الفصل الثالث
مأساة تحل بالأسرة
مرت السنون وكبرنا . وسرعان ما آن أوان سفري للالتحاق بالجامعة . وقبل رحيلي إلى ألمانيا مباشرة مرضت إليزابيث بشدة بالحمى القرمزية ، واستبد بنا جميعا القلق من أجلها ، وما زاد الأمر سوءا أن الطبيب أخبرنا أن نبتعد عنها خشية أن تنتقل العدوى إلى أي أحد آخر .
تولى الطبيب الاعتناء جيدا بإليزابيث . وبعد مرور أسبوع من مرضها جاء إلى أمي بوجه حزين وأخبرها بأن حالة إليزابيث تدهورت ، فلم تحتمل أمي الابتعاد عنها أكثر من هذا ، فهرعت إليها واعتنت بها حتى استردت صحتها . لكن سرعان ما تحول هذا الحب إلى مأساة ، ومرضت أمي أيضا .
تمكنت الحمى القرمزية من أمي ولم تفارقها ، وساءت حالتها أكثر ف أكثر . وقبل موتها مباشرة طلبت أمي أن تراني أنا وإليزابيث . جلسنا إلى جانبيها في سكون كل منا يمسك بإحدى يديها . ومع أن وجهها كان شاحبا فقد ظلت جميلة .
شخصت إلينا في محبة بعينيها الشفوقتين ، وابتسمت وهي تخبرنا بأنها تريدنا زوجين ، وكانت تعلم أننا كنا صغيرين على أن نتزوج على الفور ، لذا جعلتنا نقطع لها وعدا بأن نتزوج عندما نكبر . لم نندهش أنا وإليزابيث من طلبها؛ إذ كنا نعلم دائما في أعماق قلبينا أننا سنتزوج في نهاية المطاف . ووعدناها برضا تام بأننا سنتزوج حالما أنتهي من دراستي . عندئذ طلبت أمي من إليزابيث أن تعتني بأسرتنا بعد رحيلها ، وأرادتها أن تربي إيرنست وأخي الأصغر ويليام الذي كان رضيعا بعد ، فوعدتها إليزابيث بأنها ستشملهما بأحسن رعاية . وبعدما ودعت أبي وداعا مليئا بالحب ، رقدت أمي رقاد الموت في هدوء .
بكيناها بكاء مرا ، وافتقدنا وجودها كل يوم . لكن الحقيقة المرة هي أن عجلة الحياة لا تتوقف؛
فبعد مرور وقت قليل أخبرني أبي برغبته في أن أذهب إلى الكلية ، وأنه يتفهم أنني أفتقد أمي وأنني أريد أن أمكث لمؤازرة أسرتي ، لكنه أخبرني أنه لا ينبغي أن تتوقف حياتي بسبب حزني؛ ففي النهاية تعليمي أهم من حزني .
لم أشأ أن أترك أسرتي في خضم حسرتها الشديدة على موت أمي المفاجئ ، لكن إليزابيث حدثتني على انفراد في أحد الأيام ونصحتني بالذهاب .
قالت إليزابيث في هدوء : فيكتور ، كلما عجلت بإنهاء دراستك استطعنا أن نتزوج سريعا . كانت أمنية والدتك عند موتها أن ترانا سعيدين . لا بد أن ترحل إلى ألمانيا . لو « . كانت والدتك على قيد الحياة لكان هذا ما ستريده .
علمت في قرارة نفسي أن إليزابيث على حق . وقد كانت محقة بشأن الكثير من الأمور . وأصبحت إليزابيث الصخرة التي نعتمد عليها كلنا؛ إذ كانت قوية واعتنت بأبي وأخوَي عناية خاصة ، وأغدقت علينا الحب من قلبها العطوف الرقيق ، فكان حبي لها يزيد مع انقضاء كل يوم . أحببتها حبا عميقا . لقد كانت إنسانة معطاءة . ولمّا علمت أن أسرتي في رعايتها سهل عليّ الرحيل كثيرا .
وفي الليلة التي سبقت يوم رحيلي إلى ألمانيا جلسنا أنا وهنري وإليزابيث في المطبخ نحتسي مشروب الشيكولاته الساخنة ونتسامر . تذكرنا قصصا من طفولتنا ، و تحدثنا عن أحلامنا ، ولم يرد أحد منا أن ينام ، لذا سهرنا طوال الليل . واحتسينا طوال الليل بلا انقطاع قدحا تلو الآخر من ذلك المشروب الحلو الدافئ .
وعندما أشرقت الشمس في الصباح التالي لم يرد أحدنا أن يفارق الآخر . وبعد ساعتين كانت حقائبي جاهزة وموضوعة في العربة . وأخيرا حان وقت الرحيل . عانقت أبي عناقا طويلا ، وطلبت من إليزابيث أن تعدني بأن تكتب إليّ بلا انقطاع . وحبس إيرنست دموعه وأمسك بالرضيع ويليام بقوة ، وصافحني هنري بكل قوته .
لقد ودعوني وداعا حارا رائعا . « !
دلفت داخل العربة وقلت لهم : لا تقلقوا جميعا ! سأراكم عما قريب .
بهذه الكلمات بدأت الرحلة الطويلة إلى ألمانيا .
استلقيت في المقعد ونظرت من نافذة العربة إلى منزلي الذي أخذ يتضاءل شيئا فشيئا في الفضاء . ولأول مرة في حياتي صرت وحيدا تماما .