٣
سبق العهد بباكارا أنها شديدة جريئة لا تضطرب أمام مثل روكامبول، بل إن روكامبول وأمثاله يضطربون أمامها.
ولكنها قد مر على هذا العهد بها عشرة أعوام تغيرت في خلالها أحوالها، وضعفت عزيمتها السابقة بما توالى عليها من رخاء العيش وراحة الفؤاد وصفاء البال، فأصبح منظر عدوها القديم يهولها.
وكان أول ما خطر لها أن هذا العدو اللدود قد قذفته يد الخالق بعد أن كاد يبلغ ذروة المجد، فشوهت وجهه وألقته في السجن وعذبته أشد عذاب فلا بد أن يكون قد أعد لها انتقامًا هائلًا.
فلما رأته باكارا والخنجر مشهور بيده أيقنت أنها مائتة، فتراجعت منذعرة، وعزمت على أن تقرع جرسًا على الطاولة كي تستغيث به، ولكن روكامبول وثب إليها ومسك يدها، وقال لها: لا تستغيثي ولا تقرعي هذا الجرس فإني لا أريد لك شرًّا.
وقفت باكارا ضائعة الرشد ولكن هذا الرعب الذي كان قد تولاها ذهب عنها فجأة؛ لأنها شعرت أن لهجة روكامبول قد تغيرت ولم تعد تلك اللهجة التي عرفتها من قبل، وذهبت منه آثار التهكم الذي كان يدل على نفسه الوحشية، فكان يشير إلى حزن دفين؛ حتى إن وجهه لم تبق فيه تلك الملامح القديمة الدالة على الجرأة والميل إلى الفتك. وفي الجملة فقد رأت أن الفرق بين طباع روكامبول الأمس وروكامبول اليوم عظيم ولكن الرجلين واحد.
ثم قال لها روكامبول بلهجة المتوسل: سيدتي اطمأني فإني أقسم لك أنني لا أريد بك شرًّا.
– إذن ماذا تريد؟
– إني دخلت إليك متسلقًا جدار الحديقة بسلم من الحرير، ثم كسرت زجاج هذه النافذة ونحن الآن في الساعة الأولى من منتصف الليل.
فزاد انذهال باكارا من كلامه ومن خطته وقالت: ماذا تريد أن تقول؟
– أقصد أمرًا بسيطًا يا سيدتي، وهو أني أريد العودة إلى السجن ولكني سأقول لك السبب الذي أتيت من أجله، ومتى فرغت من حديثي تقرعين هذا الجرس وتدعين خدمك يقبضون علي ويرجعونني إلى السجن فلا أخرج منه في قيد الحياة.
– لماذا إذن خرجت من السجن إذا كنت تريد الرجوع إليه؟
فابتسم روكامبول ابتسام الحزين وقال: انظري إلي يا سيدتي ألا تجدين أني قد تغيرت؟
– أراك تجاوزت حد الصبى.
– أهذا كل ما ترينه بي من التغيير؟
– وأرى أيضًا أن صوتك قد تغير.
فأجاب بملء الكآبة: إن نفسي التي تغيرت يا سيدتي.
فرأت باكارا أن الحقيقة بادية في صوته فقالت له: ألعلك أصبحت من التائبين؟
فأطرق روكامبول برأسه إلى الأرض دون أن يجيب.
واستأنفت باكارا الحديث فقالت: لماذا عدت من السجن؟
– لأتمم أمرًا أراه فوق مقدرتي، فقد بدأت أشعر أني لا طاقة لي به.
فجلست باكارا على كرسي وجعلت تنظر إليه والخنجر لا يزال بيده وقالت: أوضح ما تقول.
فمشى روكامبول إلى طاولة رآها أمامه فوضع فوقها خنجره، ثم رجع فوقف بملء الاحترام أمام باكارا وقال: أتثقين بالتوبة والندم؟
فترددت هنيهة وهي تنظر إليه نظر الفاحص وقالت: ربما …
– سيدتي … إني كنت منذ ربع ساعة واقفًا في الشارع تجاه قصرك مختبئًا وراء باب الحديقة، فرأيت رجلًا خرج من منزلك وهذا الرجل أعرفه إنه فابيان.
– نعم، هو بعينه.
فقال لها بصوت خافت … وهي؟
وكان صوته يضطرب حين فاه بهذه الكلمة وقد اصفر وجهه اصفرارًا شديدًا.
فأخذت باكارا يده، وقالت: لقد عرفت الآن كل شيء …
فسقطت دمعة على وجه روكامبول وقال: ألم تعلم هي شيئًا؟
– كلا فقد بالغنا بالكتمان حرصًا عليها.
– أتعلمين اليوم الذي دخل فيه شعاع التوبة الصادقة إلى قلبي فطهره من أدران الإثم والفساد، إنه ذلك اليوم الذي زارت فيه مع زوجها سجن طولون ولم تعرفني حين رأتني، وقد بلغ من حبي لها أني بت أعتقد أنها حقيقة أختي.
ثم مسح تلك الدمعة التي كانت تنحدر ببطء على وجنته وقال: إني ما أتيت إليك إلا لأكلمك عنها.
فأشفقت باكارا على هذا الرجل الذي عرفت ماضيه وتبينت من لهجته وظواهر يأسه أنه صادق في توبته، فقالت له: اجلس أمامي ولنتحدث.
– كلا … إني لا أجسر على الجلوس أمامك.
ولبث واقفًا وعاد إلى حديثه وقال: إني أقمت في السجن عشرة أعوام لا يخطر لي الفرار منه في بال، إذ كان أقصى أماني أن أموت فيه؛ لأني وجدت الراحة الصحيحة بالموت.
ولكني لم أنقطع عن التفكير بتلك المرأة الطاهرة التي دعوتها أختي، وهي يجب عليها أن تكرهني وترتجف لذكر اسمي.
واتفق يومًا بأني علمت أن بلانش لم تعلم شيئًا من حادثة قاديس بفضلك وبفضل مادموازيل سالاندريرا.
وخطر لي عند ذلك الفرار، وقلت في نفسي: إني سأنجو من السجن فأعود إلى باريس وأختبئ في منزل يجاور منزلها، فأراها حين دخولها وخروجها كل يوم.
ومنذ ذلك الحين بدأت تتنازعني العوامل فكان عامل الفرار يتغلب علي رجاء أن أنقلب إلى الخير، وأكفر بالأعمال الصالحات عن سيئاتي الماضية.
فقطاعته باكارا وقالت: وأخيرًا نجوت.
– اصغي إلي يا سيدتي، لقد كان لي في السجن رفيق كنت مقيدًا وإياه بقيد واحد، وكان هذا الرجل خادمًا في أحد المنازل وقد ألقته في السجن يد أثيمة على براءته لإتمام عمل منكر، فكان يبكي وهو معي أثناء الليل وأطراف النهار ويناجي أولاده.
ولقد حسبت في بدء الأمر أنه متزوج وله بنون ولكنه أخبرني بحكايته، وعلمت أنه يذكر حين بكائه وتوجعه أولاد سيدته التي ماتت مسمومة، وهم بنتان يتيمتان فقيرتان، فقلت في نفسي: هو ذا الفرصة قد لاحت للتكفير عن ذنوبي الماضية بالإحسان إلى هاتين اليتيمتين اللتين يضطهدهما أعداؤهما؛ ولذلك هربت من السجن.
– وقالت باكارا: أكان حديث فرارك كما روي لنا؟
– نعم.
– تمم حديثك فإني مصغية إليك.
فحكى روكامبول عند ذلك جميع ما اتفق له منذ ستة أشهر من الوقائع التي ورد تفصيلها في رواية «روكامبول في سيبريا»، وذكر لها كيف وجد مع ميلون أنطوانيت، وكيف أخرجها من سجن سانت لازار، ثم حكى بالتفصيل حكاية مدلين في روسيا، وكيف قبضوا عليه إلى أن تخلص من السجن.
ولما فرغ من حكايته قالت له باكارا: إن الحكاية التي رويتها لي عن روسيا تشبه أتم الشبه حكاية رواها لي أمس الكونت أرتوف، فقد ذكر لي قصة فتاة هاجمتها الذئاب فكانت نجاتها من العجائب.
– هي مدلين …
فأثر ذكر هذا الاسم تأثيرًا غريبًا على باكارا وقالت: مدلين؟
– نعم يا سيدتي، فهي إحدى الأختين اليتيمتين.
– أكانت معلمة في روسيا؟
– نعم.
– في منزل الكونت بونتيف.
– هو بعينه.
– وكان إيفان ابن هذا الكونت يحبها؟
– ولا يزال يعبدها عبادة.
فبرقت عين باكارا وقالت: إذن إن الكونتس فاسيليكا تخدعني خداعًا عظيمًا، والآن قل لي اسم هذا الرجل الذي يضطهد هاتين الأختين ويريد لهما الموت.
– إنه يدعى الفيكونت كارل دي مورليكس.
– لقد خطر لي شيء من هذا، فما كنت أجسر على أن أتمادى في هذه الظنون.
فأخذ روكامبول يدها وقال: سيدتي، إن عملي لم يتم بعد ولا أجسر على إتمامه؛ ولذا فقد خطر لي أن أعهد إليك حماية هاتين الأختين فإنك غنية قادرة على كل شيء.
– وأنت؟
– أعود إلى السجن.
– لماذا؟
فأطرق برأسه وقال: إن هذا سر لا أبوح به.
فأخذت باكارا يده بدورها وقالت له: إني كنت أصغيت إليك فما ذلك إلا لأني غفرت لك منذ عهد طويل، فلا يجب أن تكتمني أسرارك.
وجعل روكامبول يرتجف ارتجاف تلك الورقة الصفراء التي تحركها رياح الخريف ولم يجب بشيء.
فقالت باكارا: تكلم فإني أريد أن تبوح لي بكل شيء.
فحاول أن يتكتم أيضًا ولكنه غلب على أمره، فقال بصوت مختنق: «أحب مدلين.»