٣
فلما كانت الليلة العاشرة بعد الألف أنفق الملك شطرًا من الليل بين وزرائه وندمائه، يخوض معهم في ألوان من الحديث، ويجاذبهم أطرافًا من اللهو، ثم صرفهم حين تقدم الليل كعادته، وخلا إلى الملكة بعد ذلك فقضى معها شطرًا آخر من الليل، ذاق فيه من النعيم ما شاء حبه لشهرزاد وما شاءت قدرة شهرزاد على فتنة المحبين وإمتاعهم بنعماء الحب وبأسائه جميعًا.
ثم افترق العاشقان بعد أن كاد الليل يبلغ ثلثيه، وثاب الملك إلى غرفته، ولكنه لم يأو إلى سريره، وإنما لبث ساعة يتردد أينكر ما كان في الليلة البارحة ويقبل على النوم كأن لم يكن شيء وكأن لم يرَ شيئًا، أم ينتظر حتى إذا استيقن أن شهرزاد قد اشتمل عليها الرقاد سعى إلى غرفتها واتخذ من سريرها مجلسه ذاك، لعله يسمع منها تتمة ذلك الحديث، وكان إلى تتمة ذلك الحديث مشوقًا أشد الشوق، وكان في الوقت نفسه عظيم الشك في أن تستقيم له الأمور من ليلته هذه كما استقامت له من ليلته تلك.
وإنه لفي هذا التردد لا يدري أيُقدم أم يحجم، وإذا النوم يأخذه في مجلسه وقتًا لا يدري أكان طويلًا أم قصيرًا، ولكنه يسمع في آخره طائفه ذاك يقول بصوته الهادئ المطمئن: «لن يُهلِك الإنسان إلا إسرافه على نفسه بالشك والارتياب. إن كنت في حاجة إلى أن تسمع حديث شهرزاد، فأسرع إلى مجلسك من سريرها، فقد آن لها أن تأخذ في الحديث، وما أراك تحب أن تقص بقية خبرها على غرفتها تلك وما فيها من الأثاث.»
هنالك أفاق شهريار مرتاعًا مذعورًا، ولكنه لم يفكر في شيء ولم يسأل نفسه ولا حرسه عن شيء، وإنما انسلَّ مسرعًا حتى دخل غرفة الملكة واطمأن في مجلسه غير بعيد من تلك النائمة الهائمة التي لم يصدر عنها ما يدل على أنها قد أحست مَقدَمه، ولم يمض غير قليل من الوقت حتى انتهت إلى سمعه تلك النغمات الحلوة الرشيقة الأنيقة تحمل إليه صوت شهرزاد وهي تقول: «بلغني أيها الملك السعيد أن الملك طهمان بن زهمان قال لابنته فاتنة وهو يحاورها: إنني قد علمت الآن ما يملأ نفسي قلقًا وخوفًا على قلة ما يعتادني القلق ويبلغني الخوف.»
قالت فاتنة وقد ترددت في عينيها دموع حائرة تدفعها الرحمة لأبيها ويمسكها الإشفاق عليه، أن يزداد حزنًا إلى حزن واكتئابًا إلى اكتئاب: «ويحي عليك يا أبت! ما عرفتك قبل اليوم حافلًا بالقلق أو معنيًّا بالخوف، وما أرى إلا أنك تفكر في ابنتك فتكثر التفكير، ويسوءك أنك حين تفارق هذه الحياة لن تترك لها أخًا ولا نصيرًا، ولكني أحب أن تطيب نفسًا وتقر عينًا؛ فإن ابنتك قد تعلمت منك كيف تواجه الحياة وتثبت لخطوبها وتنفذ من مشكلاتها، وإني منبئتك الآن بما يثير في نفسك القلق ويبعث في قلبك الخوف.» قال أبوها: «وما أنت وذاك يا ابنتي! ومن أين لك العلم بما لم ترتفع به الأنباء إلا إليَّ! ولم ترتفع به الأنباء إليَّ إلا الساعة قبل أن ألقاك بلحظات!» قالت فاتنة: «فاسمع مني قبل كل شيء، فإن يكن ما أنبئك به صحيحًا كان ذلك خليقًا أن يرد الراحة إلى نفسك والأمن إلى قلبك، وإن يكن ذلك غير صحيح رددتني إلى الصواب ووجهتني من أمري حيث تحب، فلن أعصي لك أمرًا، ولن أرد عليك قولًا.» قال الملك: «فهات ما عندك يا ابنتي.»
قالت فاتنة: «لقد ارتفعت إليك الأنباء الساعة بأن هؤلاء الخاطبين الخائبين من ملوك الجن في البر والبحر والجو، قد ساءتهم الخيبة وأسخطهم ردِّي لهم وإعراضي عنهم، ووقع في نفوسهم أني أزدريهم ولا أقدر مراتبهم حق قدرها، فاستحال حبهم لي بغضًا وتنافسهم فيَّ تظاهُرًا عليَّ، وقد سعى بينهم السفراء، ثم كان بينهم الاتفاق، فأجمعوا رأيهم على أن ينتظروا بك ما بقي من عمرك، وهم يرونه قصيرًا وأراه طويلًا، وقد أزمعوا إذا تركتَ هذه الحياة أن ينصبوا لي الحرب مؤتلفين لا مختلفين، ومتظاهرين لا متدابرين، وألا يكفوا عن هذه الحرب حتى يدمروا ملكي تدميرًا، وأيهم ظفر بي فأنا أسيرته، يمسكني في قصره كما تُمسَك الإماء؛ لا يكرمني بالزواج ولا يؤثرني بالحب، وإنما يصبُّ عليَّ من العذاب ألوانًا ويسومني من الضيم فنونًا، وقد تقاسموا على ذلك بأغلظ الأيمان وأشدها إحراجًا، وكتبوا بذلك وثيقة أودعوها مكانًا أمينًا حصينًا، هناك في قاع البحر المحيط وراء أعمدة هرقل، وإني لأنظر إلى صحيفتهم هذه كما أنظر إلى وجهك الآن، وإني لأقرأ ما كتب فيها كما أتبين ملامح وجهك، وإني لقادرة — إن شئت — على أن آتيك بها قبل أن تقوم من مقامك، ولكن على أن تأخذها بيدك وتقرأها، ثم تعيدها إليَّ لأردها إلى مكانها؛ فقد سبق القضاء بأحداث لا بد أن تقع، وجرى القدر بأمور لا بد من أن تكون.»
قال الملك وقد اضطرب اضطرابًا شديدًا، وظهرت على وجهه أمارات الرضا والدهش جميعًا: «قد كنت أعلم يا ابنتي أن لك كما لأترابك من بنات الجن علمًا بالسحر ونفاذًا فيه وتصرفًا في دقائقه، وكنت أعلم أنك قد تفوقت عليهن في ذلك تفوقًا ظاهرًا كما تفوقت عليهن في كل شيء، ولكني لم أكن أقدر أنك قد بلغت من ذلك هذا المبلغ الذي أراه! فمن أين لك يا ابنتي هذا العلم؟ وكيف انتهيت من السحر إلى هذه المنزلة التي لم يبلغها قط أحد من فتياننا ولا من فتياتنا؟» قالت: «ذلك خليق أن يرد نفسك إلى الراحة وقلبك إلى الاطمئنان، فلا تحسب لما دبَّر هؤلاء الملوك حسابًا، ولا تخشَ عليَّ منهم غائلة.» قال الملك: «هو ذاك يا ابنتي، ولكني أريد أن أعرف كيف انتهيت إلى هذه المنزلة من العلم بالسحر والنفوذ إلى أسرار الكون؟» قالت فاتنة: «إنما انتهيت إلى هذه المنزلة لأني صرفت عن هذه الحياة الباطلة التي يحياها بنات الملوك في ظل آبائهن ناعمات بالعيش الرخيِّ، طامعات فيما تتكشف لهن عنه الأيام، مفكرات فيمن يسعى إليهن محبًّا أو متملقًا أو خاطبًا. صرفت عن هذا كله وعن أشباهه إلى النظر في حكمة الأولين والمحدثين، وإلى كثير من التجربة والاختبار، ما أعرف أن أحدًا عُنِي بمثلها، ولكن أتريد أن تنظر في صحيفة هؤلاء الملوك؟» قال الملك: «وإنك لقادرة على أن تأتي بها؟» قالت فاتنة: «قبل أن يرتد إليك طرفك.» ثم مدت يدها في الهواء وردتها فإذا فيها علبة صغيرة مربعة من معدن تحمل أختامًا كثيرة، فوضعتها بين يدي الملك، ثم أشارت إليها فإذا هي تفتح دون أن تمس أختامها بفساد ما، ثم تخرج منها قطعة رقيقة من رصاص فتدفعها إلى الملك، وينظر فيها ثم يردها إليها وقد بلغ منه الدهش مبلغه وانتهى السرور به إلى أقصاه، وهو يقول لابنته: «لا بأس عليك من هؤلاء الملوك مهما يدبروا ويقدروا، فما أرى إلا أنك ستردين كيدهم في نحورهم وستلقينهم بشرِّ مما يلقونك به.»
قالت وقد ردت الصحيفة إلى مكانها من العلبة، وأشارت إليها فعادت كهيئتها حين جاءت بها، ثم أخذتها ومدت يدها بها في الفضاء ثم ردت يدها فارغة كأن لم تمسك شيئًا قالت: «ولأريَنَّك من أمرهم ما تحب وما يكرهون.» قال الملك: «وما ذاك يا ابنتي؟» قالت: «إنهم يأتمرون بهذا المُلك ليدمروه، وبصاحبته ليستذلوها، وهم من أجل ذلك يهيئون للحرب ويجهزون لها جهازًا لم يجهزه أحد من قبل؛ فإن الحرب لا يقتلها إلا الحرب، وإن الكيد لا يفسده إلا الكيد، وإن الحديد لا يفله إلا الحديد كما يقول هؤلاء الجيل من الناس الذين يعيشون حولنا فيما يقولون من حماقاتهم.» قال الملك: «وإنك إذًا لتريدين أن تسبقيهم إلى الحرب، وما أنت وذاك وهم متفوقون في أقطار الأرض والبحر والجو، ولا قِبَل لك بغزوهم جميعًا في مستقرهم؟» قالت: «لن أغزو أحدًا في مستقره، ولكني سأغزوهم حول هذه المدينة. سأثيرهم إلى الحرب، حتى إذا ثاروا إليها واندفعوا فيها وألقوا بكل ما أعدوا من عدة وما حشدوا من جند، رأيت كيف يكون إفناء القوة، وكيف يكون دحر الأعداء.»
وهمَّ الملك أن يتكلم، ولكن فاتنة لم تمهله، وإنما قالت: «هوِّن عليك، فلن أعلن على أحد حربًا، بل لن أسوء أحدًا منهم، ولكني معلنة إليهم جميعًا أني قد أزمعت أن أتخذ لي من بينهم زوجًا، وأني مختارة من بينهم من استطاع أن يقهر هذه المدينة بما عنده من عدة وعدد، فستراهم يومئذ وقد جمعوا جموعهم وحشدوا قواهم وأقبلوا يريدون أن يدكوا هذا الملك دكًّا، منهم من لا يريد إلا النصر الذي يتيح له الظفر بي، ومنهم من يريد أبعد من ذلك وأنأى مَرامًا، يريد التدمير الذي لا تدمير بعده ليخلص من قوة طالما فكر في أن يخلص منها.» قال الملك: «وإنك لفاعلة هذا؟» قالت: «ما أريد أن تفارقني وفي نفسك ظل من خوف عليَّ أو إشفاق مما قد يدبر هؤلاء الملوك لي من كيد.»
ثم أشارت بيدها إشارة خفيفة، فما أسرع ما فتحت الأبواب، وأقبل الوزراء ورجال القصر، فأعلنت إلى أبيها بين أيديهم أنها قد غيرت من رأيها، وعدلت عن سيرتها الأولى، وفكرت في أن تتخذ لنفسها زوجًا، ولكنها لا تريد أن يكون زوجها ضعيفًا أو متسلطًا على دولة ضعيفة؛ إنما تريد أن تقترن بأقوى ملوك الجن قوة، وأشدهم أيدًا، وأعظمهم بأسًا، وأبعدهم صوتًا، وتريد أن تختبر ذلك بنفسها، وأي ملوك الجن استطاع أن يقهر مدينتنا هذه ويدخلها عَنْوَةً، فأنا له زوج وملكي لملكه تبع.
وقد اضطربت نفوس الوزراء ورجال القصر لهذا الحديث حين سمعوه؛ فقد رأوا أهوال الحرب تصب على بلادهم صبًّا، وأشفقوا مما تجره الحرب عليهم وعلى الرعية من مكروه، وهمَّ غير واحد منهم أن يراجع الأميرة فيما قالت، ولكنها أشارت إشارة خفيفة فانعقدت الألسنة وغضت الأبصار، وانحنت الرءوس، وخرج رجال القصر وقد أذعنوا للأمر، وقال وزير الملك: إنه مبلغٌ تحدي الأميرة لملوك الجن جميعًا من فوره، وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.
وعاد شهريار إلى غرفته ناعم البال بما سمع، ولكنه كان مضطرب النفس أشد الاضطراب، فلم يكن شهريار كعهد الناس به حين كانت تقص عليه أحاديث «ألف ليلة وليلة» ثائر النفس، جامح الشهوة، سيئ الظن بالمرأة، مستجيبًا لغرائزه حين تدعوه إلى ما تدعوه إليه من الخير والشر، إلا أن يلهى عنها بفنون الحديث، وإنما كان رجلًا آخر قد خلقته شهرزاد خلقًا جديدًا.
كان كثير التفكير متصل التروية، لا يرى شيئًا إلا اجتهد في أن يعرف مصدره وغايته، ولا يسمع شيئًا إلا جدَّ في أن يفهم ظاهره وتأويله، وكان هذا الجهد العقلي الطارئ عليه يعنيه أول الأمر، ولكنه اتصل حتى أصبح عادة لشهريار، وإذا هو مفكر دائمًا، مقدر دائمًا، منفق وقته وجهده في التحليل والتعليل، لا ينصرف عن ذلك إلا حين تشغله شهرزاد بجدها قليلًا وبدعابتها كثيرًا، وفي الحق أن شهرزاد لم تكن تشغله عن التفكير، وإنما كانت تريحه منه وقتًا ما، حتى إذا انصرفت عنه ردته إلى التفكير، وإلى التفكير الذي يزداد شدة وعنفًا كلما لقي شهرزاد وانصرف، وقد تركت في نفسه وأمام عقله من الألغاز والأسرار ما يكلفه الجهد المضني دون أن ينفذ إلى أعماقه.
وكان أمر شهريار قد شق على الناس جميعًا؛ فوزراؤه ورجال حاشيته قد أنكروا منه هذا الهدوء الذي لا عهد لهم به، وهذه الدقة في القول والعمل جميعًا، وهذه الدقة فيما كان يوجه إليهم من حديث، وقلة الرضا بما كانوا يقدمون إليه من رد؛ لأنه كان يريدهم على أن يصطنعوا الدقة كما يصطنعها، ويمعنوا في التفكير كما يمعن فيه.
وإنما كانت شهرزاد وحدها هي التي لم تنكر من الملك شيئًا، ولم ينكر منها الملك شيئًا. كانت تلقى هدوءه بهدوء مثله وتفكيره بتفكير أشد منه تعمقًا، وكانت تسمع أحاديثه الدقيقة فترد عليه بأحاديث أشد منها دقة، حتى استعجمت أحاديثهما أو كادت تستعجم على الذين كانوا يحضرون مجالسهما من أهل القصر ورجال الدولة، وقد شاع بين أولئك وهؤلاء أن طائفًا غريبًا قد ألمَّ بالقصر فأفسد على هذين العاشقين أمرهما، فهما يقولان ما لا يُفهم، ويتناجيان بما لا يُدرك، والغريب أن الملكة تفهم عن زوجها كل ما يقول، وأن الملك لا يفهم عنها إلا قليلًا! تلك كانت حال شهريار، فليس غريبًا إذًا أن يعود إلى غرفته بعد أن أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح، هادئًا مضطربًا معًا، تجيش في رأسه خواطر غريبة عن حديث فاتنة هذا الذي استأنفته شهرزاد منذ ليلتين.
وقد كان شهريار فيما مضى يسمع قصص شهرزاد فيفهمه ويرضى عنه ويلهو بظاهره، لا يتكلف له تأويلًا ولا تعليلًا، ولا يلتمس لألفاظه الواضحة السهلة معاني ملتوية معقدة، ولكنه الآن يسأل عن فاتنة هذه من تكون وما تكون؟ وهل هناك سبب بينها وبين شهرزاد؟ وهل هناك صلة بين قوتها الجامحة الثائرة وبين هذه القوة الهائلة التي تتسلط بها شهرزاد على كل من دنا منها أو نأى عنها؟ وهل هناك صلة بين ازدراء فاتنة لملوك الجن وازدراء شهرزاد لملوك الإنس، فما من شك في أن شهرزاد لا تزدري ملوك الإنس وحدهم، ولكنها تزدري الملوك والرعية جميعًا، وما من شك في أن شهرزاد تزدري شهريار نفسه، وإلا لتلقته بنفس مشرقة مسفرة، ولجنبته هذه السيرة الغامضة وهذه الأحاديث الملتوية.
وهنا كان الدم يغلي في عروق شهريار، وتعود إليه غريزته الأولى عنيفة طاغية، فينهض واقفًا وقد جاشت في نفسه عواطفه الثائرة، واضطربت في رأسه خواطره الحمراء، ولكنه لا يلبث أن تتمثل له ابتسامة حلوة أهدتها إليه شهرزاد في بعض الحديث، أو دعابة ظريفة ساقتها إليه شهرزاد في ساعة من ساعات اللهو، أو نظرة رحيمة نظرتها إليه شهرزاد في لحظة من لحظات الحنان، وإذا هو يثوب إلى نفسه هادئًا وادعًا كأنه الطفل، نادمًا على ما قدم من سوء الظن بهذه التي لا ينبغي أن تساء بها الظنون.
وكذلك أنفق الملك السعيد بقية ليله شقيًّا محزونًا مضطرب النفس مختلط الأمر، لا يستقر في مجلسه إلا لينهض منه ويمضي في غرفته ذاهبا آئبًا، وربما أشرف من النافذة فملأ صدره من نسيم الليل بما يحمل من عطر رطب لذيذ، وملأ عينيه من ظلمة الليل بما يضطرب فيها من ضوء ضئيل نحيل، ولكن الشيء المحقق أنه لم يأوِ إلى سريره ولم يفكر في أن يأوي إليه، إنما قضى بقية ليله سائرًا حائرًا، وكان خليقًا أن يقضيها هادئًا راضيًا بعد ما سمع من قصص شهرزاد، وقد كان يسأل نفسه عن مصدر هذه الحيرة وعن علة هذا السهاد، وكان يقدر أنه يجد في قصص شهرزاد ما كان في حاجة إليه من نسيان نفسه ونسيان الناس والتجرد من هذا العالم الثقيل عليه البغيض إليه، كما كان ذلك شأنه حين كانت شهرزاد تمتعه بقصصها اليقظان، فأما هذا القصص النائم فإنه لا ينقع له غلة ولا يشفي له صدى، وإنما يزيده ظمأ إلى ظمأ وتحرقًا إلى تحرق؛ فهو أشبه شيء بهذه الأشربة الحادة التي يظمأ إليها الراغبون في السكر، يظنون أنها ستبرد أكبادهم وتطفئ ما في أحشائهم من لهب، ولكنهم لا يتجرعون كئوسها حتى تزداد أكبادهم احتراقًا ويزداد اللهب في أجوافهم تلظيًا واضطرامًا، فهم يتداوون منها بها؛ كما يقول الأعشى، ويتخذون داءها دواء؛ كما يقول أبو نواس، ولو قد استطاع شهريار أن يجعل ليل شهرزاد كله حلمًا ينطق بهذا الحديث العذب والقصص الجميل لفعل، ولكن من له بذلك وقد قدرت له أحلام صاحبته تقديرًا، وقطرت له أحاديثها تقطيرًا؛ فهي تبدأ في موعد موقوت لا تستطيع أن تسبقه، وتنتهي عند أجل محدود لا تستطيع أن تتجاوزه، وقد كان قادرًا على أن يستزيد شهرزاد حين كانت تحدثه مستيقظة، وكان قادرًا أن يستوضحها إن أشكل عليه بعض الحديث، فأما الآن فهو لا يستطيع أن يستزيدها ولا أن يستوضحها؛ لأنها لا تعرف أنها تقص عليه شيئًا، ولا تعقل مما تقص عليه شيئًا. بل هو لا يستطيع أن يشير إلى هذه الأحاديث التي تلقيها إليه أحلام شهرزاد، فقد قال له طائفه فيما قال: «احذر أن تنبهها من قريب أو بعيد إلى هذا القصص؛ فإنك إن تفعل لم تزد على أن ترد عنها الأحلام وتحرم نفسك ما بقي لها من هذه اللذة المختلسة.»
وكان الضيق قد بلغ بشهريار غايته حين بلغت أذنيه أصوات الطير المستيقظة وهي تستقبل النهار فرحة مرحة، وتتلقى ضوء الشمس مبتهجة به أعظم الابتهاج نشيطة له أشد النشاط، وقد وقعت هذه الأصوات العذبة المختلفة من نفس الملك أحسن وقع، فثاب إلى قلبه المذعور شيء من أمن وإلى نفسه اليائسة شيء من رجاء، وإذا هو يجد حاجة قوية إلى أن يغتدي مع الطير، ويسلم نفسه إلى هذه الطبيعة الحرة المرحة المبتهجة، فيفنى فيها ويصبح جزءًا من أجزائها وعنصرًا من عناصرها ساعة أو ساعات، وها هو ذا يسعى إلى طنف من أطناف الغرفة، فيشرف منه على هذه الجنة المطيفة بالقصر، والتي لا يبلغ الطرف أرجاءها مهما يمتد ومن أي ناحية يمتد، وإذا هو يفتح صدره للنسيم العذب، وعينه للضوء المشرق، وسمعه للأصوات التي يتغنى بها الفضاء العريض، وإذا هو ينسى نفسه أو يكاد ينساها، لا يكاد يشعر إلا بأنه يخطو خطوات متثاقلة يتبع بعضها بعضًا في أناة وبطء، وقد ذهل عما حوله وذهل عنه ما حوله، وهو يهبط درجات السلم رزينًا متثاقلًا يكاد يترنح ترنح الثمل السكران، وهو يسعى لا يكاد يحس خطاه لأن قدميه لا تمسان الأرض، وإنما تتنقلان على هذا البساط الكثيف الذي نسجته الطبيعة ونسجه معها البستانيون من سندس العشب، وما يزال كذلك يسعى أمامه لا يُلَوِّي على شيء حتى يحس في مثل الحلم كأنه ينعطف عن غير إرادة إلى اليمين؛ لأن طريقه كانت تقتضي الانعطاف إلى يمين، فيمضي ويمضي، وهو يحس في نفسه حسرة ضئيلة خفية؛ لأنه لا يستطيع أن يستمتع بما حوله من فنون الزهر والشجر، وقد تعود حين كان يسعى في جنته هذه ألا يتقدم إلا ليتأخر وألا يمضي إلا ليقف، وكانت له وقفات طويلة عند هذه الألوان من الزهر الذي نُسِّق أجمل تنسيق وأروعه، يحدِّق في هذه الزهرة ويمتحن هذا النجم، وربما تحدث إلى هذا البستاني أو ذاك سائلًا حينًا وآمرًا حينًا آخر، ولكنه في هذا اليوم يمضي أمامه لا يُلَوِّي على شيء ولا يفكر في شيء ولا يقف عند شيء.
وليس من المحقق أنه كان يرى هؤلاء البستانيين الذين كانوا ينهضون إذا رأوه مقبلًا من بعيد، فيحيون وينتظرون أن يلقي إليهم السؤال أو يصدر إليهم الأمر، يبتهجون بذلك في دخائل ضمائرهم ويتمنون به الأماني.
ولكن الملك كان يمر بهم ذاهلًا عنهم، أو كان ينظر إليهم نظره إلى التماثيل القائمة التي لم يكن ينتظر أن تسمع منه كلامًا أو ترد عليه رجع حديث، وكان هؤلاء البستانيون يُسْقَطُ في أيديهم إذا مر بهم الملك غافلًا عنهم غير مكترثٍ بهم، فيردون أنفسهم إلى التعزي عن هذه الابتسامة التي كانوا ينتظرونها، وعن هذا الأمل الذي كانوا يداعبونه، ويقول بعضهم لبعض: «ما بال مليكنا كئيبًا محزونًا منذ اليوم؟»
ولكن ملكهم لم يكن كئيبًا ولا محزونًا، وإنما كان نشوان ثملًا قد صرفته الحياة عن الأحياء وصرفته الطبيعة عن الناس والأشياء؛ فهو يمضي أمامهم لا يُلَوِّي على شيء، حتى إذا بلغ من جنته مكانًا بعينه انحرف إلى شماله فمضى في ممر ضيق ضئيل تحف به من جانبيه أشجار ضخام في الفضاء طوال في السماء، قد تضامَّت غصونها واختلطت أوراقها حتى انعقد منها سقف كثيف لا ينفذ منه ضوء الشمس إلا ضئيلًا هزيلًا بعد مشقة شاقة وجهد جهيد، والملك يمضي أمامه في هذا الممر الضيق كأنه النفق، حتى إذا مشى غير قليل انفرجت هذه الشجرات الملتفة المتكاثفة قليلًا قليلًا، حتى جعلت بينها مكانًا رحبًا فسيحًا قد فرش بالعشب المتكاثف، وقامت في أطرافه نجوم وأزهار لاذت بهذه الأشجار الضخام الطوال كأنما تحتمي بضخامتها وطولها من العاديات. هنالك وقف الملك فأطال الوقوف، وتنفس هذا الهواء العذب الرطب فأطال التنفس، ثم جلس على الأرض متهالكًا متثاقلًا، ثم أسلم نفسه إلى ما حوله، فلم يشعر بشيء ولم يحس شيئًا، ولكنه يفيق من نَومه مذعورًا أو كالمذعور؛ فقد سمع صوتًا حلوًا يشبه صوت الماء وهو يتحدر في غديره ذاك بين النرجس والياسمين، لولا أن في هذا الصوت حياة لم يتعود أن يجدها في خرير الغدير، ولولا أن في هذا الصوت تقطعًا وتكسرًا وتهالكًا، لم يتعود أن يجد مثله في تحدر الماء بين النرجس والياسمين، ويفتح الملك عينيه، فيرى فتنة لا تلبث أن تملك عليه سمعه وبصره وقلبه وعقله جميعًا.
هذه شهرزاد قائمة منه غير بعيد، تنظر إليه نظرات فيها الحنان والمكر، وهي مغرقة في ضحك هادئ عذب يرتفع له صدرها وينخفض، ويُغَشِّي وجهها بغشاء من الجمال الرائع ليس إلى تصويره من سبيل، وهذا الملك ينظر إليها مسحورًا مبهورًا، وهي تضحك من ذهوله وحيرته، ولكنه ينهض خفيفًا ويسعى سريعًا، حتى إذا بلغها أو كاد جثَا أمامها غاضًّا بصره إلى الأرض رافعًا يديه إلى السماء كأنه المؤمن الذي يتقرب إلى التمثال، وهي تضع يدها على رأسه ضاحكة كأنها تبارك عليه، ولكنها لا تلبث أن تستحيل إلى حنان خالص، وإذا هي تميل إليه مترفقة فتضع على جبهته قبلة حلوة حارة طويلة، ولو أنها تحدثت في تلك اللحظة لأحس شهريار في صوتها تهدج العبرات التي تريد أن تندفع من العيون، ولكنها الإرادة القوية تمسكها فيظهر أثر هذا الصراع في الصوت المحتبس والألفاظ التي لا تبين، ولكنها لم تقل شيئًا، وإنما استقام قدُّها المعتدل وامتدت يدها الرَّخْصَة إلى الملك فأنهضته صامتة، واستجاب لها الملك صامتًا طيعًا، فمضت به خطوات إلى نشز من الأرض قريب يكسوه العشب فأجلسته وجلست إلى جانبه، وأحاطت عنقه بيدها ثم أمالته في رفق حتى وضعت رأسه على كتفها، وظلت تنظر إليه، وظل ينظر إليها وهما مغرقان في صمت عميق، ثم يسمعها شهريار تتحدث إليه في صوت هادئ وادع وهي تقول له: «ألم يَأْنِ لنا بعدُ أن نهبط من السماء وأن ننزل إلى الأرض فنعيش فيها مع الناس؟»
ولكن شهريار لا يجيبها، وإنما تنحدر من عينيه دمعتان هادئتان تمسحهما شهرزاد في رفق، ثم تنعطف إلى الملك فتقبل جبهته مرة أخرى، ثم تقيمه حتى إذا استوى في مجلسه جعلت تُمِرُّ أصابعها في شعره رفيقة به باسمة له مطيلة النظر إليه صامتة مع ذلك لا تقول شيئًا، وكأن هذا العطف الصامت الحار قد بعث الحياة والنشاط في قلب الملك وجسمه وفي عقل الملك وإرادته؛ فهو يرفع رأسه إلى شهرزاد ويسألها في صوت كأنه يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر الأمر: من أنت؟ وماذا تريدين؟» قالت وقد استردت نشاطها ومرحها وانحسر عنها العطف والحنان كما ينحسر البحر عن الساحل ساعة الجزر وبدت مداعبة شموسًا: «من أنا؟! أنا شهرزاد التي أمتعتك بقصصها أعوامًا لأنها كانت خائفة منك، والتي تمتعك بحبها الآن لأنها واثقة بك مطمئنة إليك، وماذا أريد؟! أريد أن أرى مولاي الملك راضيًا سعيدًا ناعم البال رخيَّ العيش مبتسمًا للحياة كما تبتسم له الحياة.»
ولم يكد شهريار يسمع هذا الصوت الحلو يحمل إليه هذه الألفاظ الساحرة حتى أطرق إلى الأرض غاضًّا بصره متهالكًا، كأنه الطائر القوي، همَّ أن يرتفع في أجواء السماء فأثقلته قوة قاهرة لم يستطع لها مقاومة، فارتد إلى الأرض وجثم عليها مذعنًا مقهورًا، وتدنو منه شهرزاد فتمسح على رأسه وتنظر في وجهه وترسل إليه هذه الابتسامة الغامضة، فيتلقاها مشفقًا مغيظًا في وقت واحد، ثم يظلان على هذا الوضع لحظات، وإذا هو يسألها: «ألا تجلسين!» فتستجيب له كما تستجيب الأمة الخاضعة للسيد المتسلط، فلا يزيده هذا إلا حيرة وغيظًا، وهو يعيد سؤاله في صوته الهادئ الذي كأنه يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر الأمر من أنت؟! وماذا تريدين؟» فتجيبه هذه المرة في صوت جادٍّ فيه كثير من الرحمة والحنان: «من أنا؟! أنا شهرزاد التي أحبتك قبل أن تعرفك كما لم تحب فتاة رجلًا قط، والتي خافتك حين عرفتك خوفًا لم يخفه إنسان إنسانًا قط، والتي زفت إليك تتحدى الموت وتتحدى السلطان وتتحدى الحب والبغض جميعًا، فبلغت من نفسك هذه المنزلة التي تراها أو التي لا تراها، ثم أصبحت الآن وهي لا تفكر إلا فيك ولا تفكر إلا بك ولا تفكر إلا لك. ماذا أريد؟! أريد أن تكون سعيدًا موفورًا، ولكني لا أعرف كيف أجعلك سعيدًا موفورًا. من أنا؟! أنا من تحب أن ترى في أي ساعة من ساعات النهار، وفي أي ساعة من ساعات الليل. أنا أمك حين تحتاج إلى حنان الأم، وأنا أختك حين تحتاج إلى مودة الأخت، وأنا ابنتك حين تحتاج إلى بر البنت، وأنا زوجك حين تحتاج إلى عطف الزوج، وأنا خليلتك حين تحتاج إلى مرح الخليلة، أنا كل هذا، وماذا أريد؟! أريد ما تريده الأم لابنها، وما تريده الأخت لأخيها، وما تريده البنت لأبيها، وما تريده الزوج لزوجها الوفي، وما تريده العشيقة لعشيقها المفتون، وقد سألتني فألحفت عليَّ في السؤال، أفتأذن لي في أن أسألك؟» فيرفع الملك إليها بصره كالمنكر لما تقول، ولكنها تتضاحك وتتماجن وتسأله: «كيف أراك في هذا المكان من جنة القصر حين كان ينبغي أن أراك في غرفتك تتهيأ للخروج إلى حيث تستقبل وزراءك وتُصرِّف أمور ملكك، أو أراك قد خرجت مبكرًا فأقبلت على شئون الدولة تصرفها حفيًّا بها مكبًّا عليها. وكيف أذنت لنفسك في أن تنسلَّ من غرفتك على هذا النحو الذي لم يعتده الملوك، وعلى هذا النحو الذي لم يألفه المحبون؟ فأنت لم تؤذن أحدًا من رجال حاشيتك بأنك مقبل على هذا المكان القصي. ولولا أنك مراقب في قصرك كما يراقب أشد الناس عداء للدولة وخطرًا عليها، لوجدت مشقة كل المشقة في الاهتداء إلى مكانك هذا، ثم أنت لم تؤذني ولم تؤذن أحدًا من وصائفي بسعيك إلى هذا المكان، وقد كنت خليقًا أن تذكر أني لا أكاد أنهض من مضجعي وأفرغ من زينتي حتى أسعى إلى غرفتك لتكون أول من يراني ولأكون أول من يراك. أترى إلى ذنوبك يا مولاي! إنها عظيمة جسيمة، وإنك خليق أن تستغفر منها إلى أمَتك هذه التي تعفيك من الاعتذار وتستغفرك من تحدثها إليك في هذه اللهجة القاسية التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الحب والإشفاق والحنان.»
ثم تضمه إليها وهي تقول: «حدثني الآن كيف انتهيت إلى هذا المكان؟! أم تريد أن أحدثك أنا بهذا الحديث؟» قال شهريار: «وإنك لتعلمين كيف انتهيت إلى هذا المكان؟» قالت وقد عادت إلى ابتسامها الغامض وصوتها الغريب: «إنك يا مولاي ملك عظيم، ولكنك على ذلك تمر بأطوار الطفل الصغير، وأي عسر في أن أقص عليك بدء حديثك؟ لقد أيقظتك أمس حين أوشكت الشمس أن تزول، وأنبأتني بأنك قضيت الليل مؤرقًا مسهدًا، ولقد اجتهدت في أن أسرِّي عنك وأردك إلى ما ينبغي لك من الدعة والرضا، وخيِّل إليَّ أني تركتك أمس راضيًا محبورًا، ولكني استيقظت مبكرة وأسرعت إلى غرفتك، فلما لم أرك فيها ورأيت بابها إلى الطنف مفتوحًا، استيقنت أنك قد أرقت من ليلتك هذه أكثر مما أرقت في ليلتك تلك، واستيقنت أنك قد ضقت بغرفتك فخرجت منها مع الصبح وأخذت طريقك إلى مكان عزلتك هذا، فتبعتك حتى ألفيتك مغرقًا في هذا النوم الذي أغراه بك الجهد والإعياء. أليس هذا كل حديثك يا مولاي؟! أمحتاجة أنا إلى ذكاء الرجال أو إلى كيد النساء لأعلم علمه ثم لأعيده عليك كما كان؟»
وانتظرت أن يجيبها شهريار، ولكنه لم يُحِرْ جوابًا، فعادت إليه تسأله متلطفة: أمستخذون نحن من هذه القصة؟ إنها لا تدل على براعة ولا على مهارة ولا على قوة وأيد، وإنما تدل على ضعف وتهالك وانحلال في الأعصاب، ومن أجل ذلك فكرت في أن أطبَّ لك حتى أشفيك من هذه العلة التي لا أعرفها وما أراك تعرفها، ولكني سأبرئك منها على كل حال.» قال مبتسمًا: «وكيف تبرئينني من داء لا تعرفينه؟» قالت في صوت المرحة المتمردة: «فإني طبيبة لا كالأطباء، أداوي ما أجهل وأداوي ما أعرف، وربما كنت على علاج الداء المجهول أقدر مني على علاج الداء المعروف.» قال وقد اتسع ابتسامه وأوشك أن يكون ضحكًا: «وكيف ذاك؟» قالت: «ذاك أني سأقلب نفسك على جميع وجوهها، وسأرسل عليها من نفسي قوة لا تعرفها ولا تقدرها، وسأرد عليك ما فقدت من بأس وأيد. إنك لا تعرفني. ألست تقول لي ذلك في كل وقت؟ قال شهريار حازمًا: «فهذه علتي.» قالت: «سأبرئك منها.» قال: «ستعرفينني نفسك إذًا؟» قالت في كثير من الدل: «سأعرِّفك منها ما ينبغي أن تعرف لتسترد قوتك ونشاطك؛ ولتُعنى برعيتك هذه التي أخذت تهملها منذ حين. على أني لا أدري لماذا تريد أن تعرفني! أضقت بحبي إلى هذا الحد؟»
فنظر إليها حائرًا كأنه لم يفهم عنها. قالت في دلال وحدة: «لا تنظر إليَّ هذه النظرات الحائرة! إنك ملك عظيم تدبر أمور رعية لا تكاد تحصى، وقد بلغت سنك هذه التي لا يبلغها الرجل حتى يكون قد خبر الدهر وانتفع بتجاربه. ألم تعلم بعدُ أن الحب لا يقتله شيء كما تقتله المعرفة؟ إن كنت زاهدًا في حبي ضيقًا به، فإني أستطيع أن أشفيك من علتك فأظهرك من نفسي على جميع أثنائها وأحنائها، ويومئذ تنصرف عني وتزهد فيَّ، ومن يدري؟! لعلك تلحقني بأولئك النساء اللاتي أرسلتهن إلى العالم الآخر، ولكني أنا لم أزهد في حبك ولم أزهد في الحياة بعد، وإذًا فلن أمكنك من الانصراف عني والزهد فيَّ، وإذًا فستسعى دائمًا إلى أن تعرفني، وسيخفى دائمًا عليك مني بعض الشيء، وستحبني ما دمت تجهلني، وستجد من هذه الحرب بين الحب والمعرفة قوة تحبب إليك الحياة وترغبك فيها، ولكن أين نحن الآن من النهار؟ وأين نحن الآن من شئون الملك؟ وأين نحن الآن من شئون أنفسنا؟ ألا تحس ألم الجوع؟ إني لا أكاد أستقر من شدة ما أجد من هذا الألم، ولكن انتظر قليلًا.» ثم تضرب إحدى يديها بالأخرى مرة ومرة، وإذا الخدم يسعون وهم يحملون إلى الملك والملكة ما يحتاجان إليه من طعام وشراب، ويهم أن يتكلم ولكنها تسبقه إلى الكلام، فتقول ضاحكة: «أنت أسيري منذ الآن يا مولاي، لن أفارقك حتى تفارقك علتك. إن غرفتك حرام عليك، ستنفق الليل في غرفتي، سأسلمك إلى النوم وديعة محفوظة، وسأستردك من النوم كما يسترد المودع وديعته، وسألزمك حتى تضرع إليَّ في أن أريحك من نفسي ساعة أو بعض ساعة.» قالت ذلك وانحنت إليه فقبَّلت بين عينيه والخدم ينظرون وينظمون المائدة، ولكن شهريار لم يقل شيئًا، ولو كشف لنا عن نفسه لما عرفنا أكان سعيدًا أم كان شقيًّا، فقد كان أحب شيء إليه أن يكون أسير شهرزاد، ولكنه كان يشفق أن تسلمه شهرزاد إلى النوم وأن تأمر النوم فيحتفظ به حتى يرده إليها وتفوته بذلك أحلام شهرزاد.
على أنه لم يكد يعود إلى طبيعته المألوفة التي رده إليها إقدامه على الطعام والشراب والحديث حتى نسي الليل وسهوده وهجوده ووطَّن نفسه مسرورًا محبورًا، على أن ساعة مع شهرزاد خير من كل أيامه تلك التي كان يحياها منفردًا أو كالمنفرد، لا يلقى زوجه إلا بمقدار وعلى ميعاد، حسب ما تقتضيه ظروف الحياة للملوك الذين أثقلت قصورهم التقاليد التي تراكم بعضها فوق بعض على ممر الدهور واختلاف الأجيال، وما يمنعه وقد فتحت له شهرزاد هذا الباب الذي لم يكن ينتظر أن يفتح له، ما يمنعه أن يتمارض ويتكلف العلة ويلقي إلى وزيره مقاليد الدولة يدبرها كما يشاء أو كما يستطيع، حتى يُبِلَّ هو من مرضه أو من تمارضه! ما يمنعه أن يتكلف العلة ليخلص لشهرزاد ما دامت هي تريد أن تخلص له! ولكن ما الذي حملها على أن تلقاه بهذا العطف الذي لم يتعوده، وبهذا الحنان الذي لم يألفه! أتراها صادقة فيما تظهر من ذلك أم تراها متكلفة؟! وما الذي يدعوها إلى هذا التكلف، وهي تعلم حق العلم أنها مستأثرة بقلب الملك وعقله تأمرهما بما تشاء دون أن تخشى منهما امتناعًا عليها، وتنهاهما عما تشاء دون أن تخشى منهما خلافًا، وهي أكرم على نفسها وأرفع في نفسها من أن تتملق رجلًا أو تتلطف له مهما يكن؟! هي إذًا لا تتكلف هذه العواطف، ولكنها مع ذلك لم تألف هذه العواطف ولم يألفها منها شهريار! وإنما هي غامضة دائمًا، مدلة دائمًا، لا تدنيه إلا لتقصيه، ولا تلطف به إلا لتعنف عليه، أفتراها قد وصلت إلى دخيلة نفسه، ووقفت على جلية أمره، وعرفت أنه مريض حقًّا، وأشفقت عليه من هذا المرض؛ فهي تريد صادقة أن تبره وترفق به وتطب علته حتى يبرأ.
كل ذلك ممكن وغير ذلك ممكن، سواء منه ما عرفه شهريار وما لم يعرفه، فقد استقر في نفسه أن صاحبته بحر لا يسبر غوره، وليل لا تنجلي ظلمه، ولغز لا تحل مشكلاته، وهو على ذلك ناعم بعشرتها سعيد بما تحمله عليه من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم، ومن النعيم والبؤس، ومن الظفر والحرمان. فلينتهز إذًا هذه الفرصة التي هيئت له، ولينعم بهذه السعادة التي تعرض عليه، وليعش في ظل شهرزاد ناعمًا بائسًا وسعيدًا شقيًّا كما تعيش رعيته في ظله هو ناعمة بائسة وسعيدة شقية. وقد كان يظن أنه الملك، وأن كلمته هي العليا، وأن أمره هو المطاع الذي لا معقب له، فقد ظهر له الآن أن هناك ملكًا أقوى منه وأعظم سلطانًا، وأنه هو الرعية لهذا الملك، وهل شهرزاد آخر الأمر إلا قوة متسلطة عليه تصرِّفه كما تريد وتدبر أمره كما تهوى دون أن يستطيع امتناعًا عليها أو إباء؟!
وكذلك أنفق شهريار نهاره الأول كالطفل خاضعًا لسلطان أمه الحنون، تأمره فيأتمر وتنهاه فينتهي، واجدًا في ذلك اللذة كل اللذة والنعيم كل النعيم، وكانت شهرزاد رفيقة به إلى أقصى غايات الرفق، محبة له إلى أبعد آماد الحب، تصرفه في فنون الهزل والجد، وتنقله في أطوار المرح والهدوء، حتى إذا ضرب الليل سرادقه المظلم الكثيف على الكون أوت به إلى غرفة من غرفاتها، فتحدثت إليه فنونًا من الحديث، وأسمعته ألوانًا من الغناء وضروبًا من الموسيقى، ثم أقبلت إليه آخر الأمر باسمة هادئة وقالت له في صوت متكسر بعض التكسر فاتر بعض الفتور: «قد آن للطفل أن يستريح إلى النوم فيما أظن، هلم إلى مضجعك يا مولاي.» ثم أخذت بيده ومضت وهو يتبعها مستسلمًا محبًّا لهذا الاستسلام منكرًا له في قرارة نفسه، سائلًا عن إرادته أين ندَّت، وعن قوته أين شردت، راجيًا ألا تعود إليه هذه الإرادة وألا ترد إليه هذه القوة، فمن الخير أن ينعم الإنسان «بإجازة» يستريح فيها من إرادته وقوته ومن ملكات نفسه كلها، وقد أذن لشهرزاد بهذه الإجازة، فهو ينعم بها غارقًا في لذاتها إلى أذنيه، وها هو ذا قد أوى إلى سريره، وها هي هذه شهرزاد تسوِّي له الوسائد حتى تطمئن إلى أنه قد استراح في مضجعه، ثم تنصرف عنه لنفسها شيئًا، ثم تعود إلى الغرفة فتمضي فيها ذاهبة آئبة مختلسة نظرة بين حين وحين إلى طفلها هذا الكبير. حتى إذا رأته قد اطمأن إلى النوم ومضى معه في طرقه المجهولة، أوت هي إلى سريرها فغاصت فيه غوصًا ودعت النوم، فما أسرع ما استجاب لها وشمل الغرفة هدوء متصل.
أطال هذا الهدوء أم قصر؟ لا سبيل إلى معرفة ذلك؛ فقد كان الليل قد قطع في طريقه شوطًا بعيدًا قبل أن ينام العاشقان، ولكن شهريار يتنبه من نومه هادئًا مطمئنًّا لا يقول شيئًا ولا يأتي حركة، وإنما يمد سمعه نحو سرير شهرزاد فقد ألمَّ به طائفه ذاك فمس كتفه مسًّا رفيقًا وألقى في رُوعه هذه الجملة: «أفق ولا تحدث حسًّا، فقد آن أن تستمع لحديث شهرزاد.»