٤

11 0 00

٤

ولا يطول انتظار الملك، لكنه يسمع قائلًا يقول: «فلما كانت الليلة الحادية عشرة بعد الألف قالت شهرزاد …» ثم ينقطع هذا الصوت، ويبلغ أذن الملك صوت شهرزاد رقيقًا رشيقًا وهي تقول: «بلغني أيها الملك السعيد أن وزير الملك طهمان بن زهمان اضطر إلى إخفاء ما في نفسه من الخوف على المدينة وأهلها مما أزمعت فاتنة، وخرج وهو يقول للملك: «إنه مبلغ تحدِّي الأميرة لملوك الجن جميعًا.»

فلما خلا الملك إلى ابنته قال لها في صوت باسم يملؤه الحنان: «فستأذنين لي في أن أحدثك بما أبَيْتِ أن تَسمعيه من الوزراء ورجال القصر؛ فإنهم يا ابنتي قد أشفقوا على أنفسهم ومدينتهم وأهل المملكة جميعًا من هول هذه الحرب التي تتعجلينها، وهم يعلمون أن أهوال الحرب لن تبلغك ولن تبلغني، فإن لك ولِي من ملكنا عصمة وَوَزَرًا، ولكنها ستبلغهم هم، ستعرِّض شبابهم للموت، وستعرِّض أطفالهم لليتم، وستعرِّض شيوخهم للبؤس والثكل، وستعرِّض نساءهم للتَّأَيُّمِ والشقاء، وستعرِّض أموالهم للفناء، ستصب عليهم البؤس صبًّا في ألوانه المختلفة التي لم نذقها ولا ينتظر أن نذوقها، ولكننا نعلم ما نعلم من أمرها بما نقرأ في الكتب وما نسمع في الأحاديث، وقلما نراها رأي العين أو نحسها إحساسًا مباشرًا، فنحن لا نتنزل إلى مخالطة الرعية لنشهدها حين تبتهج وحين تبتئس وحين يمسها جناح من لين أو يصيبها عارض من شدة، فلهم العذر يا ابنتي إن ارتاعوا أو التاعوا أو أشفقوا من هذا المكروه الذي يوشك أن يلم بهم فلا يبقي عليهم، وفي قلوبنا نحن الرجال قسوة، وفي أكبادنا غلظ، وفي طبائعنا شدة وعنف، ولكن قلوب النساء رحيمة، وأكبادهن رقيقة، وطباعهن لينة صافية، فإذا دبر ملوك الجن ما دبروا وقدروا أن ينصبوا لنا الحرب، فقد كنت أنا خليقًا أن ألقاهم بهذه الشدة، وأن أنصب لهم حربًا كالتي يريدون أن ينصبوها لي، وأن أكيد لهم كما يكيدون لي، وكنت أنت خليقة يا ابنتي أن تشفقي من هذا الهول، وأن ترفقي بالرعية، وأن تقترحي عليَّ وعلى الوزراء من وسائل السلم ما يرد عن الناس هذا المكروه، ولكنهم يا ابنتي قد رأوني صامتًا لا آمر ولا أنهى، ورأوك مقدمة على هذا الأمر العظيم لا تحسبين حسابًا لنعيمهم الضائع وبؤسهم الواقع، فأنكروا في نفوسهم وهمُّوا أن يجهروا بما أضمرت قلوبهم، ولكنهم خافوك وخافوني، فأذعنوا للأمر على كره منهم ولم يقولوا شيئًا، أو هم خافوك أنت ولم يخافوني أنا! فقد أصبحت شيئًا لا يُخاف، وإنما أنا هامة اليوم أو غد كما يقول حمقى الناس من حولنا، وجذوة اليوم أو غد كما ينبغي أن نقول نحن في لغتنا، ومهما يكن من شيء فإنهم خافوك يا ابنتي؛ لأن أمرهم إليك غدًا أو بعد غد، ولم يخافوني أنا لأني متصل بالماضي الذي ليس إلى رجوعه من سبيل.»

وهمت فاتنة أن ترد على أبيها، ولكنه مضى في حديثه مترفقًا فقال: «ويظهر يا ابنتي أن الشيخوخة تدنينا من العقل أو تدنينا من الجنون أو تدنينا منهما جميعًا، ولست أدري أَحَزْمٌ ما يضطرب في نفسي من الخواطر أم حمق؟ ولكني ملقيه إليك على علاته، فخذيه مني كما هو، وافعلي به بعد ذلك ما تريدين؛ فقد وصلت إلى السن التي لا أستطيع أو لا أريد أن أبرم فيها أمرًا، فيمَ يدبر ملوك الجن لنا هذا الكيد؟ وفيمَ ينصبون لنا هذه الحرب؟ وفيمَ تلقين كيدهم بمثله وتهيئين لحربهم حربًا مثلها؟ في شيء لا يعني رعاياهم ولا رعيتنا من قريب أو بعيد. هم يحبونك ويتنافسون فيك، وأنت تزدرينهم وتترفعين عنهم وتمتنعين عليهم، وماذا يعني رعايانا البائسين مما نجد من الحب والبغض، وما نحس من العشق والهيام! إنهم لا ينعمون حين ننعم، ولا يبتئسون حين نبتئس؛ وإنما تجري حظوظهم من النعيم والبؤس على قوانين لا صلة بينها وبين ما نستمتع به من سعادة، أو نرزح تحته من شقاء، ومن القسوة يا ابنتي أن ننعم وهم بائسون، وأن نقوى وهم ضعفاء، ونُثري وهم فقراء، نستمد من بؤسهم نعيمًا، ومن ضعفهم قوة، ومن فقرهم ثراء، فكيف نضحي بهم في سبيل أهوائنا وشهواتنا وعواطف قلوبنا، ونزعات نفوسنا! لو رفقتِ بهم يا ابنتي لجَنَبْتِهم هذه الحرب التي يدبرها عشاقك، وهذه الحرب التي تدبرينها أنت لهؤلاء العشاق، ولاخترت لنفسك من بين هؤلاء الملوك زوجًا تنعمين بعشرته وينعم بعشرتك، ومن يدري لعل رعيتكما أن تصيب أطرافًا من هذا النعيم، ولكنك يا ابنتي لا تجنُبينهم حربًا، وإنما تدفعينهم إليها دفعًا كما تدفع الوقود إلى النار المضطرمة التي لا تشبع مهما يقدم لها من الحطب، وأمرك في ذلك كأمر عشاقك جميعًا، كلكم يتبع هواه الجامح، ويركب شهوته المندفعة، ويضحي في سبيل نفسه بكل شيء وبكل حي. ليس هذا حقًّا، وليس هذا عدلًا، وقد كنت أعجب آنفًا بما أوتيت من العلم وما بلغت من الحكمة يا ابنتي، ولكني أجد الآن حزنا لاذعًا يؤذي شيخوختي المتهالكة؛ لأن ما أوتيتِ من العلم وما بلغت من الحكمة لم يهيئ لك وسيلة تسعدين بها غيرك كما هيأ لك هذه الوسائل التي تُرضين بها هواك، وتحققين بها مآربك، وتظهرين بها على عدوك، وقد يكون كلامي هذا ثقيلًا عليك يا ابنتي؛ فإني جربت الملك من قبلك، وعرفت أن الحق لا يبلغ من المرارة في نفس أحد ما يبلغه في نفوس الملوك، وعرفت أن النصح لا يثقل على أحد كما يثقل عليهم، فلكل امرئ من نفسه ما تعوَّد، كما سيقول شاعر من الناس فيما يقبل من الزمان، ونحن قد تعودنا أن تستقيم لنا الأمور، وأن تجري لنا على ما نريد لا على ما يريد غيرنا، ونحن قد ألفنا أن نأمر ولا نأتمر، وأن ننهى ولا ننتهي، وأن نطاع ولا نطيع؛ فأصبح الشذوذ لنا طبيعة، والجموح لنا فطرة، والاستبداد بالحياة والأحياء لنا قانونًا، فإذا تحدث إلينا متحدث بالحق، أو دعانا داع إلى العدل، أو رغَّبنا مرغب في أن ننصف من أنفسنا كما ننتصف لها، ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهناه أعظم الكره، ونكَّلنا بمن يدعونا إليه أو يرغبنا فيه تنكيلًا، ولو أن وزيرنا قال لك بعض ما قلته الآن لأرسلته إلى الموت، أو لألقيته في غيابات السجن؛ وهو من أجل ذلك لم يقل لك شيئًا، ولكنه قدَّر في نفسه كل ما قلت لك.

ففكري يا ابنتي في رعيتك وارفقي بها، بل فكري في رعايا عشاقك وارفقي بهم؛ فإن نعيم ساعة أو نعيم عامٍ أو نعيم الدهر كله — إن ظفرت به — لا يعدل نفسًا من هذه النفوس الكثيرة التي ستزهق ولا قطرة من هذه الدماء الغزيرة التي ستراق، أتسمعين لي يا ابنتي أم أنت ذاهلة عني مشغولة بتدبير أمرك هذا الذي تُقدمين عليه!»

قالت فاتنة وقد غشي وجهها شيء من كآبة لم يلبث أن جلته ابتسامة حلوة: «لقد استمعت لك يا أبت فأحسنت الاستماع، وما ينبغي أن أذهل عما تقول أو ما تعمل، ومنك تعلمت أدب الحديث وأدب الاستماع وآداب الملك كلها، وما قلت لي يا أبت إلا الحق وما دعوتني إلا إلى الرشد، ولكن أمن الحق أن أكره على ما لا أريد؟! إن هؤلاء الذين يخطبونني إليك يعلمون حق العلم أني لا أحب منهم أحدًا، ولا أبغض منهم أحدًا، ولن أتزوج منهم أحدًا، أفإن نصبوا لي الحرب ليكرهوني على ما لا أحب ويحملوني على ما لا أرضى، فلقيت كيدهم بكيد مثله، ودفعتهم عن نفسي بما تعودنا أن ندفع به عن أنفسنا، أكون ظالمة آثمة؟! فالتمس لي إذًا يا أبت فرجًا من هذا الحرج، ومخرجًا من هذا المأزق، وهل يقصر إثم الحرب على هذه الحرب التي نحن مقدمون عليها؟! ومتى رأيت الملوك يقدمون على حرب لا تدفعهم إليها شهواتهم الجامحة وعواطفهم الجائرة؟! ومتى رأيت الشعوب تُجَنَّب هذه الأهوال وتُعصم من الحرب لغير مصالحها المؤكدة ومنافعها المحققة؟! إن أثرة الملوك والسادة والزعماء، هي التي تثير الحرب دائمًا، وهي التي ترهق الشعوب دائمًا، وأكاد أعتقد أن الشعوب إنما خلقت ليرهقها الملوك والزعماء بالحرب والسلم جميعًا، فليست الشعوب أعظم حظًّا من السعادة أثناء السلم منها أثناء الحرب. إنا ندفعها إلى الموت حين نحارب، وندفعها إلى البؤس والشقاء حين نسالم، فهي ضحية لنا على كل حال.»

قال الملك: «فقد كنت أرجو أن يهيئ لك علمك وحكمتك ابتكار لون من ألوان الحياة لا تشقى فيه الشعوب بسعادة الملوك والزعماء، ولكني أراك تسيرين في الطريق التي سار فيها الملوك من قبلك، وقد كنت أنتظر غير هذا؛ ولكن الظنون تكذب والآمال تخيب.»

قالت فاتنة: «صدقت يا أبت! إن الظنون تكذب وإن الآمال تخيب، وما أكثر ما كذبت ظنوني وخابت آمالي! وإنك لترى وجهي مشرقًا وثغري باسمًا وعيني تفيضان بهجة وبشرًا، ولو اطلعت على ضميري وقرأت دخيلة نفسي لرأيت حزنًا أي حزن، وشقاء، وشعورًا هو أقرب إلى اليأس والقنوط منه إلى أي شيء آخر، وإني لأحدثك بهذا كله كارهة، وما كنت أريد أن أظهرك منه على شيء؛ فأنا شديدة الحرص على ألا ترى مني ولا ترى عندي إلا ما تحب، ولكنك قد باديتني بما تجد محسنًا بذلك إلي، فلا بد من أن أباديك بما أجد مسيئة بذلك إليك، وليست هذه أول مرة آذيت فيها نفسك الكريمة، وشققت فيها عليك بما يعتادني من همٍّ ثقيل. إنك يا أبت مستيئس مني لأني أسلك الطريق التي سلكها الملوك والأمراء من قبل، فأحيا لنفسي لا لغيري، ولا أرفق بهذه الرعية التي لم يرفق بها أحد قط، وهذا نفسه هو مصدر شقائي ويأسي، فأنبئني يا أبت ما بال هذه الرعية لا ترفق بنفسها ولا تعنى بأمرها ولا تفكر في مصالحها، وإنما ندعوها فتجيب، ونأمرها فتطيع، ونوجهها إلى حيث تشاء فتتجه إلى حيث نشاء، لا يخطر لها أن تأبى إذا بلغها الدعاء، ولا أن تعصي إذا صدر إليها الأمر، ولا أن تمتنع إذا وُجهت إلى حيث لا تحب؟! أفنكون أرفق بها من نفسها، وأحرص على مصالحها وكرامتها مما تحرص هي على مصالحها وكرامتها؟!

ومع ذلك فأين يكون الفرق بينها وبيننا؟! أليس الرجال منها والنساء والشباب منها والشيوخ، يشعرون كما نشعر، ويحسون كما نحس، ويجدون اللذة والألم كما نجد نحن اللذة والألم، ويحبون الخير ويكرهون الشر، كما نحب نحن الخير ونكره الشر؟! فما طاعتها لنا في غير روية ولا تفكير، بل في غير فهم لما تؤمر به وتقدير لما تدعى إليه؟! أترى أنا خلقنا من عنصر غير عنصرها، أو أنها خلقت من نار غير التي خلقنا منها؟!

لقد كنت أفهم أن نتسلط على الناس، فلا يستطيعون لنا مقاومة ولا يحاولون علينا امتناعًا؛ فنحن من نار وهم من طين، فأما أن نتسلط على الجن الذين خُلقوا من عنصرنا فلا نجد منهم إلا الإذعان والاستسلام، كما يتسلط ملوك الناس على الناس فلا يجدون منهم إلا الإذعان والاستسلام، فهذا هو الذي يحيِّر عقلي ويُذهل لُبِّي ويُكِلُّ خاطري ويدفعني إلى اليأس ويحملني على أن أسلك الطريق التي سلكها الملوك من قبلي.»

قال الملك: «فإن قلبك في حاجة إلى الرحمة يا ابنتي، وعقلك في حاجة إلى أن يكون أقوم تقديرًا للأمور؛ لقد نشأتِ على السلطان وتعودتِ حقوقه وواجباته. هُيئتِ لذلك منذ درجتِ، وهيِّئ له من قبلكِ آباؤكِ وأمهاتكِ، ونشأتْ الرعية على عكس ما نشأتِ أنتِ عليه، وعوِّدَتْ غير ما عُوِّدتِ، وهُيِّئتْ لغير ما هُيئتِ له منذ الزمان القديم الذي لا نعرف له أولًا، وكان هذا التفريق بين السيد والمسود خطأ، أفينبغي أن يستمر الخطأ؟! أليس من الممكن وقد ارتقت عقولنا ونفذت أبصارنا إلى كثير من حقائق الأشياء، وعلمنا أن هذه الفروق بيننا وبين الرعية مصطنعة لم تأتِ من الطبيعة، وإنما جاءت من الحضارة. أفليس من الممكن أن نصلح أغلاطنا ونقوِّم اعوجاجنا؟! بل أليس من الممكن أن نصلح أغلاط الطبيعة إن كانت هذه الفروق قد جاءت من الطبيعة؟! بلى! هذا ممكن، هذا واجب يا ابنتي، ولكن لا بد للنهوض بهذا الواجب من أن نُشعر قلوبنا الرحمة والإحسان، ومن أن نؤمن بأن حياة الملوك ليست حقوقًا كلها، ولكنها واجبات أيضًا، وربما كان نصيب الواجب فيها أعظم من نصيب الحق. ما الذي يمنعنا أن نُشعر الرعية بنفسها ونبصرها بحقها كما بصرناها بواجبها، ونهيئها لا أقول لتستأثر من دوننا بالأمر، ولكن لتشاركنا في الأمر وتعيننا على احتمال أعبائه الثقال؟!»

قالت فاتنة: «ومن أجل ذلك أنشأتَ المدارس يا أبت وأذعتَ العلم وقد كان سرًّا مكتومًا، ومن أجل ذلك رفعتَ إليك بعض النابهين من الدهماء، فكلفتَهم ما كلفتهم من أعمال الدولة، وقد كانت أعمال الدولة مقصورة على أفراد أسرتنا، ومن أجل ذلك عرَّضتَ نفسك لسخط الأمراء وكيد الشيوخ من رؤساء العشائر، وقد وصلتَ إلى كثير مما كنتَ تريد، فلولا هذه السيرة التي سرتها في الرعية لما ثار الاعتراض في نفوس الوزراء ورجال الحاشية حين أمرتهم أمري فأذعنوا له كارهين. هم الآن يضمرون الاعتراض وقد كانوا لا يشعرون به من قبل. أفهذا هو الذي أردت إليه؟»

قال الملك: «هو هذا يا ابنتي.»

قالت فاتنة، وقد وثبت إلى أبيها فضمته في رشاقة وقبلته في عنف: «وهو ما أريد إليه أيضًا. وَلْتَطِبْ نفسُك ولْتَقَرَّ عينُك، فلن يصيب الرعية من هذه الحرب التي أثيرها سوء.»

قال الملك وهو يتضاحك: «ماذا تقولين يا ابنتي؟! حرب لا يصيب الرعية منها سوء؟! أحرب هي أم لعب؟!» قالت: «بل هي الحرب كل الحرب.» قال: «أوضحي يا ابنتي عما تريدين؛ فإني لا أفهم عنك شيئًا.» قالت: «ذلك سري الذي ستفهمه حين أزيل عنه الستار.» وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.

وهمَّ شهريار حين انقطع حديث النائمة أن يفكر فيما سمع، ولكن النوم لم يمهله كما كان يمهله من قبل، وإنما سعى إليه حثيثًا، وسمع الملك صوت طائفه ذاك يقول: «كلا، لا تفكير الآن ولا يقظة. لقد أودعتك شهرزاد إلى النوم! وردك النوم إليها حينًا، فستعود إلى النوم حتى تستردك منه شهرزاد كما تقدم إليك وعدها أمس.»

وأكبر الظن أن شهريار لم يسمع هذه الكلمات الأخيرة، وإنما أغرق في نوم هادئ لا تروعه الأحلام ولا يقطعه الأرق، ويفتح عينيه بعد وقت طويل أو قصير، فيرى الغرفة وقد أذن لضوء الشمس المشرقة أن يغمرها، فظهرت جميلة رائعة متألقة، ورأى شهرزاد قائمة من سريره غير بعيد وهي تمد إليه بصرها حلوًا مداعبًا كأنها تدعوه إلى أن يستيقظ، وهي مع ذلك صامتة لا تقول شيئًا، ولكن وجهها يزدان بابتسامة حلوة تبعث الأمل وتدعو إلى النشاط، فلما رآها الملك ابتسم لها، وهمَّ أن يسألها كيف قضت الليل، ولكنها ابتدرته بالسؤال فقالت: «كيف يجد مولاي نفسه؟» قال: «على خير ما أحب أن أكون ما دمت أنعم بقربك وأسعد منك بهذه النظرات الحلوة وبهذه النغمات الساحرة.» قالت: «لقد استيقظ مولاي غَزِلًا، وأحسب أنه قد قضى ليلة هادئة.» قال: «كل الهدوء.» قالت: «ولكني أسأل مولاي، أيجد نفسه من القوة والنشاط والصحة خيرًا مما كان أمس؟» فتردد الملك قبل أن يجيب، ولكنها لم تُخَلِّ بينه وبين الجواب، وإنما قالت: «سأجيب عنك يا مولاي، وسأعفيك من هذه الحيرة، وسأريحك من كذب لا تحبه ومن صدق لا تجد الشجاعة عليه. فأنت بخير ما في ذلك شك، وأنت اليوم خير منك أمس ما في ذلك شك أيضًا، ولكنك تخشى إن أنبأتني بذلك أن أخلِّي بينك وبين العمل وتكاليف الملك، وإن أنبأتني بغير ذلك لتستبقي هذه الراحة التي أخلدت إليها أن تقول غير الحق، وأنت لا تريد أن تكذب لأنك لا تحب الكذب أو لأنك تشفق ألا أومن لك. أليس هذا كله حقًّا يا مولاي؟!»

قال وهو يضحك، وقد أخذ يستوي جالسًا في سريره: «هو كل الحق يا أحب الناس إليَّ.»

قالت في صوت العاتبة، وقد مالت إليه تقبله وتلاطفه: «إنك لأشبه شيء بالطفل الذي يداور أمه أو معلمه الحازم. لا بأس عليك، فلن يُخلَّى بينك وبين العمل، ولن تحرم جوار شهرزاد. أليس هذا كل ما تريد؟» ثم جلست إلى جانبه، وأدارت ذراعها حول عنقه، وأخذت تنظر إليه نظرات ملحة كادت ترده من الذهول إلى مثل ما كان فيه من أمسه. لولا أنها نهضت ثم أنهضته وانصرفت به إلى حيث يستنشقان هواء الصباح مشرفين على جنة القصر من بعض الأطناف.

وقد أنفق الملك يومًا من أسعد أيامه، لم يعرف فيه ألمًا ولا حزنًا، ولم يحس فيه حسرة على ما مضى ولا استطلاعًا لما هو مقبل، وإنما كان يعيش للساعات التي كان فيها مستمتعًا بهذه اللذات الهادئة المختلفة التي كانت تقدمها إليه شهرزاد في غير تكلف وفي غير جهد ظاهر، فأما وجه النهار فقد أنفقاه متروضين في حدائق القصر، يقفان حينًا ويسعيان حينًا آخر، ويجلسان حين يحتاجان إلى الجلوس أو حين يعجبهما هذا الموضع أو ذاك من الحديقة، فيحبان أن يطيلا البقاء فيه. أحاديثهما أثناء هذه الرياضة هادئة كنفسيهما لا حوار فيها ولا جدال ولا تعمق فيها لشيء، وإنما هي أحاديث تجري على رسلها كما كانت حياتهما تجري على رسلها، وكما كان النسيم من حولهما يجري على رسله رخاء، وكما كانت الغصون تضطرب على رسلها في الهواء، وكما كانت الطير تتغنى على رسلها كذلك، وكما كانت الأزهار تتنفس على رسلها عما تنشر في الجو من عبير.

وكان شهريار قد انغمس في هذه الحياة الحلوة الهادئة، فنسي نفسه ونسي ملكه ونسي خواطره التي كانت تعتاده أثناء النهار وخواطره التي كانت تلم به أثناء الليل، بل نسي شهرزاد نفسها، ولم يقدر أنها كانت معه تسليه وتلهيه وتأسو جراح نفسه، وأن هذا النعيم الذي كان يستمتع به إنما هو من صنعها ليس غير، ولكن شهرزاد كانت بارعة في العناية به والتلطف له، حتى أنسته أنه موضوع العناية والرعاية. سحرته عن نفسه وعما حوله بسيرتها، كما كانت تسحره عن نفسه وعما حوله بقصصها، ويظهر أنه تنبه لذلك فجأة فقطع ما كان يمضي فيه من حديث عادي، ورفع رأسه كالواجم ونظر إليها محدقًا فيها، ثم قال لها بصوته الهادئ الذي كأنه يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر الأمر من أنت وماذا تريدين؟!»

قالت وهي تضحك ضحكًا ينم عن بعض القلق: «أيكون الملك قد عاد إلى طوره الأول من الاضطراب والذهول؟ أو يعود إلى هذا السؤال الذي لا يغني شيئًا ولا يدل على شيء؟! أنا من ترى ومن تسمع، ومن تحس قربها منك، وحبها لك، وفناءها فيك، وحرصها على أن تملأ نفسك غبطة، وضميرك بهجة، وقلبك أمنًا وسرورًا. إنك لا تسأل هذه الشجرة ولا هذه الزهرة ما هي ولا ماذا تريد، وإنما تنظر إليها وترضى عنها وتعجب بها، وتحمد الله على ما أنعم عليك من الاستمتاع بها. فانظر إليَّ كما تنظر إلى هذه الشجرة أو إلى هذه الزهرة، وخذ مني ما أعطيك وأعطني ما أسألك إن استطعت، ولا تكلف نفسك أكثر من هذا. عش بحسك وقلبك وضميرك، وتخفف من عقلك بين حين وحين. عش عيشة الإنسان الحي لا عيشة العالم الباحث؛ فإن للعلم والبحث وقتًا مقسومًا من حياة الناس، وما ينبغي أن تكون حياتهم كلها علمًا وبحثًا وتعليلًا وتحليلًا.»

قال وقد أدار ذراعه حول خصرها اللطيف الرَّخْصِ: «فإني لا أسألك الآن سؤال الباحث المستقصي، وإنما أسألك سؤال المحب المدنف، فقد عرفتك.»

قالت: «قد عرفتني! واحرباه! ستزهد فيَّ إذًا قبل أن يتقدم النهار»، ثم أغرقت في ضحك غامض طويل.

قال: «قد عرفتك ولن أزهد فيك! لأن معرفتي إياك تدفعني على الاستزادة منك؛ فأنت قصص دائم لأنك سحر دائم، أخص ما تمتازين به أنك تشغلينني عن نفسي وعن ملكي وعما حولي وعمن حولي، بل تشغلينني عنك أيضًا.»

قالت وقد أغرقت في الضحك: «إن كنت أشغلك حتى عن نفسي، فما أدري كيف تفكر في أو تسأل عني. ألا يمكن ألا أكون شيئًا ما دمت أشغلك عن كل شيء؟! ألا يمكن أن أكون شيئًا غيرك، فأنت تُشغل بنفسك عن كل شيء وعن كل إنسان؟! ولكنك أنبأتني بأني أشغلك عن نفسك. صدِّقني إني لا أفهم عنك، وما أرى إلا أنك تمعن في فلسفة أشد مني غموضًا وأعظم مني استعصاء على الفهم. دع الفلسفة ودع التفكير، وتعال ننعم بهذه الساعات الحلوة التي تتاح لنا والتي نختلسها أو أختلسها أنا لك ولي من تكاليف الحياة. إني أشغلك عن نفسك وأشغلك عن نفسي وأشغلك عن كل شيء. ولكن ما رأيك في أن شيئًا لم يشغلني عن أن النهار يتقدم، وعن أننا نوشك أن نجد لذع الجوع، وعن أن من الحق علينا أن نتهيأ للغداء؛ ذلك أحرى أن يتيح لنا الإغراق في الفلسفة والإمعان في البحث عما وراء الطبيعة. هلم يا مولاي، فسترى أن هذا النعيم الحلو الذي استمتعنا به الآن ليس شيئًا بالقياس إلى ما هيأت لك شهرزاد هذه التي لا تعرف من هي ولا تدري ماذا تريد.»

وكانت شهرزاد قد هيأت للملك نعيمًا لم يكن يُقدِّر أنه سيتاح له في يوم من الأيام، منذ حمرة الدماء تلك التي كانت تصبغ في نفسه أعقاب الليل ووجه النهار من كل يوم، فقد كان منذ تلك الأيام السود والليالي البيض قد ألف الحزن حتى لا يفلت منه إلا الحين بعد الحين، حين كانت شهرزاد تقص عليه بعض أحاديثها أو تمتعه ببعض ما كانت تهدي إليه من سعادة حينًا بعد حين. فأما نعمة البال ورخاء العيش وراحة الضمير وهدوء النفس المتصل، فقد كانت أشياء حُرِّمت على شهريار وقُطِّعت بينه وبينها الأسباب، فلما تقدم النهار وكاد أن ينتهي أقبلت شهرزاد بالملك على غرفة من غرفاتها في القصر وهي تقول له عابثة به: «ستعلم يا مولاي أنك لا تعرف من قصرك هذا إلا أقل ما فيه، وإني لأرجو أن يدعوك ذلك إلى التفكير فيما تعرف من أمور الملك والرعية؛ فإنك إن جهلت أمر قصرك وحاشيتك أيسره كنت خليقًا أن تجهل من أمر ملكك ورعيتك أكثر مما تعلم، وكان الحكماء يقولون في قديم الزمان وسالف العصر والأوان: إن من أراد أن ينهض بالواجب في أي أمر من الأمور، خليق به أن يعرف ما هو مقدم عليه ويتبين دقائق ما هو ناهض به وحقائق ما هو مدبِّر له، وألا يقدم إلا عن بصيرة، ولا يعمل إلا عن علم، وما أعرف يا مولاي غرورًا كغرور الذين ينهضون بتدبير أمور الناس وهم لا يعرفون من دخائل هؤلاء الناس شيئًا، أو هم لا يعرفون منها إلا أقلها وأيسرها. إنهم يأمرون دون أن يقدروا مقدار احتمال الرعية لما يصدرون إليها من أمر، وإنهم ينهون دون أن يعرفوا إلى أي حد تطيق الرعية أو لا تطيق أن تنأى عما تُنهى عنه؛ لأنهم لا يعرفون نفوس الرعية ولا يبلون طاقتها ولا يُقدِّرون حاجتها، ولكني كنت أنهاك صباح اليوم عن الفلسفة فيما بعد الطبيعة، وها أنا ذي أخوض بك مساء اليوم في فلسفة الحكم وتدبير أمور الرعية كأني حديثة عهد بقراءة أفلاطون وأرسطاطليس، فلنعد إلى ما كنا فيه يا مولاي، فإني أريد أن أظهرك من قصرك على أشياء لم تكن تعرفها ولم تكن تُقدِّر أنك ستعرفها.»

قال الملك وقد اشتدت حاجته إلى الاستطلاع: «فأظهريني إذًا على ما تريدين أن تُظهريني عليه.»

فقالت: «على رسلك يا مولاي، فما ينبغي أن تجري الأمور على ما تحب دائمًا، والعلم لا يُبلغ إلا بعد الجهد في طلبه واحتمال العناء في تحصيله، وإني مدخلتك في هذه الغرفة وتاركة لك البحث في أنحائها وأرجائها ما وجدت إلى البحث سبيلًا، فإذا أعياك البحث وأضناك الجهد فإني مشترطة عليك بعض الشروط لأريك ما لم تكن تتصور أنك ستراه.» ثم دفعت باب الغرفة فاندفع، ونظر الملك فلم ينكر في الغرفة شيئًا ولم يرَ فيها شيئًا خليقًا بالالتفات، ولكنه مع ذلك جعل يجيل طرفه هنا وهناك، ويطيل النظر إلى بعض ما في الغرفة من أداة وأثاث يريد أن يخيل إلى شهرزاد أنه يبحث ويستقصي ويجد في البحث والاستقصاء، ثم يعترف لها بعد ذلك بأنه لم يصل إلى شيء، وإنما كان في هذا كله مخادعًا يريد أن يتعجل العلم بما أعدت له شهرزاد من أسرارها المخبأة.

ولكن شهرزاد ضحكت للملك ضحكة فاترة لا تخلو من بعض الغيظ وقالت: «لست جادًّا يا مولاي، وإنك لتعرف أني لا أخدع ولا يُغرر بي، وإنك لتعرف أني لا أكره شيئًا كما أكره الكسل العقلي، وهذا الطور الذي يحصل عليه المترفون من أطوار الحياة حين ينتظرون أن يقدم إليهم الهين واليسير مما يريدون، لا يتكلفون فيه جهدًا ولا يحتملون فيه عناء، فقد أنبأتك يا مولاي بأني سأقوم منك الآن مقام الساحرة الماهرة التي ستُظهرك على الأعاجيب؛ فلا تتعجل هذه الأعاجيب، ولكن خذها بحقها، وأبلغها من طريقها، واحتمل في سبيلها ما ينبغي أن تحتمل من جهد، فإن لم تفعل خرجنا من هذه الغرفة كما دخلناها، وانصرفت بك إلى غير ذلك من فنون اللهو والمتاع، فما أكثر ما في القصر من فنون اللهو والمتاع!»

قالت ذلك ثم ضربت إحدى يديها بالأخرى فأقبلت الوصائف مسرعات يستبقن، كأن وجوههن فلق الصبح، وكأنهن لخفتهن ورشاقتهن لا يسعين على الأرض وإنما يسعين في الهواء، فلما رآهن الملك مقبلات سيء بهن وضاق بهن ذرعًا، وكاد بعض ذلك يظهر في وجهه لولا فضل من حياء فرضه عليه أدب الملوك، فقد كان في جمالهن البارع وحسنهن الرائع منظر أنيق للعين وفتنة خلابة للنفس، ولكن محضرهن كان خليقًا أن يصرف الملك عن شهرزاد أو يصرف عن الملك شهرزاد، وكان أبغض شيء إلى الملك وأشقَّه على نفسه أن ينصرف عن فتنته أو أن تنصرف عنه فتنته، فلما رأى الوصائف مقبلات لم يرتح لمقدمهن، ولكنه أمسك نفسه على ما لا تحب وانتظر حائرًا أو كالحائر.

على أن انتظاره لم يطل؛ فقد أقبلت إليه رئيسة الوصائف، فحيت وقالت في صوت عذب: «أيأذن مولاي في أن يبدأ الحفل؟»

قال الملك دهشًا متمالكًا مع ذلك: «أي حفل يا ابنتي؟»

قالت الوصيفة: «كنت أظن أن مولاتنا قد آذنت الملك بما هيأت له.»

قالت شهرزاد في شيء من الغضب: «فإني لم أُوذن الملك بشيء، فأمضين ما أُمرتن به.»

منذ هذه اللحظة نقل الملك من حياة إلى حياة، ومن عالم إلى عالم، لم يدر كيف كان ذلك، ولم يستطع فيما استقبل من أيامه أن يصور لنفسه أو لغيره كيف كان هذا الانتقال، وإنما ذكر إلى آخر أيامه أن صوت شهرزاد لم يكد ينقطع بهذه الجملة المغضبة حتى شاع في الغرفة جو غريب قوامه أنغام موسيقية عذبة نفَّاذة إلى أعماق الضمائر أخاذة بمجامع القلوب.

وقد حاول الملك أول الأمر أن يتعرف مصدر هذه الأنغام، فنظر إلى الوصائف فإذا هن قائمات في أماكنهن لا يأتين حركة ولا يحدثن حسًّا، وليس في أيديهن أداة موسيقية أو ما يشبه الأداة الموسيقية من قريب أو بعيد، ونظر إلى شهرزاد فإذا هي قائمة في مكانها وعلى وجهها ابتسامتها الغامضة التي لا تقول شيئًا، والتي تقول كل شيء، والتي لا تخلو مع ذلك من سخرية تُحفِظ وتهيج، وأدار الملك بصره في الغرفة ينظر في كل مكان يريد أن يتبين لهذه الأنغام الساحرة مصدرًا فلا يرى شيئًا، وإنما يخيل إليه أن هذا الجو الموسيقي الذي أحاط به وأحاط بمن حوله أشبه شيء بالجو الذي يعيش فيه أثناء أوقاته العادية، لا يعرف أين يبتدئ ولا أين ينتهي.

وكان أغرب ما في هذا الجو الموسيقي الرائع اختلاف أنغامه وائتلافها في وقت واحد، بل اختلاف الأصوات التي كانت تحمل هذه الأنغام وائتلافها، فكان هذا كله يلقي في روع الملك أن هناك أدوات موسيقية مختلفة لا تحصى تصدر عنها أصوات وأنغام متباينة، ولكن قوة بارعة ساحرة قد أشرفت عليها ودبرت ما بينها من اختلاف حتى أحالته إلى ائتلاف.

ولم يمض على إحساس الملك هذا الجو من حوله وقت طويل حتى أحس الملك أنه يغرق في هذا الجو وينسى نفسه قليلًا قليلًا، كأنما كانت الحياة الشاعرة تنساب من نفسه ومن جسمه شيئًا فشيئًا، وإذا هو يفنى في هذا الجو المحيط به فيصبح صوتًا من أصواته أو نغمة من أنغامه، أو يصبح جزءًا شائعًا في كل صوت من هذه الأصوات، وحظًّا مفرقًا في كل نغمة من هذه الأنغام، وقد نسي كيف ابتدأ هذا الجو، ولم يسأل نفسه كيف ينتهي، وإنما استسلم لهذا البحر الموسيقي الذي غمره كما يستسلم الغريق بعد أن يبذل آخر جهده في المقاومة، وبقي له مع ذلك شعور واحد، وهو أنه في حضرة شهرزاد، وأنها تنظر إليه ساخرة منه راثية له، وتبسم له ابتسامتها الغامضة كأنها تقول له: «ألم أنبئك أني سأظهرك من الأمر على ما لم تكن تقدر أنك ستظهر عليه، وأني سأطلعك في قصرك على ما لم تكن تظن أن قصرك يحتويه، وأني سأسحرك وأبهرك وأضطرك إلى هذا الاستسلام الذي انتهيت إليه، ومع ذلك فقد كنت تخيل إلى نفسك أنك بدأت تعرفني! فذق الآن هذه المعرفة، وتبين أنك لم تجهلني قط كما تجهلني الآن.»

وينظر الملك إلى شهرزاد واجمًا مبهوتًا، ويريد أن يتكلم فلا يطاوعه لسانه، ويريد أن يتقدم فلا تطاوعه قدماه؛ ولكن شهرزاد تسعى إليه هادئة كأنها الحياة تسعى إلى الجسم الهامد، أو كأنها اليقظة تسعى إلى النائم المغرق في النوم، حتى إذا بلغته وضعت يدها على كتفه وقالت له في صوت لم يستطع أن يفرق بينه وبين هذا الجو الموسيقي المحيط به، وإنما خيل إليه أن الغرفة كلها تكلمه بهذا الصوت، قالت له: «لا تُرَعْ يا مولاي، فليس عليك من بأس»، ثم أخذت ذراعه ومضت به إلى مجلس من مجالس الغرفة فأجلسته رفيقة به وجلست إلى جانبه عطوفًا عليه، وقالت له في صوتها هذا الجديد الغريب: «ألم أنبئ مولاي بأني سأذيقه من نعيم الحياة ألوانًا لم يذقها قط، بل لم يذقها إنسان قبله قط! أفيرى مولاي أني قد وفيت بالوعد أو بدأت بالوفاء!»

قال الملك في صوته الخافت الذي كان كأنما يأتي من بعيد: «ألا تنبئينني آخر الأمر من أنت وماذا تريدين؟!»

قالت متهالكة: «ألا يشغلك ما تسمع عن هذه الفكرة الملحة عليك المضنية لك؟! أليس خيرًا من ذلك أن تسأل عن هذه الموسيقى من أين تأتي وإلى أين تمضي؟!» قال: «فإنها تأتي منك وإليك تعود.»

قالت: «فإذا لم يستطع سمعك أن يشغلك عني وعما أريد، فستشغلك عيناك يا مولاي. انظر!»

ونظر الملك من وله فرأى عجبًا، لقد كان يعلم أن شهرزاد قد أقبلت به منذ حين على غرفة من غرفات القصر لها جدران تحدها وباب يغلق من دونها، ومن هذا الباب قد دخلت الوصائف آنفًا، ومن هذه الجدران قد نبعت أنغام الموسيقى كما ينساب الماء من العيون الجارية، لكنه الآن ينظر فلا يرى جدران الغرفة، وينظر فلا يرى للغرفة سقفًا ولا بابًا، وإنما يرى نفسه في مكان متباعد الأرجاء مترامي الأطراف، قد زين أحسن زينة وأروعها وأعظمها تأنقًا ورشاقة، وقد تقدم هذا المكان في بحيرة تحيط به من جهاته الثلاث، واتصل بالقصر من جهته الرابعة، فكأنه يد قد مدها القصر في هذه البحيرة لتأخذ منها شيئًا، وهذا المكان الواسع الرائع يغمره الجو الموسيقي ذاك كما كان يغمر تلك الغرفة الضيقة الساذجة، ولكن شيئًا آخر قد ظهر في هذا المكان، فهؤلاء أزواج من الفتيات والفتيان قد حسنت وجوههم واعتدلت قدودهم وغمرهم بشر عجيب وهم فرحون مرحون، يعبثون هنا ويجدُّون ويتراقصون في هذه الناحية ويسمرون في تلك الناحية، والملك مسحور مبهور يرى كل شيء ولا يحقق في نفسه مما يرى شيئًا، وشهرزاد تقول له في صوتها الهادئ الذي يقع في نفسه كأنه قطعة من هذا الجو الفرح المرح: «لا بأس عليك يا مولاي! فإنك ترى هؤلاء الأزواج من الفتيان والفتيات، وتسمع لأصواتهم الجادة والعابثة، ولكنهم لا يرونك ولا يسمعون لنا حين نتحدث؛ لأنهم لم يخلقوا بعد، ولكنهم سيخلقون في يوم من الأيام. ألم أحدثك بأني ساحرة؟! فقد قصصت عليك العجب من أنباء الماضي، فأنا أقص عليك العجب من أنباء المستقبل، ولكنك يا مولاي لا تؤمن بالقصص، وإنما تتلهى به كما يتلهى به عامة الناس، ولو قد آمنت بالقصص كما تؤمن به شهرزاد، لما رأيت فيما تشهد الآن سحرًا ولا فتنة، ولرأيت في هذا العالم الذي يبتدعه القصص ملجأ تأوي إليه وَوَزَرًا تعتصم به إذا ضاقت نفسك بهذه الحياة الراكدة التي يحياها الناس حين ينامون وحين يستيقظون وحين يضطربون في أمورهم اليومية. هلم يا مولاي، فقد بدأنا رحلة لم نتقدم فيها إلا قليلًا.»

ثم تنهض متثاقلة، وتُنهض الملك متلطفة، وتمضي به أمامها وقتًا لا يدري الملك أطال أم قصر. ولكنها قد انتهت به إلى حافة البحيرة، فوقفت وأشارت بيدها في الفضاء أمامها، وقالت للملك: «انظر يا مولاي! ألا يشوقك أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء من النعيم!»

وينظر الملك فيرى أسرابًا لا تحصى من الزوارق قد ملأت البحيرة مختلفة ألوانها مزدانة أجمل زينة وأروعها، يغمرها الضوء فكأنها تسبح فيه كما تسبح في الماء، تصدر عن بعضها الموسيقى، ويصدر عن بعضها الغناء، وكلها يصور الفتنة والسحر والجمال.

ويهم الملك أن يقول شيئًا، ولكن شهرزاد تضمه إليها رفيقة به وتقول له في صوت فاتر ساحر: «لا تقل شيئًا يا مولاي! فقد خلصت نفسك لي كما خلصت نفسي لك منذ الليلة. انظر إلى هذا الزورق يا مولاي! إنه يدعونا فلنجب دعوته. إنك لن تستجيب له حتى تنحسر عنك أيامك المثقلة بالهموم والأحزان والتجارب، وإني لن أستجيب له حتى أعود كما كنت قبل أن أتحداك وأتحدى عندك الملك والموت والحب جميعًا. هلم يا مولاي لنعد إلى شبابنا القديم النقي الذي لا يدنسه إثم ولا تشوبه فتنة ولا تثقله تجربة، وإنما هو ناصع كضوء الشمس، رقيق كضوء القمر، حلو كابتسامة العذراء.»

ويرى الملك نفسه مع شهرزاد في زورق من هذه الزوارق الرائعة التي تسبح في الماء والضوء والموسيقى والغناء جميعًا، ولكن ماذا؟ هذه يد تمس كتف الملك، وهذا الملك يثوب إلى نفسه فجاءة، وإذا هو نائم في مكانه من زورقه ذاك قد غلبه النوم على شعوره المستمتع بما كان يجد من لذة ونعيم، ثم ردته اليقظة لا إلى شعوره ذاك، ولكن إلى صوت يعرفه لأنه سمعه قبل ذلك، وإذا هذا الصوت يقول: «فلما كانت الليلة الثانية عشرة بعد الألف قالت شهرزاد.»

ثم ينقطع الصوت، ويمد الملك عينه ويمد سمعه، فيرى شهرزاد مغرقة في نوم هادئ، ويسمعها تقول في صوتها الرائع الحلو: «بلغني أيها الملك السعيد أن فاتنة قالت لأبيها: ذلك سرِّي الذي ستفهمه حين أزيل عنه الستار.»