغرق في رقاد عميق لذيذ لا يدري الملك أطال أم قَصُرَ، ولكنه أفاق مذعورًا للمرة الثالثة، فمد بصره ومد سمعه، ثم لم يلبث أن ضرب إحدى يديه بالأخرى، ففتح الباب، وأسرع الحرس وفي أيديهم المصابيح، قال الملك: «هل أنكرتم شيئًا؟» قال قائد الحرس: «لم ننكر شيئًا يا مولاي.» قال الملك في صوت فاتر متكسر: «هذا غريب! إني لمؤرق منذ الليلة.»

ثم نهض ومضى متثاقلًا حتى خرج من غرفته والحرس يتقدمونه ويتبعونه، وهو يسعى هادئًا لا يقول شيئًا ولا يلتفت إلى شيء، حتى بلغ ذلك الجناح من القصر حيث كانت غرفات الملكة، فمضى أمامه وعاد حراسه إلى أماكنهم، وانتهى شهريار إلى غرفة الملكة، فدخل دون أن يلتفت إلى هؤلاء الأحراس الذين أدهشهم مقدم الملك في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكنهم لم يقولوا شيئًا، وما كان لهم أن يقولوا شيئًا، وأكبر الظن أن شيئًا من العجب قد ظهر على وجوههم، وفي النظرات القصيرة السريعة التي كانوا يتراشقون بها ويختلسونها إلى الملك اختلاسًا.

وأغلق الملك من ورائه باب الغرفة في رفق شديد، وسعى في هدوء أيِّ هدوء إلى سرير الملكة يمشي على أطراف قدميه، فلما بلغه نظر إلى الملكة نظرة طويلة؛ فإذا هي مغرقة في نوم حلو، واستمع إلى تنفسها فإذا هو منتظم هادئ، وإذا الملكة لم تحس شيئًا ولم تشعر بمقدم هذا الشخص الذي انسلَّ إلى غرفتها في رفق كما تنسلُّ الأفعى، على غير ما جرت به تقاليد القصر، ثم تراجع الملك شيئًا حتى انتهى إلى مجلس من مجالس الغرفة، فأهوى إليه رفيقًا حريصًا على ألا يُحْدِثَ حسًّا ما، وعلى ألا يزعج الملكة عن نومها، فلما اطمأن به مجلسه أطرق كأنما ينتظر شيئًا، ولكن انتظاره لم يكن طويلًا؛ فهذا صوت شهرزاد يبلغ أذنيه فيملؤه رعبًا وفرقًا ويكاد يخرجه عن طوره، لولا أنه يذكر شيئًا فيثوب إلى نفسه في اللحظة الأخيرة ويطمئن في مجلسه مادًّا عينيه في الفضاء مصغيًا إلى هذا الصوت الذي يسعى إليه من قبل شهرزاد صافيًا نقيًّا، كأنه صوت ذلك الغدير الذي أحب الملك أن يجلس إليه حين تؤذن الشمس بالغروب، فيسمع إلى غنائه العذب وهو يداعب الحصى، وكأنما أسكره هذا العرف الذي تهديه إليه من شاطئيه جميعًا أنفاس الورد والنرجس والياسمين.