الفصل الثاني

9 0 00

الفصل الثاني

البيت الذي يقيم فيه المعلم سعد مع أسرته الصغيرة، لا يميزه شيء عن باقي البيوت المنتشرة على امتداد القرية.. بيت إسمنتي بنيعلى عجل يفضح ظاهرة البناء العشوائي، التي زحفت في المدة الأخيرة على هذه المنطقة.. اشتراه من أحد الفلاحين الميسورين.. يفصله عن البيت الكبير للفلاح سور لا يصعب تجاوزه.. الجدران الخارجية مطلية بالبياض الذي لا يزال ملعلعا رغم غبش أول الليل.. الباب الحديدي يتوسط الجدار الخارجي للبيت، وعلى جانبيه حوضان غرست فيهما أنواع من النباتات، يمكن بسهولة تمييز رائحة النعنان من بين الروائح المختلطة.. في الجانب الأيسر من البيت انتصبت شجرة سامقة، أضحت بفعل الظلمة الخفيفة كتلة واحدة، لا يمكن تمييز أجزائها.. حين ألقى المعلم سعد بنظره نحوها، بعثت في نفسه إحساسا بعدم الاطمئنان، تجاهلها بسرعة، ثم توجه نحو الباب، أدخل المفتاح في الثقب أداره فتماهى إلى سمعه صرير خفيف، لم يهتم به كثيرا.. أمسك مقبض الباب الحديدي بيده اليسرى، أحس ببرودته تلسع ملمسه، دفعه بكل قوة.. انفتح الباب فواجهه صمت كريه في باحة المنزل..بخطوات مستعجلة تقدم نحو الداخل، نادى زوجته:

عائشة، عائشة، أين أنت؟

بلغ صوته خافت من غرفة النوم، توجه نحو مصدر الصوت، فوجد زوجته ممددة على السرير، وفي حضنها تكور ابنها وقد غط في نوم عميق، فاجأته حالتها فسألها:

ماذا بك؟ لماذا أنت نائمة؟

بصوت متعب أجابته:

هذا المساء دهمني مغص شديد أسفل البطن .. طعامك في الفرن إذا احتجت شيئا أيقظني.. سأنام قليلا، ربما يختفي الألم.

دلف نحو المطبخ.. الصمت يخيم على البيت، فتح الفرن أخرج صحنا، لاحظ أن الطعام لا يزال دافئا، جلس على الكرسي وأسند مرفقيه على المائدة.. جالت بذهنه هواجس متناقضة.. فكر فيما دار بينه وبين أصدقائه في المقهى من حديث.. تناول الطعام بتؤدة.. تناهى إلى مسمعه صوت قط يموء بشكل رتيب ومقزز.. فتح الثلاجة أخرج قنينة ماء .. سكب الماء مباشرة في جوفه، ارتوى بشكل مبالغ فيه.. لا يستطيع التركيز على شيء محدد.. أفكاره مضطربة تنتهبه، تتقافز الهواجس إلى ذهنه، حزن خفيف ما فتئ يتسرب إلى قلبه.. أكمل طعامه، غادر المطبخ، تقدم نحو قصبة الصيد الممتدة على حاشية البهو.. وبذهن مشوش نظر إليها مليا، مد نحوها أصابعه، داعبها بنوع من التوجس.. كاد يعدل عن فكرة الصيد هذا المساء، لم يفلح في ذلك.. شرع يجمع عدته .. السنانير، الخيوط بأنواعها.. اطمأن على الطعم، الذي انبعثت منه رائحة كريهة.. كل شيء على ما يرام.. ارتدى ملابس دافئة، علمته التجربة أن لا يثق في أحوال الجو، فقد تتغيريسرعة غير متوقعة.. أخذ معه بعض الطعام والماء.. حمل القصبة على كتفه وتوجه نحو دراجته النارية، وقبل أن يغادر البيت أوقفته زوجته ومعالم الشحوب بادية على وجهها، استفسرته قائلة:

إلى أين إن شاء الله؟

أجابها بكلمات مقتضبة:

إلى الصيد طبعا..إلى أين يمكنني أن أذهب؟

وبلهجة مستعطفة أردفت:

ألا يمكن أن تؤجل ذلك اليوم؟

أجابها مستغربا:

ولكن لماذا؟

قالت بصوت أرادته مؤثرا:

ألا ترى؟ أنا مريضة.. أخاف أن تسوء حالتي، فلا أجد من يسعفني.

رد عليها بكلمات توخى أن تكون حاسمة:

لا .. لا يمكن.. سوف تتحسنين.. أنت تدرين أنني لم أذهب للصيد منذ مدة طويلة.. والليلة أراها مناسبة.. لا بد أن أذهب.. لا تخافي، لن أتأخر كثيرا.

لمست إصراره على الذهاب فازدادت حدة لهجتها:

وماذا تستفيد من هذا الهم؟ .. الصيد.. الصيد.. لن ترتاح منه حتى تصاب بمكروه.. الصيد في الليل مخيف، ألا يكفيك النهار.. إن كنت لا تخاف على نفسك، خف، على الأقل، من أجل ابنك.. أم أنك لا تفكر إلا في نفسك.

بدا له من العبث الاستمرار في هذا الحديث، أمسك دراجته بكلتا يديه بعد أن أخرج القصبة وأسندها على الحائط الخارجي.. أدار المحرك، أغلق باب البيت، ركب الدراجة، أسند القصبة على كتفه الأيسر، وعلق القفة على مقود الدراجة.. ومضى في طريقه..

كان الظلام قد دثر القرية بردائه الأسود، فالقمر قد منعته السحب من نشر ضيائه.. تمدد أمامه ضوء مصباح الدراجة بلونه الأصفر يكشف له الطريق الترابي.. الأحجار متناثرة على امتداده، وفي جنباته أشجار لا يمكن تبينها إلا بعد مشقة.. بعد لحظات بلغ الإسفلت، لاحظ سيارة تتقدم أضواؤها القوية بسرعة، توقف حتى مرت ثم عبره مسرعا، ليغوص في طريق آخر.. فتتكاثف المزروعات على جنباته .. إنها حقول القمح التي تطاولت سيقانه، لكنه في لحظته هذه لا يرى منها غير كتلة من السواد، أحس أنه لا يستطيع طرد الهواجس التي هيمنت على تفكيره.. تمنى من كل قلبه لو أن السحب تتبدد، لعل ذلك يفسح المجال للقمر، كي يتوسط كبد السماء، ويقهر الظلمة التي أرخت سدولها على المكان من حوله.. جال في خاطره أن ذلك كفيل بأن يزيح الهم عن صدره.. لكن لماذا يفكر، باستمرار، في الحديث الذي دار بينه وبني أصدقائه في المقهى؟.. "كل ذلك مجرد خرافات" كرر هذا القول مرات متعددة بينه وبين نفسه، ومع ذلك لم يقو على الكف عن التداعي مع هواجسه.. كلما تقدم في طريقه، امتلأت رئتاه برطوبة منعشة.. أنفاس البحر تستقبله بأحضانها اللطيفة، فكرأنه بعد قليل سيكون قي مقابلة الزرقة الممتدة، وسيعيش اللحظة الجميلة بكل كيانه، سيعد كل شيء بإتقان، كما يستحق أن يكون.. "أف لهذه الأفكار التافهة التي تخنقني .. ما معنى هذا؟.. أليس كل ذلك وهما لا يستحق مجرد أن أفكر فيه؟".

اشتاقت نفسه إلى الرمال الباردة، سيتطلع إلى الصخور الناتئة، ويكحل عينيه بسوادها الشديد البهاء.. سيرمي سنارته في أحضان المارد، تتلقفها الأعماق بحنان ولطف.. ينتظر بشغف، كل نأمة أو هزة تحرك عواطفه .. حينها سيتخلص من كل الهواجس التي لا معنى لها.. سيترقب بصبر وأناة أن تعلق السمكة بسنارته.. "لا يقوى على الصبر إلا الجبابرة" ترددت هذه الكلمات في أعماقه، أعجبته صياغتها.. افترت شفتاه عن ابتسامة الرضا عن النفس.. صوت الدراجة يمزق الصمت مترامي الأطراف.. حقول القمح تغدو شيئا فشيئا أكثر سوادا .. يحس ببعض التصلب في كتفيه الذي تستند عليه القصبة، سيهرع إليها، يمسكها بطريقة محترفة.. لابد من رجة قوية، ثم يخفف "اللين لا بد منه .. "إذا كنت صلبا ستتكسر" ثم يمسك الجرارة، يجمع الخيط بأناة وثقة يحرك القصبة يمينا ويسارا، ييتقدم إلى الأمام بعض الخطوات ثم يتقهقر إلى الخلف.. كل شيء لابد أن يكون مضبوطا .. وحين تلوح من الماء، لابد أن يعاملها بلطف، دون تسرع.. سيمتع النظر بها وهي تضطرب في الماء، تتلوى، سينعكس على قشرتها ضياء القمر "سأستعمل شبكتي في الإمساك بها" صوت الدراجة يرتفع في الفضاء.. يحاول تجنب الأحجار المتراكمة، تناهى إليه نباح كلاب ما لبث أن علا بإصرار أربكه.. أحس بأن شجاعته تخونه.. لكنه قهر اضطرابه في المهد.. ندم للحظة لأنه لم يستجب لتوسلات زوجته "ماذا كان سيحدث لو أجلت الصيد إلى يوم آخر؟ "إحساس بالذنب تسرب إلى ذهنه، بعد هنيهة أضحى شوكة تنغرز في مكان من قلبه.. "أنا دائما متصلب في آرائي، لا أتنازل قيد أنملة " حاول أن يكفر عن ذنبه بمثل هذا الكلام القاسي الذي وجهه لنفسه.. الإحساس بأنه مخطئ أصبح أكثر قوة من أي وقت آخر.. تخيلها مسجاة على السرير تئن من المرض.. الشوكة تنغرز أكثر في قلبه "ما ذنبها؟" لماذا أسبب لها الألم؟" تساءل في أعماقه.. هل يعود من حيث أتى؟ لا يستطيع التفكير في ذلك الآن بعد أن قطع كل هذه المسافة.. حين يعود إلى البيت سيعتذر لها.. وربما لن يذهب إلى الصيد مستقبلا إلا بعد موافقها.. تمددت في ذهنه صورة الطفل وهو ينام في حضنها، ترى ماذا يحدث له لو أصيب بمكروه.. التفكير في هذا الأمر ضاعف من الهم في قلبه.. و"عايشة قنديشة" هل حقا خرافة؟" ماذا سيكون مصيره لو انبثقت له من العدم.. اضطربت ابتسامة زئبقية على شفتيه، محاولا من خلالها تبديد هواجسه.. حاول أن يتخيل صورتها.. رأى أن ذلك لا يليق به.. لا مجال للإيمان بالخرافات.. كل شيء سيمر على ما يرام.. تحققت فجأة إحدى أمنياته.. القمر أطل من بين السحب بوجهه المستدير، فكشف العالم من حوله.. انفرجت أساريره بعض الشيء.. رأى ظهوره البهي فألا حسنا.. فليؤجل التفكير في كل شيء، فقط، وبصفة مستمرة يمكنه التركيز في الصيد.. الليلة مادامت بدأت بهذا الشكل، لابد أن تكون مثمرة.. الصيد، بلا شك سيكون وفيرا.. تذكر –لحظتها- صديقه الجمركي، وفكرأنه يحبه بحق.. بينه وبين نفسه قرر أن يحمل له بعض السمك صباح الغذ.. الحقول أضحت أقل سوادا.. ضياء القمر صنع منها لوحة بديعة .. والسحب ما فتئت تتبدد .. تمضي في اتجاه الشرق.. الرياح الخفيفة المنبعثة من أعماق المحيط تقودها ببطء نحو الآفاق البعيدة.. وبعد قليل ستتزين السماء بعشرات النجوم المتلألئة.. البحر.. القمر.. النجوم.. الرطوبة.. الصيد.. نعم لا يمكن إلا ان تجعل من يتمتع بها سعيدا "لتذهب عايشة قنديشة إلى الجحيم" تردد هذا الكلام في نفسه، اطمأن لذلك.. هذا يعني بالنسبة إليه أنه استطاع أن يخنق هواجسه أن ينتصر عليها.. لا مجال للانقياد وراء الأوهام.. العالم أجمل مما يظن الناس النائمون في أحضان الوهم.. لكن لماذا نباح الكلاب لا يزال يترصده؟.. رغم الأزيز المرتفع للدراجة إلا أنه يستطيع أن يتبين بوضوح أصواتها المتعالية.. على أية حال لم يعد يفصله عن رمال البحر سوى مسافة قصيرة، وهو الآن يتجاوز حقل الذرة، وها هو يتاخم رمال الشاطئ ... سويقات الذرة بدت له من خلال ضوء مصباح الدراجة متراصة في صفوف تكاد تكون متوازية.. طالما ملكت لبه هذه الصفوف البديعة وهو يتوجه نهارا إلى الشاطئ.. خضرتها اليانعة تغري بالارتماء في أحضانها.. يحاول تجنب بعض الحفر التي ظهرت فجأة، ارتجت الدراجة ارتجاجا عنيفا، في تلك الأثناء وبشكل لم يتوقعه انبثقت من وسط نباتات الذرة مجموعة من الكلاب.. نباحها متواصل وشرس.. كاد أحدها أن يعضه في قدمه .. حاول تجنبه، إلا أن الكلاب لاحقته بإصرار لا يلين.. ضاعف من سرعة الدراجة.. اصطدمت العجلة بكتلة من الأحجار.. توقف ذهنه عن التفكير.. كل شيء مر بسرعة فائقة.. ارتجت الدراجة.. فقد توازنه، تهاوى على الأرض بكل كيانه.. ارتمت الدراجة على حاشية الحقل.. اختفت عجلاتها الأمامية بين النباتات.. فيما كان جسده قد تمدد في الجهة المقابلة على بعد خطوات من الدراجة النارية.. اصطدم رأسه بحجارة صلبة كانت إلى جانب الطريق.. الدماء تنزف.. لم يعد يشعر بما يدور حوله.. استسلم لنوم عميق.. عميق جدا.. لاشيء أضحى يربطه بالعالم.. لا شيء البتة.. الكلاب تابعت طريقها تبحث عن لحظات اللذة تحت ستار هذه الليلة المقمرة.. فيما ظل الجسد مسجى يداعبه النسيم الشارد في كل الاتجاهات، غير عابئ بما يحدث في هذا العالم، مواصلا بإصرار مطاردة السحب المذعورة نحو أفق، لا تكاد تعلم عنه شيئا، فاسحة المجال للقمر بوجهه الأصفر الشاحب ليتربع على عرش العالم، بحياد مقرف، وبلادة تفوق التصور.