الفصل الخامس

8 0 00

الفصل الخامس

اليوم مشبع برائحة البحر اللاذعة بروما الكبيرة بشوارعها الراقية الرومانسية

كانت تعرف ان اليوم سيكون حافلا لها لكن رغم ذلك ترك لها الوقت لتفكر في رجلها في حبيب قلبها الذي حفر اسمه لابل كل حرف من حروفه

في كل خلاياها وتشعب فيها ليتغلغل في عمقها

لاتعرف كيف سيطر عليها لكن تكاد تجزم ان لتك النظرات القاتمة خضرة السحر الكبير في ذلك

ولا تريد حتى ان تسيطر على ما ينتشر يوما بعد يوم ساعة بعد ساعة وفي كل الثواني في كيانها بل تترك له الحرية في التفشي داخلها دون ان تقاوم

هل يكون ذنبا ان هي تركت لنفسها فرصة ان ترى السعادة ان تتلمسها بيدها كنور جميل هل على سماءها الرمادية اخيرا ليزيح ثقل الغيوم ويبعثر ما في الجو من ضباب على سحر ضوءه الدافئ

ان هي وصلت الى ما هي فيه فبقدر مقدر من الله سبحانه وتعالى وهي سعيدة به فلربما سترى بعد تعاستها السعادة

اما اختها فستنفذ لها اخر وصية لها وستكون صريحة معه بعد الزواج

ستخبره بكل الامور التي احيكت خلف ظهره والتي وجدت نفسها متوغلة فيها بدون قصد منها

هل سيتفهم؟؟ هل سيرضى؟؟ لا تجزم شيء هي غير قادرة على معرفة ردود افعاله كيفما كانت

لكنها اكتشفت انه رجل قاس وغيور اما ان اغدق عليها الحب فانها تعلم انها قد تموت فقط في حبه لن تفقده مهما حدث ستكون صادقة

رغم أن كلمة صادقة ملونة معكوسة شيء ما عن معناها الاصلي

ستكون وفية للاثنين اختها في تنفيذ وصية كانت مشئومة لكن لم تعد كذلك بسببه

وستكون ..صادقة معه فالصراحة هي اقصر الطرق رغم انها أألمها الا انها بعد ازاحتها قد يكون لها السلوى بين ذراعيه ..ستعترف لكن ليس ألان.

في هذا الصباح توصلت بهاتف من فرح تعتذر منها عن المجيء بسبب مغص ما وحزنت عليها تتمنى لها الشفاء

بعد ذلك اتى اخوها ادواردو الوسيم دي الطلعة القوية التي توحي بالاتزان والغموض انه رجل حنون لقيت منه حنانا اخويا فياضا لم تعهده او تفكر انها في يوم ما ستجده لكم تمنت ان يكون لها اخ وها هو فعلا اكبر منها وانضج واكثر تفتحا في افكاره والحمد لله فلم ينظر اليها ابدا بشكل كيفما كان لا لطريقة ملابسها ولا لدينها .

دخل الاخوان الى السيارة و كان يعلو نظرة اخيها تحفظ كان غاضبا من الرجل الذي ترك اثرا في الاصفر المخضر على فكه وعينه

اجل انها اخته لكنه لا يعرفها لا يعرف عنها سوى ما كان والده يتقصاه

ذلك الرجل البارحة زاد من حيرته وقرر ان يعدم هذه الحيرة ويسألها بعد ان تحرك بسيارته الرمادية البم دابليو

تنحنح في مكانه واخته تلك العصفورة الجميلة تجلس في ثيابها المحتشمة بقربه تلك الملابس التي رآها بها رمزي ثوب اخضر وجينز ازرق وحجاب اخضر فاتح يبرز بياض سحنتها وروعة عيونها الخضراء نظر اليها لوهلة وشاهد اطياف سعادة تلوح من نظراتها التي تبدو تائهة عن الصور امامها

قرر الكلام فلابد له من تعميق هذه الاخوة :

- اختي .....

لم تجبه كانت هائمة في افكارها التي تغرد شوقا لطيف رجل بعيد الان في شركته ومكتبه وبين موظفيه نطق مرة اخرى بصوت اعلى :

- ايمان ...

التفتت له اخته واعتدلت في جلستها تقول:

- اسفة ادوارد هل كنت تحدثني ؟

ابتسم ابتسامة متسامحة وسألها بصوت هادئ متمكن :

- وما سبب شرودك اختي العزيزة ؟

احمرت وجنتاها وشعرت انها فراشة خفيفة في مكانها تمنع ابتسامها:

- لا ...لا يوجد امر

- اذن لابد لي من السؤال عن احداث البارحة التي تركت اثرا في وجهي اليس كذلك؟

نظرت اليه ايمان بمحبة واسف تضع يدها على ساعده :

- اسفة لست ادري ما اقول حقا لم اكن اتوقع حدوث امر مماثل فعلا

رفع يده مؤشرا وامسك المقود قائلا يهدئ من روعها:

- لا عليك ...لكن اظن ان لي الحق في معرفة صحة اقوال ذلك الرجل هل فعلا ستتزوجين منه؟

هزت راسها ووجهها ممتقع من الخجل :

- اجل ...

رفع ادوارو راسه بتعجب حاول عدم اظهاره لكن شيء ما في دمه تحرك نحوها وكانها الغيرة الاخوية عليها من ذلك المتوحش:

- الم تجدي سوى ذلك الوحش حتى ترتبطي به اختي ما الذي اعجبك فيه حتى توافقي على طلبه هل تحبينه؟؟ غيرته وعدم ثقته لم يعجبانني قطعا

نظرت اليه ايمان مشدوهة من كلامه لكنها لم تجبه بل اخفضت راسها تحدق في اصابع يدها التي تتلوى في حضنها رغم ما فعله رمزي بادواردو فهي لم تحبذ ابدا ان يتكلم عنه اخوها بهذا الشكل وشعرت بنرفزة غريبة وكانها تريد ان تدافع عنه بشدة

لاحظ ادواردو ذلك فامسك يدها معتذرا:

- اسف اختي لم اقصد حقا ازعاجك انها حياتك الخاصة وليس لي دخل فيها

حركت ايمان راسها تضم يدها على يده:

- لا انت اخي لك الحق في معرفة اموري والا لما نحن اخوة اذا...في الحقيقة كنت اريد التحدث معك عنه ...انه شهم رغم صلابته ومغرور لكنه حنون في تصرفاته قاس لكنه يبدي اهتماما صادقا نحوي وهو لم يتعدى حدوده معي يوما محترم رفيع الذوق شهم متحدث لبق

نظر اليها اخوها بشبح ابتسامة ساخرة لم تلاحظها وهي تهيم وصفا فيه دون ان تشعر اكملت ونفس الارتجاف من الغرام يهز اناملها وكيانها سعادة :

- يريد الزواج مني فعلا ...خالتي افرين وزوجها سيأتيان اليوم وسيمكثان في شقتي فالسيد رمزي سياتي واهله لخطبتي منهم

نظر اخوها بحب لها والابتسامة لطيفة على محياه الرجولي :

-اسمه رمزي اذن.. انا سعيد لاجلك .. اتمنى لك السعادة اختي واتمنى الا يكون زواجك هذا مثل زواجك الاخير

لاحظ انكماش ملامحها بانزعاج فهمس معتذرا:

-سحقا يا لي من ارعن ... اسف اختي لم اقصد ان اجرحك بكلامي عن ...اسف ..اسف.

ابتسمت له تضع يدا لطيفة على كتفه الصلب

- لا عليك لابد من انك ستاتي لحضور الخطبة اخي ؟

ادار راسه يريد الاجابة بانه موافق ليلاحظ في تلك اللحظة لمعان الخاتم في يدها فقال:

- اليس هذا خاتم خطبة ؟

هزت رأسها بالموافقة:

- رمزي أهداه لي قبل أن يكلم أهلي وأظن انه حضر أوراقنا بعد ثلاث أسابيع نتزوج ان شاء الله

هز رأسه مبتسما نظر إلى الشارع الذي اقتربا منه وبحث بعينيه عن مكان يرص السيارة فيه :

- جيد أتمنى لكي السعادة سوف أحضر طبعا ...فلنرى مكانا نترك به السيارة

سألته وقلبها ينبض في صدرها:

- هل وصلنا إلى بيت زوجة أبي ؟

أومئ برأسه إيجابا و أوقف السيارة مطفئا محركها ترجل الاثنان منها وتبعت اخاها بعد ان اغلق السيارة تجاري خطواته الواسعة نحو البيت

كانا يقتربان من بيت كبير له سقف من قرميد احمر داكن ولونه رمادي وكأنه بناء فكتوري قديم تحوطه سور عالية تتدلى منها الأزهار المنتشرة عليه بتراخي وبداخله حديقة غناء بأشجار عالية تطل بخجل من خلف الأسوار

انه بيت زوجة أبيها الثالثة من بعد أم ادواردو وأمها هي ولادان

انها هنا ليس لرؤيتها هي بالذات لكن لرؤية اختها الصغيرة ماريا ذات السنوات الثالث عشرة وهي متوجسة وجلة من هذا الامر كيف سيكون استقبالهم لها هم كعائلة ايطالية ؟؟ وهل ستتقبلها أختها ؟؟

تقدمت خادمة ترتدي ملابس زرقاء شاحبة على مريال ابيض وقبعة تتوج شعرها الاسود المصفف بإتقان

نظرت لادوارد وكانها تعرفه بينما انتقلت نظرتها المتسائلة الى ايمان وملابسها الفضفاضة

تحدث ادواردو وهو يزج مفاتيح السيارة في جيب سترته الرمادي :

- هل السيدة ارسولا هنا ؟

حركت الخادمة رأسها بإيجاب واضح تشير بيدها الى الداخل:

- تفضل سيد ادواردو انها في المنزل طبعا تنتظرك

تحت وطأة نظرة تلك الخادمة شعرت ايمان بالبرود يسري في جسدها فامسكتها يد اخيها تواسيها بحب وهمس لها:

- ان السيدة ارسولا تكون والدة اختنا عزيزتي وزوجة ابينا انها قاسية نوعا ما هكذا طباعها لقد حدثت ماريا الصغيرة كثيرا عنك يا ايمان وكانت متشوقة لرؤيتك

حركت رأسها بثقل ودلفت البيت بعد ان صعدا درجه الابيض اللامع

دخل الاثنان الى صالة أثاثها رفيع الذوق ألوانه تتراوح بين البني الفاتح جدا والاخضر الفاتح ايضا تناغم رقيق وعذب في تلك الالوان التي تشبع النفس بهجة وراحة

لكن ايمان كانت مضطربة تحت ثقل نظرة تلك المرأة

كانت ارسولا رشيقة بشكل كبير او اكثر من اللازم ان صح القول فبروز عظام وجنتيها تدل على حمية قاسية ...عيناها عسليتان حادتان ورموشها معقوفة فوق انف حاد مرفوع بترفع قاتل يظهر فتحتا انفها الضيقتان

ويتوج راسها شعر اشقر فاتح مائل للبياض لونه غريب يسحر الناظر اليه

ابتلعت ايمان ريقها وتقدمت مع ادوارد الذي ابتسم يقبل يد المرأة الجالسة تتصفح احدى المجلات:

- صباح الخير سيدتي ارسولا كيف حالك ؟؟

نظرت اليه ترفع حاجبيها بتساؤل في ملامحه المزرقة من لكمة رمزي همست بصوت انيق في لهجته يدل على شخص اعتاد الاجواء الراقية:

- بخير ...كيف حالك انت ...لا تبدو لي بحال افضل؟

لمس ادواردو تلقائيا العلامة على فكه وابتسم:

- انني افضل حالا سيدتي تشكرين

اعادت نظرتها المتعجرفة لإيمان تسأله وكأن الفتاة لا قيمة لها في الكلام:

- هذه...هي ايمان ساميريز

كانت ايمان عكسها تماما رشيقة لكن ممتلئة القوام في الاماكن المناسبة فقط طويلة وذات بياض مشرب بلون كريمي يعكس جماله حمرة وجنتيها الخفيفة واشراقة عينيها الخضراواتين الواسعتين برموشهما المعقوفتين بدون ماسكرا او اي مقوم

شفتاها المطعمتان بملمع فاتح لا يظهر سوى عذوبة ثغرها الذي افرج عن بسمة تلهب الحواس

وبملابسها المحتشمة الرفيعة ايضا كانت زهرة طرية تبعت على البهجة كانت نضرة بشكل كبير

ظلت نظرة ارسولا تقيمها فدنت ايمان منها تقبل يدها باحترام مثل ادواردو ولم تتكبد اورسولا عناء اشاحة يدها فكرت ايمان

انها مغرورة تتمنى ان تكون ابنتها ماريا عكسها تماما همست ايمان:

- انا هي بشحمها ولحمها سيدتي وسعيدة بلقائك

حركت السيدة راسها وهي غير راضية عن مظهر الفتاة المحتشم ونظرت الى ادواردو :

- يمكنكما البقاء فماريا ستأتي بعد قليل من المدرسة سأصعد لارتاح قليلا في غرفتي فعلي ان اذهب لوالدك في المستشفى هذه الليلة

وقفت بأناقة ورمت المجلة على الطاولة ومشت بسروالها البني وقميص بدون اكمام ابيض ناصع يظهر النمش على جسدها دون اي اهتمام لتصعد الدرجات نحو غرفتها بكل اعتداد

تنهد ادواردو ممتعضا من برود تلك المرأة وغموضها :

- لقد اجتزتي الامتحان يا اختي الحمد لله انها لم تطردك من المنزل كما فعلت معي في المرة الاولى لقدومي هنا

جلست ايمان بالقرب منه على الكنبة :

- هل هي صعبة الى هذه الدرجة ؟

حرك رأسه بإيماءة يجذب هاتفه من جيبه:

- اجل انها عنصرية ...أعذريني سأجري إتصالا وأعود

تركته يخرج نحو الحديقة بينما تركها هي تشعر وكأنها دخيلة عن بيت ابيها ...ابيها تنهدت يارب اللهم اشفه وعافه يا رب تتمنى ان يصبح حاله افضل لا يمكنها ان تفعل شيء تخاف ان تزوره فيزداد حاله كما البارحة لدى ستبتعد عنه وتتقصى اخباره من اخيها هذا افضل من لا شيء

بعد ان دخل ادواردو وأنهى مكالمته التي كان يوجهها لامه العزيزة بقي بالقرب من ايمان يكشف لها عن حياته عن بعض من مغامرات طفولته عن مصاعبها ايضا وهي اخبرته عن ما مر معها رغم ان قلبها كان يعتصر في صدرها وقد كان يعرف مسبقا بما حصل معها وذلك ملأ قلبها بالدفء لان هنالك شخصا يقف في صفها ويتمنى لها السعادة

كانت لا تستطيع حتى التفكير به فما بالك ان تخبره فاحتفظت لنفسها بعدة اسرار

سمع الاثنان صوتا جميلا صبويا آتيا من رواق المنزل الذي يفضي للصالة الكبيرة حيث هما متواجدان:

- لا يا كارمن ... انا لن اذهب الان لاستحم حتى ارى اخي خذي حقيبتي ...

دخلت الفتاة للصالة بصخب قافزة باشراق ومبتسمة بحبور يتقافز شعرها وراء ظهرها بنعومة وتتطاير شرارة السعادة من مقلتيها الرماديتين كوالدهم و...كأختها لادان رحمها الله

توقفت الفتاة لحظة بخجل وتحفظ هامسة :

- اسفة لم اعرف ان معك احدا

اقتربت ماريا من الاثنين الذين وقفا لاستقابلها ومدت يدها بخجل ولكن برأس مرفوع:

- اهلا انا ادعى ماريا اخت ادواردو وأنت ؟

نظرت اليها ايمان مشدوهة في جمالها الغريب شعر اشقر مشرب ببعض البياض كوالدتها طويل يصل لنصف خصرها ناعم ومقصوص باحتراف تام وخصلات شعرها الامامية ترفعها بمشبك كرستالي باللون الازرق الفاتح في قمة رأسها

كانت ناعمة جدا تبدو كدمية باربي لكن اجمل منها بكثير بل بشكل طبيعي

ابتسمت ايمان تنظر الى اخيها المبتسم بدوره:

- انا لست سعيدة يا ماريا ؟

نظرت الطفلة لها بتساؤل وهي تقول رافعة كتفيها:

- لماذا؟

- لانك لم تعرفي اختك الواقفة امامك الان ... ماريا.. انا ايمان اختك يا عزيزتي

وضعت ماريا يدا على فمها شاهقة بتوتر ظهر جليا في موج عينيها نظرت تنقل نظرها باضطراب بين اخويها فتقدم ادواردو يضع ذراعه على كتفيها :

- اجل انها ايمان يا ماريا تلك الاميرة الجميلة التي كنت احكي لك عنها اختنا يا عزيزتي

اقتربت منها ايمان تسأل بحرج:

- هل يمكنني ان أضمك واقبل وجنتيك الجميلتين؟

تحركت ايمان وأخذتها بين يديها شعرت ايمان ان الطفلة ابعد من ان تكون اختا عادية لقد شعرت انها ابنة وكأنها ابنتها شعرت بعاطفة امومية تغمرها بشكل كبير وضمتها تقبل رأسها وتمرر اصابعها عليه فضمتها ايمان بذات القوة هامسة:

- احبك يا ايمان...

نظرت اليها ايمان مبعدة اياها قليلا وتشهد الدموع في عينيها فقاومت دموعها هي ايضا:

- ارجوك لا تبك اختي انا هنا بالقرب منك واحبك ايضا كما تحبينني لا تعرفين بماذا اشعر انت ملاكي الصغير .

فتحمست ماريا تضحك بحب طفولي وتهور :

- هل يمكننا اللعب وشراء ما نريد وان نذهب الى الملاهي و...

قالت ايمان تتذكر مسؤولية الزواج التي تنتظرها وزوجها الذي لا تظن انه سيترك لها متنفسا بعد الزواج :

- اه ...لست ادري حسب الظروف يا قلبي

نظرت ماريا وقد ذبلت ابتسامتها تنظر الى اخيها والى ايمان تمط شفتها السفلى بعدم رضا :

- لماذا ...ماهي ظروفك ؟

همست ايمان بابتسامة لم تقدر ان تخفيها وبدت شفتاها لامعتين برقة فوق صف متراص من اسنانها تلك اللآلئ البيضاء النقية :

- سوف اتزوج يا قمري ...واتمنى ان تكوني بالقرب مني عندما افعل ذلك عزيزتي

قفزت ماريا فرحا في الغرفة وضمت اختها بحب سعيدة بخبرها ذاك كانت السعادة تطفو في الجو بينهم بجو اخوي حقيقي تحمد ايمان الله عليه من صميم قلبها

ضمت ماريا البريئة نفسها لاختها بحب مغمضة العينين وبعد ان فتحتهما نظرت لاخيها تشير بتساؤل لوجهه:

- هل تضع ماكياج المهرجين اخي ؟

نظرت ايمان تبادل ادواردو نظرته المكشرة وضحكا معا فقال لاخته يعبث بشعرها الفاتح :

- اجل لكي اجعلك سعيدة فهل انتي كذلك ؟

ضحكت بطفولية ورقة:

- انا سعيييدة بتواجدكما معي لن اخاف بعد الان

نظرت اليها ايمان بحب وتفهم انها تشعر في بعض الاحيان بنفس ما تشعر به الصغيرة هذا التشتت الذي عاشته في حياتها وما اصابها في الماضي لايزال يقض مضجعها لربما المشاعر الذي اجتاحت عالمها السوداوي قد رسمت فيه اطياف قوز قزح الا ان شبح الماضي لا يزال مسيطرا من بعيد

ولكن ما ان تشعر انها قريبة من رمزي تنسى كل الهموم كانه دواء قوي لكل خلاياها التي انتعشت بنظراته وكلماته لم يصلها منه شيء بعد لكنها اصبحت متعطشة لغزله الذي يلويها عن كل شيء

*******************************

في ليلة ذلك اليوم بقصر عائلة الاندلسي

كانت العائلة مجتمعة في الصالة الكبيرة بأسفل القصر

كل من والدا رمزي السيد مصطفى و السيدة امينة واحمد ابن خالته و خالد اخو رمزي وزوجته كانت فرصة سانحة لرمزي لكي يطلعهم على مستجدات حياته التي دائما ما يتخذها بنفسه

عدل عن فكرة دخول الصالة الواسعة قبل ان يأخذ حمامه ويتوضأ لصلاة العشاء التي بسبب ذلك الاجتماع الممل والمتأخر قد فاتته

دخل غرفته في جناحه غرفته الواسعة المساحة

سجادة تركية منبسطة على كامل الغرفة في لونها الاحمر القاتم

تتوسطها شجرة كبيرة بين اللونين الاصفر الغامق والأخضر القاتم تمد عروشها بشكل بديع

تماشت جماليتها مع كراسي الجلد الاحمر القاتم قرب الشرفة التي ارتمت على جوانب نافذتها الطويلة ستائر خمرية تميل في الاتجاهين بعدة ثنيات لا تعد ولا تحصى

سريره الضخم الواسع الذي يليق بضخامة جثته وطوله كان يتوسط الغرفة كانه تاجه المهيب

كانت الملاءات المنتفخة التي تغري بالقفر للغرق فيه كبحر من الدماء الحارة لونها احمر قان دافئ للعين والجسد ووسائدها بين اللونين الاحمر والاسود

بالقرب من السرير على الجانبين منضدتين صغيرتين مزخرفتين بزخارف ذهبية على خشب لامع بني اما خشب السرير المرتفع عاليا عن الارض فشكله راق دو ذوق رفيع

يحب القوة في كل اثاثه شيء من السلطة يتماشى مع حسه الرجولي وطباعه المتحدية العنيدة

كان جسده متعب بالاخص من نومه البارحة في سيارته السوداء نزع قميصه الاسود وبقي بقميص ابيض بدون اكمام يظهر انتفاخ صدره الذي روضه بالرياضة .

وعضلات كتفيه المتينتين وقوة ذراعيه كانت تظهر انه يتمرن تمارين قاسية حتى ظهره كان ينقسم في الوسط بغرور معتدل ومجدول على كتفين معضلتين

بعد ان اخذ حمامه المعتاد لم يحلق ذقنه التي يحافظ لها على نمو خفيف

اخذ له قميصا ابيض واسعا وطويلا يصل قدميه للصلاة وطاقية بنية من الصوف الرقيق المخرمة ليضعها على شعره الذي ارجعه الى الخلف مسد لحيته امام المرآة انها هكذا افضل كانت ملابسه تشع بياضا ونقاء مثل افكاره في هذه اللحظة لانه لا يحبذ ان تطرق اية فكرة عقله وهو في خضم الولوج لعبادة الله

امسك سبحته السوداء المرقطة بالأبيض ولفها في يده اليمنى فرد سجادة الصلاة

الخضراء القاتمة التي عليها صورة الكعبة الشريفة امامه وبدأ صلاته رافعا يديه

- الله اكبر ..

فُتح باب غرفته بخفوت واقترب صبي صغير يبدو في عينيه الطفوليتين رطل من الشقاوة

كان يتحرك ببطء وما ان سجد رمزي واعاد جلوسه حتى لف الصبي ذراعيه على عنق رمزي لم يدهش رمزي بل لم يعر الصبي اهتماما ترك له حرية الركوب على ظهر وكان الصبي يصدر اصواتا كانه يقود حصانا ما ممتطيا ظهر رمزي العريض وقد كان يميل في كلا الاتجاهين لكن رمزي كان يحذر في جلوسه كي لا يطيح به خلفه

فقال الشقي بصوته الطفولي واسنانه الغير مكتملة:

- هيا عمي...عمي العب معي ...هيا ...هيا...

فاضطر رمزي الى الوقوف في صلاته حاملا الصبي فوق كتفيه مصليا به رغم تعبه

بعد ان بقي الصبي بمشاغباته يستغل عدم تجاوب عمه معه ويزيد من الاستمتاع بركوبه عليه والتعلق بيديه الصغيرتين مقارنة بقوة رمزي انهى رمزي اخيرا ركعاته مسلما ذات اليمين وذات الشمال فانقض ممسكا الصبي من فوق كتفيه الصلبتين ليضعه ارضا امامه ماسكا خناقه بلطف مكشرا يدعي الغضب:

- ايها الولد الا تتعب لقد كسرت ظهري يا رجل .

وبدأ جواد الصغير في الضحك بسرعة غريبة ورمزي يدغدغه كعقاب له

والصبي يتلوى ويضحك مغمضا عينيه بين يدي رمزي الذي ابتسم مما زاد من وسامته رغما عنه لم يستطع ان يدعي الغضب طويلا

رفع يديه في دعاء صامت به كل الامنيات العزيزة على قلبه طالبا تيسير الامور والشفاء لامه مسح على وجهه

وامسك الصبي بيد واحدة تحت ذراعه مطوحا به في الفضاء مدركا ان الصبي يستمتع بذلك

صرخ الصبي ضاحكا:

- هههههه ...عمي ارجوك در بي هههههه كالطاحونة .... انني اطير ...در بي...

تجاهل رمزي طلبه وشبح الابتسامة يغطي فمه

رماه رمزي باهمال فوق السرير فضحك الصبي بقوة وضحك معه رمزي الذي جلس بجانب السرير قرب الابجورة الخمرية ينظر اليه كيف اخذ في التخبط بين الاغطية ووقف على ركبتيه ينظر اليه بعينين حادتين يذكرانه بعيني جده رحمه الله وفيهما كل العزم والاصرار:

- عمي العب معي ...العب معي

تكلم رمزي عاقدا حاجبيه بصوته الخشن الآمر:

- اجلس هنا بالقرب مني سأقرأ بعض القرآن فاستمع الي ...اخبرني اولا هل بدأت تحفظ القرآن ايها الولد؟

جلس الصبي بالقرب من عمه يطوح بقدميه يهز راسه وينظر الى عمه وهو يفتح القرآن ضاما الصبي بالقرب منه ليقرأ بصوت مرتفع يسمعه كلاهما فقط

بعد ان تلى عليه ايات من سورة البقرة شعر ان الصبي رمى بثقل راسه الصغير الاسود الشعرعلى أضلعه

توقف للحظة يطل براسه على الصبي فابتسم رافعا احد حواجبه السوداء ساخرا

كان الصبي يغمض عينيه ويعيد فتحهما وبعدها بلحظات غفى تماما وضعه رمزي في السرير واقفل القرآن ليضعه في مكانه ازال السبحة من يده ودسها في جيب قميصه الابيض الطويل خرج من الغرفة المنارة بإنارة الابجورتين القاتمتين

ابتسم لذلك الطفل الشقي سبحان الله انه فعلا يحمل دماء عائلة الاندلسي الحقيقية

تذكر ايمان تلك الفاتنة يا الله ما ابدعت في خلقك لم ارى لمبسمها جمالا شفتاها وتكوينهما في الابتسام شيء خارق للعادة بل خارق لقلبه مستعمرا في نفس الوقت فكره

نزل الدرج الذي يقوده الى صالة الاجتماع العائلي

لابد ان خالتها وزوجها معها في الشقة الان يصعب عليه زيارتها الا وهو مع عائلته لخطبتها

يشعر بشوق مؤلم الى لحظة زواجهما يحتاج ان يستفرد بدلالها وعينيها الحادتين وجمالهما يتساءل كيف يا ترى سيكون شكلها وهي تغويه بجمال عيونها وشفاهها تبتسم له باغراء تغير لون عيونه من العاطفة ونفض الفكرة

لقد فاز اخيرا وهو يطعمها من لذة وحلاوة تلك الخواطر التي ارسلها لها

علم الان انها ذابت في كلماته ويعد نفسه ان يرسل لها هذه الليلة ايضا شيء من ذلك

يتذكر انه اتم كل الاوراق ويعزم بمشيئة الله ما ان تتم الخطبة حتى يتبعانها بالزواج في البلدية المكلفة بذلك

بعد ان دخل الصالة في حلته تلك القلى التحية على والديه

واقترب ضاحكا من ابن خالته احمد الذي لم يره منذ مدة جذبه وضرب الاثنان على ظهر بعضهما وابعده مصافحا يده:

- اهلا يا رجل ...والله ما كذبت اختي عندما قالت فيك انك لا تظهر سوى مرة كل شهر مثل الهلال

سمعت الضحكات من كل فرد في الصالة الواسعة بكنباتها البنية المزخرفة باللون الذهبي جلسة دافئة بمن يملئونها بحضورهم فاجاب احمد بمرح:

- ههههه وها انا ذا يا اخي امامك كيف حالك يا صاح ؟؟

ابتسم رمزي بوجهه الرجولي الذي علته البشاشة:

- الحمد لله بالف خير

التفت رمزي لاخيه خالد واقترب منه هو الاخر مصافحا إياه ليضمه قائلا:

- اهلا يا اخي كيف احوالك؟

ابتسم خالد بمرح ضاربا على ظهر اخيه بمحبة :

- بخير يا اخي والحمد لله

التفت الى زوجة اخيه الحامل في شهرها الخامس وحياها بلباقة:

- اهلا بك زوجة اخي كيف حالك وصحتك مع الحمل ؟

همست بلطف وحجابها الوردي يلف وجهها الابيض العادي الملامح بعينيها البنيتين مبتسمة:

- بخير اخي اشكر الله ...

اقترب رمزي برشاقته المعهودة من امه العزيزة الجالسة بالقرب من والده ووضع ذراعا قويا حول كتفيها يسألها بحنان :

- كيف تشعرين امي هل ذهب الصداع ؟

هزت امه راسها وقبل جبينها مما جعلها تبتسم بفرح فوجه رمزي سؤاله بمكر لاخيه خالد:

- يا صديقي ابنك يسمن يوما بعد يوم ارفق به

ضحك خالد وزوجته ليقول رافعا كتفيه :

- احاول جهدي لكن مع العمل وزوجتي رئف الله بحالها لا استطيع عليه امرا انه حاد الطباع لكني اتمنى ان تصبح طباعه اقل شغبا في المستقبل ...لكن اتدرون انه يخاف كثيرا من رمزي فعندما يكلمه يجمد وكانه جندي أفنى عمره في الجيش

قال رمزي محركا راسه بدهشة :

- لقد اصبح قويا ويستطيع فتح الابواب والتسلل الى الغرف يا رجل اخاف ان يمتهن مهنة الجاسوسية تعرف كنت اصلي ولم اشعر حتى ركب ظهري كالحصان ههههه

ضحك الجميع معه واعتذرت زوجة خالد محتقنة بالخجل:

- اسفة اخي رمزي لقد غافلني وذهب يجري مناديا باسمك لم استطع ان اركض لمنعه

ضحك بدوره بمرح:

- لا عليك فانا احب ذلك الصبي لقد نام قرير العين في غرفتي فدعوه لا تزعجوا راحته ان كنتما ستذهبان دعاه الليلة سأهتم به و اعيده غذا صباحا حتى تأخذانه للمدرسة

عبر احمد بيديه ينظر الى خالد سائلا:

- لما لم تفكر في ادخاله احدى الصالات الرياضية ليتعلم ...رياضة الدفاع عن النفس مثلا

تكلم خالد ينظر الى زوجته والى الباقين:

- فكرة رائعة سأبحث له عن مكان مماثل فلربما صقلت مواهبه القتالية ههههههه اخاف على زوجتي منه انه عفريت صغير مناور.

تكلمت السيدة امينة تبحث عن يد ولدها رمزي الذي تلقفها وقبلها بحنان :

- كنت اتذكر ايام طفولة رمزي كان شديد المشاغبة في ذلك الوقت عكس خالد تماما سبحان الله وما ان ارى... كيف اصبحا حتى ادهش في حكمة الله سبحانه

شعر رمزي بالم والدته فكلمة (ارى) ان خرجت فهي تخرج من شفتيها كآهة الم تخفيها امام الاخرين بحنكة

لا يترك للحزن ان يسيطر عليه

متفائل جدا ويطلب الله سبحانه في كل صلاة ان يستجيب دعاءه ويشفيها من مرضها

فهناك العديد من الناس اجريت لهم عملية استئصال الاورام تلك ونجحت والحمد لله يكملون حياتهم بطريقة طبيعية

فكر رمزي ان الوقت مناسب جدا لجذب الموضوع الذي يتشوق للحديث عنه والذي يدري انه سيكون مصدر سعادة لامه رغم انها تعرف بالخبر الا انه لم يخبرهم عن اليوم بالضبط:

- احم ..اتمنى ان تستمعوا لي انا ان شاء الله وبحوله انوي خطبة الانسة ايمان من اهلها بعد غذ على ابعد تقدير لذلك قررت ان اخبركم حتى يكون لكم علم بذلك

مرت همهمة سعيدة بين افراد العائلة وقال رمزي محدثا والده مصطفى :

- ابي اريد منك ومن امي ان تأتيا معي اليها ان شاء الله وانا سأعلمها بمجيئنا لدى لا تحمل هما للعمل كيفما يكون سأتحمل مشقته عنك

تكلم والده الكبير في سنه والذي لا يزال طاغي الرجولة رغم شيب شعره:

- اتمنى لك السعادة يا بني انت تستحقها

ابتسم رمزي كاظما على السعادة لكي لا تفضحه امامهم فهو كرجل لا يحب ان يظهر مشاعره كيفما كانت للاخرين ضحك احمد ابن خالته مازحا:

- يقال في مثل مغربي من يسعى لحلاوة العسل فعليه ان يصبر للسعات النحل

عقد رمزي حاجبيه بغرور :

- ماذا تعني بكلامك يا استاذ احمد؟

ضحك احمد معتذرا:

-ههههه لا لا...لا شيء سيء كل خير ان شاء الله اتمنى لك السعادة اخي

قالت السيدة امينة مبتسمة تشد على يد ابنها:

- اريد ان أزغرد بني اشعر انني سأطير فرحا

اعتدل رمزي في مكانه بتوتر عاكفا حاجبيه :

- لا امي اشعر بالتوتر من تلك العادة ارجوك

مطت امه شفتيها بحزن :

- ارجوك بني دعني افرح لك لا تدرك حجم سعادتي بهذا الخبر

لم يرد ان يحزنها فقبل راسها باسما:

- حسنا امي يمكنك ذلك لكن ...

قبل ان يكمل جملته امتعضت ملامحه من ذلك الصوت الذي يدعى زغرودة لدى النساء بما ان امه مغربية الاصل الا انها لا هي ولا خالاته لم يتخلين عن هذه العادة و لا يدري من اين تخرج هذه القوة في اصواتهن امرهن غريب

نهض احمد من مكانه وقال غامزا رمزي :

- هيا رمزي فلنتمشى يا صاحبي لدي العديد من الامور اريد ان اخبرك بها

رفع رمزي حاجبا مستنكرا ونهض مستأذنا :

- عن اذنكم ...

خرج الرجلان من المجلس الذي تركاه صاخبا بكلام من فيه

وتحرك الرجلان يمشيان في الرواق الطويل الى ان وصلا الى ممر يفضي الى حديقة واسعة

تحرك احمد وبنبرته مغزى :

- انت تعرف ان خبرا كهذا كما اسعد اهلك لن يسعدهم كلهم

نظر اليه رمزي شزرا بعينيه الخضراوتين القاتمتين:

- ماذا تعني بالضبط منذ ان سمعت الخبر وانا الاحظ في تصرفاتك شيء ما الذي تخفيه؟

نظر اليه احمد وفي عينيه مئات الالغاز الواضحة والتي يحاول تجاهلها فما الذي يعنيه ابن خالته الان هل يريد ان يوتره قبل زواجه الذي لن يتخلى عنه مهما حصل