الفصل الخامس

6 0 00

الفصل الخامس

سالت بي خطاي إلى مكتبة العربي بن مهيدي ، كان ذهني مليئا بتلك الصور المشرقة التي كانت لها يوم دشنها رئيس الحكومة ورئيس مجلس الثورة بنفسه إشارة منه لمغزى عميق ، هو أن الثورة شاملة ، والبعد الثقافي هو البعد الطليعي الطبيعي الرائد ، والثقافة في الأساس كتاب ، وهو كتاب بلغة الضاد ، اللغة الرسمية للوطن ، وليس بأي لغة أخرى بالنسبة للجمهور من عموم المواطنين

ولا نتحدث في الثورات عن النخبة إلا كطلائع تفتح الآفاق لعموم المواطنين..

كانت هذه المكتبة في أصلها مكتبة لترويج الكتاب المصري، ومنها انتقيت مؤلفات أحمد أمين من فجر الإسلام وضحاه وظهره .. وكتب طه حسين في أيامه وفي شعره الجاهلي ودعاء كيروانه... وإبداعات توفيق الحكيم في سلطانه الحائر وأهل الكهف ، وأوديب ملكا ، و مختلف مسرحياته .. ومحاكمات العقاد في عبقرياته.. وغيرهم كثير، كانت مؤلفات حية ، وبأبخس الأثمان ، فلما أممت المكتبة ، رممت وبعثت في شكل رائق جديد ، ودشنها رئيس مجلس الثورة والحكومة بنفسه ، لقد أراد لها أن تكون نموذجا .. وصارت زاخرة بالعناوين الجديدة من الكتاب العربي من كل الوطن العربي ،فما تقذف به مطبعة الرغاية الوطنية ، وما تجود به المطابع في بيروت وفي القاهرة وفي بغداد وفي دمشق وفي الكويت في الصباح من مجلات وكتب ، نجدها في المساء بين أيدينا في مكتبة العربي بن مهيدي .. ويكاد يكون الكتاب ، وقد دعم ، مجانا ..

في تلك الحقبة السعيدة من السبعينيات كونت مكتبي الخاصة..إيه يا مكتبتي المسكينة!.. ترى هل أستردك من ربيب بودربالة؟.. لكن في هذا المساء، وأنا أتصفح عناوين الكتب المعروضة أصاب بالفشل والغثيان.. غاب عن المكتبة أولا ، ذلك التنظيم المنهجي الذي كان لها ،حيث كان لكل لون من الثقافة والمعرفة جناحه، وإذا المكتبة اليوم ونحن في أواخر الثمانينيات ، تنقلب رأسا على عقب . مكتبة ازدحمت فيها كتب اللغة الفرنسية ، لغة تلامذة المدرسة الاستعمارية ، الغنيمة المزعومة / الفخ.. وانتصبت كالحراب ، وامتلأت بها رفوفها ، واستولت على أجمل المساحات ، وأعطي هامش ضيق مهمل للكتاب بالعربية ، وسرى فيها التنظيم الساري في مكتبة العالم الثالث المتفرنسة المقابلة لتمثال الأمير عبد القادر، وهو تنظيم لا يعطي العربية إلا هامشا حقيرا.. تعكس وجهة نظر الفرونكفيليين تجاه مكانة العربية في هذه البلاد .. وإذا العناوين في ذلك الهامش ، هزيلة لا تكاد تخرج عن مطبوعات محلية دفعت إلى المطبعة ، وخرجت منها من غير أي إخراج لائق ، ولا أقول ، جذاب .. بل إن المطابع الشعبية قذفت بكتيبات ذات مسحة دينية مؤدلجة زاخرة بالألوان الفاقعة الشبيهة بملابس الشعوب البدائية الساذجة ، في أعماق إفريقيا وأطراف نهر الأمازون.

يا للعار !.. لقد قبرت الثورة ، التي كانت دولة الاستقلال تبشر بها وتقيم لها الأسس المادية والمعنوية . ما معنى تحطيم مكتبة بإفقارها من الكتاب التثقيفي النقدي المعاصر، وبالكتاب الأصيل والجدي ؟.. وبتشويشها هذا التشويش الفادح المريع؟..

إن هدّ مكتبة العربي بن مهيدي بتحويل نشاطها إلى بيع الكتاب المفرنس ، مع بعض القشور من الكتب شبه الدينية بالعربية ، تدمير مخطط لوجدان الأمة ، وإيذان لتحطيم ضميرها الحي ،وإعلان عن توجه جديد خفي ، حتى ولو كان عفويا ومن غير تخطيط .. وتسويد مظلم مريع لصفحة مستقبل الثقافة المعبر عنها باللسان العربي في الجزائر.. لا شيء أستطيع أن أشتريه من هذه المكتبة المنكوبة .

وفجأة ، وأنا أتصفح بعض البقايا من المؤلفات الكاملة لبعض الشعراء ، ولبعض الكتاب المشارقة ، لمحت ظل امرأة يقف قريبا مني ، بل إن كتفها لامس كتفي فيما خيل إلي ، ويتصفح بدوره هذا النوع من الكتب .. الرواية البورجوازية للكاتب المجري لوكاتش. كتيب صغير .. تصفحت الكتاب، وقرأت بعض الفقرات ، لم تعد تستهويني هذه الكتابات.. ثم مالي وللنقد الأدبي ، أنا أبحث عن الجديد في التاريخ ، وها هي الرفوف خاوية على عروشها . طرحت النسخة من بين يدي بلا مبالاة ، فإذا بيد تلك السيدة التي كانت تتصفح بدورها كتبا أخرى تمتد لذات النسخة التي كانت بين يدي، وفهمت ذلك على أنه إشارة مقصودة نحوي ، ولون من التواصل الصامت معي، ونوع من الخطاب الموجه لي عن بعد ..

وحانت مني نظرة جانبية ، فإذا هي امرأة كاملة ممتلئة صحة وشبابا وبساطة، وإن تكن عادية في جمالها وقد كانت عطلا من كل تجميل تقريبا . لابد أن تكون من أولئك الحسان اللواتي كن يجبن أريافنا في السبعينيات في إطار التطوع لشرح الثورة الزراعية.. واستفاقت في داخلي تلك المشاعر الغامضة من الغرور والاعتزاز بالنفس وقد انجذبت نحوي أنثى من الإناث ، وشعرت بأن المرأة لم تتصفح كتاب لوكاتش إلا لأنها ترغب في التواصل معي، خاصة وقد ظل كتفها يلامس كتفي كما لو كان الأمر من غير قصد وبفعل الزحام .. واستيقظ في داخلي دون جوان الذي يجد لذة في تعقب الجنس اللطيف والذي كنت ظننت بأني طردته من داخلي منذ دخلت الحبس ، ووجدت نفسي ملزما بالتعقيب ، بفضول الذكر تجاه أنثى عن كتاب تصفحته ، وهو موضع اختبار من قارئ آخر ذي خصوصية محببة للنفس ، هي خصوصية الأنثى.. الأنثى تجذب الرجل السوي دوما ، وفي كل مكان، وتثير فضوله،إلا من كان متعنتا في تقواه أو في تعصبه أو كان شاذا.. فقلت بكثير من التمحل ، واللباقة الممجوجة:

ـ لكن ، أرى يا سيدة أن البيروسترويكا لن تبقي مستقبلا على أي بريخت أو أي لوكاتش ، أو أي واقعية اشتراكية؟!.. أشير بذلك للسياق الفكري والأيديولوجي المعبر عنه في الكتاب المقصود ، وأنا في الحقيقة أبادر بالتواصل .. التفتت إليّ المرأة بثقة كبيرة في النفس ، وقالت باسمة بعربية فصيحة ، لكن بلكنة غريبة، كما لو كانت امرأة أجنبية تعلمت العربية لاحقا مع أن سحنتها جزائرية خالصة ما عدا أنفها الأخنس الجميل :

ـ أنا على كل حال .. يهمني أن أتخلص سريعا من دراسة جامعية أقوم بها منذ أزيد من سنوات .. لا يهمني لا لوكاتش ولا غيره ، لكنه كتيب قيم، يفيدني في دراستي ، حسب ما يبدو من فهرسته ومقدمته ..

وطفقت أتأمل المرأة بجرأة من أخمص القدم إلى آخر شعرة في مفرق رأسها ، وعجبت كيف تتكلم امرأة نكرة إلي هكذا ، وكأنما تعرفني من زمان ، لم تكن تلك الإيماءات الكتفية إذن محض مصادفة ، أو تفسيرا سيئا مني . في الأمر سر يتجاوز انجذاب الأنثى المعتاد نحوي.. ولم يطل اندهاشي ، لقد استأنفت كلامها بهدوء ، وهي تتفحصني بدورها وتتأمل لحيتي الكوسجية من غير شارب ، وصلعتي التي أخذت تتسع كل يوم في مثابرة مقلقة.. وشعرت أنني أمام حمام في العراء ، أو أمام جهاز الأشعة السينية الكاشف للخفايا، فهو يخرج لي صورة تبرز أضلاعي النحيلة في قفصي الصدري:

ـ يخيل إلي أنك لست غريبا .. وأني أعرفك من زمان بعيد ، لولا هذه اللحية الغريبة، ولكني أجد نفسي مترددة ..

ساعدتني كلماتها على أن أرفع إليها ناظري الحديد ، وأحدق في عينيها مباشرة بجرأة أكبر ، ودون ارتباك أو تطفل، وأنا أفرك منابت الشعرات في ذقني ، وأسرح شعرات لحيتي التي استطالت حتى صدري ، وانتبهت إلى وجود شق فاحش في حاجبها الأيسر ، يكاد يشكل منه حاجبين منفصلين . أعطاها ميسم الأشرار ، لكنه ميسم خفي لا يتضح إلا بالتأمل والتفرس . وقلت لها معترفا مرة واحدة بهويتي التي لا أجد حاجة في إخفائها أو إخفاء أي عنصر من عناصرها وقد تفرست وجهها :

ـ أمامك شخص تخرج في السجن منذ عام ونصف تقريبا، وقد واجهتني خلال هذه الفترة عشرات المواقف الشبيهة بموقفك هذا . ثم إني كنت معلما ، فأستاذا بالتعليم المتوسط ، وهناك عشرات الأفواج من التلاميذ الذين مروا على يدي وآلاف الفتيان والفتيات تتلمذوا علي . وهناك سنوات سبع ونيف من السجن غيبتني عن الدنيا وعن الناس ، فأولئك الفتيان والفتيات لابد أن يكونوا الآن رجالا ونساء ، في مثل سنك يا سيدة.. فقد تكونين إحدى تلميذاتي..

وقالت مندهشة شديد الاندهاش ، وهي تتمشى نحو محسب الدفع في توءدة ورفق:

ـ أستاذ وسجن!؟..

وسرت قريبا منها بحذر ، دون أن أجرؤ على مسايرتها جنبا لجنب ، وكتفا لكتف ، فلست أدري ما يخفي تحته هذا البحر الطامي ، وقد تكون إحدى تلميذاتي بالفعل ، وعلاقة الأستاذ بتلميذاته دوما يجب أن تكون علاقة عفة ووقار.. ولم أجب فورا عن استفهامها المصوب بالدهشة ، ذلك أنها انخرطت فورا في الحديث باللغة الأجنبية التي بدت بها ، وكأنها لغة الأم لديها، مع أحد أعوان المكتبة، ويبدو أنها تتساءل عن أسباب ندرة الكتاب بالعربية ، فأنا لا أفهم اللغة الفرنسية الشفوية مع أني أطالع مؤلفات كاملة بها ، دون أن أجد صعوبة في الفهم ، وقد قرأت في السجن عشرات الكتب في مكتبة السجن الزاخرة ، بما فيه مؤلفات باللغة الفرنسية، وقد استهواني خاصة كتاب البؤساء الذي كنت أقرأه كل سنة مرة على الأقل.

دفعت المرأة ثمن الكتاب، وأومأت إلي في ثقة مطلقة في النفس أن أنصرف معها وأن أحاذيها ، وازددت اندهاشا ، هل تكون إحدى تلميذاتي ؟.. إن هذا عندي هو التفسير الوحيد لهذا الموقف الودي والوقور في الوقت ذاته ، وهي بعد امرأة متزنة ، واضحة الشخصية ، محترمة . وأنا ذاتي قد تبت ، وتركت تلك الصعلكة الغاوية التي كنت أمارسها عفويا في مطاردة الجميلات، كان موقف نوارة تجاهي مؤلما ، جعلني لا آبه بعدها لأي امرأة مهما كان جمالها.. ولعل للتقدم في العمر دورا، فأنا اليوم في سن الرشد النفسي والعقلي الذي يتحدث عنه سارتر في رواية دروب الحرية، والحاجة الجنسية لدي ، ربما أخذت تضمر وتخرج من اهتمامي الملح المباشر ، مع أنها يمكن أن تستيقظ في أي لحظة .. وقالت ونحن نتخطى عتبة المكتبة نحو الشارع المزدحم:

ـ لم تجبني .. كيف اجتمعت فيك الأستاذية والسجن؟.

ـ تلك قصة طويلة يا سيدة.. ومع أني لا أعرفك ، ولم أتعرف عليك ، فإني أتوسم فيك صورة السيدة المحترمة المتعلمة ، ولذلك فإني مستعد لأروي لك حكايتي.. لكن لابد أن أعرف أولا مع من أتكلم حتى لا أبدو في صورة مهرج ، أو متطفل..

وعجبت عندما لاحظت أنها كانت واثقة من أنني سأتبعها كالكلب اللاهث ، بل وعجبت من نفسي أيضا كيف أتبع امرأة لا تربطني بها صلة ، خاصة والساعة تقترب من السادسة مساء ولم أضمن مبيتي بعد، وأخشى ألا أجد حجرة في أي فندق من الفنادق الشعبية التي تناسب وضعي المادي البائس، إنه لأمر مقلق حقا.. كانت تمد خطواتها العملاقة وسط زحام شارع العربي بن مهيدي في اتجاه ساحة الأمير عبد القادر، ولم أجد مناصا من الضغط على قواي لمد الخطى على منوالها واللحاق بها ، لقد كانت وجهتي في الأصل ، قبل دخول المكتبة هي شارع الشريف ذبيح ، المتوفر على العديد من تلك الفنادق الشعبية الرخيصة الثمن ، والتي أعرفها ، وسبق لي أن نزلت بها، وتنقلت بينها سنوات. وفاجأتني تقول:

ـ لا تذهبن بك الظنون مذاهبها، الأمر وما فيه ، وأنتم الرجال عامة ، متى خاطبتكم امرأة مثلي ، ذهبتم في اتجاه واحد، أي تظنون أنها تخاطب فيكم رجولتكم ، لا إنسانيتكم .. لا علينا.. إني خاطبتك لأني رأيت فيك ملامح حبيب ورفيق وصديق سابق.. إن أنفك وعينيك وجبينك ملامح تشي به لولا هذه اللحية المختلفة.. ولولا أن الجميع تحدثوا منذ سنوات خلت عن مصرعه المؤكد ، لقلت عنك، إنه هو بالذات ، باستثناء اللحية ، نعم اللحية .. كانت لحيته غزيرة تشبه لحية فيدال كاسترو ، أما لحيتك أنت ، فتشبه لحية هوشي منه ، لكن بلا شنبات..

اتجه ذهني فورا إلى أخي عزوز ، وقد جندلته اللوزة الصاعقة أو الرصاصات القانصة أو كلاهما ، أنا بعيني رأيت الغصن الصاعق، لكن لم يتسنّ لي أن أرى الجثمان لأتحقق.. بالتأكيد تعني عزوزا ، هو الوحيد الذي يشبهني في العالم كله،خاصة في الأنف والجبين.. والحقيقة أن هذه المرأة غير دقيقة الملاحظة ، فلحية عزوز كانت غزيرة أكثر من غزارة لحية كاسترو، رغم أنه أطلقها تشبهاً بالثائر المغامر تشي غفارة ، أما لحيتي فتشبه لحية كونفوشيوس الحكيم أكثر مما تشبه لحية هوشي منه ..

وكأنما تركت لي فسحة من الوقت لأرد أو لأطلب توضيحا أكثر ، وقد راحت تبحث عن أمر ما في حقيبتها اليدوية ،وقد تركت في ذهني صورة مشوشة عن عزوز حين تحدثت عن " الحبيب ،الرفيق، الصديق.." فعزوز لم يحدثني في علاقاته بالنساء إلا عن حبه لفضيلة ابنة الخال سعد..فهل كان يخفي في المراحل اللاحقة من حياته شيئا ، بل وقد أنكر أن تكون له علاقة بالطالبات في كل مراحل الدراسة الجامعية، فما الذي تقوله هذه المرأة؟..

ـ حقا كان لي أخ مات منذ نحو عشر سنوات ، وربما دخلت السجن بسبب مصرعه المفجع ..

ـ عبد العزيز قادري من بال فريار أو شعبة الزيتون ،لم أسمع بمقتله إلا بعد مدة ..و..

وقاطعتها، وقد كادت الدموع تفضحني ، وذلك أمر عجيب، إذ كيف تستدر ذكرى بعيدة دمعة واحدة ، لكن أمر النفس أعقد مما نتصور ، فكأن الطريقة التي تستدعى بها الذكرى من الأعماق مسؤولة عن مثل هذا التهيج المشحون بالانفعال المرافق للذكرى..

ـ كفى يا امرأة ..أنت تنكئين جرحا غائرا لا يريد أن يلتئم مهما طال الزمن..

لكن ما لم يخطر على بالي ،أن تلك السيدة الرزينة المحترمة ، تجاهلت أنها في أكبر شارع ومكان عمومي مزدحم بكل صنوف البشر ، وطفقت تحتضنني وتقبلني من شحمة أذني ، وقد انهملت الدموع من عينيها كالعدوى ، وطفرت من عيني عبرات رحت أكفكفها كالصبي الغرير .. ذلك أنه لم يكتب لي أن أتلقى تعزية من أحد في مقتل أخي عزوز قبل اليوم ، وقد كانت نكبتي فيه مضاعفة ، وربما كنت السبب الذي ساقه بقدمه لكي يلقى حتفه على تلك الصورة الغامضة .. أما السيدة فقد حشرجت وشهقت وأخفت وجهها في كفيها وهي تتكئ ـ ويا للغرابة !..ـ على كاهلي المثقل بالحقيبة ..

ـ ما أصدق فراستي!..أنت أخوه إذن ..الأمر كما توقعت تماما..

لقد ورطتني في موقف تحرجت له غاية الحرج ، لقد كانت عيون الفضوليين والمارة تلتهمنا التهاما ، وكانت أفواههم الفاغرة تنطق بالحيرة والدهشة ، وربما همّ بعضهم من ذوي القلوب الرحيمة أن يتدخل ، ليسأل عن النكبة التي ألمت بهذين الزوجين المتناغمين حزنا، ويقدم لهما واجب العزاء..

وقالت السيدة بصوت بدا لي مزعجا لأول مرة ، وانكشف الجرح العميق فوق حاجبها ، وإن كان صوتا يعبر عن حرقة واضحة:

ـ اعذرني أيها الرفيق!.. لقد سببت لك فضيحة في هذا المكان العام ، لكن أفهمني، إني امرأة أحببته بكل كياني ، ثم انقطع الاتصال كليا بصفة مباغتة لم أستطع أن أستوعبها وأتحملها..ثم إنه تنامت الأخبار أنه لقى حتفه!..

وأنا أحاول أن أسرع الخطى ، فيما كانت المرأة تتشبث بكاهلي النحيل ، كما لو كنت زوجها من زمان ، مع أني لا أعرف حتى مجرد اسمها حتى الآن ، وهذا أمر جعلني أراجع ما أنا فيه ، ولا أصدق الموقف كله ، وأتساءل فيما إذا كنت لست في حلم .. لكنني مع ذلك كنت واثقا أيضا بأن مواقف الواقع وأحداثه تفوق أحيانا في غرابتها ما تنسجه أعقد الأحلام ، وقلت باشمئزاز:

ـ أمسكي عليك جزعك!..

شهقتْ شهقات ، وراحت تخرج منديلها كي تجفف مؤقيها الذارفين ، وقد رفعت عن كاهلي المتعب ذلك المرفق الرخص العاتي، وهناك فقط انتبهت لما كان مسندا لكاهلي ..مرفق امرأة. وأراد شيطان الشهوة أن يخرج لي لسانه ، وسلطان الباءة أن يغويني ويفسر لي ما سهوت عنه، لكني زجرت تلك الخواطر اللعينة بصرامة ، وجعلت فكري كله يتجه نحو سر العلاقة التي جمعت عزوزا بهذه المرأة شبه الكاملة ، التي لم يحدثني عنها مطلقا.. وقفز إلى ذهني تلك الصورة الإنسانية البهية لعزوز وهو يطلب مني ذات يوم أن أعيد نوارة زوجتي السابقة إلى البيت حين غضبت وغادرت إلى بيت أهلها على عادتها الخالدة عند كل مشاجرة أو مجرد غضب بسيط ، وسعى في ذلك سعيه ، ولم يرتح له بال ، حتى ردها فعلا .

إن هذه المرأة اليوم مهما كانت علاقتها بعزوز ، علي أن أنظر إليها كما لو كانت أرملته حتى ولو كان علمي بهذه العلاقة الغريبة متأخرا.. لكن إلى أين تسير بي هذه المرأة الفصيحة اللسان لكن بلكنة غير معهودة ؟..لقد تعقد الموقف تماما بمجرد أن عرفت أني أخ لعزوز، وها هي تغرق في بكائها الصامت ، وهي تسير إلى جانبي، بل الأحرى، أنا من يسير محاولا مواكبة خطواتها العملاقة ، وكأننا نتجه نحو غاية مرسومة سلفا .. مع أني في المنطلق ماشيتها لظني بأنها قد تكون إحدى تلميذاتي ، ومن باب المجاملة وجب ألا أغادر تلميذة محتملة دون أن أسترجع اسمها وفوجها والمدرسة التي تعلمت فيها على يدي ، وها هي المسألة بعيدة تمام الابتعاد عن ذلك الاحتمال ، وحتى أقطع هذا الوضع الغريب ، شرعت أخاطبها باللفظة الجزائرية العريقة " الأخت" ، فكلمة الرفيقة لا تطاوع لساني وأنا لا أعلم إن هي سيدة أم آنسة ، وكنت في غاية القلق عن المبيت ، وبدا لي الذهاب لبيت الخال أمرا ممقوتا ممجوجا.

ـ يا أخت.. في الواقع أنا لا أكاد أصدق ما يحدث لي ، ولا أفهم ما هو الدور المنوط بي ، وأنا أسير إلى جانبك بلا غاية معلومة ..

ـ الأستاذ قادري.. يجب أن تفهم ببساطة أني رأيت فيك صورة عبد العزيز ، لقد كان الوفاء يتحرك، وكان الإخلاص والصدق والعفة والأمانة والتضحية والعزة والشهامة والشهادة.. وقل ما شئت من الصفات الحسنى. نعم إنه الشهيد بجامع الكلمات ، وأنا إذ وضعت مرفقي على كاهلك دون استئذان ، إنما وضعته على قبس من روح ذلك الملاك الشهيد ، أنا امرأة أحرص أن أظهر شريفة طاهرة كسائر النساء ، ولا ينبغي أن يذهب بك الظن مرة أخرى مذهب الهلاك.. إنه لمن الصعب أن أشرح لك بالألفاظ العادية المجردة ما يمثله عبد العزيز بالنسبة لي . أقول فقط بصدق تام ، وأكرر ما قلته: إنه كان لي الحبيب والرفيق والصديق.. رغم أنه هو ذاته ربما لا يعلم بذلك.. وأظنه لا يعلم كما ينبغي أن يعلم ، ولكن هذه هي الحقيقة ، وهذه هي ال...

وتأكدت أن المرأة لن تتوقف في بثها وحماسها ، فقاطعتها وأنا أتوقف عن السير لأقول بحزم ونفاد صبر:

ـ يا أخت.. ماذا تريدين مني بالضبط. أرجوك، أريد أن أذهب لحالي.. رحماك أطلقي سراحي ، رحماك!.. لقد أثرت أشجاني ، وعكرت مزاجي ، ومحنتي أقسى لو تعلمين ..

ـ لم تقاطعني؟..

ـ هل وجب علي أن أعلمك أني لا أتوفر حتى على إقامة أبيت فيها ، فذريني أبحث عن المبيت لنفسي أولا ، ولك إذا شئت أن نلتقي في وقت آخر ، ونتذاكر الأشجان التي ترغبين في إثارتها عن صديقك الفقيد!..

جرتني من ساعدي بغلظة ، وصفعتني بكلمات قاسية ،لا أظن أني سأنساها قريبا .. قالت وقد ذهب عنها ذلك السمت الملائكي الذي رأيته عليها لأول وهلة، وبرز مرة أخرى ذلك الشق الذي يشطر حاجبها الأيسر كالأخدود ، فيبدو قبحها جليا:

ـ واضح أن الفرق بينك وبين عبد العزيز ليس في شعرات لحيتك الأسيوية الخفيفة فحسب، بل في جوهر الشخصية أيضا، ها أنت تشكو، ولم يشك هو يوما أمام أي كان.. أنت أناني . أتفهم ؟..أنت غليظ الحس ، قاسي الفؤاد!..

ومرة أخرى أجد ني لا أدري ما أفعل بنفسي .. ولا ماذا تريد مني هذه المرأة الغريبة .. والعجيب أنها أصدرت أمرها لي بالمسير معها وارتفاقها إلى سيارتها المركونة بمركن حرم الجامعة المركزية كما قالت ، وأظنني سمعتها تند عنها كلمات بلغة أجنبية غير الفرنسية لم أفهمها طبعا . وما كان مني إلا أن أذعن صاغرا للأمر ، وأعدّل من علاّقة حقيبتي من على كاهلي ، وأرفع في خفاء ، وقد سبقتني بخطوات ، من القابصة رفعة شمة ، وأفـّر على أسناني كالحمار الملجوم ، لأحط الشمة المريرة هناك في أقصى الشدق بثقة الرجل اللامبالي..

********

لفت انتباهي أن سيارتها تحمل ترقيما يخص المتعاونين الأجانب من نوع بيجو505

وفي هذا بعض الغرابة ، فالسيدة رغم اللكنة التي في لسانها ليست أجنبية من خلال الخصائص النفسية ، واللغة الكريولية الهجينة والسحنة الفيزيولوجية المظهرية عدا أنفها الأخنس ، وإن تكلمت لنفسها بألفاظ أجنبية لكن ذلك ليس دليلا على أنها أجنبية ، فلماذا هذا الترقيم الخاص بالأجانب ؟ أم تكون امرأة أجنبية من هؤلاء المتعاونين الذين خبرتُهم في المتوسطة ، وقد طال بهم العهد في بلادنا؟.. ثم إن المعتاد عن السيدات ، أنهن إذا اكتسبن سيارة ، فغالبا ما تكون سيارة من النوع الخفيف الصغير الحجم..فما هذه المفارقات ؟.. أم هي إذن جزائرية متزوجة بمتعاون أجنبي ، وهذه سيارته هو؟.. ولم يعد الأمر احتمالا ، بل وطنت النفس على هذا التفسير واقتنعت به ، وقد أكد لي سلوكها العفوي المتحرر ذلك ..

إن النساء الجزائريات المتزوجات بالأجانب ، هن وحدهن من النساء الجزائريات اللواتي يكتسبن حريتهن الشخصية بعد الزواج ولا يذبن مع الزوج إلا في حدود معينة ، ويبدو ذلك جليا في المتزوجات خاصة من المتعاونين المشارقة كالفلسطينيين والسوريين ، وكثير من أولئك الأزواج تجزأروا بفضل نسائهم الجزائريات ، وطلبوا التجنيس. ولقد صدق حدسي ، فهذه سلة أزهار مصغرة تتدلى من ذراع المرآة العاكسة منقوش على قاعدتها جانبيا بخط كوفي مذهب:

إلى الأستاذ الدكتور إحسان مروة الصفدي..

بصعوبة شديدة أشبه بمعركة مع قواد السيارات المتزاحمين ، خرجت السيارة من مركن سيارات الطاقم الجامعي ، ووجدنا أنفسنا منتظمين في رتل لا نهاية له ، عبر التواءات شارع الدكتور سعدان حول قصر الحكومة سابقا . كان الرتل يزحف زحفا بطيئا .. ما فائدة السيارة إذا كان الراجل يستطيع أن يبلغ غرضه قبل مستعمل السيارة ؟.. هل السيارة أداة ومرفق للتنقل السريع المريح لقضاء المآرب أم هي مجرد مظهر اجتماعي للفخفخة والأبهة ، ولا شيء بعد ذلك؟.. أغلب السيارات الزاحفة سيارات حديثة وفخمة . من يصدق أننا بلد ينتمي للعالم الثالث ولا نصنع قطعة واحدة من قطع هذه السيارات الفارهة المتجولة . إنه مظهر مغشوش وزائف للتقدم .. دخول العصر من بابه السهل المغشوش؛ باب الاستهلاك الفاحش لما يبدعه الآخرون ، ثم الادعاء بأننا لا نقل عصرنة عن أولئك المبدعين المنتجين لوسائل الحضارة؟..

أي فرق بين هؤلاء الرجال الجوف عندنا ، وبين بعض أولئك الأمراء الذين لا يتميزون عن براميل النفط في الخليج إلا بذيول قفاطينهم التي يجرونها كذيول الطواويس في غفلة عن سير الزمن .. بل إن هؤلاء الأمراء أبقوا على الأقل على تميزهم في تشبثهم بالملبس المحلي..حزب جبهة التحرير الوطني .. المقر المركزي :

ـ متى حوّل مقر الحكومة إلى مقر للحزب؟..

تساءلت دون أن أعطي لهجتي أي لون ، ما عدا أني اختبر فيها جزائريتها ، فإن كانت أجنبية سوف تحجم عن الإجابة.. كنت راكبا شبه متكئ في المقعد الخلفي، وقد اتخذت وضعا يسمح لي بالحملقة في عيون هذه السيدة الغريبة التي شحنتني في سيارتها ذات الترقيم الخاص بالمتعاونين.. تنهدت بعمق، وأخلدت للصمت لأختبر جنسيتها ، وأتحسس موقفها السياسي . وفعلا ، قالت بصوت رخيم ينبعث منه شعور بالألم والأسف:

ـ أيام كان على رأس هذه البلاد رجل ، كان للحزب مقر متواضع في ساحة الأمير ، ودون أن يدعي الحزب يومئذ بأنه الحزب الحاكم بالفهم الكلاسيكي للفظة، كان فاعلا ومؤثرا في الحياة الوطنية كلها وفي جميع المستويات . أما اليوم فإن الحزب يتبجح بأنه الحزب الحاكم ، وبهذا الادعاء اتخذ من مقر الحكومة مقرا له ، بل واستولى على بنايات رسمية كان ينبغي إن تظل تؤدي دورها الإداري والتمثيلي مثل قصر زيغود يوسف ، ومثل مقر الغرفة التجارية ..

إنها تتكلم بلهجة الوطنيين الغيورين ، فهي أكثر من مجرد جزائرية ،وقلت ، كأنما أخاطب نفسي ، وأتجاهل عن قصد هذه السيدة الكريمة الغريبة قصد استفزازها لتعبر عن نفسها أكثر ، وأذكر عزوزا في السياق:

ـ إن عبارة " الحزب الحاكم " أفرغت هذا الحزب من كل شعلة نضالية وحولته إلى جهاز بيروقراطي رهيب ، يشبه جهاز الحزب الشيوعي برئاسة العجوز بريجنيف في الكريملين.. حتى البنية البشرية فيه قد تحولت جذريا.. من أصبح له الحق ليكون عضوا في اللجنة المركزية؟..ليسوا هم أولئك المناضلين أولي الرأي والفكر والنضال اليومي وسط الجماهير.. إنهم الوزراء، والولاة وحتى السفراء فضلا عن حصة مقررة محددة لضباط الجيش..

إي نعم ، أنت وزير، أو وال، أو ضابط...إذن أنت عضو في اللجنة المركزية .. ليس نضالك هو الذي يوصلك إلى عضوية قيادة الحزب، بل منصبك النافذ في الإدارة أو رتبتك العالية في الجيش هو الذي يخولك ذلك .. أي أن أمراض الإدارة التي يشكو منها المواطن ، ويتحدث عنها المناضل النزيه في القاعدة قد انتقلت إلى قيادة الحزب ، ولذلك لم يعد اليوم للشعب جهة يشكو لها سطوة البيروقراطية .. وأصبحت تقارير مناضلي القاعدة الحزبية تشوه بفضل ذلك السلم التراتبي الإداري المتعفن..

الأمر وما فيه أن الإدارة غدت حزبا، والحزب أمسى إدارة، وتجسدت هذه الوحدة في شخص رئيس الجمهورية الأمين العام للحزب .. بالمثل الشعبي ؛ الرشام حميدة ، والخياط هو حميدة.. الحزب هو أولا أفكار ورؤى، لكن أصحابنا فهموا الحزب هيكلا ومباني وأبهة .. الله غالب يا أختي.. رحمة الله عليك يا عزوز ، هذا ما كنت ستقوله بالحرف لو كنت على قيد الحياة..

ـ حسبك يا أستاذ حسبك..فهمت الآن أي علاقة عميقة كانت تربطك بالفقيد عبد العزيز ، إنه هو الذي يتحدث إلي على لسانك الآن..

وأرادت أن تتساءل عمن يكون عزوز هذا ولكنها استدركت بسرعة، وقالت

ـ عبد العزيز تسمونه أنتم عزوزا إذن؟..

ـ عبد العزيز هو اسمه في سجلات الحالة المدنية ، أما في الشعبة وأنحائها فلا يعرف بغير اسم عزوز..

أعطى الشرطي الإشارة للرتل المتجه نحو أعالي الأبيار ، وطفق يحث السيارات على الإسراع بالصفير والتلويح بكلتا اليدين بنشاط بالغ ، وكأنه يريد أن يدفع السيارات بيديه دفعا ، فانشغلت السيدة بالتسريع ، وغدا الرتل الآن يمر بسيولة مقبولة بعد ذلك الحبو المضني. وعقبت وقد تخلصت من مضايقة عسر السير:

ـ أما نحن في أروقة الجامعة ، فكنا نلقبه بلقب العادل، ويلقبه المعربون بالفاروق..

ورأيت أنه آن الأوان لأن أسألها عن نفسها ، إذ كنت أنتظر أن تبادر هي بتعريف نفسها دون أن أتجشم أنا أعباء الاستفسار عن خصوصيات امرأة، وإن كانت هي من بادر إلى التقرب إليّ بإيماءات كتفية في مكان عمومي..

وتساءلت وأنا أركز ناظري في عينيها بالمرآة العاكسة واللتين كانتا لا تستطيعان التركيز لانشغالهما بالطريق وبالسياقة ، وقد كانت في الواقع تلقي نظرات عجلى ، وتختطف لمحات سريعة كالبرق ، وكنت طول الوقت أحافظ على رزانتي وعلى جديتي في هيئتي وفي نظراتي ، وهو ما يوافق شخصيتها المحترمة الوقور ، كما تبدو في مظهرها على الأقل:

ـ أما آن الأوان يا أخت أن أتعرف بكم وأعرف من هم هؤلاء الذين كانوا يلقبون عزوزا بالعادل وبالفاروق؟..

وبدلا من أن تعرفني بنفسها، قالت بعد صمت بدا لي طويلا:

ـ نحن ..أعني أيام كنا طلبة وطالبات في الجامعة..

وعادت من جديد لتغرق في صمتها ، مهتمة ببدالات التسريع وتشغيل الإشارات الضوئية وما إليها من حركات السياقة ومناوراتها ، وقد تركتني في حيرة من أمري وأمرها، ولم يبق من التواصل معها غير النظرات الخاطفة في المرآة ، لكن فضولي تسلط على خاطري ، ولم أعد أقبل بهذا الاستسلام لأمر واقع مفروض من امرأة ، فتساءلت من جديد:

ـ ولكن من هو السيد الدكتور إحسان مروة الصفدي هذا المنقوش على قاعدة هذه المزهرية المصغرة .. لا أرى هذا الاسم إلا مشرقيا ؟..

تنهدت من جديد ، وعضت شفتها السفلى ، وقالت في تحسر شديد:

ـ آه . وراء هذا الاسم الجليل قصة طويلة ، وكما قلت أنت منذ هنيهة في المكتبة عن قصة سجنك بأنها طويلة، فإن قصتي مع إحسان أيضا طويلة وقد تكون أطول. وما أتيت بك إلا لأسمع قصتك في علاقتك بعبد العزيز أخيك.. وأروي لك حكايتي مع عبد العزيز وإحسان وغير إحسان وسترى عندئذ ، كم هي الحياة عجيبة فيما تنسجه من وقائع وعلائق بين الناس من غير إرادتهم وبمحض الصدفة..إن هذا الاسم المشرقي كما تقول هو اسم آخر أزواجي !.. وولي نعمتي بصورة من الصور..

واستسلمتُ مرة أخرى للصمت .. امرأة شابة مزواج؟!.. كانت رفعة الشمة قد نضجت وتخمرت في فمي ، ومصصتُ كل ما فيها من سموم وقطران ، وكان لابد أن أتخلص منها ولم أجد بدا من إدارة المقبض لفتح الزجاجة ، وألقيت من فمي بنخامة من الفتحة ، فإذا بالنخامة القذرة تسقط على صفحة الزجاج اللامعة وقد طوح بها الريح إلى الداخل ..

تركت الأمر كما هو على أمل أن يجفف الهواء ذلك السقط الخبيث ، وكما لو كان وضرا لطائر جبار ،وانكفأت على نفسي في خجل خشية أن تكون المرأة الأنيقة قد لاحظت فعلي البدوي المشين ، وبعثت بناظري إلى المرآة العاكسة متلصصا ، كانت نظراتها العجلى لا يطبعها غير الجد والحياد ، وكأنها لم تلحظ تصرفي البدوي المقيت ذاك ، ولم أستطع أن أقرأ ما يجول في خاطرها وقد اتخذت هذا المظهر الاعتيادي.. حقا أنا أمام امرأة ملغزة ، لا تريد أن تقول شيئا. تقول عن الدكتور أنه أحد أزواجها السابقين وولي نعمتها، أيعني ذلك أن لها زوجا آخر ؟..وتطلعت إلى يدها ألاحظ أصابعها إن كانت تلبس خواتم ، لقد كانت أصابعها مثقلة بالخواتم، لكني لم أستطع أن أميز ما إذا كان أحدها خاتم الزواج ..

طال الصمت وكان ثقيلا قبيحا وتساءلت في سري لماذا لم تشغل المذياع على الأقل أو تنطق شريطا من هذه الأشرطة المصفوفة بجانب الجهاز الناطق؟.. وسرعان ما أبديت لها هذه الرغبة:

ـ ماذا لو تشغلين الإذاعة على الأقل يا أخت؟..

فقالت مبادرة من غير انتظار:

ـ يا أخت.. يا أخت.. اسمي على كل حال ربيحة.. تستطيع إن شئت أن تخاطبني وتناديني باسمي المنفرد ربيحة..

وراحت تشغل المذياع ، كان صوت الثورة الفلسطينية من إذاعة الجزائر يلعلع ويخوض معركة كلامية صاخبة مزلزلة ، ويتحدث عن جنرالات الحجارة .. لم يعجبني من هذه المرأة أن ترفع الكلفة بكل هذا اليسر وهي تدعوني أن أخاطبها باسمها الشخصي مباشرة ، وإن تفاءلت باسمها ربيحة ، وقلت أعقب على ما سمي بانتفاضة الحجارة :

ـ أمام الفلسطينيين هذه الفرصة التاريخية ، إذا لم يوجهوها التوجيه الصحيح ضاعت قضيتهم إلى الأبد..الموت والتصدي بصدور عارية للعدو الهمجي المدجج بالسلاح يعبر عن بسالة وبطولة نادرة ، لكن ذلك ليس هدفا في ذاته أو من أجل بطولة خرقاء.. بل الموت شهادة وتضحية وسمو بالنفس البشرية ليحيا الآخرون أحرارا ..ألا ترين ذلك يا أخت ربيحة؟..

وقبل أن تعقب تساءلت ساخرة:

ـ لا يكون رفع الكلفة من جانب واحد يا أستاذ ..

وقلت فورا:

ـ بوعزيز.. اسمي بوعزيز..

ولأول مرة ترتسم على شاشة المرآة العاكسة ابتسامة عريضة ، أسفرت عن طاقم أسنان منضد لماع مثل الأطقم الاصطناعية ، وقد انبهرت بالابتسامة رغم العناء الوخيم الذي يسكن كل مفاصلي جراء نصب السفر ، وإذا لم تخني باصرتي فإني رأيت التماعا في عينيها وانبهارا في لمع خاطف ، ولمح سريع كالبرق ، فبدت حينئذ في غاية من الجمال ، وقالت مندهشة:

ـ عبد العزيز..عزوز.. بوعزيز..أضاقت الأسماء عن عائلتكم؟..

ـ لنا أخ اسمه هامل..

ـ أعلم ، أعلم ، أنتم سبعة إخوة ثلاثة ذكور ، وأربع بنات . إنما عبد العزيز لم يكن يسميكم بأسمائكم، كان يقول أخي الأكبر وأخي الأصغر، وإحدى أخواتي..أما أن يتسمى الإخوة بأسماء متشابهة إلى هذا الحد فهو أمر يدعو إلى الاستغراب..

**********

رست السيارة ال505 ذات اللوح الترقيمي البنفسجي المميز للمتعاونين الأجانب أمام أحد مداخل العمارة العريضة المواجهة لدار المعلمات بابن عكنون .. غلقت بوابات السيارة ، وقالت وهي تلاحظ علي بعض العياء و الخور :

ـ هيا..لا بأس عليك ، سأفسح لك الوقت الكافي لتستريح..

وسارت أمامي في شموخ الأستاذة الجامعية ، واعتداد يوحي بثقة مطلقة ، بل وبنوع من الاسترجال الذي يذهب عن المرأة عذوبتها . كان مدخل العمارة نظيفا عامة ، صناديق الرسائل متراصة على الجدار بلونها الأسود ، وتحمل أرقاما كبيرة بيضاء. اتجهت ربيحة إلى الرقم 47 بمفتاحها الفضي ملتقطة منه ثلاثة أظرف أو أربعة..وراحت تقرأ ظهورها وهي تسندها لكتاب لوكا تش في كيسه الشفاف الذي اقتنته ، فيما كانت تصعد الأدراج .. المصعد معطل منذ زمن بعيد..

ووسوس لي الشيطان اللعين أن أتأخر عنها بدرجتين أو ثلاث حتى أتمكن من التمعن والتمتع بالساقين العاريتين البراقتين كالعاج ، بل وأسترق النظر لما فوق الساقين قليلا كلما ضربت درجة بخطوة من خطواتها اللامبالية.. ومع وقع الخطوات الموزونة على الدرج ، وبالانكشاف الكافي للساقين النموذجيين ،غمرني اهتياج غير متوقع نحو الأنثى. كانت هذه هي المرة الأولى التي تثيرني فيها امرأة منذ غادرت السجن ، وهو ما لم تثره فيّ حتى حياة ، عشيقتي الساكنة في أم الفؤاد كالعلق في سرية مكتومة منذ الطفولة الأولى، وقد لازمتني في المستشفى وأنا أتلقى العلاج من أورام أحدثها في ظهري سوط أبي الغرانيق.. كانت يومئذ تبكي على مصير ابنتها زهرة .. حتى ظننت أني أصبت في فحولتي، خاصة حين تجرعت مرارة زواج نوارة بغيري ، وبدت لي كل امرأة باستثناء حياة ، ليست غير بقرة لإبليس اللعين، بل هي اللعنة مجسدة ، وتخليت نهائيا عن دور دون جوان ، الذي كنت أتخذه آليا مع أي امرأة كانت جميلة أو قبيحة ، وبصفة فطرية وفورية قبل دخولي السجن..

كانت إحدى درجات سلم العمارة مفرومة فرما فاحشا ، حيث تكسرت الرخامة البيضاء اللماعة ، فبدت الدرجة فما لؤلئيا سقطت إحدى أسنانه..وتضطرب ربيحة بغتة وتتلوى .. ولحسن حظها،بل ولسوء طالعي، أسرعت بالإمساك في المسند الخشبي الأملس ، وتحاشت سقطة مدوية كانت وشيكة ، ومع ذلك انفرجت ركبتاها في التواءتها العنيفة وانكشفت عن مغارة علاء الدين واللصوص الأربعين ، وتمكنت أن ألمح في تشرب اللص المحترف الشورت الداخلي الوردي الشفاف ، وهرعت إليها مسرعا ، وكأن السقطة قد تمت فعلا ، كأنما أحاول أن أقيها من تلك السقطة المفترضة ، وأنا أردد بلساني" ..يا ستّار .. يا ستار!.." بينما كان قلبي قد انفطر ، وقد استيقظ في داخلي ذلك الدافع الحيوي البهيمي المباغت الذي كاد ينسيني آدميتي وأنا ألمح اللون الوردي للشورت الخلاب ، لقد بلغت شراسة الدافع الهمجي أوجها ، كما لو كنت ذلك الثور الأسباني الهائج ، وقد واجهه المروض بالخرقة الحمراء في ساحة مصارعة الثيران ..

ومع أن المرأة لم تسقط ، لكني وجدت نفسي أمسكها من كاهلها وأضمها لصدري كما لو كنت سأحضنها.. نظرت إلي ربيحة مستغربة وقرأت في عيني ذلك الدافع الأرعن ، وأحست بركبتي ترتجفان وهما تلامسان ركبتيها . علا وجهها بعض احمرار لا أدري إن كان تورّد خجلٍ أم احمرار غضبٍ، ونفضت فستانها على ركبتيها وكأنما علق به بعض دنس ، مع أن الدرجات كانت تلمع نظافة لولا ذلك الثلم الفاحش في الدرجة ، فضلا عن أن ما حدث لا يعدو أن يكون مجرد مشروع سقوط تم تداركه بحزم .. وهي لم تنفض فستانها بتلك الطريقة إلا لتعتذر بطريقة ما، أو تحتج وتصرف خواطري عن الموقف غير اللائق ، الذي وجد فيه ذكر هائج نفسه مع أنثى شبه مكشوفة على غير ميعاد ..

وقلت لها أداري ما أنا فيه من حصر نفسي جاف ، و عنت بدني متلبك ضار ، مع أنها ضبطتني في وضع الكلب المبصبص:

ـ الحمد لله أنك لم تسقطي وإلا..

وقالت تنتقد وضع الإهمال في تذمر ويأس ، دون أن تولي أي اهتمام لبصبصتي الرخيصة:

ـ هذه الدرجة اللعينة ستؤدي حتما ذات يوم بأحد الصاعدين أو النازلين إلى التهلكة..

وعادت تتصفح أظرف الرسائل في لامبالاتها المعتادة ، وكأن ما حدث لم يكن شيئا مذكورا، فيما كنت أنا أتلظى نارا في آلام فظيعة من ذلك الحصر الهمجي الذي أحدثه مشهد ارتجاج السقوط غير المنتظر ، والذي لم يكتمل للأسف..وهل لأحد من العقلاء يمكن أن يلومني عن هذا التوتر الأرعن ، وغير اللائق ، وأنا الذي لم أقرب أنثى حقيقية ، ولم أشم رائحتها كأنثى منذ نحو عشر سنوات خلت ؟..

أجل ، انسلخت عني سبع سنوات ونيف من السجن المغلق حيث لا مجال للسجين في إطفاء نار الباءة غير وجاء الصوم أو الامتثال للوصية العاشرة من وصايا الزوزني البحاثي ، ذلك الشاعر الماجن ، الذي لا يرى غزالا فردا بساحته من الغزلان، فيكتشف مبدأ الوصية السمجة في خطاب الإشباع الذاتي النرجسي ، الذي يوجهه لنفسه في جناس لفظي سوقي "..ففي راحتي أنسي ، ورفقتي ، وراحتي.."

وبعد الخروج من السجن ، أجد نوارة زوجتي، تلك المرأة التي ظننتها مثالا في العفة والاستقامة ، مثل عاهرة ترتمي في أحضان رجل آخر، وإن تم ذلك تحت غطاء عقد زواج شرعي .. وحين أحاول اللجوء لحياة كوجاء وكملاذ أخير، ولو بالزواج من امرأة أكبر مني سنا، أجد أمامي قصة أغرب من الخيال..لقد تزوجت أحمد المومن أو قل الأقرع ، فالأمر بالنسبة لي الآن سيان ، لقد حرمت من لقاء حياة الذي تخيلته يكون لقاء حميميا ، كفاء ما عانيت من حبس بسببها .. فإذا حياة تعود لها عفتها التي عهدت منها أثناء زواجها الأول وتعدني باستئناف العشق إن توفي عنها المؤمن!.. كانت حالي في زياراتي الليلية المحدودة "للدار الكبيرة" التي تديرها أرملة البراح، قصد التخفيف من العنت أشبه بحال المضطر لأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله.. إنه لأمر أشبه بالذهاب لمرحاض يتم فيه تفريغ الحاجة البشرية بتقزز..

سرتُ هذه المرة بجوار المرأة ، وكدت ألاصقها، وكانت السقطة نقطة فاصلة في نظرتي تجاهها ، ولم أعد أراها غير أنثى، وذهب شموخ الأستاذة في عيني هباء، ولم أعد أتنسم فيها غير رائحة أنثى، وقد غمرني ذلك العبق الأنثوي تماما وجعلني أعمى عمى مطبقا ، فاقدا لبوصلة الرشد ، وكدت أثب عليها لتقبيلها ، لولا أن شيخا التقينا به ، بوجه عريض متجهم ، يغطي صلعته فيما خيل لي بقبعته الإفرنجية المكسورة على جبينه مثل فقاعة فطر ، ونحن على وشك التخلص من درجات الدور الثاني.. كان يبدو في الستينيات من عمره ، وهو يتخطى السلم مستعينا بالمسند الخشبي ، فحيته ربيحة ، ورد عليها بصوت محايد أقرب إلى البغض ، وعلقت على الدرجة التاسعة المفرومة قائلة:

ـ الدرجة التاسعة سوف تقصم ظهر أحدنا ذات يوم، ما لم نبادر إلى إصلاحها قبل حدوث فاجعة..

ووقف الشيخ معتدلا ، متخليا عن المسند الخشبي، ورد باسترسال وبرزانة حكيم خبير ماكر :

ـ الحل في أيدينا يا أم ثريا .. البنّاء ، وثلاثة قضبان حديدية أو أربعة ، وكيس إسمنت ونحن استبدلناها واسترحنا ، لكن البعض يقول بأن السلم سوف يتشوه ، ولا بد من استبدال الرخامة المحطمة برخامة أخرى من ذات النوعية ..

قال ذلك، ومد يده إلى المسند ليواصل نزوله بتوأدة وثبات ، فيما أمسك بيده الثانية على طرف قبعته الأفرنجية يعدلها ، دون أن ينسى أن يتفحصني خلال حديثه ويحملق في عيني ، وفي عيني الأستاذة باندهاش كالاتهام تواريه الألفاظ التي كان ينطق بها . إن في نظراته سرا مكبوتا وخبثا ناطقا يدل على هزيمة ما .. وقد بدا على كل حال أن مثل هذا الحديث عن إصلاح الدرجة حديث قديم مبتذل ، ويتردد بحذافيره كلما تعثر أحدهم بها أو زل.. ولذلك لم تكلف المرأة نفسها أن تقترح حلا ملائما لهذه الرخامة المفرومة الخالدة ..

وعند باب شقتها فتحت حقيبتها اليدوية تبحث عن مفتاح الشقة ، وفيما هي تهم بإيلاجه ، انفتح الباب تلقائيا من الداخل ..مع صوت نسوي يقول: سمعتك تتحدثين مع الدا بوعكاز، هل قال شيئا؟

ـ أي شيء؟..

ـ لا شيء إذن .. لا شيء..

******

دلفت المرأة بنفس الثقة والوضوح، وهي تعقب على عثرتها:

ـ آه يا يمّا خيرة .. كادت تلك الدرجة اللعينة تحطم عظامي.. الدّا بوعكاز ما يني يقترح الحل ، لكن دون التنفيذ.. يا له من سلوك لديه!.. دوما يحوم حول الشيء ولا يقع.. لمَ تسألين إذن عما قال؟..

ـ بعيد الشر يا ابنتي .. حقا ذلك الأرمل الثرثار طالما حام ، لكنه يشمخ بأنفه إلى أعلى وإلا لوجد ما يبحث عنه!..

والتفتت لتجدني ما أزال أتهيب الدخول متحرجا ، فأشارت علي برأسها؛ أن اتبعني.. وقالت المرأة السمينة والتي تضع على رأسها منديلا وتعقده عقدة تشبه أذني أرنب وقد انفرجتا فوق جبينها البراق العريض ، تستفسر مستدركة:

ـ ومن هو هذا السيد الملتحي كما لو كان هوشي منه؟..

فقالت المرأة بنوع من الاختبار:

ـ تفرسي في وجهه وسوف تتعرفين عليه !..

ـ أعرف أنفه وجبينه ، لكن لحيته أتلفت علي ذاكرتي!..

ـ هذا هو أخو عبد العزيز قادري ، ذلك الفتى الطيب والصلب الذي رزئنا فيه بغتة دون أن نفهم سبب مصرعه يومئذ ودون سابق إنذار يا يماّ خيرة..

تأملتني يمّا خيرة تتفحصني فحصا ، وراحت تطبع قبلة على صدغي الأيمن ، وأخرى على صدغي الأيسر ، كما لو كانت تعرفني من زمان ، وهي تؤكد التسآل والدهشة :

ـ حقا هو أخوه في سحنة وجهه؛ أنفاً وعينين وجبينا ؟..لكن لحية هذا طويلة خفيفة مثل لحى أهل الهند/ صينية؟..

وفي هذا الوقت نتأت من إحدى الحجرات صبية في التاسعة أو العاشرة من عمرها ، فقالت لها المرأة:

ـ هيا يا ثريا ، سلمي على عمك عبد العزير .. بل .. بو...عزيز .. عمك بوعزيز..

وأقبلت عليّ الصبية تشرئب إلى عنقي في ألفة ، وأنا أنحني لها لأمكنها من طاعة أمر أمها، ولكن وأنا أنحني أرى ملامح صبية أعرفها معرفة تامة، إنها الملامح نفسها التي ترتسم في المحيا الصغير لتلك الصبية التي وجدتها أنا وفرحات ذات يوم في بيت خالتي زينب بالريف في حي أولاد عربي منذ أزيد من عام ونصف ، يا إلهي!.. ما الذي يحدث لي ؟!. إن زهراء ، تلك الصبية التي انتسبت يومها إلى حياة ، قد هلكت في حادث فظيع ، في تلك العطلة الربيعية ذاتها ..هل في الأمر تناسخ للأرواح؟. أي قوة غاشمة في الكون تقتفي أثري خطوة بعد خطوة ، وتلازمني مثل ظلي في كل مكان أحل به؟..

وكما عرفت يومئذ تلك الصبية المأسوف عليها المسماة زهراء ، من النظرة الأولى ، وقرأت في عينيها البريئتين نسبها الصادق الحق بعيدا عن فذلكة جدتها زينب وهي تعرّفها لفرحات نجل أخيها سعد ، وعرفتُ أباها وأمها ، ولحظات انقذافها نطفة في قلب العاصفة الصاعقة في رحم أمها ، وهو طبعا نسب غير ذلك النسب المفبرك الذي لفقه عن جهل وقلة تبصر ،أو عن مكر متعنت ، عليوة أخو حياة وأكدته الخالة زينب برياء مفضوح وكذب صراح ..

ها هي ذات القوة الغاشمة في هذه اللحظات الرهيبة تقذف في قلبي الإلهام الذي يعرفني بنسب هذه الصبية المناظرة لزهراء ، المسماة ثريا.. يا لاحتياطات الأقدار!.. ما هلكت الصبية زهراء إلا وكانت هناك صبية أخرى تضارعها في كل شيء هي ثريا!..

وقفت مشدوها أرقب الصبية بعينين غارقتين في محجريهما زائغتين ، وهي منطلقة إلى أمها تسألها ببراءة تامة:

ـ من أين جئت لي بهذا العم الجديد ، بعد أن قد رحل أبي إحسان؟.

ومن غير أن أعي ما أقول ، وجدت نفسي أردد لنفسي كالممسوس دون أن أحفل ، إن كان من في البيت يسمع همسي الهادر "..هي بالذات..هي بالذات والصفات.. يا سبحان الله!.."

غريب !.. كيف أراد عزوز في تلك الليلة القدرية أن يمنعني عن شيء يكون قد وقع هو ذاته فيه قبلي، أو ربما في نفس الفترة نفسها.,, سوف أسأل عن تاريخ ميلاد ثريا هذه..

ولأن للنساء الناضجات خبرة عميقة بالحياة تفوق خبرة الشيوخ، فإن الحدس عندهن قلما يخطأ في غرضه ، قالت يماّ خيرة ، كما دعتها هذه المرأة المدعوة ربيحة:

ـ قلب المؤمن دليله!.. لابد أن تكون أمك امرأة ، ولا كل النساء..حين تنجب أبناء متطابقين في السحنة كل هذا التطابق!..

وقبل أن تقودني ربيحة إلى قاعة الجلوس ، طافت بي الشقة تعرفني بمرافقها، إنها شقة فارهة رحبة بأربع حجرات وصالة ، حجرة يماّ خيرة الأقرب إلى الباب ، وحجرة الصغيرة ثريا تواجهها ، وحجرة للضيوف ، وحجرة النوم وصالة يقابلها مطبخ وحمام .. وفتحت مصراعي الشرفة الفسيحة للصالة ، وهي تشير إلى المنظر البديع الذي تفضي إليه هذه الشرفة المؤججة بأصص الأزهار المختلفة من الطابق الثالث للعمارة . كان المنظر متميزا خاصة بهذا الجانب الذي يكشف جناحا من دار المعلمات على الطرف الآخر من الشارع العريض ، حيث التف مدخله بغابة كثيفة كالدغل ، وحيث بدت التلميذات المعلمات من بعيد في الممرات ، وقد لفهن غبش خفيف يتقاطعن السير في ذهاب وجيئة ، وهن يسايرن بعضهن بعضا مثل أسراب الطيور؛ مثنى وثلاث ورباع..وعبر الساحة التي تتخللها أشجار الزينة القصيرة وأحواض الزهور المبثوثة هنا وهناك في تناسق وانسجام بديع..

لكن ما استرعى انتباهي أن تقاليد اللباس لدى الطالبات قد تغير بشكل جذري. وها هي الأغلبية الساحقة من الطالبات يتجلببن بالحجاب ويدنين من خمرهن السخامية على جيوبهن ، وللمرء أن يتساءل : ترى لماذا كان اللون الغالب على هذا الحجاب هو لون السواد السائد لدى الشيعة في العراق وإيران ، ولدى شيعة أهل اليمن والخليج عامة ؟.. أولئك الذين أبدوا الحداد على مصرع ابن فاطمة الزهراء؟.. وأبّدوا بذلك حال الرياء والندم الذي سكن أجدادهم يوم مصرعه إلى يوم الدين، فهم مابرحوا يندبونه مرة كل عام ، ويسلقون جلودهم بالسياط عقابا لأنفسهم على إثم ارتكبه أجدادهم في غابر العصور ، كأنهم لا يقرأون ما يقول الدين من أن لاتزر وازرة وزر أخرى.. ما زال البعض القليل جدا من الطالبات يتشبثن في يأس ظاهر باللباس العصري الذي كان يطبع لباس الفتيات في الستينيات والسبعينيات .. الأمر لا يتعلق بالثناء على ما حدث أو بالاستهجان، فذلك شأن متروك لقناعات كل أحد في المجتمع.. لكن التغير الحادث فجأة يشكل لخريج سجن مثلي صدمة تدل على انفلات الزمن منه دون أن يعيشه..لكن سير المجتمع القهقرى مثبط للآمال، مخيب لمطمح التطور.. يقال إن عشرات الوقائع التي خسرها أجدادنا أمام الصليبين كانت بسبب اللباس غير المناسب للمحارب .. لذلك كانت ثورة التحرير شاملة ..أول خطبة سمعتها وأنا طفل في بداية الثورة، ألقاها مجاهد في جمع منا نحن الجبليين، أمرنا قائلا: "أرفعوا هاماتكم ، وارفعوا رؤوسكم عارية، إنما تحت عمائمكم وشواشيكم يعشش الذل والمسكنة .. " في ذلك اليوم تخلصت من شاشيتي الحمراء ذات الشرابية بخيوطها السوداء اللماعة، وشعرت بالانطلاق والانعتاق.. الصحوة تدفع إلى الأمام ،أما توهم الصحوة من غير معرفة ووعي بمسار التاريخ فهو غفوة ، بل سبات عميق..

وعادتني على مرأى أسراب الطالبات المؤذي والقابض للنفس ، ذكرى استئساري والاعتقال الذي تعرضت له في اليوم الثاني من مغادرتي للحبس ، في شعبة السيف والرصاص .. ذكرى تشير إلى أننا ، وعلى كل الجبهات ،عائدون إلى عصور الانحطاط المظلمة ، وعدم الوعي بسير تاريخ البشرية ، مع أننا نستهلك منتجات عصرنا التي ينتجها غيرنا في أقصى أطراف الأراضين التي تحيط بنا ،من بانكوك شرقا حتى لوس آنجلس غربا ، حين صاح فيّ أبو عتمة ، عضو الفرقة الناجية من جماعة الهجرة والتكفير، منذ أقل من عامين بصوت دون خيشوطي مثل ثغاء جدي هزيل :

ـ استأسر يا عدو الله!.."

وهل من أعداء لله اليوم غير هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم تطوعا وعنوة للنطق باسمه دون أن يكلفهم لا الرب المعبود ، ولا غيره بذلك؟!.. بل نصبهم عميل المخابرات الغربية الدكتور المركباني المقيم في ضواحي لندن..

إن هؤلاء الفتيات المسربلات بالسواد ، الأسيرات لنظرة الدياجي الحالكات ، وكأنهن في حداد أبدي ، سوف يتخرجن معلمات .. فما هي الأفكار التي سوف يزرعنها في تلاميذهن ، ويلقنها للنشء عن الحياة غير الأفكار السوداء الناعية لكل جميل ، والنافية لكل حبور، والمُدينة لكل مسرة .. وغير الرؤى والخزعبلات الحالكة المناظرة لجلابيبهن السود؟..سوف تصير نسمة عطر من زهرة الربيع حراما ، ورنة صوت منغم عذب من حنجرة موهوبة عورة ، ونغمة موسيقية من ناي أو رباب أو مزهر ممنوعة!..وباسم من؟.. باسم رب العالمين الذي أبدع فأحسن ..خالق كل شيء!..

وأشرت إلى المرأة التي كانت بجواري تتابع المشهد في سخرية:

ـ هل عادت فرنسا الصليبية ، وأممت دار المعلمات هذه ، وحولتها إلى دير كبير للراهبات المتعصبات الحاقدات على العباد؟..

ولكن المرأة فاجأتني ، فهي ليست مصدومة مثلي بسبب المباغتة، بل هي مشمئزة من الوضع برمته ،وغاضبة غضبا شديدا لهذا التحول الغبي والسائر بنا حثيثا إلى وراء الوراء :

ـ إذا استمر الحال ، سوف تغدو البلاد كلها ديرا كبيرا.. تخيل وأنا أستاذة جامعية ، أتلقى يوميا تهديدات من طلبتي ، بحرق ساقي ما لم أتجلبب!.. وتشويه وجهي ما لم أتنقب!.. كأنني أمة في حريم من عصر الظلمات ..

ونطقت بكلمات أجنبية كالشتيمة وهي تنسحب في عجل من الشرفة إلى داخل الصالة ، على رنين الهاتف الصاخب ، وترد بكلمة واحدة ".. سآتي.." أضافت وقد غيرت وجهة الحديث كلية ، وبدت في عجلة من أمرها:

ـ أعذرني أستاذ قادري.. سأغادر .. الشقة كلها بين يديك.. خذ راحتك .. وها هي يمّا خيرة في خدمتك ..إذا أردت أن تضع ملابسك ، فالمنامات وافرة .. حتى سجادة الصلاة موجودة ، أطلب كل ما تحتاج من خدمة أو متاع تجده .. أما أنا فمضطرة للخروج وقد لا أعود إلا وفق مشيئة الرفاق!..

" الرفاق..؟" هي إذن شيوعية ، وغادرت دون أن تدع لي مهلة لأعبر لها عن امتناني للعناية ، وأن معي منامتي التي هي عبارة عن قندورة عريضة لا أفضل عليها أي منامة في هذا الفصل الحار ، وما هي إلا لحظات ، كنت خلالها أتصفح ديكور القاعة ، وأتأمل في إعجاب مكتبة تملأ العين من الجدار إلى الجدار، ومن السقف إلى البلاط ، وقد نظمت تنظيما منهجيا بديعا أشبه بالمعاجم ؛حيث صفت المعارف مصنفة مبوبة في دقة قل نظيرها ، ورحت أقارن تنظيمها بنظام مكتبتي المنكوبة ، التي تغلب عليها المادة التاريخية ، ولذلك كان ترتيبها وفق التسلسل الزمني للعصور بصرف النظر عن نوعية المعارف واللغة ، وتبين أن المكتبة ثلاثية اللغة ؛ عربية وفرنسية و..ألمانية؟..بهذه اللغة كانت تسب منذ قليل إذن؟..

باغتتني يماّ خيرة ، وهي تقدم لي منامة زرقاء بخيوط بيضاء وروب حريري بنفس اللون مع أشرطة مذهبة ، مكواة مطواة ، وكأنما تم انتقاؤها حالا من مخازن الملابس الرفيعة الكبرى في مراد ديدوش أو في العربي بن مهيدي.. وتقدم لي شبشبا، وتقول بصوت آمر لا يدع للمرء اختيارا:

ـ هيا إلى الحمام..

دار في ذهني خواطر شيطانية ، وأوحت لي هيئة هذه الحيزبون بالريبة ، وبدا لي تصرفها كما لو كانت من ذلك الصنف من المتواطئات اللواتي يؤدين دور الماشطات قديما .. فهن يهيئن العريس أو العروس ، ويهيئن الجو بتوفير أسباب الأناقة والجمال والإيحاء النفسي ، مما يسمح بلقاء ناجح بين رجل وامرأة.. مع أن سلوك المرأة المسماة ربيحة بعيد جدا عن مثل هذه التصورات الشيطانية، ما عدا إذا كانت تتقنع بقناع سميك أشد وأغلظ من حجب المترهبات المحدثات في الأديرة المغلقة في سفوح الجبال وفجاجها بعيدا عن العمران وعن ضجيج أدنى حياة ..

إن ربيحة لم تجرني لبيتها إلا لتحدثني عن علاقتها بالمرحوم عزوز، وأحدثها عن ظروف مقتله ، وربما جرتني معها لأجل هذه الصبية المعجزة التي تدعى ثريا.. ومظهرها فعلا مظهر أستاذة رصينة ، تبدي من الجدية ومن الاحترام ومن العفاف ـ رغم مشهد السقوط في الدرجة التاسعة ـ ما ينفي عنها أي ارتياب..

كان علي إذن أن أستحم رغم أنفي، وأن أتكرم بأن أشتمل في هذا الجهاز الذي خلعته عليّ هذه السيدة. كانت يمّا خيرة قد أعدت الحمام ، فملأت الحوض ماء فاترا ووضعت قطعة صابون من النوع الرفيع ، مع قارورة غسول بعلامته العالمية .. كانت المرآة في قامة الإنسان تعارض الحوض على الجدار المقابل، وكانت على رف المغسل من جهة أخرى أنواع شتى من أنابيب مراهم لا أدري لأي شيء تصلح وأنابيب معجون أسنان ، وأدوات حلاقة وأمشاط ..

خجلت من نفسي وأنا أتعرى ، وقد صرفت الحيزبون بإلحاح .. لقد بدا عليها أنها كانت تهم بالبقاء لتمد لي يد المساعدة ، ولتدلك لي ظهري كما تزعم، وواريت الباب خلفي ، وشددت المرتاج بإحكام حتى لا تباغتني لأي باعث قد تختلقه ، وكان مبعث رفضي بقاءها أن يوسوس لي الشيطان في أمر ، ولا أتحكم في بهيميتي ، وأنا ضيف ، وللضيف أن يبدي قدرا كافيا من الاحترام لمضيفيه ، وقد رأيت منذ قليل في سلم العمارة كيف توترت لمجرد عثرة أنثى على سلم وانكشاف ساقيها ، أنا ضيف على الأستاذة ، لا على خادمها ، وهي فيما أرى خادم لا يؤتمن جانبها.. وإذا كان لابد من تحاور وتجاوب وتجاوز ، فليكن مع الأستاذة.. مع السيدة لامع الأمة!.. أم أفطر مرة أخرى على رأس بصلة مثل بصلات نزيلات "البيت الكبير" الذي تديره أرملة البراح سرا بعد أن صمتُ دهرا..

وأنا أشهد لأول مرة في حياتي صورة بدني ، تنعكس كاملة في حقل المرآة الفسيح ، أشعر بأن مياسم الفتوة لم تغادرني بعد ..وأحرى بي أن أحتفظ بها لامرأة مناسبة إن حاورت فيّ الرجل ، لا أقل أن تكون مضيفتي الأستاذة المحترمة.

خرجت من الحمام أجر أذيال الروب الفضفاض ، وأستلقي في ارتخاء كامل على الأريكة الوثيرة، كما لو كنت في بيتي منذ قديم الزمان ، كان جهاز التلفزة مضبوطا على قناة ناطقة بالفرنسية.. قليلة هي البيوت المجهزة بهذه الهوائيات المقعرة المستحدثة ، ومنها هذا البيت ، ورجوت من يما خيرة ، وقد جاءت تسعى من المطبخ .. كان شحمها الذي تكور كتلا على زنديها وصعد إلى شحمتي أذنيها يلمع وقد علته حبيبات العرق الناتج عن الصهد في المطبخ ، فأضفى عليها مسحة من ملاحة ، ومن نعومة لم ألحظها فيها ساعة دخولي مع المرأة الشابة ربيحة .. وهي وإن كانت ليست محل إي إثارة ملحة أو إغواء ناطق ، بحكم سنها الذي لابد أن يكون فوق الأربعين ، فإنها بالنسبة لرجل مثلي لا يخشى الله بالقدر الكافي ، ومحروم منذ سنين ، إذا لقيها خاصة في دفء غرفة الحمام، سوف يقدم عليها كما لو كانت صيدا ثمينا يكفي لوأد القرم المقيم المبين من سنين ، وحمدت الله أني أبعدتها عني من الحمام بحزم قبل وقوع المنكر وقبل فوات الأوان ..

هنأتني على الاستحمام ، وهي تمسح في طرف مئزرها أصابعها اللامعة بدهون الطبخ، وأبدت أسفها وهي تبتسم في مكر فاضح ، إذ لم أسمح لها بتدليك ظهري ، واعتذرت لها أن ذلك غير مألوف عندنا ولا عهدته في حياتي وسيرتي ، ورجوت منها ثانية أن تضبط لي الجهاز على القناة الوطنية لمشاهدة نشرة أخبار الثامنة، خاصة وقد كثرت ومضات الإشهار شبه العارية، وهو ما يربكني مع هذه المرأة الجريئة التي لا تستحيي من شيء فيما أرى..فقالت:

ـ ترى هذا الجهاز الصغير على المائدة هو جهاز التحكم عن بعد ، به تضبط أي قناة تشاء ، بالضغط على أحد الأرقام ..

وتساءلت في سري: أين هي المرأة التي ادعت بأنها خرجت لتركن السيارة ، وتعود أدراجها ؟.. وقد تناسيت قولها إنها رهن الرفاق ، حتى ذكرتني الخادم.. وأضافت ؛أن ذلك جزء من سيرتها كل مساء تقريبا ..

ضغطت يمّا خيرة على رقم في الجهاز ، فإذا المذيعة المبتدئة زهية بن عروس تلقي خطبتها بحماسها المعهود الهادر، إنها نشرة أخبار الثامنة قد بدأت .. تتحدث النشرة عن استمرار جمعيات المناضلين عبر التراب الوطني في شرح خطاب الرئيس الأمين العام للحزب الذي ألقاه يوم 19 سبتمبر الماضي أمام إطارات الحزب، وحملهم مسؤولية تردي أوضاع البلد ، وتحدثت أيضا عن اضطرابات محدودة ومعزولة يشهدها مركب صناعة الشاحنات بالرويبة، وهذه أول مرة يتحدث فيها الإعلام الرسمي عن إضراب في قطاع عمومي حيوي، وهي سابقة .. وتحدرت لتقدم تحقيقا سريعا عن الصعوبات التي تواجه الدخول المدرسي في ولاية أدرار..لتنتقل إلى الأخبار الدولية بعرض صور عن الانتفاضة الفلسطينية العارمة ، وصورة لأبي عمار يتحدث فيها عن فكرة الإعلان عن قيام دولة فلسطين..وفي الملخص تلمع النشرة إلى تعاظم دور النقابي فاليزا في بولونيا ، وتأييد الكنيسة له ، وجولة البابا يوحنا إلى أمريكا اللاتينية، والمفاوضات بين العملاقين لتخفيض الأسلحة، والإشارة إلى مجلة سوفيتية تنشر مقالا مناوئا لغورباتشوف زعيم البيروسترويكا بعنوان"..لا يمكن أن أتخلى عن مبادئي.." ثم لقطة عن الدورة 43 للجمعية العامة للأمم المتحدة ، تعاقب فيها الخطباء من كل الأصقاع مطالبين بحق الشعوب في التنمية ، وأخيرا العودة للوطن للحديث عن الانخفاض الخطير لمنسوب المياه في السدود ، وبوادر الأزمة في الماء الشروب..

وهكذا تنتهي النشرة المفصلة ، ولكن مضيفتي المسماة ربيحة لم تعد منذ خرجت ، وانتابني شعور من القلق.. وحتى يمّا خيرة قد عادت لمطبخها ، فالأخبار لا تعنيها كما قالت وهي تغادر القاعة..ولأزجي الوقت أخذت جهاز التوجيه وضغطت على رقم وأنا أصوب الجهاز نحو الشاشة ، كما فعلت يما خيرة منذ حين ، فإذا الشاشة تمتلئ بصورة خاطفة لامرأة شبه عارية في نطة غطس رياضية ، ومن الزبد الصاعد في غلواء ، والناتج عن غطسة الجسد الأنثوي الرشيق المقوس ، تبرز بدل المرأة قنينة شمبانيا وسط الرغوة في حركة ذات إيحاء جنسي كالقضيب المنتصب. صورة خدشت حيائي ، رغم أني كنت لحسن حظي وحدي في القاعة.. كانت لقطة فاحشة تسقط الحياء مرة واحدة إذا تفرجها صديقان ، أما إذا اجتمع لها أفراد الأسرة فهي الفضيحة ، وهي الفاجعة..

ورحت أعبث بالقنوات وألهو، وأتدرب على الإبحار و التسكع بين القنوات ، متنقلا من قناة لأخرى ، كانت كلها تبث أفلاما أو حفلات غناء.. وقفت عند قناة تبث شريطا عن حياة البراري.. تكاثر الفيلة وتزاوجها ، وجاءت يمَّا خيرة، فأعدت الشاشة إلى القناة الوطنية كما يقال خوفا من اللقطات الفاضحة ، كانت تبث بدورها فلما أمريكيا مؤلسنا إلى الفرنسية كالعادة.. قالت يمّا خيرة في لهجة يائسة:

ـ الأستاذة لن تعود إلا مع منتصف الليل ، وأرى أن أقدم لك العشاء حتى لا يفقد الطعام نكهته..

وجاء من بعيد صوت المؤذن يؤذن للعشاء،فقلت:

ـ الأوفق لي أن أقضي صلواتي أولا ، وأصلي العشاء..هل هناك من سجادة؟..

نظرت إلي الخادم نظرة اندهاش ، شعرت معها أنها تزري بي، وكأنها تقول يا لك من متخلف!.. وأبطأت قبل أن تحضر لي سجادة ؛ تنبعث منها رائحة الرطوبة وقد طويت طيا يدل على أن هذه السجادة الثمينة لم يصلِّ عليها أحد قط ، ولا أحد كان قد استعملها في هذا البيت المعصرن جدا ، والنتيجة أن هذا البيت لا أحد يصلي فيه بما في ذلك هذه الخادم التي لا أشك أنها على وشك أن تطرق سن اليأس .. وأمر ترك الصلاة في هذه السن نادر في البيئات الشعبية ، فما الذي جعل يمَّا خيرة تحيد عن الصلاة ، وهي امرأة شبه أمية ، والمرأة الأمية ترث شعيرة الصلاة من ضمن ما ترث من عادات وتقاليد من بيئتها الشعبية ؟.. ولكي أتأكد من أنها لا تصلي اختبرتها بسؤال مفاجئ عن اتجاه القبلة ، واحتارت قبل أن تجيب بجرأة لا تخلو من قحة وارتباك وقلة حيلة، وهي تضرب فخذيها المكتنزين بكلتا راحتيها:

ـ واحوجي! .. يا غبني !.. لم يبق لي غير أن أعرف القبلة.. وأنى لي أن أعرف القبلة يا شيخ ولم يقف بين يدي الله في هذا البيت أحد منذ وطئت قدماي عتبته مع ألبير دي لاكروا !..

ولكي أصرف عنها فزعها أو ارتباكها الذي أفضى بها إلى هذه الوقاحة المجانية سألتها ساخرا:

ـ ومنذ متى يا يمّا خيرة وطئت قدماك الزكية هذا البيت المبارك الموقر؟..

ـ أكثر من ثلثي عمري قضيته هنا يا أخيّ.. من ساكن لساكن ، ومن مستأجر لمستأجر، تغير السكان والمستأجرون ولم أتغير كأنني جزء من جدران البيت .. من عهد مسيو ألبير سان دي لا كروا ، الذي جلبني طفلة من مزرعة أبيه في شلبي إلى عهد مسيو قصد علي، إلى عهد دكتور صفدي...

وقلت ما يوافق الحال ، وأنا أتحرى القبلة ، وأفرش السجادة وفق الاتجاه الموافق للقبلة كما حدسته:

ـ لا عليك يا يمّا خيرة .. الله يغفر الذنوب جميعا..

وأقمت الصلاة ، صليت الظهر والعصر قصرا، وصليت المغرب، وما كدت أدخل صلاة العشاء حتى رن الهاتف مدويا، وجاءت الخادم ترفع السماعة ، وسرعان ما وضعت السماعة وهي تقول مطمئنة " .. ما عليه بنتي .. ما عليه بنتي.."

وحين سلمت وطويت السجادة ، أقبلت علي تقول:

ـ أنا التي أعرفها.. اجتماعاتها الليلية لا تنتهي .. تقول إنها لن تعود مبكرا وتوصيني أن أقدم لك العشاء وأن أعتني بك..

ـ أي اجتماعات؟..

ـ وما أدراني يا أخي..أنا لا يهمني كثيرا أن أفهم في هذه الأمور الرجالية!..

وأضافت كأنما تريد أن تتخلص من الحديث عن قصة الاجتماعات التي أشارت إليها وانتقدت فيها ضمنا مولاتها:

ـ أين تريد أن تتناول عشاءك .على الطاولة أم على المائدة؟..لك الاختيار..

ـ الأمر لك .. أرى أن تلتزمي النظام الذي عهدته..

ـ ما دمت وحدك ، سأقدم لك عشاءك على المائدة ، فتأنس بمشاهدة التلفزة، وتأكل براحة أكبر..

وفيما طفقت أقلب القنوات ، وأكتشف مندهشا كل هذا الحشد من البرامج .. كانت الخادم تسعى بين المطبخ والمائدة ترتب الأطباق ، وكانت مائدة عامرة متنوعة ، لكنها لم تكن باذخة ولا استعراضية .. إنها وجبة متكاملة غذائيا لا أكثر ، وكأنها وجبة أعدها طبيب..

وبمجرد أن شرعت في تناول الحساء ، قالت الخادم متلعثمة كأنما تود أن تتفوه بمهجور من القول:

ـ لما رأيتك تصلي أحجمت أن أقدم المشروبات الكحولية حتى أستأذنك.. الجعة في هذا البيت تشكل جزء من الوجبة الغذائية، ولو كانت الأستاذة هنا لقدمتها دون استئذان، فإن كنت لا ترى بأسا جئتك بها؟..

ـ أعوذ بالله من النجس.. أحسنت صنعا يا يما ّ خيرة.. أنا لا أطيق رائحتها فضلا عن أن أتناولها..

وأرسلت الخادم ضحكة مجلجلة في دهشة ، وهي تقول: شاو قح ، وريفي متحفظ حقا.. كذلك كان أخوك عبد العزيز لا يشرب هو الآخر ، مع أنه لم يكن يطلب مني سجادة الصلاة مثلك !..

وفيما أنا منكب على الأطباق ، وكانت لذيذة ..عنّ لي أن أعرض عليها مؤاكلتي حتى أظهر في صورة إنسانية متواضعة ، وحتى أنفي عن نفسي صفات الجفاء والبداوة تلك.. التي أرسلتها في وجهي تهمة مشرعة وهي تقهقه ، رغم علمي أن الخدم عادة لا يتناولون طعامهم مع أسيادهم، لكنها اعتذرت تقول بأنها تتغذى وفق نظام صحي خاص ، ومن ضمن مكوناته الثابتة ، الجعة .. ولم أستطع أن أميز ما إذا كان قولها صادقا أم هو مجرد تبجح تافه ، أم هو اعتذار لبق، أم هو سخرية سوداء من سلوكي البدوي ..

ولم أعد أحفل بالموقف ، ورحت آتي على الأطباق الشهية دون ترتيب ، فقد كنت أتناول لقمة من هنا ولقمة من هناك ، وأكاد أنتهي من هذا الطبق ثم أعود إليه.. وفي هذه الآونة كانت الخادم تحملق في الشاشة و قد ألقت بمؤخرتها على السجاد القشيب ، ومددت ساقيها كليهما عليه إلى أقصى ما تستطيع من تمديد ، مدعية أن ركبتيها المتألمتين لا تسمحان لها بالجلوس على الأرائك ، وقد أسندت رأسها وأحد مرفقيها إلى إحدى الأرائك .. كانت تلبس هذا السروال التركي العاصمي المشقوق من الطرفين حتى حد الركبة أثناء الوقوف ، لكن عند الاضطجاع أو التمدد كما هو الحال الآن ،يسمح بأن ينكشف كل شيء حتى إلية المرأة التي تلبسه..

وبطبيعة الحال وكما هو متوقع من رجل في وضعيتي ، كنت أسترق النظر من حين إلى آخر إلى الساقين وما فوقهما وأتأمل ذلك بإمعان أحيانا وجوع فظيع ، مادامت صاحبتهما قد عرضتهما في الحقيقة لهذا الغرض دون سواه حين اختارت هذه الجلسة المريبة ، بل هذا الاضطجاع السفيه ، وهي تصطنع الاستغراق في الشاشة متجاهلة نظراتي..

ومن حين لآخر كانت تتعمد حك ركبتها بيدها وتكشف المزيد عن لحم الفخذ المتخفي.. ولا يغيب عن زير النساء القديم ما يعني هذا السلوك المريب .. وأعادت جلستها إلى خاطري ذكرى جلسة الصغيرة ابنة خالتي زينب منذ سنوات خلت.. يوم قلمت أفنان الدالية ، وسقطت سقطة فاضحة بين البرميلين، وهي سقطة شاهدها أخي الصغير المرحوم هامل.. كان الساقان مكتنزين ناعمين يبرقان كالعاج ، وكان الفخذان رطبين مثل ودق الشمام الذائب .. وعجبت أن النساء عندنا لا تلحقهن تلك الخنازير في سوقهن حتى وهن قد تجاوزن الأربعينيات ، بخلاف النساء الأوروبيات اللواتي تسرع إليهن تلك العروق والدوالي مثل مجاري المياه الزرقاء في الخرائط الأوربية ، وهن على حوافي الأربعينيات من أعمارهن؛ هل الأمر يتعلق بالنظام الغذائي؟..أم هي الطبيعة عندنا تختلف عن الطبيعة في أوروبا ، وخاصة قلة بزوغ الشمس عندهم ونكد المناخ الرطب ، وإشراقها وحضورها الدائم عندنا ؟..أم هي السفور والخروج والرياضة والتعرض لمختلف عوامل الطبيعة هناك من قبل نسائهم ، والمكوث في البيت طوال العمر تقريبا بالنسبة لنسائنا؟.. لابد أن مثل هذه العوامل هي التي تجعل سيقان الأوروبيات متورمة بالدوالي والخنازير ، فيما سيقان نسائنا حتى العجائز منهن لا تكاد تعرف تلك التورمات القبيحة ، وتظل شهية ناعمة مثل ما هو حال ساقي هذه الخادم يما ّ خيرة الممددين أمامي ، في دعوة نابحة بصمت ، ونداء مكتوم كلهيب النيران .. معروضة كوليمة فاخرة..

وصعدت باصرتي إلى أعلى، وتبينت لي بعض التجاعيد الدقيقة جدا في أعلى صدرها ، وعند زاوية الشفتين ، وهي تجاعيد غير مقلقة بالمرة ما دام الصدر ممتلئا والوجنتان تلمعان، وفي تلك اللحظة رفعت إليّ المرأة عينين ذابلتين مثقلتين بالرغبة العارمة ، وقد ضبطتني ألتهم فخذيها بناظري، ثم سرعان ما حولتهما عني في خجل الأنثى التي تدعو الذكر ليتحرك .. وأخبرني الشيطان الرجيم بأن فاكهة الشجرة المحرمة طازجة ، ووسوس لي مزينا في عيني حال الأمَة، وهمس لي في خاطري بأن مباشرتها لن يختلف عن مباشرة أي امرأة ناضجة في الأربعين من عمرها، وهي بعد لن تمتنع بل وسوف تبتهج ، بعد أن اصطنعت هذه القعدة التي لا مبرر لها غير عرض بضاضة ساقيها و نعومة فخذيها ، وبعد هذه النظرة الخجلى التي لم تصدر إلا بقصد الإغواء المباشر الصامت ، دون مقدمات أو كلام..

وأنا أمسح فمي بالمنديل ، إشارة الانتهاء من العشاء ، تساءلت بريبة وفي صوت خفي ذي إيحاء خاص ، هو أقرب إلى ابتلاء الخادم ومراودتها ، والاطمئنان إلى استعدادها لاستسلامها أكثر منه شيئا آخر، وقد انتبهت إلى أن الصبية ثريا غيبت من البيت عن قصد ، فهي غير موجودة ، مع أنها لم تذهب مع الأستاذة ، وقلت وقد بدا لي في صوتي ارتعاشة وجفاف فضح ما أفكر فيه:

ـ لكن أين هي تلك الصبية الحلوة الشمائل ، الوردية الوجنتين؟..

ولم تفوت الخادم الفرصة ، لتفضح مقصدي غير البريء من السؤال:

ـ ما لك وللصبية يا أبا العينين الفاحصتين؟ .. هي لدى الجارة مع بناتها تنجز واجباتها المدرسية.. لقد فحصت كل شيء إذن ، ولم تستبق شيئا ، حتى الصبية تمعنت في وجنتيها ، واكتشفت أنهما ورديتان؟..

ـ ماذا تعنين يا يمّا خيرة؟..

ـ يمّاك !..هل كنت تنتهك حرمة أمك بعينيك الوقحتين ، وتلتهم لحمها التهام الطير الجارح؟ .. أم تظنني كنت غافلة عما كان يجري حولي ..أنا أعلم تماما لماذا جاءت بك طانيا الألمانية .. فلا داعي للتظاهر بالصلاة ، وبرفض التدليك في الحمام ، وبالعفاف عن شرب المسكرات.. كل هذه الأساليب حفظتها من أمثالك عن ظهر قلب..أنا أقرأ لغة الرجال في نظرات عيونهم ، ولا أهتم البتة بما تقول ألسنتهم ..

لست أدري لم تسمي سيدتها الأستاذة بهذا الاسم الأجنبي، وكأنها تزدريها به.. لقد كان هجومها علي كاسحا وبلا سابق إنذار ، لم تستبق للحياء مكانا، ومع أني كنت متوترا مهتاجا وأنا أفحصها، خاصة حين تحك فخذيها بيدها ، فتعريهما في حركة إغراء وإغواء مهنية ، لا تخفى حتى على ناسكٍ في السبعين، إلا أن إشارتها الخفية للغاية التي تدعي فيها أن الأستاذة إنما قنصتني قنصا لغاية غير معلنة استوقفتني وأدهشتني ، مع أني لم أنظر إلى الأستاذة ربيحة التي تسميها خادمها "طانيا الألمانية" بمثل هذه النظرة المريبة ، رغم لحظات التوائها في الدرجة التاسعة ، إذ كانت تتراءى لي دوما امرأة جادة ملتزمة ، لا يمكن أن تفكر في مثل ما تفكر فيه هذه المرأة الخادم.. هذه الإشارة نبهتني أكثر إلى ضرورة التحكم في النفس ، وعدم التورط مع خادم في علاقة حيوانية ، قد تسفر عن رعشة من اللذة العابرة ولكنها تنتهي بالندم، فعلي الالتزام إذن بمقولة الشاعر المأثورة :

ولقد أبيت على الطوى وأظله *** حتى أنال به كريم المأكل

فتراجعتُ عن مراودتها ، وانكفأت ، وقلت أحدب عن سمعة الأستاذة وكأني أعرفها أفضل من معرفة خادمها بها:

ـ لك الحق في كل ما قلت يا خيرة ، ماعدا إشارتك للأستاذة ، فهي لم تأت بي إلا بسبب أخي المرحوم عزوز..

وتراجعت هي بدورها، بخصوص ما تفوهت به عن الأستاذة ، وقالت:

ـ سامحني يا أخية ، أسأت فهمي.. ما كان لي أن أذكر الأستاذة ولية نعمتي بسوء.. ولا أن أفشي لها سرا من الأسرار..على أنني أقسم لك بما تشاء بأنك زير نساء ، ومراء خبيث .. لكن لا علينا ، لقد هتفت الأستاذة توصيني بك خيرا ، فماذا تريد أن تشرب بعد الأكل ؛ قهوة أم شايا؟..

وأجبتها إجابة يبدو أنها امتعضت منها امتعاضا شديدا ، أخبرتها أني سأبقى على الأريكة إلى أن تعود الأستاذة ، وعندها يكون الحديث عن القهوة أو الشاي، فقامت بحركة تنم عن سخط مكتوم إلى أطباقها شبه الفارغة، ترصها فوق بعضها بعضا لتنقلها إلى المطبخ في صمت ثقيل كالبكاء ، ولا يقطعه إلا اللحن الجنائزي الذي كان يرافق مشهد الدفن على الشاشة.. لقد ذهب استعراضها لمفاتنها الرخصة أدراج الرياح إذن ، وباءت خطتها الفاحشة في استدراجي بالخسران في هذه اللحظة على الأقل..

*****

وحين خلا لي الجو في القاعة ، وقد انسحبت الخادم منزعجة ، لكن بصمت قاتم عاودت العبث بالشاشة ، متنقلا من قناة لقناة من باب الفضول والاستطلاع دون أن يسفر التنقل عما تهوى النفس اللجوج.. وعدت خائبا مستسلما للفيلم الأمريكي بالقناة الوطنية، حيث كان أزيز محركات السيارات وصرير المكابح الجاف ، ولعلعة الرصاص والصياح والدماء ، والمطاردات الجنونية في منعرجات جبلية خطيرة لا تنتهي ، فيما الحوامات تناور في كل اتجاه ..وما إلى ذلك من صخب مألوف ، وألسنة نيران حمراء متطاولة في السماء مكرورة في غالبية أفلام الهوليود..

ورغبت في قبضة شمة ، فقمت أتهادى في ثوبي الرجراج .. أخذت القابصة من جيب القميص، ووقفت بجوار المائدة ، نقرت الغطاء نقرتين بالوسطى والإبهام حتى يسهل انزياحه، رفعت الغطاء ، وأخذت رفعة بملء السبابة والإبهام ، ودفعت بها في فكي الذي لابد أن تبدو أسنانه كأسنان البعير من كثرة ما اجتر من الحسك وأشواك القتاد..

ولمحت الخادم هناك في المطبخ، منكبة على غسل الأواني في ضجيج زائد يدل على نرفزة الغضب المحتدم في جوفها بصمت ، وأنا أعود لمكاني لأتربع على الأريكة الوسطى كالملوك القدامى ..

وللغرابة ، شعرت بانتعاش روحي وسمو من جراء رفعة الشمة ، وارتخت أعصابي ، وربما جاء هذا السرور، وهذا الانتشاء الداخلي من انتصاري على ذاتي في عدم الاستسلام لنزوة عابرة مع امرأة خادم.. ولكن تغشاني فجأة نعاس عنيد لم أستطع دفعه .. حقا لم أنم البارحة إلا يسيرا، وكان يومي في السفر طويلا حافلا ، ولم أستطع مع النعاس الغالب أن أتتبع لقطات الفيلم الصاخبة، وبالكاد استطعت القيام والذهاب إلى الشرفة للتخلص من لطخة الشمة المتعفنة في حنكي..

وبمجرد أن ارتميت على الأريكة الوثيرة ثانية ، كانت عيناي قد استقالتا تماما عن ملاحقة الصور والأضواء على الشاشة في الواقع ، وتحدثت إليّ الخادم فيما يبدو ، دون أن أعي ما كانت تحدثني به ، لكني لعقت من يدها كأسا براقة فيها ما يشبه العسل ، ولا أدري ما حوت ، وهل كان المشروب عسلا حقا.. وقد انسابت الآن سيارة فارهة خارجة من الشاشة ، لكنها ويا للغرابة !..

كانت سيارة الأستاذة ربيحة الرمادية .. تطاردها سيارات أخرى لعصابة شريرة، ولاح أن إحداها كان يقودها النائب ابن ربعية المأفون..وفي الحال أوقفت ربيحة سيارتها أسفل العمارة ، بعد تعريجة خاطفة ، متخلصة من الأوغاد، فيما مضت السيارات المطاردة اللعينة ، دون أن تتفطن لمناورة الأستاذة البارعة .. قالت الخادم الغبية : إن الأستاذة في اجتماع ولن تعود مبكرا ، وغمزتني وهي تسد عليّ الطريق ،أبعدتها من طريقي عنوة ، ونزلت توا في ثوبي الرجراج الذي كان يمسح الأدراج ورائي مسحا.. خرجت ربيحة من سيارتها التي كانت عجلاتها الفضية تلمع تحت ساطع الإنارة العمومية ..

كانت امرأة أخرى..والتبس الأمر علي ، كانت تارة تبدو كما لو كانت حياة ابنة خالتي زينب ، وأخرى في هيئة نوارة طليقتي ، وتارة تبدو ربيحة الأستاذة المضيفة .. لقد كانت لدى الماشطة، ولقد شكلت ضفيرتها التي جمعت فيها كل شعرها وألقتها إلى ظهرها في لامبالاة تامة عندما التقيت بها في المكتبة.. شكلتها الآن تشكيلا هو عين الإبداع.. زهرة تنطلق وريقاتها المتلألئة من قمة الرأس ، وتنحني على كل الجنبات ، وتصعد شعرات من قمة الرأس إلى الأعلى، مشكلة أسداء الزهرة ورحيقها، وقد تمت الاستعانة في كل ذلك بأشرطة مناسبة ومساسك، وقد تتوجت بهذه التسريحة الخالدة ، وتركت خصلات تنساب من هنا وهناك لتتربع خصلة على ترائبها ، إنها تسريحة عروس يابانية!.. في حين ضغط الفستان الأبيض الدمقسي المتلألئ على الصدر ، فبرز الثديان حقين ناعمين ، وقد أرادا أن يفتقا الثوب ، ويتمردا على جبروته وسيطرته في شدهما..

أعطتني في خفر ، يدها المصون ، في قفاز من حرير يمتد إلى ما بعد المعصم ، لأقودها بحفاوة ، وأصعد بها درجات السلم الرخامي تماما كما يسوق العريس عروسه ، وعند الدرجة التاسعة الشهيرة ، أتعثر وأنزلق ، وتنزلق معي العروس الجنية ، وأرى تنورتها الوردية الداخلية ، وإذا نحن معا بقدرة قادر في حوض الحمام نستحم ، وبسرعة علت فقاعات الصابون صدرينا وسترت جسدينا ، كل ذلك انعكس في المرآة الفسيحة على الجدار المقابل ، وكنت أسأل الأستاذة عن طبيعة اجتماعاتها الليلية ، فأجابتني بالألمانية دون أن تعيرني اهتماما ، مع أنها كانت تشغل الحوض معي عارية ، كما لو كانت زوجتي من قديم الزمان ، غير أنها مع ذلك بدت صارمة لا تسمح لي بأي مداعبة ..

وكانت تلقي بتعليماتها إلى المرأة الخادم لتقوم بتدليكي ، وفعلا كانت خيرة تقوم بتقديم يد المساعدة من غير أدنى ذرة من حرج أو حياء ، وقد تعرت بصفاقة خليعة حتى أعلى الركبتين، مبرزة فخذين ناعمين كالثلج . البخار في الحمام يتكاتف صاعدا ساخنا خانقا ، وفقاعات الصابون ما فتئت تتكاثر وتتطاير لتغمر الغرفة كلها ، ولم أعد أرى في المرآة المواجهة غير أشباح مبهمة ..

وبقدرة قادر، وبغتة ، تغدو غرفة الحمام حجرة نوم هلامية ، وتتلاشى الفقاعات الطائرة في فضاء غرفة النوم ، وتنحصر الرغوة شيئا فشيئا عن ساقي الأستاذة ، ثم ينجلي المنظر عنها ممددة على الفراش الوثير شبه عارية مستسلمة للنوم ، تاركة ذراعيها يذهبان في فضاء السرير كجناحي طائر في ارتخاء ، حتى تدلى كل منهما على حافة السرير..كانت الخادم تدفع بي بكل قوتها في دلك موقظ حثيث ، وتهيجني لأرتمي على الجسد الرطيب للمرأة العارية، ورغم أن التوتر كان قاسيا فظيعا ، ومع ذلك لم أستسلم لإرادة الخادم ، ورحت أقاوم متجنبا مباشرة الأستاذة في نومها ، وأنا أقف على حافة السرير.. وقلت للمرأة الخادم :

ـ كلا .. أنا زير نساء فعلا كما قلت لي ، لكني لم أباشر امرأة قط وهي تغط في نوم عميق، ذلك أشبه باغتصاب جثامين النساء في غرف اللحم بالمستشفيات ..

كانت الخادم بكماء لا تتكلم ، مكتفية بالدفع بي نحو الأستاذة بكلتا يديها ، ولكني لم أعد أستطيع شيئا ، لقد تلبكت حواسي وتبلد عقلي وخارت قواي ، وتثاقلت قدماي وأصبحتا رخوتين كالعجين ، بينما التوتر طافح ينذر بالانفجار العاتي..المرأة تدفع ، وتدفع ، ولم أعد أستطيع أن أقاوم ما تفعله بي وقد تخطت التدليك ، القدمان ملتصقتان في البلاط كالغراء اللاصق..برزت فجأة ذئاب من شعاب مظلمة تعوي عن قرب مخيف وتتأهب لتنقض ،التوتر يشتد إلى حد الألم المذهب لأهداب الوعي المترنح الذي يغالب الذئاب القادمة .

في الشاشة المغمورة بألسنة اللهب الحمراء ، تنبثق بقوة من البحر اللجي قنينة الشمبانيا كرأس أفعوان ، وتنقذف سدادتها الذهبية .. ينفجر الخمر المسكوب من عنق الزجاجة كزبد الموج الصاخب حين يصطدم بالصخور الناتئة على الشطآن الأمغرية التي أوهنتها صفعات الموج المتواترة ..

وأنا بين الحلم واليقظة ، شعرت بابتلال مخز ، وبتقذر وتنجس .. لعنة الله عليك يا إبليس.. اختلط علي الحلم بالواقع .. فتحت عيني بين الدهشة والذعر على وجه طانيا الألمانية التي سرعان ما تبدت في هيئة المرأة الخادم الفاغرة الفم ، كما لو كانت مندهشة لمشهد القنينة المتفجرة في حجرها مثل القنبلة الموقوتة .. كانت الخادم تتأمل في انتشاء آثار الكوكبة المتفجرة في مئزرها السماوي ، وكانت تمسك بالقنينة التي اندفعت سدادتها الفلينية الناعمة ، وتدفق الزبد حوله مثل كوكبة من نجوم وشهب ونيازك عارمة هائمة ..ولم يدم المشهد غير ثوان رافقه خمود اللهب على الشاشة بفعل الانسكاب العرم للقنينة ، وانطفاء النيازك في أديم فراغ السماوات الداكن ..

تسحب من على السجادة وسائدها الرخوة الثقيلة مثل أرداف ضفدعة عملاقة ، وتنهض لتشد سروال اللوبيا المنتفخ المتموج إلى أعلى ، كما تفعل الخادمات وهن ينشفن بحذر الأرضيات المبتلة.. امتقع وجهها على نظراتي المتسائلة عن مبرر وجود وسائدها هنا في هجعتي الغافية .. قالت بخبث كما لو كانت لصا يواجه صاحب البيت بافتراءات ليخفي ورطته، أو كما لو كانت تداري حياء ، لو كان لمثلها فضل حياء .. كان وجهها يتصبب عرقا:

ـ سمعتك تئن ، وتتحدث وحدك فتفقدتك ، وأسندت بوسائدي جانبك وقد كدت تسقط من الأريكة لا أكثر.. أكنت تحلم ؟..

وقبل أن أجيبها تفقدت حالي لأتأكد مما حل بي ، أهو واقع أم حلم.؟.. وإذ صحوت على الحلم الفظيع ، كان لزاما علي أولا الإسراع إلى الحمام فورا ، لقد أخزاني الشيطان اللعين وكنت ملوثا نجسا .. وأيقنت أني تعرضت في هجعتي الثقيلة لكابوس شنيع ..وكان للمرأة الخادم دور ما فيه لا أعلم بالضبط ما فعلت .. انتفضت متلبسا بآية الرجس أريد الحمام ، وأنا أردد في احتجاج يائس:

ـ لماذا؟.. من فعل بي هذا؟.. أهو شيطان الجن أم شيطان الإنس صب علي خمرته النجسة؟.. بم سقيتني في هجعتي أيتها الساحرة البائسة؟.. لماذا فعلت هذا بضيف سيدتك في غيبوبته؟.. قولي ..بم سقيتني؟..

وذهب الارتباك عن المرأة جملة ، وتسمرت واقفا لدى الباب وقد تصدت تواجهني بصلف ووقاحة قل نظيرها ، واضعة كفتيها المضمومتين على إليتيها كما لو كانت تستعد لخوض معركة أو إجراء مقابلة حاسمة في الملاكمة ، وقالت في خطبة طويلة كانت فيها أفصح من أي خطيب بلغتها الهجينة التي أضطر لترجمتها :

ـ ماذا هناك ؟..سقيتك بالعسل المصفى وبما يبهج النفس .. لكنك أنت رجل منحط .. أجل ، أنا ساحرة وبائسة كما تقول !.. كنت تدخر فسائلك وحكاياتك الشائقة للألمانية.. أنسيت أنك أعرضت عني فيما كنت أتلوى عذابا، كنت أتوسل وأبصبص لك مثل هرة ألقيت في جب ، وأتسول بصمت العجماوات .. كنت أعوى مثل ذئبة تتضور جوعا ، ولكنك أعرضت مستنكفا عني ، ورغبت عن أن تشرب قهوتي، مرجيا ذلك لعودة أستاذتك ربيحة..هي امرأة شابة جذابة، تستطيع أن تقتنص من فسائل الرجال وشماريخهم ما تشاء ..أما أنا والعمر يجري بي، وقد أعرض عني حتى ذلك الجار الأرمل السبتي بوعكاز ، وهو لا يخجل أن يغازل الألمانية في الممرات بوقاحة حين ينفرد بها مع أنها بمثابة ابنته !..إنه لا يكاد يسمع أزيز سيارتها حتى ينتأ كالنمر من شقته خارجا بقصد التحدث إليها ومغازلتها..

لن أتردد في سفح ماء حيائي ، وإراقة ما تبقى من كبريائي ، لأصل إلى مبتغى النفس ، سأنال منكم أيها الرجال العميان بالختل ، ما تنالونه أنتم بالغدر ، لقد عرضت عليك كل مدخراتي ، وكل ما أملك ،أغريك وأستفزك وأنت تتعشى ، وكنت أنت لا ترعوي عن التهام مباذلي بعين شرهة خائنة غادرة ، لكنك في آخر الأمر حين قدحت الزناد ، احتقرت لوزتي وازدريت بقهوتي!.. وكان عليك أن تحذر كيد النساء إذا صممن ورغبن.. المرأة إذا رغبت في رجل نالته بالحسنى أو ورطته بالعسرى، ثم أوردته المهالك إن لم يمتثل صاغرا لتلك الرغبة.. واحمد ربك أني لم أوردك المهالك ، لقد سقيتك العسل المنعس لا المنعش، ولم أنل بعد منك ما صممت على أخذه كاملا وسآخذه إن عاجلا أو آجلا بكل التوابل والبهارات وبرضاك التام .. حقا ، لم أكن أنوي أبدا أن أفشي سرا من أسرار ولية نعمتي الألمانية ، لكن وقد وقع المحذور،إليك الخبر اليقين إن كنت لم تعلم بعد:

أتدري بنت من هي تلك الصبية التي تقول عنها إنها وردية الخدين .. ثريا التي سألتني عنها قبل؟.. وقد طلبت منها أمها الأستاذة أن تسلم وتعانق عمها عندما دخلت هذا البيت؟.. أنت عمها بالفعل والحقيقة ، لأنها ابنة أخيك القتيل ، وقد سرقت ربيحة منه الفسيلة واختطفتها منه اختطافا حين جاء يعزيها في زوجها .. الألمانية لم تستسلم لأحزان موت زوجها ، بل لم نرها حزنت أصلا، وباشرت الحياة حين رأت في جبين أخيك وفي عينيه نداء الحياة.. لقد اغتصبت منه ذلك النداء اغتصابا حين ضعف في لحظة عزاء .. ومتى كان ذلك؟..بعد أن أيأسها وقد عرضت عليه يوما حبها ، ورفضها بصلف ، بدعوى أن قلبه قد انغلق على امرأة أخرى ، وأنه عقد قلبه على الإخلاص لها العمر كله .. أترى أن الألمانية الفاتنة المتعلمة في عنفوانها.. ومع ذلك تخطف وتغتصب ، ولا ترى لي حقا في شم الشواء من بعيد ، إن لم أنل ما هو حق لي في الشواء؟.. وتلومني أنا التي أقف راجفة وأنا أشارف وهدات الخريف ؛ أن أقدمت على سرقة بخار فسيلة من رجل معرض عني مستسلما لشخيره وكوابيسه ، فاقد لشهامة الرجال ، فقير لأريحية الكرام .. إنس الأمر كله .. ما هي إلا مداعبة غير موفقة أمتعت صرصورا، ولا تضرك في شيء يا أيها المرائي!..

وبعد لحظات صمت ، تنهدت بعمق وتبسمت تبسم المعزين ، وقد بدا لها أنها أقنعتني بخطابها المدهش ، أضافت بلهجة مغايرة هادئة لطيفة ، وهي تخلي لي السبيل إلى الحمام:

ـ هيا يا عزيزي إلى الحمام ، في جبينك وأنفك سر .. سأوقد لك مسخن الماء فورا ، ضع عنك هذه المنامة ، ودعها جانبا .. سوف أزودك بمنامة نقية جديدة تسرّك..

واتجهت فورا إلى المسخن توقد فتيلته ، وقد بلغ بها الآن السرور مبلغه في تحول مباغت دون أن أفهم باعثه .. وسكتّ ُعنها ، ولم أجد سوى أن أمتثل، وأنا أردد الحوقلة ، وأستعيذ بالله من شر الغاسقات الواقبات ، ومن شر ما أوقعتني فيه هذه المرأة من كوابيس تصاقب فيها الحلم بالواقع وتناظر فيه الظل بالجسد.. لكنها في خطابها قالت شيئا مفيدا ..لقد شرحت لي ، على كل حال ، بجملة واحدة كل علاقة المرحوم عزوز بهذه المرأة الغريبة المسماة ربيحة ،والتي تسميها هذه الخادم بالألمانية، والتي تتخذ مظهرا مع ذلك شديد الحزم والاحترام ، وإن كنت في الحقيقة قد حزرت منذ البداية، وبصفة لا تدع مجالا للشك ، ابنة من تكون تلك الصبية ثريا..

******

خرجت من حجرة الحمام في منامة ناصعة نقية جديدة ، طار النوم الآن من عيني تماما ، وصحوت من العقار الذي سقتني به الخادم ، والذي ذهب بعقلي وأسلمني إلى الهلوسة وإلى الكوابيس . سألتني المرأة خيرة ، ولا أقول يمّا خيرة بعد كل الذي صنعته بي في هجعتي الهلامية ، سألتني إن كنت أرغب في تناول شيء .. أحجمت عن التكلم إليها مغاضبا لها ، ومع ذلك أقبلت بعد قليل في حبورها الغريب الذي لم يفارقها منذ صحوت ، وهي تضع على المائدة إبريق شاي وصحنا يحفل بالمقشرات والمكسرات ، من جوز ولوز وفول سوداني ، وأصناف من الحلوى والشكلاطة ، في أغلفتها الزاهية البراقة ، وقالت مقهقهة في صفاقة وتهور مشوب بلهجة اعتذار:

ـ رغم رفضك لقهوتي لا بد أن أستضيفك .. وسوف أعلفك بيدي لتستعيد ما ضاع من بخار الفسائل المبذولة أثناء الغفوة ، بعد نصف ساعة ترى في الكرمة عنبا وعناقيد تصيح بالقاطفين .. لا تغضب ولا تحزن يا فتى!..

أذعنت لمشيئتها وتطاولها فيما أزمعت عليه ، صبت لي الشاي وزينته بوريقات نعناع خضراء.. رحت أحملق في الشاشة من جديد من غير إدراك لما يعرض فيها ، لقد كان فكري كله متجها لتحليل الوضع الغريب الذي وجدت فيه نفسي ، كما لو كان حلما فريدا، وأمرا مستحيل الحدوث .. أيعقل وأنا خريج السجن التائه المنبوذ أن أجد نفسي أعيش حكاية أشبه ما تكون بحكايات ألف ليلة وليلة التي لا يمكن تصديقها؟.. ورحت أسرح شعرات لحيتي المتطاولة الذليلة بأصابعي وأرشف الشاي على مضض ، وأسألها بجد وتذلل إن كان خاليا حقا من عقار التنويم والهلوسة ، فأنا حقا لا أريد أن أفقد وعيي ثانية .. وأقنعتني مطمئنة بأن المسألة حسمت ولا حاجة بعد ، لتنويم آخر أو كوابيس أخرى ، فيما كانت أسناني تطقطق المكسرات في حياد ، وتطحنها في اجترار الأنعام ، وقد تجرأت المرأة الخادم الآن ، ورفعت الكلفة تماما، وجلست إلى جانبي دون استئذان ، وراحت تقشر المكسرات المنتقاة الأنواع، وتعلفني بها كما قالت بأصابعها البضة مباشرة في محاولة لإرضائي أو لتنسيني رزيئتي ، كما لو كنت عشيقها المغضب الأثير لديها ..

وسرحت سرحة الحيوانات المجترة البلهاء ، في شيء من التفلسف العاجز عن تفسير حادثات الزمان.. لقد خطر ببالي أن مصير الإنسان في تفاهته يشبه مصير قشة تتقاذفها الرياح في كل اتجاه ، فيمكن للقشة أن تتجول وتطوف حيثما شاءت اتجاهات الرياح حين تهب ..

يمكن أن تعلو فتبلغ بها عنان السماء ،

ويمكن أن تنحط بها إلى وهاد وفجاج عميقة..

يمكن أن تسقطها في إناء مليء عسلا أو خمرة أو لبنا ،

ويمكن أن تذري بها في مصب قنوات الصرف القذرة ،

يمكن أن تغرزها في وريقة ورد ناعمة ،

أو في ضفيرة مجدولة بأشرطة حريرية لفتاة مليحة ،

ويمكن أن تزري بها في فك حمار خائر ، أو في ذيل كلب ضال مجروب ..أو في غلاصم قرش جبار..

وقطع حبل تأملاتي صوت خيرة ، تتساءل عن مغزى هذه اللحية الكوسجية وحلق الشارب تماما، وقد كفت الآن عن إطعامي بالفستق ،بعد أن بلغتُ مرحلة التشبع و كان فستق العبيد آخر ما بقي في الصحن ،ولأن غضبي البهيم قد زال بالفعل، لم أعد أرى موجبا لمغاضبتها والتنغيص عليها ، إذ لا فائدة أصلا من ذلك ، فقلت ساخرا:

ـ لأعطي مظهري مزيدا من البشاعة ومن المذلة ، ومن الغرابة..

ـ أما الغرابة فنعم ، أما المذلة فلا أظن ، أما البشاعة فما أبعدك عنها!..وما أبعدها عنك!..أنت وسيم عذب الأنف ، عذب الفمَ رحب الجبين .. دعني أقبلك في جبينك هذا النيّر كالزيتون !..

وبعد أن طبعت قبلة على جبيني عنوة لم أفهم مغزاها ، أخلدت للصمت وراحت تتأملني بفضول بالغ ، فيما كنت بلا مبالاة أفتش في الجهاز عن القناة الوطنية ، متخذا هيئة المستمع لنشرة الأخبار الأخيرة ، ثم إن خيرة قد تجرأت أكثر وتصابت ، فهي الآن تعبث بلحيتي كأنما تمشطها في صمت وسكون وصلاة.. كانت أخبار الثامنة هي نفسها تتكرر مع شيء من التلخيص والتقليص، يلقيها شاب شديد الوسامة مغمور، يسرع في القراءة ، كما لو كان أحد وراءه يطارده ويحثه على الإسراع ، وكان في ذلك يرتكب مجازر لغوية فظيعة لا يرتكبها حتى الصغار؛ فالمرفوع لديه مجرور ، والساكن في عرفه متحرك ، والمنصوب فيما لقنوه مكسور أو مرفوع..

ومع موسيقى فهرس ختام نشرة الأخبار الأخيرة دار المفتاح في الباب ، وهبت الخادم من جانبي مذعورة ، لاستقبال سيدتها.. ودلفت الأستاذة ربيحة كالعاصفة، وقالت تعتذر لي وتناديني باسمي كأني أحد أفراد عائلتها ، وتخاطب خيرة الخادم في آن واحد:

ـ اعذرني بوعزيز.. كان الرفاق في حاجة شديدة لي في هذه الليلة قبل الليلة المصيرية..هات لي يا يمّا خيرة ما أسد به الرمق..إني أتلوى جوعا..

وألقت على طرف المائدة مجموعة من المنشورات والمطبوعات أغلبها بالفرنسية ولم يكن غير مطبوعتين من حجم صغير حقير بالعربية ، وصاحت في الخادم :

ـ هل قمت على الضيف كما يجب؟.. آسفة ، آسِفة سي قادري..لذهابي عنك على تلك الصورة ، وأنت ضيفي..

فأجبتها مطمئنا، ملمحا لخدمات الخادم التي كانت في المطبخ ، وألغز إلى ما تشاء أن تفهم:

ـ لقد كانت خدماتها يا سيدتي فوق التصور، وكما قال المتنبي مع شيء من التحوير الضروري:

تجاوز مقدار الضيافة والقرى ** إلى قول قوم أنت بالغيب عالم..

ـ لم أفهم، أراك تلغز؟..الهام ، ألم تقلق أثناء غيبتي؟..

وجاءت الخادم تسعى ، وقد خشيت مني أن أفضح تصرفاتها الهلامية معي أثناء غيبوبتي ، ولا أقول أثناء هجعتي ، وهي تقول تطمئن سيدتها :

ـ لقد نفذت وصيتك ، وزدت عليها لما أبدى من خصال لطيفة .. أنظري إلى أكوام قشر المكسرات على المائدة.. أنا من كسر وقشر وأطعم.. عاملت ضيفك مثلما أعامل الصغيرة ثريا ، لقد قمت بالواجب وأكثر..

وإذ اطمأنت على ضيفها، انطلقت إلى غرفة الحمام في نشاط عارم ، وهي تثني على الخادم في حدبها على الضيف، وترجوها أن توقد فتيلة السخان ، واختفت عن الأنظار، وكانت الخادم ترنو إلي بعينين مرتاعتين، تتوسلني في همس أن لا أفصح عن شيء مما حدث في الهجعة أمام سيدتها ، وهي بعد لا تخشاها في شيء ، وهي لا تستطيع الاستغناء عنها في إدارة البيت ، ولكنها تكره تنغيص مزاجها.. ولم أعدها بشيء، بل كدت أقول لها بأني " سأخبرها بالمخدر المدسوس وبكل شيء.." لكني تركت الأمر لموقف ملائم ينضج بهدوء ، وهو الموقف الذي لا ينبغي أن أندم عليه يوما ..

وتصفحت منشورا بعنوان "صوت الشعب" فإذا هو مطبوعة سرية ، هي لسان حال حزب سري يتسمى " الطليعة الاشتراكية" . قرأت عناوين المواد المنشورة كانت:

ـ آن الوقت لتحطيم المادة120 ـ ألمانيا الديمقراطية تشدد الحراسة على جدار برلين ـ الحزب الاشتراكي بأسبانيا يتقدم في الانتخابات ـ في إيران مجاهدي خلق في سباق ضد الأصولية للاستيلاء على ميراث الشاه ـ تحالف نظام السادات مع الإخوان سريا لتصفية آخر جيوب الخلايا التقدمية في مصرـ الهند إلى أين بعد اغتيال أنديرا غاندي ـ ملحق عن الحركات الدينية في البلدان العربية..

وبدا أن الملحق الذي كان عبارة عن ندوة فكرية جرت بين أساتذة جامعيين جدير بالقراءة.. سوف أستأذن الأستاذة لتعيرني هذا الملحق ، هو جدير بالقراءة المتأنية.. أما المنشور الثاني فكان يتحدث عن الحزب الشيوعي التونسي والإسلام ، وقرأت فقرات من هنا وهناك ليتضح أن الشيوعيين في العالم العربي لا يمكن أن يفلتوا من الإسلام ، إما رافضين استئصاليين ، وهذا هو اتجاه الشيوعيين في الجزائر، أو محللين محايدين كما هو الشأن في مصر وبعض بلدان المشرق ، أو محاورين متفهمين كما يبدو من هذا المنشور التونسي..

أنا الآن موجود إذن في وكر من أوكار الشيوعية بالجزائر دون علم مسبق ، ويكفي هذا الوجود ليفسر لي هذه التصرفات الرذلة الماكرة التي مارستها الخادم علي منذ قليل وأنا في سبات عميق، وتحت المخدر المدسوس ، فالشيوعي العامي لا يملك غير أن يغتصب من غيره أي شيء ، من غير أي حرج أو وخز من ضمير ، بل وهو يمارس ذلك ؛ يعتبر نفسه يمارس حياة طبيعية حرة منسجمة ..إنه يرى معتقدا أن كل شيء مشاع وعلى الشيوع، فالخادم، وقد عاشت زمنا طويلا في هذا الوكر مع هؤلاء الفطاحل الأفذاذ ، من مروجي الفكر العدمي ، تشبعت بأفكارهم وانقادت لسلوكياتهم تقلدها رغم أنها شبه أمية، وهي تسقي وتحلب وتشرب وتسكر في إنائهم الأحمر، وقد تحطمت حولها كل الطابوهات والمحرمات ، وخاصة طابو الملكية الخاصة والدين والجنس وقوانين القيم والأخلاق والحكم والسياسة عامة .. لذلك فهمت الشيوعية من أيسر السبل ، وهو التحرر والإقدام على الأخذ، واغتصاب ما لدى الآخرين طواعية ، أو وهم في غفلة من أمرهم. شيوعيون لا يكلون من ترديد شعارهم ، بأن وسائل الإنتاج مشاعة ، وهل من وسيلة للإنتاج أعظم أثرا من وسائل إنتاج النسل والتناسل، وها هي الأستاذة ذاتها تحصل على صبية من الفتى الغرير ، المأسوف عليه عبد العزيز قادري، من غير إرادته كما تشير هذه الخادم .."

وتقدمت الأستاذة إلى المائدة المعدة في روب السهرة الأحمر، وقالت تتحدث لخيرة ، وفمها ممتلئ طعاما في حماس مفرط وانتشاء مفاجئ:

ـ بعد غد.. بعد غد نقلبها على النظام الأحادي الرجعي رأسا على عقب.. آن الأوان أن نعيش تحت الشمس يا يما ّ خيرة . آن أخيرا أن نجتمع في وضح النهار ، وبصفة شرعية دون حاجة إلى السرية والتخفي!..

وربطت مباشرة بين ما ورد في المنشور السري ، وبين هذه الكلمات الخطيرة التي تفوهت بها هذه المرأة المتفجرة حيوية ، لكن الغريبة أفكارا ، ولأول مرة تنطق خيرة ، وقد اطمأنت إليّ بأني لن أذكر شيئا عن فعلتها المشينة في هذه السهرة على الأقل:

ـ كل مرة تقولون ذلك !.. لكن هاهو رأس النظام يشيب ، ويغدو قرنبيطة بيضاء ولم تنالوا منه شعرة واحدة.. أكثر من عشر سنوات بطولها والقرنبيط يزهو ، وأنتم تكررون بلا ملل ؛ سنحطم المادة 120 ولكنكم لم تحطموا هذه المادة التي أرقت لياليكم . كم اجتماعا عقدتموه في هذه الصالة بالذات بسبب هذه 120

وقالت الأستاذة ربيحة بحماس أشد ، ولكن بحكمة أيضا، وبأسلوب الأساتذة الأفذاذ حين يضربون الأمثال التوضيحية لتلاميذهم، وبثقة مطلقة :

ـ أسمعي يا يمّا خيرة..لو أخذ أحدهم حجرا صغيرا ، ووضعه فوق صخرة عاتية وراح يضرب الحجر الصغير بالمطرقة . لكن ذلك الحجر الصغير العنيد امتنع عن الانكسار.. ترى ما العمل ؟.. هل يترك ذلك الحجر مع تفاهته وقلة قيمته؟..

ـ أرى أن يترك .. لقد بذل فيه جهد كبير ، وكان الأولى أن يبذل في مجال أفيد..

ـ إذن ثمة فائدة؟..

ـ أظن ، ففي كل جهد فائدة وإن قلّت ..

ـ ها أنت يا يما خيرة تتحدثين عن الفائدة بعظمة لسانك.. لقد رأينا نحن الفائدة كل الفائدة أن نستمر في دك ذلك الحجر الصغير ، لأن النتيجة، أو لنقل الفائدة أن الحجر الصغير الصلد ربما لم ينكسر ، ولكن الصخرة العاتية تحته ، كانت قد تصدعت تماما وغدت شذر مذر..، وأصبحنا في غير حاجة لتحطيم الحجر الصغير نهائيا حين صار مفعوله في خبر كان ..لأن ما حطمناه كان أكبر، أكبر..

قالت خيرة مندهشة لهذا المثل الحسي الذي يلائم عقليتها في تحليل القضايا :

ـ كعادتك، أفهمتني وأفحمتني وما عدت أستطيع أن أجاريك ..كم أنتم المتعلمون الفاهمون ماكرون دهاة ، أما نحن غير المتعلمين فنبقى دوما فاغري الأفواه لما تنطقون به.. سيذهب الحجر الصغير هذه المرة إذن..أعني رأس القرنبيط؟!..

ـ لا، القرنبيط هذه المرة هو ضمان نجاح خطتنا ..

ـ لماذا تحيرنني يا بنيتي هكذا؟..أنا لم أعد أفهم ..

ـ تلك الصخرة العاتية التي حدثتك عنها هي حزب جبهة التحرير الوطني..

ـ طبعا والقرنبيط هو ذلك الحجر الصغير العنيد؟..

ـ لا، يا يما ّ خيرة ، أنسيت بسرعة أن الحجر الصغير هو المادة120؟

ـ والقرنبيط ما هو إذن؟.. ما دور رأس القرنبيط ، لقد تلف عقلي؟..

ـ هو الإسفين.. نحن في الطليعة يهمنا أن نحطم الجبهة..

ـ وما الإسفين؟..

ـ قضيب من حديد ، يوضع بين شقوق الصخر ، ويضرب عليه لإحداث الفصل النهائي بين الأطراف ، ولإحداث المزيد من الشقوق والتصدعات والمزيد من التفتت والتمزق والتشرذم..

وبلغ مني الغيظ أشده ، وأنا أسمع لأول مرة في حياتي حديثا عدائيا ضد الجبهة ، صحيح ، هناك سلطة باسم الجبهة تمارس تسلطها وتجاوزاتها التي لا حصر لها ، والحزب فيه ما فيه من انحرافات ومن انتهازيين ينضوون تحت لوائه ، لكن مسيرته العامة من 1954إلى هذه اللحظة من 1988 في خطوطها العريضة؛ بمواثيق وبرامج ، لا ينكرها إلا أعداء الوطن بالأمس في عهد الثورة والكفاح ، واليوم في فترة البناء.. الحركة والأقدام السوداء وامتداداتهم داخليا وخارجيا ،هم وحدهم من ينكر للجبهة فضلها .. كل شيء قابل للنقد والطعن والجدل؛ أفكارا وبرامج ورجالا ، إلا العنوان، فهو أشبه بنص مقدس من النصوص المنزلة..

إن جبهة التحرير الوطني ملحمة أزلية..ومع أني لست مناضلا في صفوفها، ولا حتى ناويا بأن أكونه ، فإن الأمر يتعلق بمسيرة وطنية ملحمية ، وكل مس بالرمز الملحمي ، هو هدم للأساس المتين الذي قام عليه هذا الوطن.. لذلك لم أطق صبرا لهذا الحوار التآمري ، عن الحجر الصغير وعن الصخر التليد ، وعن المطرقة المجرمة ، والإسفين الخائن لنفسه، واعترضت:

ـ سيدتي ، إنك لتقولين منكرا من القول، وأنا لا أطيق سماعه..جبهة التحرير عندي ، ولدى كل الشرفاء في الوطن بل وفي العالم ، هي هذا الوطن الذي نعيش فيه أحرارا.. جبهة التحرير هي الجزائر، هي أم الجزائر وهي أبوها . سبوا الرجال إن شئتم ، انتقدوا المناضلين فيها ، سفهوا سوء التسيير ، بينوا الأخطاء القاتلة أحيانا .. لكن انسبوا كل ذلك للرجال بأسمائهم أو بتكتلاتهم ، أما العنوان القدسي: جبهة التحرير الوطني .. فكلا ثم كلا، لا يمكن أن يتحدث أحد عن العنوان بسوء إلا من كان منسلخا أو عميلا للعدو.. كل طعن في جبهة التحرير هو في خندق واحد مع حزب أعداء الوطن ..

ـ لسان الخشب الآن هو الذي يتحدث.. لسانك من خشب أيها السيد قادري.. كم أنت طيب وساذج!..

ـ لقد بدأت أسمع هذه اللفظة هذه الأيام ، لسان الخشب ، ماذا تعنين بذلك ؟. ثم ألم تكوني في المساء ، ونحن نمر على المقر المركزي للحزب ، تتحدثين بلون من الغيرة الوطنية على الحزب ، وعن دوره الحقيقي في النضال.. ما بالك تقلبين ظهر المجن مرة واحدة وبلا تمهيد؟.. لقد كنت ظننتك إحدى المناضلات في صفوف الجبهة؟..أو على الأقل منخرطة في شعبة من شعبه ؛ الاتحاد النسائي؟.

ـ أنت تتحدث بعقلية فلاحي بال فيريار يا أستاذ!..

ـ شعبة الزيتون من فضلك يا سيدة!..

ـ لسان الخشب مرة أخرى..

ولم أحتط ، وقلت منفعلا ، ومن غير شعور تقريبا:

ـ لسان الخشب ولا لسان الخيانة الذي به تخربون..

ورأيت الشق القبيح الذي يشرخ حاجبها حين جحظت عيناها لتقول في غضب:

ـ أستاذ!.. لم أجلبك إلى بيتي لتشتمني!..لا تشتمني في بيتي..

وذهب بي الغيظ كل مذهب فصرخت:

ـ ومن حق الضيف على مضيفه ألا يغتصب مرتين ؛ مرة ينوّم ويعتدى عليه في عرضه وبدنه وهو تحت مفعول التخدير لا يدري ما فعل به ، ومرة في عقله وفكره ، وهو يقظ سهران..

وخرصت الألسن، وخيم الصمت الأبكم ، وتبادلت المرأتان نظرات اتهام صامتة كالفجيعة ، وقامت الأستاذة من غير أن تكمل عشاءها في صمت مدو ، واتجهت إلى غرفة نومها ، وقامت الخادم تلملم المواعين وتخرج إثرها في كمد وانزعاج ، وسمعتها تتمتم شامتة:

ـ الشاوي هو الشاوي ، وإن بخرته بصاع من الصندل والجاوي ..غلبتك الأستاذة في الجدال ، فاستنجدت بالأستاه للقتال!..

وتبسمت ملء ابتسام، وهرعت إلى الحقيبة أستخرج منها القندورة أستبدل بها المنامة المستعارة، وألبسها تشبثا بالنسب ، وفخرا بالأصالة، ثم ملت إلى القميص أسحب من الجيب علبة الشمة ، وأرفع ضمة مستوفاة إلى شدقي . ولأول مرة تصعد إلى منخريّ نكهة العرار المخلوط بالتبغ ، وانتشيت انتشاء عظيما..

وعجبت من مثل هؤلاء البشر الذي يستضيفون ضيفا ، ثم يغضبون منه، ويهملونه في ركن البيت ، ولا يوجهونه للمكان الذي ينبغي أن ينام فيه، واضطررت أن أعود لأستلقي على الأريكة، وأضطر لمتابعة التلفزة ، وقد استعصى علي النوم، وأعلنت مقدمة البرامج في القناة الوطنية:

ـ ومسك الختام آيات بينات من ذكر الله الحكيم..

ضغطت على رقم في جهاز التحكم ، قفزت على الشاشة في إحدى القنوات الفرنسية المشفرة حصة تسمى " اللذااذة" في تحقيق قصير عن تصنيع الأجهزة التناسلية ، وعن المحلات التي تسوقها مع عرض لنماذج لها ولطرق استعمالاتها وآراء مستهلكيها فيها.. طبعا كانت الآراء تمجد الاختراع البديع ، وتروج له وتظهر القيمة الصحية التي سيجنيها المستهلكون والمستهلكات ، ومع بدء الإقبال على الاقتناء والممارسة أصبت باشمئزاز ، وتحولت عن هذه القناة الداعرة، المروجة للفاحشة إلى القناة الوطنية ..

كان المجود عبد الصمد مازال يصدح بملء صوته الرباني " ...فلا يحزنك قولهم ، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ، أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ، فإذا هو خصيم مبين ، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ، قال من يحيي العظام وهي رميم؟. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم..."

وانتابتني قشعريرة ، وأسفت لانتهاء البث، وهو بكل خلق عليم ، عليم حتى بذلك الخلق الأخرق الذي قام به مبدعو الأعضاء التناسلية الاصطناعية ، يبيعونها قطع غيار تتكون من اللدائن والمطاط وشحنات كهربائية وشعيرات من الأسلاك موصلة وموزعة للتيار الكهربائي المناسب ، وأوردة تضخ الملينات والمراهم .." وهو بكل خلق عليم.."

وتغشاني سؤال كان وليد اللحظة التي شعرت فيها بهواني: "..ألا يعتبر وجودي هنا في هذا الوكر الشيوعي الموبوء، كما لو أحضرت كقطعة غيار، تستعمل قدر الحاجة ، ثم يلقى بها في القمامة حين تنتهي مدة صلاحية الاستعمال ؟.. ألم تستعملني الخادم استعمال قطعة الغيار ، وأنا في غيبوبة النوم فاقدا لوعيي واختياري؟.." لكن لماذا خرجت الأستاذة مقاطعة عشاءها إذن، وتبعتها الخادم كامدة وهي تسب مغتاظة ، مادامت الرذيلة ينظر إليها هنا على اعتبارها ممارسة للذاذة ، ولو كانت مع جثامين الأموات أو مع قطع غيار مطاطية؟..وما دامت وسائل الإنتاج على الشيوع؟ ..إن الأستاذة وهي تلتقطني من المكتبة ، كانت تبدو امرأة أنبل ما تكون.. بل وحتى الآن لم أر منها ما يريب ، أو أنها جلبتني لهدف غير معلن ، وهي تتعلل بعزوز ، ولولا هذا الموقف الحزبي العدائي الخبيث تجاه جبهة التحرير ما آخذتها على شيء..

شرعت القناة الفرنسية الأولى تبث حلقة من سلسلة قصص بعنوان " الدسائس" لم تعجبني القصة ، فأهملت المتابعة وعدت إلى المنشورات التي تصفحتها منذ قليل والتي كومتها خيرة على حافة المكتبة ،وهي تعد المائدة لسيدتها ، موقف الحزب الشيوعي من الإسلام ، المنشور ليس سريا ، فهذا الحزب ينشط بصورة شرعية معترف به في تونس منذ زمن بعيد، كان موقفه من الإسلام معتدلا ، وهو يتبنى الإسلام كمقوم أساس للوطن التونسي ، والدفاع عن هذا المقوم من وكد مناضلي هذا الحزب.. موقف، وإن كان يستبعد العناصر اللاعقلانية المرتبطة بالحياة اليومية للإنسان ، ولكنه لا يتحدث عن الغيب بمصطلحات نابية مثل الظلامية كما يفعل شيوعيو الجزائر الذين يتحدثون عن خصومهم التاريخيين بطريقة استفزازية مثيرة للحزازات ، ومهيجة للمشاعر العدوانية ..

وأخيرا ، سمعت همسا تفاوضيا طويلا يدور بين السيدة والخادم.. أعقبته عودة الأستاذة ربيحة إلى الصالة هادئة، فيما كانت الخادم تسعى بين يديها طيعة باسمة راضية ، تحمل صينية وضعتها على المائدة ، وانسلت كالنسيم في سكينة ، كانت الصينية تزدهي بقنينة نبيذ وكأسين وصحن من المرفقات الحريفة بكل بساطة .. ومن الواضح أن الحرب بينهما قد وضعت أوزارها، واستتب السلام ..

والغريب أن هيئة الأستاذة لم تكن بعيدة تماما عن تلك الصورة التي رأيتها لها في الحلم ، بصرف النظر عن اللون ..وقد خلعت عنها الآن روبها القرمزي الذي تلفعت به حين خرجت من الحمام .. وها هي أقبلت تتمايل متماوجة في قميص نوم أزرق شفاف بجناحين مفتوحين على شاكلة البرنس، وقد مسكت بأحد طرفيه بيدها عند صدرها المفعم ، كأنها تحاول أن تحجب ما يظهر بجلاء من الثديين البضين..

واستأذنتني بأدب جم أن تغير القناة في التلفاز لتلاحق حلقة من مسلسل طريف دأبت على متابعته .. ثم راحت تجلس متخذة أريكة جانبية ، كأنما تتخفى فيها ، فلا تسمح لي بملاحظة مفاتنها إلا إذا قمت واعتدلت في الجلسة بدلا من هذا الاتكاء والاسترخاء ، ولم أفعل في الحين حتى لا أثير ظنونها.. لكني كنت أرى أعلاها ، فقد حررت تلك الضفيرة ، وسرحت شعرها لينبعث شلالا من حرير على الكتفين ، وتخلصت من مصوغاتها المتواضعة التي كانت تتزين بها ، فلا قرط في الأذن ، ولا عقد في الجيد ، ولا سوار في معصم ولا ساعة ولا خاتم .. أجل ولا خاتم ، هي عاطل إذن مكتفية بصحتها الوفيرة وبكمالها في قامتها المعتدلة ، وقوامها الذي حباها الله به .. الله ربها الذي ربما لا تعترف له بما وهب لها من صحة وكمال وقوام ..

ومع ذلك فإنها لم تكن فاتنة ولا جذابة عند الاقتراب الشديد منها ، إنها واضحة ، وجمالها جمال بارد يوحي بشخصية وقور، أكثر مما يوحي بالإغراء، وهي إن غضبت بدت شنيعة بذلك الشق في حاجبها ، وهي تخلو من ذلك السر الذي يكتنف بعض النساء فتشعر إزاءهن بانجذاب فطري لا تدري مصدره ومبعثه.. كانت تنفلت منها رائحة عطر فيها نكهة الصنوبر الجبلي ، وكنت أنتظر منها أن تستوضح عن حكاية التصرف المتماهي الغامض أثناء الهجعة الثقيلة الممهورة بالتخدير المقترف عن سابق تصور وإصرار ، لكنها تجاهلت ذلك تجاهل العارف الأصم الأبكم ، وتحدثت كما لو كان ما قلته عن خادمها مجرد شطط أو تعصب ، أو رد فعل لفظي عن الجدل السياسي لا أكثر ولا أقل ، قالت بلهجة مسالمة:

ـ أتمنى يا سيد قادري أن لا تؤاخذني إن كنت استرسلت مع يما ّ خيرة في موضوع شائك ، وكان علي أن أبسط لها الصورة كي تستوعب ، فاستعملت صورا ربما لا تعبر عما أردت التعبير عنه..أعني الحجر الصغير، والصخرة الصماء ، والإسفين.."

وأردت أن أبدو في صورة المنافح عن النظام ، وذلك بقصد استفزازها ، وإثارة غضبها لا غير فقلت:

ـ فليكن !.. لكن ما حكاية هذه المنشورات السرية المناوئة للنظام ، وتجاوزت النظام لتعصف بكل مبادئ ثورة التحرير التي نشأت عليها أجيال الاستقلال؟..

ـ يا سيد قادري.. أعلم أنني لن أتفق وإياك في هذا الموضوع، اقترح أن نؤجل الحديث في هذا أو نلغيه ، حتى لا تحدث القطيعة التي لا أريدها ، فأنا ما جئت بك إلا لأسباب شخصية وحميمية، أي بقصد أن أعرف منك قصة مصرع عبد العزيز بطريقة موثوقة ..وأزودك بمعلومات عن علاقتي به إن كنت ترغب في ذلك ..

وكأنما تتفطن لأول مرة بأني أرتدي قندورتي البيضاء ، فتحتج وهي تهم بالقيام من الأريكة الجانبية:

ـ ولكني أمرت لك بمنامة .. لماذا تركتها مهملة في الحمام ؟..

وهززت يدي إشارة "أن أبقي حيث أنت.." وهممت أن أقول:

".. يقول المثل: من أول غزواته كسر عصواته .." تلك المنامات صنعت على غير مقاسي ، ثم إن بعضها تنجس من أول وهلة وأنا في غيبوبة ، ولن أعيد على مسمعك ما حدث ، ولكني أقول كما يقول المثل القديم : على قدر الكساء أمد رجلي. ومن لبس لبوس غيره عري، والمكتسي بشيء الناس عريان.." ولكني بدلا من ذلك همست:

ـ أنا في هذه القندورة المتواضعة ، لكنها المفصلة على قدي ، أجد نفسي في راحة أوفر حتى ولو لم أكن في بيتي.."

وطاف بخاطري أن أصرخ فيها "..ثم إني لابد أن أسمع أولا علاقتك العجيبة بأخي عزوز ، خاصة وقد رأيت ثمرة تلك العلاقة بأم عيني في المساء تجري أمامي ، بل وتقبلني وتدعوني يا عمي، وإن أعجب لهذا الأمر، لقد كنت دوما مستودع سر عزوز، ولم يكن يروي لي انتصاراته وفتوحاته فحسب ، بل كان يحكي لي خيباته وانكساراته.. فكيف استطاع أن يكتم عني أمرا جللا كهذا ولم يجر ذكرك البتة على لسانه ، لا من قريب ولا من بعيد ، فيما العلاقة بينكما أعقد مما يتصوره أحد ، يكفي أن الدليل المادي لهذه العلاقة أكبر من أن يحاول أحد أن يخفيه ؟.. وأقول يا سيدة إن تلك الصبية البراقة العينين لا يمكن أن يخفى نسبها.. ليس لها من أب غير عزوز...كيف حدث هذا الأمر؟.. خبريني أرجوك.." وبدلا من الصرخة الكتومة في ضلوعي ، قلت في شبه همس أيضا:

ـ هيا يا سيدة .. أنبئيني بالنبإ العظيم ، وكيف فتحت قلب عزوز، وهو القلب المغلق إلا على فضيلة بنت خاله سعد؟..

وقبل أن تتلفظ بكلمة واحدة ، غيرت مؤقتا قناة التلفزة بسبب لقطة حميمية لشاب يعانق فتاة عارية وقد برز نهداها العاريان ، وهما يهوشان، ويتهارشان فوق السرير في حالة تهيج عاطفي وتسخين..

استقرت التلفزة على شريط عن حياة البراري؛ كان ثمة سائس خيل لف حبلا في دوائر حول ذراعه، فيما ظل طرف الحبل ينسحب وراءه مثل أفعوان فوق المروج الخضراء يتبع خطواته العرجاء ، كان يغني للخصوبة وشروق أشعة الشمس الناعمة الحمراء..وكان يعرج حثيثا نحو فرس وحصان تخالفت رقبتاهما في ائتلاف ناعم، وهما يتحسسان بمشفريهما ويتشممان بمنخريهما أعلى كتفي بعضهما بعضا بود كبير، واطمئنان خامل وسلام جاثم..

قالت الأستاذة تعلق:

ـ هذا الشريط معاد ، شاهدته مع ثريا صبيحة اليوم..

وعادت إلى القناة السابقة ، وقد غادر الشابان السرير ..صبت من القنينة شراب " معسكر" في الكأسين دون استئذان ، واعتدلت في جلستها ، وهي ما تفتأ تحاول بإحدى يديها أن تغطي ترائبها العاجية بلا جدوى بطرفي شقي القميص ..لقد كان القميص ذاته شفافا يرتسم تحته كل شيء ، وصار بصري حديدا، مع أني لم أحاول التطلع إلى مباذلها عن قصد وسبق تصور..ثم قالت:

ـ أعجب العجب .. آتي بك لأسمع منك فتأبى..إني على أحر من الجمر لسماع القصة ، فهلا رحمتني، وقد كنت لطيفا غاية اللطف طوال العشية، فما الذي حدث؟..

ـ سيدتي.. كيف تريدين أن أروي لك القصة ، هل أبدأ من النهاية حيث صعقته الصاعقة بغصن من اللوزة الفارعة ، ثم أعود للأسباب كما هو شائع لدى المناضلين في الشعبة ، أم أروي لك الأحداث كما وقعت حسب تسلسلها الزمني؟..

ـ أرو كل شيء ، لكن أعتقد أن رواية الأحداث حسب تسلسلها أجدى..

ـ ها أنت ذي تقعين في الفخ.. ما ستروينه أنت هو ما يؤدي إلى حادثة الموت برمتها .. لم تأت الصبية ثريا إلى الحياة بلا جدوى .. كان عزوز يحاول أن يوقف ما وقع هو فيه لا ما قد أقع فيه أنا .. لابد أن أسمع هذا.. الدور لك إذن.. خذي راحتك ، وأنا على استعداد للاستماع حتى الصباح بعد أن غادرني النوم..

ـ يا لك من رجل مراوغ عنيد!..يبدو أن ما كان يقوله عنك المرحوم من أنك لا مبال ، وبراغماتي، ومقبل بشراهة على الحياة ...مجرد أقوال..فعنادك هو عناده ذاته..ما دمت أحكمت عليّ الخناق لأكون البادئة، فلتكن مشيئتك.. وما دمت ضيفي .. لكن أمهلني قليلا ، ألا ترى الإضاءة وهاجة ، لا تسمح بالاسترسال في رواية أحداث قد تكون فيها مواقف قد تخدش الحياء ، أو تبعث على الارتباك في روايتها ، وأنه يحسن إطفاء ثريا الصالة ، والإبقاء على فانوس البهو الذي يلقي ضوءا باهتا ، لكنه كاف ليكون إطارا شعريا مناسبا لما سوف نتحاكى..

ونهضت بقامتها المعتدلة بالفعل إلى مفاتيح الإنارة تطفئ الثريا الساطعة، غير أنها لا تعود لأريكتها الجانبية التي اتخذتها منذ حين، وفهمت أن حكاية الإضاءة حركة تضليلية قصدت بها تغيير مكانها.. جلست بجواري في ذات الأريكة المستطيلة، التي علفتني منها الخادم بالمكسرات .. وإن حرصت أن تجلس في أقصى الطرف منها ، مراعية ألا يقع الاحتكاك بين جسدينا ، واعتدلت حينئذ في الجلسة، وأبصرتُ من طرف عيني بلطختي الحلمتين تحت القميص بوضوح رغم غلالة الظلام ، وفارت منها الآن وهي على قرب أشد ، رائحة العطر الصنوبرية النفاذة، وخاطبت فيّ بهذه الجلسة الودية ، الرجل المهتاج المحتاج لأنثى جاهزة ..

حقا بدت الصالة ككل ، مغبشة وشبه مظلمة لأول وهلة ، ولكن مع الاعتياد ، بات كل شيء واضحا جليا ، وهاهي ملامح الأستاذة الوقور تتوارى ، وها هي مياسم الأنثى ربيحة الآن شرعت ترتسم شيئا فشيئا ، وثدياها المفعمان تحت التنورة بلطخة حلمتيهما بارزان ، كما خلقهما الله ، وقد حررتهما من مشدهما ، وانتابني الشك في أنها ما أقدمت في جلستها على هذه الصورة الودود إلى جانبي ، إلا لتمهد السبيل لأمر أعظم من تكريم الضيف ، ومن حكايا عن عزوز ، أمر تكشف تباشيره نظرات ذابلة.. واختفاء شق الحاجب الأيسر ، وتنهدات عميقة..وبرقَ في خاطري ما كانت الخادم تروي عن فتكها بالرجال، فقد يكون ذلك السبب الحق في اصطيادها لي..

وأخلدت المرأة المتعسلة إلى الصمت لحظات ، كأنما تمتحنني في رجع التنهدات في صدري ، ووقع النظرات الذابلة على كياني ، أو هي ربما تستجمع خطوط الذكريات ، أو حتى ترتب البداية التي سوف تنطلق منها.. وأغمضت عينيها ، ثم أخذت الكأس بعد أن أومأت لي أن خذ كأسك ، وإذ لم أجارها في الشرب ، راسما بكفي إشارة الاعتذار في أدب واحترام ، لوحتْ في وجهي بالنخب ، وارتشفت وحدها رشفات سوغتها بتلك المرفقات الحريفة ، ثم قالت بصوت خافت عميق، رخمته جرعات النبيذ ، وغلفته مسحة من حزن الذكريات وندم ، واشتياق ربما لماض تبدد.