الفصل الرابع

9 0 00

الفصل الرابع

اكتشفَت جيزل هذه القصة مثلما تغسل زجاج نافذة. لهذه الرواية عيون. مولاي عاشق. مولاي يعشق ياميناتا. ياميناتا تعشق. ياميناتا تعشق مولاي. هناك في الصحراء، حينما تكون لليل موهبة، يلتقيان في عمق الواحة. بقرب المقبرة التي لا تنام كلية. المقابر لا تنام كلية أبدا. يعيشان أحلاما. ينفيان الموت.

لن أنسى أبدا ياميناتا التي لا تعرف كيف تُقبّل مولاي. لن أنسى أبدا مولاي الذي علّمها القبلات على طعم تجديف في أقاصي الندم. ياميناتا الترقية، ابنة طاسيلي آجير. مولاي، ابن وَرْقلة، أمير مُفلس. لقد مَلك والده من النخيل ما يفوق عدد الأوهام الموجودة في قلب قصيدة. وبعد ذلك توفى الوالد فنشأ البؤس. أصبح مولاي يشتغل سائقا في شركة سيارات عابرة للصحراء. يقود مركبة جرّ مزدوجة قديمة أحياها بخل مقاول المقابر الميكانيكية الإيطالي عبر معظمة خردة.

يعبر الصحراء.

قال المؤلف:

يا بحار النجوم، فبعد منطقة "حاسي الطويل"، لن تجد إلا الأوهام. يحرس كثبان "أوهين" الفيافي الممتدة عند باب الليل. كثبان "أوهين" المُهمَل... الحارس المنسي، كيف العثور على كلمة السر؟ يلمس مولاي بأصبعه ما هو كبير.

عثر الدرب ثانية على طريق النجوم. وحدها النجوم تملك الصبر المطلوب. لا شيء يحتمل الصحراء. تهجرها الطيور. تتجنبها الغزلان. وتبقى قشور بيض النعام المكسورة أطلال هروب فظيع حَدث في غابر الزمان. ماتت الجِمال. تتشابه أنواع السراب إلى حدّ بعث اليأس في النفوس. تُذكّر بجزر، جزر على شكل سبحة، أرخبيل صامت. ومع ذلك، فقد عثر الدرب ثانية على طريق النجوم.

يا بحار قلبي، أتعرف أن الرجل شيء كبير؛ إنه كبير ولاشيء في آن. إنه أكبر من الصحراء وكبير كالعشق.

لأن ياميناتا موجودة.

امْرأة أكبر من الحب. والحياة أكبر من امرأة. لا نحيا إلا حينما نحب. لأن ياميناتا موجودة.

قال المؤلف أيضا:

ياميناتا موجودة، أميرة زرقاء تساوي عشرين ناقة بيضاء. تتفتّح سنواتها السابعة عشر على صدرها الصلب. إنها تعرف متى يتجاوز الموكب "سردال" عند حدود "فزان". كل شيء يُعرف في الصحراء. لذلك فإنها تنتظر أن يغرق القصر في النوم، وعبر الأزقة الهادئة، تتجه نحو "الكوكومان" الذي يحمر في الليل. قالت:

- مساء الخير سي مولاي.

قال مولاي:

- مساء الخير ياميناتا.

كان العبد السوداني الذي يحرس السواقي يُغنّي السفن العجيبة.

يضحك خرير الماء تحت الأشجار. كانت الضفادع مسرورة.

قال المؤلف أيضا:

لم أغمض عينيّ كي ألتقي مولاي، كي ألتقي ياميناتا. يُمْكنني التصريح: "آه، لو أمكن للرمل أن يتكلّم". ومع ذلك يمكن للرمل أن يتكلم. مثلما ننظر ثانية إلى صورة، مثلما نعيد قراءة مخطوط، سأعود يوما إلى الطاسيلي آجير. سأذهب باتجاه جبل الكوكومان، حيث مكان القبلات. ومن بين آلاف وآلاف آثار الأقدام، سأعثر على آثار قدمي ياميناتا التي لا تنتعل صندل النيل. سيقول لي الرمل، تماما مثل الثلج، بأنني لست في حلم. أريد تقديم شهادتي عن عشق مطمئن. لقد اخترع هذا العشق-الواحة الأمل. إن الأموات النائمين عند أسفل الكوكومان ليس لهم أسماء. كتمان عظيم، لم يسجل مؤلف الرواية حياتهم. لا شيء يثبت أنهم شربوا الحليب وكانوا في منتهى الأناقة. لا أريد لهم أن يختفوا. أنا شاهد العشق وأنا حارس الموت.

قال المؤلف أيضا:

أنا الناجي من الأموات، أنا شاهد العشق. الحلم ضروري، نسمّيه فولكلور. لا شيء يمكنه أن يختفي. سَيُرافع الناي.

قال المؤلف أيضا:

ذات مساء حيث بدا الكثيب ملتحما مع السماء، قالت ياميناتا بكلمات تلج القلب، من تلك الكلمات التي يمكن الاحتفاظ بها مدى الحياة ومدى الموت في تجويف خلود ناعم:

- آه سي مولاي، في المرة القادمة، حينما تعود، أودّ لم تأتيني بغزالة، غزالة حية. ليست الغزلان غزلانا إلا وهي على قيد الحياة...

قال مولاي:

- سأهديك غزالة.

قال المؤلف أيضا:

عند اللحظات الجميلة ينتابنا البكاء.