الفصل الثاني: ثيرا

8 0 00

الفصل الثاني: ثيرا

توصف جزيرة سانتوريني في الكتيبات السياحية اليوم بأنها أروع و أكثر الجزر اليونانية إثارة. و لو سُخر لك الذهاب إليها لزال كل اعتقاد لديك في أي مبالغة في هذا القول. فالجزيرة أشبه ما تكون بحدوة الحصان شكلاً، وهي مرتفعة جداً عن سطح البحر، مما يمكنك من مراقبة شروق الشمس وغروبها بكل وضوح، حيث تُمازج أشعتها مياه البحر لتُشكل خليطاً رائعاً من الألوان، من الأزرق إلى الفضي والرمادي و الأصفر والأحمر والبرتقالي. و يتيح ارتفاع ثيرا الشاهق عن سطح البحر لهواة عالم الفلك والنجوم فرصة نادرة لرؤية ما يستحيل رؤيته من أي مكان آخر، خاصة في فصل الصيف، ليتيسر لك رؤية الكواكب و الأقمار، بل قد تتيسر لك رؤية مجرتنا درب التبانة بالعين المجردة في الليالي الصافية من على أرض سانتوريني جزيرة الأساطير.

بُنيت هذه المدينة على أطراف منهارة من فوهة البركان الذي انفجر عام 1500 قبل الميلاد، أكبر انفجار بركاني قد تكون عرفته البشرية حتى الآن. وتشي لنا الحفريات بالأسرار الدفينة فتخبرنا بأن هذه الجزيرة كانت جزءً من الحضارة المينوية (نسبة إلى مؤسسها مينوس) التي سادت جزيرة كريت قبل 3 آلاف سنة قبل الميلاد، بل أن البعض يذهب إلى أن هذه الجزيرة كانت جزءً مما يطلق عليه قارة أطلنطس المفقودة التي كانت تتمتع بحضارة راقية ومتقدمة تقدماً كبيراً قبل أكثر من 11 ألف سنة. و التي يحاول الكثير من المهتمين والمؤرخين والأثريين معرفة موقعها و تبين ما إذا كانت مجرد خرافة.

تعود تسمية هذه المدينة إلى أهل البندقية الذين احتلوا الجزيرة في القرن الثالث عشر، حيث أطلقوا عليها اسم سانت إيريني (Saint Irene) و يعني جزيرة "القديس إيريني" أو قديس السلام. تحول هذا الاسم مع مرور الزمن إلى سانتوريني الاسم الذي تحمله المدينة حتى يومنا هذا. أما في الزمن الموغل في القدم فقد عُرفت هذه المدينة باسم سترونغيلي (Strongili) نسبة لشكلها الدائري الذي كانت تتمتع به، ثم فقدته بفقدانها مركزها نتيجة ثورة البركان، لتأخذ شكل حدوة الحصان التي نراها عليها اليوم. في ذلك الزمن احتضنت الحضارة المينوية إحدى أقدم الحضارات في أوروبا، و أهم الحضارات في التاريخ، و شهدت خلالها فترة ازدهار متجدد وعمران واسع، حيث شيدت القصور الفخمة والمعابد والأسوار والأبراج، و البيوت متقنة البنيان المؤلفة من ثلاث طبقات، و وجدت الشوارع المنظمة و الساحات. وعثر علماء الآثار، على سلالم حجرية، وأدوات منزلية مصنوعة من السيراميك و مغازل وأدوات مطبخية ومنحوتات ذهبية متقنة، ولوحات فنية رائعة ومتقدمة نسبة إلى عصرها. كما اكتُشف في البلدة، نظام قديم ومتطور للمنافع العامة، ولتوزيع المياه. ويبدو أن البلدة الغنية آنذاك كانت تتمتع بالمياه الباردة والساخنة كما هو الحال الآن. و يخبرنا التاريخ أن المينويين في كريت، قد عملوا في الملاحة البحرية فكانوا تجاراً، امتدت تجارتهم إلى العديد من الحضارات المهمة والقريبة في قبرص واليونان ومصر والعراق وسوريا وتركيا.

لكن هذه الحضارة لم يُكتب لها أن تستمر طويلاً، حيث تعرضت سترونغيلي لانفجار بركاني هائل، تبعته فيما بعد العديد و العديد من الهزات الأرضية، أحدثت في العمران الرائع خراباً وتدميراً، أدى إلى غرق مركز الجزيرة، و تسبب في انهيار الحضارة المينوية. و ما يزال وصف تلك الكارثة مسجلاً على إحدى المسلات الحجرية المصرية التي شيدت في ذلك العصر " ألقت بالظلام على المنطقة الغربية ومحت الحواضر والمعابد سواء بسواء".

و حسب ما تقول به أسطورة شعب المايا في وصف هذه الكارثة أنه قد نزل من قلب السماء طوفان وقع على رؤوسهم من الأعالي... فماتوا غرقاً وسط طوفان من دم ونار، وقد تمردت عليهم قوى الطبيعة التي اعتقدوا أنهم قد روضوها.

يبدو أنه كان من الأحداث العظام التي تعجز الألسن عن سردها، و يصعب على العقل تصورها، و يصيبها ارتباك حين تخيلها، و الأهم من كل ذلك أنه صعبت معايشتها، فمات كل كائن حي من بشر و بهائم و نباتات كان في ذلك المكان. و نجد في كتاب المهابهارتا ملحمة الهند الكبرى الذي يعود إلى حوالي 1500 سنة قبل الميلاد، ما يمكن أن يكون وصفاً لذلك الحدث الجلل:

... وكانت قذيفة واحدة تنطوي على كل الطاقة الكونية. عنها انبثق عمود ملتهب من الدخان والنار مشعاً ومبهراً كعشرة آلاف شمس. فقد كان سلاحاً مجهولاً، شعاعاً من الحديد، رسولاً عملاقاً حمل الموت معه. احترقت الجثث إلى حد لم يعد بوسع أحد تمييزها، وتساقط منها الشعر، كما تساقطت الأظافر. وكل ما كان مصنوعاً من الخزف تحطم دون أي سبب ظاهر. وابيضَّ لون العصافير. وخلال سويعات أضحى كل الطعام ساماً. وهرباً من النار الحارقة ألقى الجنود بأنفسهم في اليم...

تلاحقت بعد ذلك المصائب على الجزيرة من زلازل و أعاصير لتُفقِد الجزيرة شكلها الدائري القديم و تكتسب شكلها الجديد الشبيه بحدوة الحصان، كما أدت هذه الكوارث إلى أن أفقدتها حجمها الكبير لتصبح مجموعة من الجزر المتناثرة.

بعد مرور حين من الدهر لم يكن بالقصير، قدمت إلى الجزيرة قبائل يونانية قديمة تعرف بالدورينز Dorians فاستوطنتها، و أطلقت عليها اسم ثيرا Thera نسبة إلى «ثيراس» أحد أحفاد قدموس الذي كان نائباً لحاكم أسبارطة قبل أن يهجرها ويستقر في هذه الجزيرة التي حملت اسمه لاحقاً لسنوات طويلة. و اختار الدورينز مكاناً مرتفعاً في الجزء الشمالي الشرقي فابتنوا عليه مدينة حملت ذات الاسم، و يبدو أن اسم العاصمة اليوم "فيرا" مشتق من هذا الاسم.

كان الكثير من سكان ثيرا و اليونان بشكل عام يعملون في الفلاحة، التي كانت تستلزم الكثير من الجهد للقيام بها رغم ظهور الأدوات الحديدية. أما في مجال التصنيع فلم يكن في ثيرا سوى بضع مئات من الفخارين الذين يصنعون الأعمال التي اشتهرت بها اليونان في ذلك الوقت. وكان هناك عدد قليل نسبياً من الحدادين والحجارين وصناع الدروع والمجوهرات وغيرها من الاختصاصات. ليبقى الصيد و الزراعة هما عماد اقتصاد المدينة، لكنهما ما كانا بالكافيين لتكوين ثروة كبيرة لأي من سكانها، فبقع الأرض الصالحة للزراعة صغيرة جداً، و التربة ليست خصبة في العادة، لنجد المحاصيل قليلة وضعيفة النوعية طوال فصول السنة, فلم يكن يملك أغنى رجال اليونان سوى 20- 30 هكتاراً من أراضي الحبوب و الكرم، حسب ما بينه تصنيف قديم لمواطني أثينا بحسب الثروة تم وضعه في القرن السادس. و قد تعطينا رؤيتنا للآثار اليونانية العظمية اليوم انطباعاً خاطئاً عن الحياة العامة في اليونان القديمة، لأنها كانت أبنية عامة تمول بموارد جماعية، أما غالبية الإغريق بما فيهم أهل ثيرا، كانوا يعيشون في بيوت صغيرة متواضعة ويأكلون طعاماً بسيطاً، ولم يكن لديهم عبيد ولا حتى خدم. بالرغم من أن بعضهم كان ينتمي لعائلات أرستقراطية قديمة، يعيشون على الدخل الذي تؤمنه لهم أملاكهم، وهذا ما قد يفسر استهجان الإغريق لكسب المال عن طريق ممارسة المهن أو التجارة. إلا أن طبقة الأثرياء كانت تتسع عن طريق انضمام التجار الأغنياء إليها أيضاً، ولم يكن الغنى يعني الكثير قياساً إلى أيامنا هذه، لكنه كان على كل حال يجعل الحياة مختلفة اختلافاً كبيراً عن حياة الفلاحين.

اليوم يمكنك الوصول إلى جزيرة ثيرا بحراً من مرفأي بيراياس ورافينا في أثينا وتستغرق الرحلة قرابة الخمس ساعات، أما إذا اخترت استخدام القوارب السريعة فإن الرحلة لن تستغرق سوى ساعتين أو ثلاث. كما يمكن الوصول إلى الجزيرة، خلال ساعات قليلة، من الجزر التابعة لمجموعة كيكلاديس المعروفة التي تنتمي اليها سانتوريني في بحر إيجه و منها جزيرة أوكسس التي أبحرت منها سفينة التاجر الإغريقي تيميسيون تحمل على ظهرها بين بحارتها الحفاة مجعدي الشعر، الفتاة فرومينا، التي تكالبت عليها أقدار الفقد و القهر و غلظة القلب.

رست السفينة في أحد مرافئ سانتوريني، لا نعرف إن كان مرفأ اثينيوس (Athinios) أشهر مرافئ المدينة اليوم أو سواه من مرافئها.

رست السفينة لتضيف ساكناً جديداً إلى ثيرا يوم لم تكن تئن هذه المدينة بسكانها، و يوم كانت تأتيهم بما يضمن لهم العيش الكريم. نزلت فرومينا لتخط أقدامها أول خطواتها على هذا الشاطئ، دون أن تعلم أن التاريخ في تلك اللحظة كان يخط أول سطوره في بوثية بطل سيرسم معالم تاريخ طويل في أرض غير هذه الأرض.