الفصل الثالث:

6 0 00

الفصل الثالث:

روائح غريبة تنبعث من المكان زكمت أنفي.. تمتزج فيما بينها امتزاجا كليا.. لا يمكن أن أتبين تفاصيلها.. ثوب ناعم يمرر على جسدي، يستثير إحساسي، بصعوبة أفتح عيني بشكل متدرج.. دخان أبيض كثيف يلف المكان من حولي.. أغمض عيني من جديد وقد تملكتني رهبة لا مثيل لها.. وجيب قلبي يتضاعف، الرعب يستبد بي، أقاوم نعم أكاد أجزم بذلك.. تقف على مقربة مني.. تبدو لي، وأنا ملقى على الأرض، فارعة الطول. ملابسها ناصعة البياض.. بياض لا يمكن مقارنته بأي شيء، إنه مختلف جدا، الثوب يغطي جسدها بأكمله.. شعر فاحم ينسدل على كتفيها، تتمدد خصل منه لتغطي جزءا من صدرها.. أنبهر بحضورها غير المتوقع.. أحاول أن أنهض.. لاأستطيع.. شيء ما يكلبني، يمنعني من الحركة.. أمعن النظر أكثر.. الدخان لا يزال ينبعث من كل مكان.. أستطيع أن أرى ابتسامة تداعب شفتيها في خفر..أحملق بعنين ذاهلتين.. أنا عاجز عن تكوين فكرة حول ما أحياه أين أنا؟.. من هي هذه المرأة؟ الغموض يلف كل شيء.. ولكن لماذا لا أستطيع أن أغادر مكاني.. أريد أن أنتصب واقفا.. لا بد أن أفهم الذي يجري في هذا المكان الغريب.. أفتح عيني بكل ما أملك من قوة.. أتبين ما يشبه الطيور إنها- بالفعل- طيور، لكنها غريبة، تحلق في اتجاهات مختلفة، أحجامها غير عادية.. إنها ضخمة بعض الشيء.. لا تصدر أصواتا محددة.. صامتة في طيرانها.. وما يدريني؟ ألا أكون قد أصبت بالصمم.. لا يعقل أن يوجد مثل هذا الصمت في أي مكان من العالم، المرأة لا تزال ترمقني بنظرة لا أفهم معناها، ابتسامتها الحلوة لا تزال معلقة على ثغرها.. أحس اللحظة أنني أستطيع التحكم في حواسي بشكل أفضل. حركت أطرافي فاستجابت لي.. استندت على يدي وأنا أحاول أن أنهض من مكاني.. الأرض التي لمستها زادت من استغرابي .. شيء لم ألمسه من قبل.. لا أستطيع أن أكون عنه فكرة محددة.. أعتدل في جلستي.. المرأة ابتعدت عني بشكل مفاجئ.. من مكاني أراها وقد اختفى جزء منها في الدخان.. تماسكت أكثر.. تلفت في اتجاهات مختلفة.. أصبحت الآن أميز أصواتا متداخلة.. صفيرا.. همهمات بعيدة، متواصلة.. حفيف أشجار لا أراها.. أنتصبت واقفا.. الطيور تحلق في كل الاتجاهات.. أعدادها مثيرة.. لا تهتم بوجودي، وكأنني والعدم سواء..حاولت أن أركز نظري.. لم أقو على ذلك.. مشيت- دون وعي مني- خطوات إلى الأمام.. أحاول أن أدرك المرأة.. بياضها استحال مغناطيسا يجذبني نحوه.. لكن لماذا كلما اقتربت من مكانها، ابتعدت أكثر.. قلت في نفسي "ربما أنا في حلم" لكن لماذا لا أستطيع أن أستيقظ من هذا الحلم الغريب.. واصلت سيري.. لاحظت أن المرأة، بهذه الطريقة تستدرجني لأتبعها.. إلى أين تقودني؟ تطلعت إلى أعلى.. السماء سحيقة.. خالية من أية علامة.. زرقتها غير صافية.. يختلط لونها بلون الدخان.. الأرض التي أمشي عليها غريبة.. خطواتي لا تكاد تستقر، أشعر بها خفيفة إلى حد ما.. الدخان في هذه اللحظة يتبدد تدريجيا.. أستطيع أن أرى الأشياء بوضوح أكبر.. أشجار جرداء تنتشر في كل مكان، أغصانها متشابكة بعنف.. تتدلى منها بقايا متنوعة.. المرأة تبدو أكثر وضوحا.. دنوت منها بشكل كبير.. لم تبتعد هذه المرة.. سألتها:

- من أنت؟ ..

ابتسمت، لا يمكن أن أتجاهل شبها بدا لي في ملامحها.. إنها تشبه- بشكل كبير- شخصا أعرفه.. أحاول أن أتذكره.. لا أستطيع.. الملامح تنفلت من ذاكرتي.. بصوت متعب ولهجة متوسلة أعدت عليها السؤال:

من أنت؟ أرجوك أجيبيني.. أريد أن أعرف.

الابتسامة نفسها تستلقي على شفتيها.. وبصوت تردد صداه في المكان من حولي أجابتني:

ألم تعرفني؟

الشبه يكاد يتضح، لكن لا أستطيع أن أجزم بشيء.. أجبتها:

لا أعرف.. قولي من أنت؟

أجابت:

أنا عائشة.

نعم أعرف الآن، إنها زوجتي.. عائشة.. سألتها:

هل أنت زوجتي عائشة؟

لم ترد فأردفت:

ولكن لم أنت في مثل هذه الملابس؟.. لماذا أحس أنك غريبة عني؟ أين نحن؟ ركزت بصري على وجهها فإذا بملامحها تتغير .. لم تعد ملامح زوجتي صدمت للتغيير المفاجئ.. خاطبتها والدهشة تكبلني:

أنت لست زوجتي.. من أنت؟ .. أنا لا أعرفك !

بالصوت نفسه الذي خاطبتني به قبل قليل أجابت:

قلت لك.. أنا عائشة.. لا تخف، اتبعني ستعرف كل شيء.

تساءلت في أعماقي، "لماذا أجد نفسي أنساق وراء خطواتها، ثم هذه الطيور من حولي لم لا تكف عن الطيران؟" فجأة تنبثق من العدم بوابة ضخمة أبهرتني ضخاتها، ألوانها متداخلة. زينت بنقوش غريبة، في أعلاها مجسم لأحد تلك الطيور التي لا تكف عن الطيران.. توقفت مأخوذا بشكل هذه البوابة.. المرأة أمامي.. تدنو من البوابة بشكل كبير تكاد تلمسها، وبغتة ترتفع في الجو، يرجني ذلك من أعماقي.. أحاول أن أفهم.. إنني في عالم مختلف.. ربما في حلم.. لا يمكن أن يكون ما أعيشه إلا حلما.. وإلا لماذا ترتفع هذه المرأة في الهواء، ثوبها ظل ملتصقا بالأرض.. إنه بطول خرافي.. الطيور الملحقة في الأجواء لا تهتم بالمرأة، التي تعلقت في أعلى البوابة.. تواصل طيرانها بالحماس نفسه، لا تبالي بما حولها.. أردت أن أصرخ..صوتي يخونني.. وفجأة ارتفع قرع طبول.. لا أدري عدد الضربات.. تلاه صوت عظيم، مفزع.. أظن أنه ضرب على جسم من النحاس .. ارتج كياني من جديد.. أريد الهرب.. لا أستطيع.. البوابة تنفتح.. خطواتي، تقودني لألج البوابة.. كانت رياح تنبعث من أعماقها، قوية بعض الشيء.. لاحظت أن ثياب المرأة البيضاء تتحرك في كل الاتجاهات .. قاومت حركة الرياح.. وجدت نفسي داخل مكان جديد مؤثث بشكل أفضل.. من حولي كائنات تتحرك في كل الاتجاهات.. تمشي، تطير، تزحف.. وقع بصري من جديد على المرأة.. أحسست أنها تنسجم مع هذا العالم.. أغمضت عيني، أريد أن أركز بشكل أفضل .. فتحت عيني، فإذا جماعة من هذه الكائنات تحلق حولي.. بعضهم بعين واحدة، شعورهم تتدلى في فوضى على أكتافهم.. لاحظت أن بعضهم تنبت لهم قرون يتفاوت حجمها من كائن إلى آخر.. ملابسهم تختلط فيها ألوان صارخة، إنهم حولي.. يكونون حلقة، تضيق بالتدريج.. الخوف يستبد بي.. ملامحهم تبعث على التقزز.. ماذا أفعل؟.. رباه ما هذا؟.. الأرض التي أثبت عليها قدمي لزجة.. أكاد أحس بحركة تدب فيها.. صرخت صرخة مدوية أو ربما حسبتها كذلك.. لكنها تفجرت فقط في أعماقي. أنفاسي تكاد تنكتم .. رفعت رأسي إلى أعلى لا تزال المرأة معلقة، تنظر إلي ببلاهة والابتسامة الزئبقية لا تفارق شفتيها.. فكرت أن أركض في أي اتجاه.. استجمعت قواي.. هجمت على المتحلقين حولي.. حدثت مفاجأة لم أكن أتصورها، لقد مررت من خلالهم.. اخترقتهم بسهولة تامة، واصلت ركضي.. بعد لحظات وجدت نفسي وسط غرفة، علقت على جدرانها مرايا بأشكال مختلفة، انعكست عليها صورتي.. اقتربت أكثر من إحداها.. ثم التفت إلى أخرى.. نعم إنها صورتي تلك التي تنعكس في المرايا.. شيء ما أثار انتباهي: الملامح تتغير.. إنها مرايا خادعة.. لم تعد تعكس صورتي.. إنها صورة مختلفة عني، صورة إحدى الكائنات التي كانت إلى وقت قريب، تتحلق حولي.. الغرفة لا باب لها ولا نوافذ.. في تلك الأثناء أخذت صورة تلك الكائنات تنبثق من المرايا، تصدر أصواتا مخيفة، أغلقت أذني بكلتا يدي.. الصوت يخترق جدار اليدين، يتسرب إلى كياني، يبعث في نفسي الرعشة.. اخترقني دبيب مثير.. انتشر-بسرعة- في كل أعضاء جسدي.. جثوت على ركبتي.. لا أزال أضع يدي على أذني.. لم أعد قادرا على النظر إلى الكائنات المخيفة.. أين المرايا؟ لا وجود لها.. أنزلت يدي بتؤدة واحتراز من على أذني.. التفت في كل الاتجاهات لا شيء البتة.. أين اختفت كل هذه الأشياء.. بغتة ظهرت من حيث لا أدري.. دنوت أكثر لألمسها وأتأكد من أنها فعلا مرآة.. فاجأني بروز المرأة المتشحة بالبيضاء على صفحتها.. ارتج قلبي.. نكصت إلى الخلف.. لاحظت المرأة اضطرابي، فخاطبتي:

لا تخف.. إنك في أمان.. أنت الآن في حمايتي.

وبصوت متوتر مشبع بالخوف قلت لها:

لكن من أنت؟

أجابت والبسمة لا تغادرها:

ألم تعرفني بعد؟ انظر جيدا.

تخلصت بعض الشيء من الخوف الذي يهيمن على كياني.. خطوت خطوتين نحو المرأة.. نظرت إليها بتمعن.. قلت باندهاش:

أنت زوجتي عائشة، ولكن لم تلعبين معي هذه اللعبة القذرة؟.. لقد أفزعتني.. ارتجت الغرفة بقهقهة قوية، صدرت عن المرأة، وفي تلك الأثناء ظهرت المرايا من جديد على الجدران، تعكس جميعها صورة المرأة وهي تقهقه بصوت مرتفع، غير أن ملامحها انزلقت .. ذابت.. اختفت لتعوضها ملامح أخرى.. عقدت الدهشة لساني.. لم أجرؤ على النبس بكلمة واحدة، شعرت أن دمعة ساخنة طفرت من عيني.. قالت المرأة بصوت مجلجل، تردد صداها في جنبات الغرفة:

اسمع أنا عائشة، وأنت في حمايتي.. لا تخف..

استرجعت بعض شجاعتي، وانحلت عقدة لساني، قلت بلهجة مستعطفة:

لكن ماذا تريدين مني؟

عادت إليها ابتسامتها الخفرة:

أريد أن تتزوجني .

أجبت على الفور:

إذا كنت عائشة زوجتي، فلم تطلبين مني أن أتزوجك من جديد؟

ظهر عليها بعض التضايق، فاختفت الابتسامة، ولمع بريق غريب في بؤبؤي عينيها قم قالت:

أنا لست زوجتك، أنا عائشة فقط، وأنت لا بد أن تتزوج بي وإلا أفقدتك أعز شيء عندك..

داهمني الارتباك من جديد استفسرتها بلهفة:

-ماذا تقصدين؟

أجابت بلا تردد:

سأختطف ابنك.

ابني لا، أرجوك..

وفي تلك اللحظة، لاح لي من بعيد كائن يخترق السماء. يتقدم نحوي بإصرار.. إنه يشبه تلك الطيور التي كانت لا تكف عن الطيرا.. دنا مني.. فإذا هو ابني وقد نبت له جناحان.. أحسست أن نفسي تخلصت من همومها فجأة، إنه يحلق باتجاهي.. تعلق به بصري بلهفة وشوق.. إنه يقترب .. يطير نحوري بإصرار.. كلما دنا اكثر، تتضح ملامحه.. وجوده أعاد إلى نفسي بعض الثقة.. إنني لست وحدي في هذا المكان الغريب.. أفردت ذراعي.. أحضاني منفتتحة لاستقباله.. ارتمى بقوة في حضني وهو يصيح:

بابا..بابا.. بابا..

كدت أبكي من الفرح.. ضممته بكل ما أملك من قوة، أغمضت عيني لأتلذذ حتى الثمالة، بهذا اللقاء المفاجئ.. بغتة رجت كياني قهقهة لا أدري مصدرها.. فتحت عيني.. رأيت المرأة تضحك وعلامات السخرية بادية على سحنتها.. انتبهت إلى ابني في حضني.. وإذا به ليس ابني.. إنه واحد من تلك الكائنات الغريبة.. مسخ في أحضاني.. حاولت التخلص منه.. تشبث بي بكل قوة.. وأخيرا تركني وطار في الأجواء.. أصابني ذلك بالغثيان.. جثوت من جديد على ركبتي، وأخذت أخرج ما في معدتي من طعام.. الحموضة في فمي مقززة.. زادت من كرهي لكل ما حولي.. والمرأة لا تزال تنظر إلي بلا مبالاة.. رفعت رأسي نحوها، قلت لها باستعطاف:

لم تفعلين معي كل هذا؟

أجابت:

لكي تكون مطيعا، وتستجيب لأوامري.

منهكا أردفت:

ماذا تريدين؟.. ألا تعرفين أنني متزوج؟

ردت:

ليس ذلك مهما.. سأحتفظ بك لنفسي.. أردت ذلك وسأنفذه.

وبلهجة المستسلم قلت لها:

وكيف أستطيع أن أنفذ رغبتك؟

ارتسمت البسمة على شفتيها ثم أجابت:

هكذا أريدك.

فكرت أنه لابد من مسايراتها إلى أن أفهم ما يحدث.. انتبهت فجأة إلى ملامح شخصية أعرفها كانت ترافقني من بداية الرحلة، توجد في خلفية الأحداث.. لا تظهر بوضوح.. لكنها حاضرة.. تبدو باهتة في وجودها.. حاولت أن أركز لأعرف صاحبها.. لعل ذلك يعيد إلى نفسي بعض الأمل.. اللحظة أستطيع أن أتبينها بشكل أوضح.. إنها صورة الممرض.. نعم إنها صورته.. كانت مخفية في ذهني بوضوح.. وفجأة ابنثقت في المرآة.. الممرض يبتسم ابتسامة ساخرة.. قلت له، والدهشة تلفت حول رقبتي:

ماذا تفعل هنا؟

قبل أن أتلقة منه الإجابة، تبددت صورته، لتعوضها صورة المرأة وهي تقهقه من جديد، وبصوت استعراضي قالت:

لاحظت أنني أستطيع أن أطلع على أفكارك.. لا تحاول خداعي وإلا فقدت فيك الثقة.. حينها ستضطرني لأعاملك بشكل مختلف..

رائحة البخور انبعثت من جديد.. المكان يتغير تدريجيا، أهيم في أرض خلاء، فارغة من أي كائن. وحيدا أجر قدمي المنهكين.. البقايا متراكمة في كل مكان، الصمت يجثم بسجده الهائل على المكان من حولي.. تتحدد أمامي فجأة، ملامح طريق طويلة.. في جنباته تنتصب أعلام بألوان مختلفة خضراء .. حمراء.. سوداء.. في أعلاها مجسمات صغيرة للطيور التي كانت تحلق في الأجواء.. قوة خفية تدفعني للمضي في هذا الطريق.. أشعر أنني مسلوب الإرادة.. أتجه نحو الأمام.. ألتفت في كل الاتجاهات.. ملامح الممرض لا تزال تهيمن على ذهني أحس أنني مراقب من طرف شخص ما.. أحاول أن أتبين طبيعة المكان الذي أنا فيه.. لا شيء يسعفني في ذلك.. بناية ضخمة تنتصب في نهاية الطريق.. انجذبت نحوها بشكل غريب.. العرق يتصبب من كل مسام جسدي.. لا أفلح في التركيز على أي شيء.. ما معنى أن تطلب مني أن ّأتزوجها؟.. لماذا صورة الممرض تصاحبني في رحلتي دون غيرها؟ هل أنا في حلم لا أستطيع أن أستيقظ منه؟.. لكن لماذا هذا الحلم طويل بهذا الشكل؟ إنه ليس حلما.. وإلا لماذا لا أستيقظ منه؟.. قطعت المرأة التي ظهرت فجأة أمام البناية تداعي أفكاري.. كانت بصحبة امرأة عجوز.. يبدو أنها أمها.. كانت تضع ما يشبه التاج على رأسها.. لم أستطع التمعن في ملامحها.. أكاد أفهم الآن.. هل أنا في عالم الجن؟ نعم كل شيء يدل على ذلك.. لماذا لم يخطر ببالي هذا من قبل.. إنني في عالم الجن.. وهذه المرأة "عايشة قنديشة" لقد وقعت ضحية لها.. إنها تريد أن تتزوجني وإلا ستصيبني بالأذى.. خوفي الأن أصبح له ما يبرره.. المرأتان تقهقهان بملء فميهما.. توجت المرأة إلي بالكلام:

وأخيرا فهمت.. هكذا أريدك.. يجب أن تكون نبيها..

قلت بإصرار

ولكن أنا لا أؤمن بوجودك .. إنني فقط أحلم.. إنك لست سوى وهم .. ابتعدي عني..

الابتسامة الساخرة أصبحت أكثر إشراقا على شفتيها، قالت:

إذا كنت في حلم، لماذا لا تستيقظ منه؟ جرب.. لن تستطيع أبدا.

أجلت النظر فيما حولي، تسربت إلى كياني بعض القوة، استجمعت شجاعتي وبصلابة وقوة قلت لها:

أبدا، لن أخضع لك.. أعرف أنك وهم، ولن تستطيعي إيذائي بشيء.. لن أستجيب لرغبتك.

علامات الغضب اقتحمت، من جديد، ملامحها.. زمجرت بصوت مخيف وفجأة، اندمجت مع المرأة التي ترافقها.. أصحت المرأتان امرأة واحدة.. اتقدت شعلة الغضب في عينيها.. ظهر في رأسها قرنان، برزت أنيابها التي استطالت بشكل مفاجئ.. الأعلام المنتصبة في كل مكان، ارتجفت بقوة، ابنعث من حيث لا أدري صفير قوي.. في تلك الأثناء حركت الرياح ثياب المرأة، فارتفعت قليلا، كشفت لي عن حافرين مخيفين.. حينئذ أخذت تدريجيا أفقد السيطرة على نفسي.. الإحساس بما حولي يتلاشى.. أشعر بنفسي أهوى على الأرض من ارتفاع شاهق.. لاوجود لأي شيء اتعلق به.. العالم ظلمة حالكة.. أفتح عيني تدريجيا.. إنني ملقى في الخلاء.. أين أنا؟ .. القمر يطل من بين السحب.. ضوؤه يبعث في نفسي بعض الأمل.. أحاول أن أستجمع قوتي لأنهض.. لا أستيطع .. لقد تعرضت لحادث خطير.. إنني أنزف.. رائحة الدماء النازفة من عضو ما من جسدي تزكم أنفي.. إذن سأموت في الخلاء.. أتذكر دراجتي المرتمية بالقرب مني.. أحس أن شيئا ما منغرز في أحشائي.. حاولت أن أتحرك.. لا أقوى على ذلك.. الصيد يتردد في ذهني.. "عايشة قنديشة" تحضر بكل قوة.. كان كل ذلك حلما.. الخدر يعود من جديد.. يسحبني نحو بئر سحيق، لا قرار له.. أقاوم.. لا جدوى.. وأخيرا أستسلم.. أجد نفسي، ثانية في عالم مختلف.. أين أنا الآن؟.. سأجن حتما.. الوضع مختلف.. أنا داخل بناية كبرى، تشبه المحكمة.. في المنصة جلس أشخاص، على رؤسهم تيجان.. يرتدون ملابس بألوان مختلفة.. الشخص الذي يتوسط الآخرين يلبس ثوبا بلون أسود، يحيط به شخصان أحدهما بلون أخضر والآخر بلون أحمر.. وجوههم تنعكس عليها ألوان ملابسهم.. وراءهم ينتصب مجسم للطائر، الذي يبدو أنه شعارهم في هذا العالم.. طائر مخيف، وجهه يشبه الحيوان.. أنيابه بارزة بشكل مقزز.. جناحاه متمددان.. أنتبه إلى نفسي، فإذا بي في قفص حديدي، قدماي ويداي مغلولة بسلاسل حديدية.. منكس الرأس خائر القوى.. المرأة التي تريد الزواج مني تحلق في قاعة المحكمة.. افتتح الشخص ذو اللباس الأسود الجلسة قائلا:

بما أنك ترفض الزواج من هذه المرأة، سوف تعاقب.

فكرت أن كل هذا وهم.. لا يمكن أن يحدث شيء مما أراه.. إنني أحلم فقط.. أخرجتني زمجرة قوية من شرودي.

ماذا قلت؟.. لابد أن ترد.. إذا لم توافق على الزواج سوف تعاقب.

أجبت بصوت يائس:

ولكن لماذا أنا وليس غيري؟

رد بابتسامة ساخرة على فمه:

إنك تسببت لها في إعاقة دائمة.. كانت نائمة في الخلاء، فأصبتها بدراجتك النارية.. أنتم -أيها البشر- ما أتفهكم.. أتظنون أنكم وحدكم على الأرض؟.. النهار لكم والليل لنا..

فكرت في كلامه ثم أجبته:

ولكن لم أرها.. لم أقصد إيذاءها..

وبلهجة جامعة قال:

- لا يهمنا ذلك.. يجب أن تكفر عن خطيئتك وتعوضها عن سخارتها، وإلا أخذنا منك حقنا بالقوة..

سألته بلهفة:

ماذا تقصد؟

أجاب بثقة:

ابنك.. سنختطفه من أحضان أمه، وهذه اللحظة، إن أبيت الاستجابة لحكمنا.

خائفا والألم يمزق أحشائي سألته:

ولكن ما ذنب الطفل؟

رد بصوت مجلجل:

- لا يهمني ذلك.. لابد من قصاص.

لا سبيل للانفلات من هذا الأسر.. صورة الممرض تظهر وتختفي، هي في مكان ما من هذا العالم.. إنها خلفيته التي لا أكاد أراها.. فجأة يتغير المشهد.. مازلت في الأسر، لكن المحكمة تختفي.. أنا في بيت يشبه بيتي.. قصبة الصيد متمددة في البهو.. إنها تتحرك في اتجاهي.. تزحف نحوي تتحول إلى أفعى.. لا أستطيع الفرار.. انفرجت صرخة في أعماقي.. لا فائدة.. الأفعى تحيط بي.. تعصرني.. أكاد أجن من الرعب.. تقابل رأسها مع وجهي.. فتحت فمها المفزع.. يا إلهي ما هذا الذي يحدث؟ أي رعب هذا الذي أعيشه؟ من المستحيل تحمل كل هذا.. إنني أفقد وعيي تدريجيا، قهقهة ترجعني من منتصف الطريق، أنتفض، أستجمع قواي، أحس بلمس ناعم.. أفتح عيني، فإذا هي امرأة بملامح زوجتي تحضنني.. تأملتها جيدا وأنا أرتجف خوفا.. الملامح تتحول من جديد.. أصيح بأعلى صوتي.

من أنت؟

ترد علي بصوت فيه كثير من الغنج:

أما زلت تسألني؟ قلت لك إنني عائشة.

بسرعة قلت:

عائشة من؟ "عايشة قنديشة" أليس كذلك؟

حين واجهتها بهذا الكلام ابتسمت بخبث، ثم انسلت من أحضاني، تقهقرت إلى الخلف، حلقت من جديد في أجواء البيت.. المرايا تظهر مرة أخرى.. صورة المرأة تنعكس عليها جميعها.. تذكرت حينئذ ابني.. زوجتي. الصيد.. القصبة التي تحولت إلى أفعى.. المقهى.. الممرض.. نعم الممرض.. لماذا تحاصرني صورته.. أحداث من الماضي السحيق تتقافز دون انتظام في ذهني.. الناس الذين أعرفهم يتطايرون حولي.. كلهم يمتلكون أجنحة.. لا يهتمون بوجودي .. كأنهم لا يرونني.. منشغلون إلى أبعد الحدود بالطيران .. إلى أين هم ذاهبون؟ .. وأنا من ينقذني من هذا الأسر؟ ألا يكون هذا حلما؟ .. المرأة تخرجني من شرودي قائلة:

اعلم أنه لا سبيل للانفلات مني.. عليك أن تستسلم.. لن يفيدك عنادك في شيء.. لا تضطرني إلى معاملتك بقسوة.. حتى الآن، لازلت آمل أن تتعقل..

تماسكت ثم قلت لها بلهجة مستجدية:

ألا يمكن أن نتفاهم؟

أجابتني بعنف:

لا مجال للتفاهم.. أتريد أن ترى ما سببته لي من ألم.. لقد كسرت رجلي اليسرى، ولن أرضى بغير الزواج منك، وإلا اختطفت ابنك وعقلك.

حاولت استعطافها.. غير أنها ودون تردد رفعت ثوبها الأبيض الناصع وكشفت لي عن قامة قبيحة ذات حافر مشقوق في الوسط.. بدت بشعة، وقد تدلت الساق المكسورة. أثار ذلك التقزز في نفسي، حينها أحسست أنني أتبدد تدريجيا.. أختفي.. أمضي في طريق متمدد مظلم لا نهاية له..