٢
وعاد المحامي إلى تتمة حديثه فقال: سواء أخطأوا أو أصابوا، فإنهم كانوا يتهمونه بهذه السرقة في ذلك العهد، وجعل البوليس يبحث عن روكامبول في كل مكان فلا يجده.
فقالت باكارا: إن الأمر بسيط وهو غرق دون شك حين محاولته الفرار من السجن.
– ليس الأمر كما تظنين فاسمعي بقية الحديث، إنهم بعد أن بحثوا عنه ستة أسابيع قبضوا على رجل محتال كان يدعو نفسه الماجور أفاتار، وكان هذا الماجور صديقًا للمركيز ب فعرفه نبلاء باريس، وكان يشهد فيه خير شهادة ومع ذلك فإن البوليس قبض عليه.
فاضطربت باكارا وقالت: وبعد ذلك؟
– إنه حين مثل هذا الماجور أمام قاضي التحقيق اعترف أنه متنكر وأنه نفس روكامبول؟
فزاد اضطراب باكارا وقالت: أحقيقة ما تقول؟
– نعم يا سيدتي، غير أن هذا البوليس الذي افتخر بالقبض على روكامبول لم يدم سروره؛ لأنه نجا أيضًا من السجن.
فانذهل الجميع وصاحوا بصوت واحد: كيف هرب؟
– إنه هرب في صباح هذا اليوم حين جاءوا به إلى قاضي التحقيق.
فقال واحد من الحاضرين: إن الفرار على هذا الشكل صعب.
– بل هو مستحيل ولكنه هرب.
– كيف فعل؟
– لا يعلمون، فإنه أدخل إلى قاعة الانتظار مع جندي كان يتولى حراسته وكان هناك جندي آخر.
ولما حان دور التحقيق بأمره جعل القاضي يقرع الجرس قرعًا عنيفًا، فلم يجبه أحد فدخلوا إلى قاعة الانتظار فوجدوا الجنديين نائمين يغطان ولم يجدوا روكامبول.
– ألعله نومهما؟
– نومًا يشبه الموت؛ لأنهم بذلوا كل جهد في إيقاظهما فلم يستفيقا حتى جاءوا بطبيب، فأثبت أنهما أعطيا مخدر شديد التأثير.
وقالت فاسيليكا: الحق أنه رجل شديد الذكاء يستحق الإعجاب.
أما باكارا فلم تجب ولكنها نظرت إلى فابيان نظرة ملؤها القلق والاضطراب.
ودقت الساعة عند ذلك مشيرة إلى انتصاف الليل وهو موعد انصراف المدعوين فبدءوا يتفرقون.
وكان أول من انصرف الكونتس فدخلت فاسيليكا إلى مخدعها؛ لأنها كانت في ضيافة باكارا ثم انصرف بعدها جميع المدعوين، مودعين باكارا حتى إذا انتهى الدور إلى الفيكونت فابيان استوقفته وقالت له: ابق قليلًا فقد وردتني أخبار الكونت أرتوف الذي لا يزال في روسيا وهو سيعود منها في الأسبوع القادم.
ولما خلا المكان بهما قالت: ما رأيك في هذه الحوادث؟
– أرى أنها قد تكون حقيقية.
– أتظن أن هذا الرجل روكامبول حقيقة؟
– بل أثق فإن هذا الفرار لا يقوى عليه سواه.
– إني قرأت في الصيف الماضي حين كنت في روسيا خبر فرار أربعة أشقياء من سجن طولون، فإذا كان روكامبول منهم وجب علينا الحذر الشديد.
– من أي شيء نحذر؟
– إنك تعلم حق العلم إن امرأتك لم تعرف حتى الآن أن روكامبول كان مختلسًا اسم أخيها وأنها إذا عرفت هذه الحقيقة كان الخطر شديدًا عليها.
– والخطر الذي أخشاه الآن أن هذه الحقيقة قد تظهر.
– كيف ذلك؟
– ذلك أن روكامبول قد يقع أيضًا في قبضة البوليس، فيفتضح الأمر وتتناقله الجرائد التي لا تكتم شيئًا وهي تباع بالملايين في هذه الأيام، فإذا جرت محاكمته في باريس فقد تفضي المحاكمة إلى إذاعة ذلك السر القديم؟
– على أن الذي أرتاح إليه بعض الارتياح إن ذكر روكامبول قد دار مرارًا على الألسن، فكانت الإشاعات عن عودته تقيم إدارة البوليس وتقعدها إلى أن يتحقق فساد هذه المزاعم، وقد تكون حادثة اليوم من قبيل الحوادث الماضية.
– إني أرجو أن يكون الأمر على ما ذكرت ولكن قلبي يحدثني أنك مخطئة فيما تتوهمين، فإني ذكرت الآن حادثًا غريبًا جرى لي منذ شهر ولم أكترث له إلا الآن.
– ما هو هذا الحادث؟
– تعلمين أن هذا القصر الذي فيه تكتنفه حديقة واسعة وإن ولدي يلعب كل يوم في هذه الحديقة، وإن أمه تصحبه إليها بعض الأحيان، ويوجد عند سور الحديقة منزل قد أعده أصحابه للأجرة تشرف نوافذه على الحديقة.
فبينما كنت يومًا ألاعب ولدي في الحديقة حانت مني التفاتة إلى نوافذ ذلك البيت فرأيت وراءها رجلًا أصفر الوجه ما لبث أن أصابه نظري حتى احتجب وتوارى عن عيني، فخيل لي أني رأيت روكامبول.
– وبعد ذلك؟
– لم أره أبدًا، فإني لبثت مدة طويلة أتربص له في الحديقة وأختبئ أحيانًا بين الأشجار وأنا أراقب النوافذ فلا أراه حتى مللت المراقبة، وأيقنت أنه شبه له، فلما سمعت اليوم ما سمعته من المحامي ولم يعد لدي ريب في صحة ما قال ولا شك أن روكامبول هو المتنكر باسم الماجور أفاتار.
ففكرت باكارا ثم قالت: لا بأس عد الآن إلى امرأتك وولدك، فسأنظر في هذا الأمر وارجع إلي أحب أن أراك.
– متى؟
– غدًا إذ يجب أن أعرف الحقيقة من غير هذا المحامي.
فذهب الكونت فابيان ودخلت باكارا إلى غرفتها المشرفة على الحديقة وهي مفكرة مهمومة فلبثت نحو ساعة جالسة قرب النار وهي غائصة في بحار التأملات.
وكان قلبها يحدثها بأن روكامبول عاد إلى الظهور فكانت تخشى أن يكدر صفو عيشها السعيد وحياتها الهادئة.
وفيما هي تفكر هذا التفكير إذ طرق مسامعها صوت وقت أقدام في الحديقة، فارتعشت ودنت من باب الغرفة ففتشته ولكن الظلام كان شديدًا فلم تر أحدًا وأصغت إصغاء تامًّا، فلم تسمع حسًّا فأقفلت ذلك الباب وعادت إلى ما كانت عليه من الهواجس والتفكير.
ولكن ما لبثت هنيهة حتى سمعت ذلك الصوت قد اقترب منها، فأسرعت إلى المشرف مضطربة واجفة فرأت خيال رجال وراء الزجاج.
ثم رأت قبل أن تبلغ إلى المشرف أن الزجاج قد قلع بخاتم من الماس وأن يدًا قد مدت، ففتحت الباب ثم دخل رجل إلى الغرفة.
فصاحب باكارا صيحة ذعر؛ لأن هذا الرجل كان مسلحًا بخنجر وقد عرفته؛ لأنه كان روكامبول.