٤

4 0 00

٤

وساد السكوت هنيهة بين باكارا وروكامبول، فكان هذا الرجل الذي طالما انغمست يده بالدماء واقفًا وقفة المضطرب والعرق البارد ينصب من وجنتيه، وجميع ملامحه تدل على تلك العاصفة الهائلة التي ثارت في نفسه من ذلك الإقرار.

ثم رفع رأسه وضحك ضحك القانطين وقال: أرأيت يا سيدتي كيف أن ذلك اللص السفاك، بل ذلك الوحش المفترس قد تحول إلى إنسان وصار له قلب كقلوب الناس، فهبط إليه الحب كما تهبط أشعة الشمس في محل قذر؟

إن هذا القلب الذي عهدته من الأموات حين سرت إليه عاطفة هذا الغرام حاولت خرقه بهذا الخنجر، ولكني كنت عاهدت نفسي وعاهدت الله على إنقاذ الأختين، فإذا هلكت هلكتا.

وجعلت أعارك نفسي وأصدها عن شهواتها حتى شعرت أني بت مغلوبًا، فلا أستطيع أن أضبط نفسي إذ قد يتفق ساعة سوداء يرتفع بها بصري إلى ذاك الملاك فيهين طهارته المقدسة.

وهنا توقف هنيهة ثم قال: وعند ذلك افتكرت بك وقلت: إن المرأة التي قدرت أن تسحق روكامبول تستطيع دون شك أن تسحق كارل دي مورليكس.

– وسأفعل …

– لا شك عندي فيما تقولين …

ثم فتح سترته وأخرج من جيبه ملفًّا من الورق فأعطاه لباكارا وقال: إنك تجدين يا سيدتي في هذه الأوراق كل ما تحتاجين إليه من المعلومات.

فأخذته باكارا وقالت: أحب أيضًا أن أعلم ما أريده من فمك.

– سلي سيدتي أجيبك.

– أليس لكارل مورليكس أخ؟

– نعم وهو والد أجينور.

– يجب أن نرفق بهذا الرجل، أليس كذلك؟

– دون شك؛ لأنه لولا هذه العقدة، ولولا ما أخشاه من افتضاح أجينور بافتضاح أبيه واستحالة تزوجه بأنطوانيت بعد هذه الفضيحة؛ لذهبت في هذا الصباح إلى قاضي التحقيق، وكشفت له هذه الحقيقة الهائلة وعرضت عليه براهين تسميم البارونة والدة الأختين، فيقبض البوليس على كارل وأخيه فيضربهما الشرع ضربة قاضية، ولكن والد أجينور لا ينبغي أن يمس؛ لأن ولده يحب أنطوانيت.

– هو الحق ما تقول.

– إذن يجب عقاب كارل مورليكس عقابًا شديدًا قاضيًا لا يشعر به أحد؛ ولهذا أتيت إليك …

– ولكن مورليكس لا يعاقب وحده.

– ومن تريدين أن تعاقبي معه؟

– امرأة مقيمة في ضيافتي وهي تخدعني منذ أيام.

– ألعلها الكونتس فاسيليكا؟

– هي بعينها …

ففكر روكامبول هنيهة ثم قال: إذن هي التي أوهمت الناس أن ابن عمها إيفان مجنون وحبسته في منزل الطبيب؟

– نعم بالاتفاق مع مورليكس.

– أتعديني بحماية الأختين ومعاقبة كارل؟

– أعدك وعدًا صادقًا لا ريب فيه.

– إذن أرجوك أن تنادي خدمك الآن وأن تأمريهم بالقبض علي وتسليمي إلى الشرطة.

وقد قال هذا القول بلهجة جدية لم تدع لباكارا أقل مجال للشك في إخلاصه، فنظرت إليه نظرة إشفاق وقالت: كلا إني لا أفعل شيئًا من هذا.

– لا تفعلين!

– كلا … فإني لا أحب أن تعود إلى السجن.

فتراجع روكامبول خطوة إلى الوراء ودلائل اليأس بادية في ثنايا وجهه، فأوقفته بإشارة وقالت له: اصغ إلي، إنك تعلم أكثر مما يعلم سواك ما سيأتي، وقد عرفت من أمري أني كنت في عهدي من أشر بنات الهوى، ثم تبت توبة صادقة وتزوجت رجلًا نبيلًا، ففتحت لي أبواب العائلات وبات لي في مجالس النبلاء خير حظوة ومقام.

فاضطرب روكامبول وقال: ماذا تريدين بهذا القول؟

– أريد أن كل ما لقيته إلى الآن من سجن وعذاب لم يفد في عقابك، وكل ما سوف تلقاه من عناء السجون لا يكفر عن آثامك، أما العقاب الصحيح الذي قد تكفر به عن ذنوبك وربما نلت بعده الغفران الذي ترجوه فهو …

ثم توقفت هنيهة تنظر إلى روكامبول الذي كان مطرق الرأس يضطرب، وقالت: إن هذا العذاب هو حبك لتلك الفتاة الطاهرة، فإذا كنت تريد من توبتك الصادقة فلا تجده إلا في شقائك في هذا الحب.

فأنَّ روكامبول أنين الموجع وقال: أتظنين أني أطيق تحمل هذا الشقاء؟

– إنك تقيس هذا الشقاء إلى ذنوبك السابقة فتدفع عقابك عنها.

فوضع روكامبول يده فوق صدره وقال بلهجة القانط: كفاني يا سيدتي ما لقيت، دعيني أعود إلى السجن.

– كلا فلا يظهر الآثام غير الحب وإن الشقاء مثل النار ينفي كل دخل.

فرفع روكامبول عينيه إليها وهما غارقتان بالدموع، وقال: لقد أصبت فسأتحمل كل عناء واستمر عاملًا في خدمة الخير.

– وأنا أريد أن تكون حليفًا لي في هذه المهمات.

ليكن ما تريدين غير أني لا أستطيع أن أفيدك فائدة كبرى، ويمكن أن يقبضوا علي إذا عثروا بي.

فابتسمت باكارا وقالت له: تعال معي.

ثم أخذت مصباحًا وسارت أمامه وهو يتبعها من غرفة إلى أخرى حتى انتهت إلى غرفة متسعة، وقالت له: نم هنا فستكون آمنًا ما دمت في منزلي وغدًا عند الظهر أعود إليك وربما عدت إليك بما يسرك.

ثم تركته وانصرفت. وكان روكامبول لم ينم نومًا طيبًا منذ عدة ليال فانطرح على السرير بملابسه وما لبث أن بلغ السرير حتى غفا ونام نومًا عميقًا.

ولما أشرق الصباح لم يستيقظ، وبزغت أشعة الشمس تسطع فوق وجهه المصفر النحيل، فلم يستفق إلى أن حان الظهر، فاستيقظ من نومه لسماعه صوت فتح الباب.

وكان الذي فتح باب الغرفة باكارا فلما رآها داخلة أسرع إلى النهوض من سريره فوثب من فوقه إلى الأرض، ووقف أمامها وقفة الاحترام.

فابتسمت له باكارا وقالت: لقد أصبحت الآن حرًّا بالذهاب في شوارع باريس كيف تشاء، وأن تعود إلى النادي الذي كنت تزوره، وأن تحفظ لنفسك اسم الماجور أفاتار.

فانذهل روكامبول وقال: ماذا تقولين؟

– الحقيقة.

– ولكن البوليس؟

– إن أحد العظماء في هذه العاصمة توسط هذا الصباح في أمرك فأنت الآن حر لا يستطيع أحد أن يقبض عليك، وربما صدر الأمر بالعفو عنك بعد زمن قريب.

فركع روكامبول وقال: رباه ماذا أسمع أنا في حلم أم في يقظة؟

– كلا بل أنت في يقظة، وقد استحقيت هذا العفو؛ لأنك أصبحت حليف باكارا، فاعلم الآن أني أنفقت ليلة أمس في مطالعة تلك المذكرات التي أعطيتني إياها فعرفت منها كل شيء وأيقنت من براءة ميلون.

فقال روكامبول: ولكن هذا المسكين مقبوض عليه، وسيعود إلى الليمان لا محالة؛ لأني لا يخلق بي الآن إنقاذه من قبضة البوليس بعد موافقة الحكومة على التخلي عني.

فمشت إلى الباب وفتحته، وعند ذلك صاح روكامبول صيحة دهشة؛ لأنه رأى ميلون واقفًا على عتبة الباب فشكر روكامبول باكارا وقال: إذن لنبدأ العمل.