الفصل الثالث: باتوس
لم يفلح تفكير تيميسيون حول فرومينا في الرسو به عند يقين معين، هل كان صائباً في موافقته والدها بأخذها معه، و هل كان صائباً عندما لم ينفذ وصيته بإغراقها في البحر. هل كان صواباً أن أسكنها في بيته، أم كان يجب عليه أن يتركها تتدبر أمرها في ثيرا بنفسها، هل أثبت شهامته في تلك المواقف. بل هل هي شهامته ألزمته اتخاذ تلك القرارات، أم هي الأقدار ترسم شيئاً ما ينفذه دون إرادة منه. لم تكن هذه التساؤلات التي تعتمل في ذهنه لتصل به ليقين ما، لذلك حاول الفكاك منها. لكن هيهات أن يتحقق له منها فكاكاً، فهو بحار اعتاد البحر له مقاماُ، لا يُنهي رحلة إلا ليفكر بأخرى، لكن أنًّ له أن يفكر في ذلك، و قد ربط نفسه إلى الأرض بعيداً عن البحر، برباط أمانة تُغل عنقه و تُثقل كاهله، لن يطمئن بتركها على أرض الجزيرة و هو في البحر. و هي أميرة لن يكون بالأمر الهين عليها أن تحتمل المشاق، و إن رضت هي بذلك و احتملته، فشهامة الرجل في داخله لن تسمح له بذلك.
***
كانت حياة النساء في ثيرا مقيدة من نواح عده، فكانت النساء يعشن في قسم منفصل من البيت تقفل أبوابه أثناء الليل، و كانت كل النساء في أغلب بلاد اليونان يرتدين الحجاب عند الخروج من المنزل، ولا يغادرنه وحدهن، ولا يجوز أن يتكلمن مع أحد في الطريق. و حتى الزواج لم يكن يخول للمرأة حرية الاختلاط بالرجال ولا حرية الخروج من المنزل. فلم تكن المرأة تستقبل في دارها سوى النساء أو أقاربها الأقربين من الذكور. ولم يًسمح لها باستقبال ضيوف زوجها أو مجالستهم، أو تناول الطعام معهم ولو بحضور زوجها، بل كان مجرد حضور الزوج مصحوباً بأحد أصدقائه سبباً في اختفاء المرأة من الجزء الخارجي من الدار لتحتمي في الغرف المخصصة للنساء. ولم يكن يُسمح للمرأة أن تخرج من دارها إلا بإذن زوجها، و لا يكون ذلك إلا لسبب وجيه، كزيارة قريبة أو عيادة مريض، أو أداء واجب العزاء. وفي الحالات التي كان يسمح فيها للمرأة بالخروج كانت التقاليد تلزمها بوضع حجاب يخفي معالم وجهها.
هذه المعاملة اعتبرها البعض إجحافاً في حق المرأة، فنجد الشاعر اليوناني ميناندر الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد يقول: "أن على الزوج أن يخفف من إحاطة زوجته بالرقابة المتطرفة والحبس في أعماق المنزل لأن عيوننا تحب التطلع إلى متع الخارج، فلا تضيعوا على المرأة لذة التمتع بالمناظر الموجودة في الخارج، بل اتركوها ترى كل شيء وتذهب حيث تشاء. فإن حب الاستطلاع سيشبع رغباتها، ولن تعود إلى التفكير في فعل الشرور وارتكاب الموبقات. فالأشياء التي اعتدنا أن نحجبها عنها، يزيد فيها الرغبة وحب الاستطلاع، وهذا ما ينطبق على الرجل والمرأة سواء بسواء. فالزوج الذي يبقي زوجته خلف الأبواب ووراء السجف والستائر يعتقد بأنه ينهج منهج الرجل الحكيم بدون أن يدري أنه ليس سوى أحمق، وليست هذه بحكمة، و التبجح بها ليس سوى نوع من أنواع الجنون".
و بالرغم من أن الإغريق كانوا يحبون الحفلات كما تدل أعمالهم الخزفية، إلا أن جو حفلاتهم كان مختلفاً كل الاختلاف عن جو الاسترخاء الذي يجمع بين النساء والرجال من النبلاء، كما نراه في رسوم المدافن المصرية. فقد لا يقابل رجال الإغريق نساء أصدقائهم أبداً، وإذا قابلوا امرأة في حفلة ما، فهي حتماً امرأة تحترف مهنة الترفيه تسمى الهيتيرا hetaera وقد بلغت بعضهن من الشهرة ما سمح لأسمائهن بالوصول إلينا. ولم يكنّ مجرد مومسات بل كنّ يُجِدن كذلك الغناء والمحادثة والرقص.
لم يكن هناك من نشاط متاح للسيدة الإغريقية خارج البيت، كان بإمكان النساء الفقيرات أن يعملن عند الناس، أما السيدة فلا تستطيع ذلك. لم يكن أمام المرأة أن تصبح ممرضة أو ممثلة أو كاتبة أو أي شيء من ذلك لأن هذه المهن لم تكن متاحة للإناث. و يبدو أن الإغريق كانوا في العادة يعتبرون الفتيات غير جديرات بالتعليم، حتى أن أحد كتابهم قال ذات يوم "إن إرسال فتاة للمدرسة كمثل أعطاء أفعى المزيد من السم". أما في البيت فكانت هناك أشغال كثيرة، إذ كن يغسلن الملابس ويصنعنها ابتداءً من غزل الخيوط ثم حياكتها لصنع النسيج، وقد كان تدبير أمور البيت شاقاً ومضنياً. و كان يعتبر من حميد صفات المرأة التي تستحق المديح أن تكون نسَّاجة ماهرة، كتلك المرأة التي نقش زوجها على قبرها نقشاً يمدحها فيه لإتقانها حرفة النسيج:
" أيها الغريب، إنني أقول لك قولاً موجزاً، قف واقرأ. هذا قبر غير جميل لامرأة جميلة أطلق عيها أبوها اسم كلوديا. وقد أحبت بعلها من صميم قلبها، وأنجبت ابنين، تركت أحدهما حياً على الأرض ودفنت الآخر تحت الثرى. كان حديثها مرحاً ومظهرها لائقاً. كانت تدبر شئون المنزل وتغزل الصوف. لقد قلت قولي فاذهب لحالك ".
كان المجتمع الإغريقي ككثير من مجتمعاتنا اليوم، يهتم بالعائلة وليس بالفرد، كان مجتمعاً أبوياً، ولم يكن بإمكان النساء أن يمتلكن أو يدرن أعمالاً، وكن دوماً تحت الوصاية القانونية لأزواجهن أو لأقرب أقاربهن الذكور. وإذا صارت المرأة الوريثة الوحيدة لأملاك أبيها فيحق لأقرب أقاربها الذكور بل يفرض عليه أن يطلب يدها من أجل ضمان بقاء الأملاك للعائلة.
***
عاشت فرومينا عند تيميسيون فكان لها الأب الحنون و الأخ الخدوم، عاشت بفضله في دعة و دلال ذكراها بسني عمرها الأولى عندما كانت أمها على قيد الحياة. كان تيميسيون يأمر الجميع بعدم تكليفها بأي عمل، فهي أميرة و يجب أن تعيش حياة الأمراء في بيته و إن لم يكن ملكاً. لكن فرومينا كانت طوال الوقت تًصر على مساعدة من في البيت، و أكثر ما أحبت من العمل الخياطة التي لم يكن أحد في بيت تيميسيون يستطيع القيام بها، فكانت تُخيط الخيتون و هو قطعتين مستطيلتين من القماش توضعان معاً فوق الكتفين بحيث تربط حواف القطعة الأمامية مع الخلفية. أما الخيتون الخاص بتيميسيون فكانت فرومينا تهتم به اهتماماً خاصاً، فتعمد لخياطة القطعتين ببعضهما، حتى لا تجد مدعاة لربطهما، و كانت تهتم بتشكيل انثناءات تمتد على طول الرداء. و كانت تتحرى الدقة عند عملها، فخيتون النساء كان طويلاً يغطي القدمين، لنجدها تقص القماش بدقة تجعل الثوب عند ارتدائه بالكاد يطال الأرض، أما ذلك الخيتون الخاص بالأطفال فكانت تصنعه ليكون مجاوزاً الركبتين بقليل، و قد أبدت براعة في خياطة قبعات البتاسوس ذات الأطراف العريضة و قبعات البيلوس التي لا أطراف لها.
كانت إقامتها مريحة لأبعد الحدود، خالية من المنقصات. لكن إقامتها في هذا البيت لم تطل، فهي أميرة سليلة الملوك، و إن لم تشعر بذلك يوماً في كنف والدها، و لن يكون بالقليل عدد نبلاء ثيرا الذين يطلبون الزواج بأميرة إغريقية. و لأن فرومينا لم تكن لها أيما معرفة برجال ثيرا و نساءها، لم يألوا تيميسيون جهداً و اجتهاداُ في مساعدتها لاختيار الزوج الذي يقدرها و يقدر على إسعادها. بعد طول تفكير من فرومينا، و بعد طول تدبر في كثير الآراء و الأفكار التي طرحها تيميسيون، نجدهما قد توافقا على اختيار بوليمونستوس Polymnestus أحد نبلاء ثيرا الذي يرتفع بأصله إلي يوفيموس أسبرطي الأصل احد أبطال السفينة أرغوس.
تقول الأسطورة القديمة أن بينلوب انتظرت زوجها لسنوات طويلة، انتظرته بكل إخلاص دون ملل يعتريها من طول الانتظار، لكن ما كان يثيرها هو وقوف عشرات الفرسان الأبطال الذين قدموا جليل الخدمات لليونان بباب بيتها، ينتظرون أن تختار من بينهم من يكون زوجها، كانوا يزدادون عدداً رغم نفاذ صبر بعضهم، و كان يموت بعضهم ليأتي شباناً جدد، يتصارعون و يكيدون الكمائن لبعضهم البعض ليقللوا العدد فتزداد فرص الباقين منهم. طلبت منهم بينلوب أن يمهلوها حتى تنتهي من حياكة السجادة التي ستدخل بها على زوجها الذي ستختاره من بينهم. الرجال لم يملوا الانتظار، و زوج بينلوب لا يأتي، كانت بينلوب تحيك السجادة، وحين تقارب الانتهاء منها تقوم عامدة تفك خيوطها مرة أخرى، فبينلوب لا تُريد للسجادة أن تنتهي.
أما فرومينا فلم يكن أمام بابها الكثير ممن يطلبونها لتحتار في الاختيار بينهم، و لم يكن في بالها رفيق طفولة أو صديق صبا تنتظر قدومه، و لم يكن لها حتى أم تنتظر قدومها لتزفها لزوجها. لذلك ما كان هناك من سبب لتأخير أو عطلة في إتمام زفاف لا يستعجله على هذه الأرض إلا ثلاث؛ فرومينا التي تعتقد أنها ثقل يعيق حركة تيميسيون، و تيميسيون الذي يعتبر فرومينا أمانة وضعها القدر بين يديه عليه إيصالها لبر الأمان في أسرع وقت يستطيعه. و بوليمونستوس العريس الذي لم يكن بأقل تلهفاً منهما على إتمام الزواج.
و هكذا فإن مراسم الزواج لم تتأخر، و سعى تيميسيون إلى أن يكون هذا الزواج و كأنه لإحدى بناته. فحرص على أدق التفاصيل المتعارف عليها عند أهل المدينة، و كلف مِن نساء ثيرا مَن تقوم بها، دون أن يكف عن متابعتهن منشغلاً عن بحره الذي يهوى و سفينته التي لم يعتد فراقها يوماً.
قام تيميسيون بتوفير كل ما تحتاجه فرومينا في فرحها و بيتها، حيث أن التقاليد اليونانية تفرض أن يشتري أهل العروس كل تجهيزات بيت الزوجية إلا السرير، فتقول هذه التقاليد أن يشتري العريس السرير وأن تحمل أم العريس طفلاً ذكراً وتجعله ينام على السرير قبل الزواج إيماناً منهم بأن هذا الطفل سيجلب المواليد الذكور إلى العائلة.
كذلك أشرف تيميسيون على وضع راية الزواج فوق باب بيته قبل أسبوع من يوم الزفاف، و التي تكونت من غصن شجرة منتهي بخمسة فروع، علقت بواحد من هذه الفروع تفاحة، أما باقيها فربط بطرف كل منها خيطاناً صوفية حمراء. ظلت هذه الراية معلقة على باب بيت تيميسيون لمدة أسبوع، و كان مدعاة استفهام العابرينالذين يعلمون ألا بنات لتيميسيون في سن الزواج، فكان يجيبهم تيميسيون مداعباً: إنه فرح ابنتي فرومينا التي أنجبتها على كبر فجاءت كبيرة جاهزة للزواج.
و على عادة أهل ثيرا استقبل تيميسيون العريس في بيته، و قدم له المشروب التقليدي حلو المذاق في قدح الكيليكس المزين بحزام عريض زخرف بصفين من فاكهة الرمان يتوسطهما صف من أشكال مربعة ترتبط مع الرمان من الأعلى و الأسفل بخطوط لتظهر في شكل شبكي، و قدم لضيفه صحناً من فخار اللاكوني يحوي البسكويت المصنوع على شكل خاتم الزفاف، وفي نهاية الزيارة وضع على كتف العريس باقة صغيرة و مميزة من الأعشاب البرية.
و لم يغفل تيميسيون عن أقدم التقاليد اليونانية في الزفاف التي ما تزال تُمارس حتى اليوم، فكلف من يحمل الزهور و السكاكر التقليدية المعروفة باسم "كوفيتا" ليضعها على سرير الزوجية، و من ثم يوضع عليه أطفال العائلة و الأصدقاء ليأخذوا الحلوى و يلعبوا ويتدحرجوا في سعادة، هذه العادة التي يعتقد اليونانيون أنها تجلب الخصوبة إلى حياة الزوجين.
و حرص تيميسيون على أن يتواجد بالفرح أفضل موسيقيي ثيرا و مغنيها دون أن يبخل عليهم بالعطايا، فكان عرس الفتاة الغريبة البعيدة عن أهلها يتم في أروع و أرقى الأجواء الاحتفالية، فها هي فرومينا تتهادى بفستانها و نقابها أصفر اللون، ترتدي قفازات سوداء لم تنسى أن ترش السكر الأبيض داخلهما ليكون زواجها بحلاوة كالسكر وفق اعتقاد أهل اليونان.ها هي تستقبل عريسها في خجل واضح تتناول منه باقة الورد التي يحملها بين يديه، ليدخلا مكان الاحتفال بعد أن قطعا الشريط الأبيض الذي يربط بين رغيفي خبز طازجين، يستقبلهما الجمهور الذي اختلط فيه البحارة بالنبلاء، و انهالت عليهما الورود و حبات الأرز و السكاكر التي يعلن بها الجمع عن ابتهاجهم بهذا الزواج، و بين الفينة و الأخرى كان يتساقط عليهما السفرجل – رمز الخصوبة و الحب- الذي يرمي به الحضور تيمناً بهدية باريس لأفروديت التي كانت سفرجلة، و تقدمت منهما فتاة صغيرة تضع على رأس فرومينا تاجاً صنع من زهر البرتقال, مربوط بشرائط مصنوعة من الحرير. و هاهن الفتيات غير المتزوجات يزاحمن بعضهن البعض سعياً للاقتراب من العروس ليطالهن الورد الذي تنثره في العادة كل عروس، و في ثيرا لا ترمي العروس الفتيات العزباوات بباقة الورد فقط بل أنها ترش عليهن حبوب الرمان ناشرة بذلك أمنياتها بجلب الحظ الجيد لهن.
بعد الانتهاء من الاحتفال حرص تيميسيون أن يذهب بنفسه صحبة أهله و أصحابه إلى بيت العريس حيث حملوا الراية ليضعوها مجدداً على باب بيته، و في هذه اللحظة كانت فرومينا ترمي بقطعة حديدية على سطح المنزل و هو تقليد يوناني حثتها نساء ثيرا على الإتيان به فهو يحافظ على قوة وصلابة العلاقة الزوجية.
عاشت فرومينا مع زوجها بوليمونستوس حياة هادئة هانئة، بعيداً عن ماضيها المؤلم، حتى تلك الذكريات المتشحة بالسواد ما عادت تراودها إلا نادراً، تذكر أمها و تحن إليها بين الفينة و الأخرى رغم إدراكها أن لقائها لا يمكن له أن يتحقق، و حين تذكر والدها لم تعد تشعر اتجاهه بذات الحنق السابق، لكنها أبداً لم تحن إليه.
عاشت منتظرة تحقق نبوءة عرافة زارتهم ذات يوم في قصر والدها، قالت لها بأنها ستعاني الكثير من الألم، و سينتهي هذا الألم بالغربة، و ستلد ذكراً يعلو شأنه بالغربة، سيشق البحر و ما هو ببحار، و يفجر الينابيع و ما هو بإله.
***
انتظرت تحقق نبوءة العرافة، فهي قد عانت الكثير من الألم، و ها هي قد تزوجت، لكنها تتحرق رغبة في رؤية طفلها الذي سيعلو شأنه.
بعد فترة لم تكن بالطويلة و لا بالثقيلة، أنجبت فرومينا ولداً أسماه والده أريسطيس، و بولادتها هذا الطفل شعرت فرومينا لأول مرة بإنسانيتها التي تفتقدها منذ زمن ليس بالقصير، و أحست بكينونتها وسط عالمها الجديد الذي قادتها إليه الأقدار و كأنها تقدم لها جميلاُ لا يُنسى بانتشالها من قصر والدها الملك، المكان الذي لم ترى فيه سوى معالم الشقاء منذ موت والدتها.
***
لكن و كما يعتقد البعض أن للأحزان أحباباً تأبى مفارقتهم، تأبى الأحزان إلا أن تعود فرومينا من جديد و قد جاوز ابنها أريسطيس السنتين، فما أن بدأ في الكلام حتى تبينت أمه وجود لعثمة في كلامه، و علامات صعوبة يعانيها عند نطقه، فرغم أن القابلات حرصن على تعليق فصوص الثوم في غرفة فرومينا يوم ولادتها لإبعاد الأرواح الشريرة، إلا أن ذلك لم يفلح مع وليدها، فهاهي الأرواح الشريرة قد تسللت إلى جسده و عقدت لسانه، لتعيقه عن الكلام في سلاسة.
ولجت دار كل طبيب عارف و كل ساحر ذائع الصيت، لكنهم عجزوا بما أوتوا من علم عن إدراك مداواة لما اعترى صغيرها، و اجمعوا على أن الزمن قادر على ما لم يستطيعوه، فاقترحوا عليها عدم البحث عن علاج له لأن الزمن و التقدم في العمر سيشفيانه، لذلك حاولت فرومينا تناسي الأمر، لكن ضحكات الأطفال عندما يتكلم ابنها لم تدع لها من مجال للنسيان، و كلما كبر و توسعت مداركه و ازدادت رغبته في الكلام كانت لعثمته تزداد وضوحاً، مما جعل رفاقه يطلقون عليه لقب باتوس التي تعني في لغتهم الألثغ، هذا الاسم الذي سيرتبط به طوال حياته. لكن هذه الإعاقة و التي كان فيها كثير الهم لأمه، لم تكن تشكل عائقاً لباتوس عن شيء.
***
كما هو في أيامنا هذه، كان الحال في يونان ما قبل التاريخ، ما أن يكبر الطفل قليلاً حتى يبادر أهله بإرساله إلى المدرسة، إلا أن ذلك لم يكن متاحاً للجميع على أيام باتوس، فلم يكن هناك سوى مدارس خاصة، تُعقد في منازل المعلمين الخاصة لا يستطيع الانخراط فيها إلا أبناء العائلات القادرة على دفع تكاليفها، و كانت تعلم هذه المدارس طلابها الأدب والكتابة والموسيقى والجمباز، إذ كان الهدف من التعلم هو صنع "الرجل الكلي" و إعطاؤه تعليماً شاملاً ومتوازناً يؤهله لأن يأخذ مكانه في دولة المدينة ويشارك في قيمها وأذواقها، ولم يكن الغرض من التعليم التدرب على مهارات خاصة، لأن الإغريق كانوا يعتبرون هذا الأمر أجدر بالعبيد. وكان يُشدد تشديداً كبيراً في هذه المدارس على حفظ الأشياء عن ظهر قلب، لنسمع عن صبية حفظوا أعمال مشاهير الشعراء كاملة بهذه الطريقة.
التحق باتوس رغم لثغة في لسانه بالمدرسة كما هو حال أبناء الأسر الميسورة في ثيرا. لكن نتيجة تلك اللثغة التي تعيق لغته، لم يرى فيه أي من مدرسيه بذرة شاعر أو فيلسوف، ما جعلهم يقصون تفكيره عن ذلك، ليعلموه فنون القتال و المصارعة و الجري و رمي القرص في وقت مبكر.