الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

حين مزقت أولى صيحات الديكة رداء السكون المترامي على امتداد القرية، معلنا عن قدوم أول خيوط النور الرفيعة، تقلب المعطي في فراشه، يطرد بقايا النوم الجاثمة على كيانه.. أزاح الغطاء عن وجهه، فأحس، بغريزته أن الوقت قد حان ليغادر غرفته البسيطة، التي تجاور الإسطبل، كي يستعد لإخراج القطيع إلى الحقول.

المعطي شاب ضئيل البنية داكن السمرة، هاجر من موطنه الأصلي بنواحي قلعة السراغنة، تنقل في قرى عدة بحثا عن لقمة العيش، مستعدا للقيام بأي شيء وبأي ثمن.. انتهى به المطاف عند الفلاح الميسور الذي يستأجر المعلم سعد أحد بيوته .. كلفه بالرعي.. والقيام بكل ما يحتاجه البيت الكبير من أشغال، مقابل غرفة قذرة ولقمة عيش ودريهمات يمنحها له آخر كل عام، عند الحصاد..

تناول المعطي الفطور مستعجلا: كأس شاي وكسرة خبز يابس.. دلف نحو الإسطبل.. ثغاء الأغنام يتعالى، وكأنه يستعجله للذهاب إلى الحقول.. فتح الباب الخشبي الكبير.. لفت ثلاثة كلاب من حوله. لا تتوقف عن الحركة.. نباحها طرد من عينيه بقايا النوم.. خرجت المواشي، الأغنام في المقدمة، تتبعها الأبقار بأجسادها الضخمة.. انتظم الجميع على امتداد المسلك الترابي.. الكلاب لا تمل من الدوران حول القطيع.. المعطي في الخلف، يحمل عصاه، وجلبابه على كفته الأيسر، يصدر بين الفينة والأخرى صفيرا يذكر القطيع بوجوده..

حين بلغت المواشي الطريق الإسفلتي، أسرع المعطي الخطو ليتقدمها.. حين اطمأن إلى خلو الإسفلت من السيارات، هش على مقدمة القطيع لعبوره.. تتابعت المواشي في اتجاه الحقول المترامية الأطراف.. الضياء هجم على الكون فجأة، فطرد إلى غير رجعة آخر جحافل الظلمة.. المعطي يترنم بأغنية حملها معه من موطنه الأصلي.. قرص الشمس يطل بوجهه البرتقالي الكبير من جهة الشرق.. من بعيد تلوح زرقة البحر تعانق بانتشاء زرقة السماء.. النسيم البارد يهب في لطف، يداعب وجه المعطي برقة.. أيقظ الصبح بأنفاسه المنعشة في وجدننه حنينا دفينا لقريته البعيدة، التي أجبرته لقمة العيش على مغادرتها، فتوالي سنوات الجفاف لم يترك له أية فرصة للإقامة فيها.. صدرت عنه زفرة .. تجاهل كل ذلك وانخرط في مداعبة أنغام جديدة، رددها بعشق، فكر في دواخله بأنه على الأقل في هذه القرية ينعم بمكان يضم جسده آخر كل نهار، ويفوز بلقمة يسد بها رمقه.. إنه لا يطمع في أكثر من ذلك.. جالت بغتة بذهنه فكرة الزواج، فطردها.. رأى أنه لا يحق له أن يفكر في ذلك.. ربما يستطيع حين يعود إلى قريته في يوم من الأيام.. نباح الكلاب المفاجئ أخرجه من شروده.. حاول أن يتجاهله، إلا أن النباح ما فتئ يتعالى أكثر حدة.. توجه نحو الكلاب، وهو يتساءل في نفسه عن سبب هيجانها.. لابد من مبرر لسورة النباح التي انخرطت فيها دون سابق إنذار.. تقدم بخطوات مستفسرة.. قطرات الندى جعلت التربة أكثر سوادا.. لا يزال بعضها يلمع على ذوائب النباتات القصيرة المحادية للمسلك الترابي.. النباح لا يتوقف، نباح غريب، أقرب إلى النحيب.. تساءل في أعماقه "ترى ماذا حدث"؟.. أشرف على المكان فأفزعه الجسد المسجى على التراب.. دقات قلبه تضاعفت.. هل يكون قتيلا ما؟ لاحول ولا قوة إلا بالله" تقدم بوجل.. حين اقترب أكثر تراءت له الدراجة النارية بالقرب من الجسد.. تأكد أن الأمر يتعلق بحادثة .. اطمأن قلبه إلى استنتاجه "الدراجة أعرف صاحبها.. والقصبة، نعم القصبة .. إنه الأستاذ، نعم الأستاذ وليس غيره.. هذه ملابسه عندما يذهب للصيد "عقدت الدهشة لسانه، رمى العصا، وركض في اتجاه القرية.. صراخه لا يتوقف "عتقوا الروح أعباد الله.. عتقوا الروح !".. انبته بعض البدو، الذين يشتغلون بأحد الحقول المجاورة لصوته، فهبوا إليه جميعا فزعين، سأله أحدهم:

ماذا جرى.. ما بك أ المعطي؟

استجمع أنفاسه وبصوت متقطع قال:

الأستاذ.. الأستاذ.. مرمي في الخلاء.. ربما يكون قد مات، يجب إنقاذه قبل فوات الأوان.

لم تنتظر فتاة تشتغل في الحقل لتسمع أكثر، ركضت في اتجاه بيت المعلم، فيما مضى المعطي مسرعا في اتجاه مقهى القرية حيث يوجد الهاتف.. أما باقي الرجال والنساء، فهرولوا نحو المعلم.. وبعد قليل لاحت زوجة المعلم قادمة صحبة الفتاة، وهي تتعثر في ركضها، يبدو من خلال ملابسها المهملة أنها فقدت التركيز على ما حولها.. وصل المعطي إلى المقهى فوجد مشغله يجلس صحبة بعض أعيان القرية حول المنضدة، يرتدي جلبابا نظيفا، يحتسي الشاي بتلذذ.. الجميع منخرطون في سورة من الضحك.. توقف العربي بجانب مشغله، ثم قال بحروف متقطعة:

"آسي العياشي.. المعلم ..مصيبة.. مرمي في الطريق.. بركة من الدماء بجانبه، يمكن أن يكون قد مات".

هب الجميع منتفضين.. توجه العياشي داخل المقهى التي هي في ملكه.. أمسك الهاتف وسط ذهول الحاضرين.. ركب رقم الإسعاف، ثم اتصل بالدرك.. وبعد ذلك تراكض الرجال نحو المعلم.. ولم يمر كثير من الوقت حتى كان أكثر سكان القرية يتحلقون حول الجسد.. الزوجة تلوح بجانبه.. لا يزال المعلم فاقدا الوعي.. الدماء تجمد أكثرها بجانبه.. في تلك الأثناء وصل الممرض.. دنا من الجسد.. جس نبضه، ثم قال بصوت تعمد أن يسمعه الجميع:

إنه لا يزال حيا، لكن يجب إنقاذه قبل فوات الأوان، لقد فقد كمية كبيرة من الدم.

ما كاد الممرض يتم كلامه حتى اخترق إمام المسجد جموع الحاضرين يتعثر في جلبابه، تتضح سيماء الوقار من سحنته.. تقدم نحو جسد المعلم أمسك بيده اليمنى ووضع يده على الجانب الأيسر من صدره، ثم شرع يتمتم ببعض الآيات من القرآن الكريم..

في تلك الأثناء تقدمت الشابة التي أخبرت زوجة المعلم بالحادثة، تحمل في يدها حبة بصل، ناولتها للممرض الذي أخرج سكيا من جيبه، شطر الحبة شطرين متساويين.. قرب نصفها من أنف المعلم، فصدرت عنه أنة خفيفة، توترت لها أعصاب الزوجة، ثم ترددت على شفتيه كلمات استطاعت أن تميز منها كلمة "عايشة" حركت الكلمة في أعماقها فرحا خفيا.. قالت في نفسها "مسكين.. لم ينسني حتى في حالته هذه ".. طفر الدمع من عينيها، انتبهت الشابة إلى حالتها ففاهت بكلمات تحاول تشجيعها وحضها على التماسك .. لم يقل أكثر من ذلك.. استجابته لرائحة البصل فترت.. التفت الممرض إلى الجميع ثم قال بصوت قوي:

الرجل يحتضر، يجب إنقاذه، لقد تأخرت سيارة الإسعاف.

تساءل أحد الحاضرين باستنكار:

وأين إسعاف البلدية؟

أجاب آخر متهكما:

كالعادة، أعطابها لا تنتهي.

لحظتها لاحت، من بعيد، سيارة الدرك بلونها الرمادي ومصباحها الأزرق في الأعلى.. تراجع الحاضرون إلى الخلف فاسحين لها المجال.. الغبار كون سحابة تتعلق بعجلتيها الخلفيتين.. ارتكنت السيارة جانب الطريق.. ترجل دركيان بطريقة استعراضية، توجه أحدهما نحو المصاب، فيما خطا الثاني نحو الحاضرين، شرع ينهرهم، ويأمرهم بلهجة عنيفة، بالانصراف.. تراجع الناس بعض الشيء، لكن ما أن توجه الدركي ليلتحق بزميله، حتى عادوا إلى أماكنهم الأولى..

تقدم صاحب المقهى نحو الدركيين، حياهما بطريقة توحي بعلاقة متينة بهما سأله الدركي:

تعرف المصاب؟

أجاب بكلمات واثقة:

إنه معلم بمدرسة القرية، ويسكن عندي أقصد أكري له بيتا.

استفسره ثانية:

هل يوجد أحد من أقاربه؟

رد:

نعم هذه المرأة زوجته، وأشار بإصبعه إليها.. نادى الدركي المرأة، دنت منه فسألها:

هل لديك بطاقته الوطنية.

أجابت المرأة: لا.

ثم سرعان ما استدركت:

إنها ربما في جيبه.. ولكن يجب إنقاذه أولا.. سيموت الرجل.

نهرها الدركي قائلا:

هل تريدين أن تعلمينا ما يجب أن نقوم به.. وبلهجة آمرة: حاولي إخراج البطاقة من جيبه.

تقهقرت المرأة في صمت.. الدمع لا يكف عن الانهمار من عينيها.. فتشت جيب سترة زوجها.. أخرجت محفظته الجلدية، استلت منها البطاقة أسرعت نحو الدركي.. تدخل الممرض وكأنه يوجد كلامه للدركي:

الرجل في حالة خطرة، يجب إنقاذه أولا.

التفت نحو الدركي وبلهجة عنيفة سأله:

من أنت؟ ألا تعلم أنه يمنع الاقتراب من المصاب؟

أجاب الممرض بثقة:

أنا ممرض، وأعرف كيف أتعامل معه، من واجبي إسعاف شخص في حالة خطر.

لم ترق الدركي هذه الإجابة، أحس أن فيها شيئا من التطاول على شخصه، طلب منه إخراج بطاقته.. تردد الممرض ثم أجاب:

لم أحملها معي.. الخبر أذهلني، فلم أفكر في البطاقة.

حدجه الدركي بنظرة متعالية، ثم أخرج من محفظته السوداء بعض الأوراق وأخذ يسجل بعض المعلومات.. نادى زوجة المعلم والفلاح صاحب المقهى، أسر لهما بصوت خافت:

لا أخفيكما، هناك مشكلة.. الطريق غير معبدة، فالتأمين لا يشملها.

قاطعته المرأة:

المهم يجب إنقاذه، أرجوك اتصل بإحدى سيارات الإسعاف.. الرجل سيموت.

وجه الدركي كلامه هذه المرة إلى الفلاح:

ألم يتصل أحد بعد بسيارة الإسعاف؟

أجابه:

-بلى لقد فعلت، ولكن لم تصل بعد.. ربما وجب إعادة الاتصال.

تدخل حينئذ الممرض مخاطبا الفلاح:

ألا يمكن أن تحمله في سيارتك.. سيموت حتما قبل وصول سيارة الإسعاف.

التفت الفلاح نحو الدركي مستفسرا:

ما رأيك؟ هل أنقله في سيارتي إلى المستشفى؟

أجاب الدركي برد حازم:

القانون يمنع ذلك.. وماذا لو مات في السيارة؟

تبادل الفلاح والزوجة نظرة فيها كثير من الأسف والحسرة.. عادت الزوجة نحو الجسد المطروح على الأرض، رمقته بنظرة حزينة، تطفح بالعجز وضعف الحيلة. الشمس كانت- لحظتها- ترسل أشعة ما فتئت حرارتها تشتد.. اتجه الدركي مرة أخرى نحو المتحلقين.. جلدهم بعينين شرستين، فتقهقر أكثرهم إلى الوراء.

الصوت القادم من بعيد أحيا بعض الأمل في النفوس.. إنها سيارة الإسعاف يسبقها زعيقها الرتيب، تطلع الجميع نحو مصدر الصوت، فيما ركض الأطفال نحو الإسفلت يحاول كل منهم أن يكون أول من تقع عيناه عليها.. وفجأة لاحت بلونها الأصفر، وأضوائها المتراقصة، انعطفت نحو اليسار، غاصت في الطريق المترب، تعلقت بها الأبصار في لهفة، توقفت قرب الجسد.. وبسرعة خاطفة نزل رجلان يرتديان ملابس الخدمة الطبية يحملان نقالة، ومن مقدمة السيارة نزل رجل، يبدو أنه أعلى رتبة من الباقين، تقدم نحو الدركيين، حياهما ثم انخرط معهما في حديث سري، لا يستتطيع أحد الاطلاع عليه..

حمل الرجلان الجسد، ووضعاه على النقالة ثم خفا به نحو السيارة، سأل أحدهم بصوت مرتفع:

هل يوجد أحد من أقاربه؟

هرولت الزوجة:

- أنا زوجته يا سيدي.

أردف الرجل متسائلا:

في ماذا يشتغل؟

أجابت المرأة:

إنه معلمفي القرية.

سألها:

هل لديك بطاقته الوطنية؟

أجابت:

نعم .. إنها لدى الدركي.

أسرعت المرأة نحو الدركي، طلبت منه البطاقة، ثم توجهت نحو سيارة الإسعاف.. صعدت عبر السلم المثبت خلف السيارة.. وقبل أن تنطلق الإسعاف نادت إحدى فتيات القرية، ناولتها مفتاح البيت ثم قالت لها بلهجة متوسلة:

اعتني بالطفل رجاء.. إنه نائم.. دفئي الحليب قبل تقدميه له .. سأعتمد عليك.

أجابت الفتاة:

لا تقلقي على الطفل.. سأهتم به، وكأنك موجودة في البيت.

انغلق باب السيارة، وانطلقت تطوي المسافات، وهي لا تكف عن الزعييق مخلفة وراءها القرية تتخبط في حيرتها، بعد أن شاع الخبر في كل أرجائها.. المسافة التي تفصل القرية عن مدينة الدار البيضاء، بدت لها طويلة، أطول من أي وقت مضى.. جسد زوجها المتمدد في جوف السيارة.. حبال التنفس المتشابكة، ترتبط بقنينة الأوكسجين.. قناع التنفس على وجهه.. الطريق التي تبدو من خلال الزجاج الخلفي، متمددة، سوداء، كثعبان لا نهاية له.. الخوف الذي يكبس على أنفاسها.. ماذا ستفعل لو مات زوجها؟ استرجعت في تلك اللحظة الحديث الذي دار بينهما ليلة أمس.. إصراره على الذهاب إلى الصيد.. تحذيرها له. إحساسها الغريزي الدفين بأن شيئا ما سيقع.. طفلها الذي تركته لوحده.. هل ستستطيع الفتاة أن ترعاه جيدا؟

أشرفت السيارة على مدينة الدار البيضاء، تباطأت سرعتها بعض الشيء.. توجه أحد الرجلين إليها بالكلام:

هل ترغبين في نقله إلى مكان محدد؟

أجابت:

لن أنقله إلى المستشفى العمومي.

أردف الرجل موضحا:

إذا كانت له تغطية صحية، فمن الأفضل نقله إلى مصحة الضمان الاجتماعي.

أجابت المرأة:

نعم إنه مشترك في التعاضدية.

حينها قال الرجل:

حسنا، لكن تذكري أنه عليك دفع ثمن النقل في سيارة الإسعاف.

سألته باندهاش:

أليست السيارة تابعة للدولة؟

أجاب:

نعم.. ومع ذلك عليك الدفع.

استدركت المرأة، ولكنني لا أحمل نقودا كافية.

رد عليها:

في هذه الحالة سنحتفظ ببطاقتك الوطنية إلى أن تدفعي ثمن النقل.

احتارت المرأة في الأمر ثم استدركت:

أليس هناك من حل آخر؟

أجابها وابتسامة خبيثة ترتجف على فمه:

طبعا هناك حل أفضل.. فقط لا تطلبي وصلا لما ستدفعينه.

اخترقت السيارة شوارع المدينة.. الطريق مزدحمة بالسيارات من كل الأنواع، زعيقها لا يتوقف.. بعض السيارات يخلي لها الطريق.. وصلت إلى إحدى مصحات الضمان الاجتماعي.. فتح أحد الحراس الباب الحديدي، دخلت ساحة كبيرة، ثم ما فتئت أن انزلقت نحو سرداب.. سرعان ما تحلق الممرضون حولها.. انفتح باب السيارة، أخرج الرجل محمولا على النقال.. توجه أحد الممرضين إلى المرأة بالكلام:

اذهبي نحو الاستقبالات وسجليه هناك.

خفت المرأة نحو الباب الرئيس، في حالة بائسة تقدمت نحو المرأة التي تعتمر لباسا أبيض، وهناك قدمت لها جميع المعلومات عن زوجها.. بعد الانتهاء من التسجيل، دلفت نحو الطبيب الرئيس، رجته أن يسمح لها برؤية زوجها.. إلا أنه منعها بلهجة لطيفة قائلا:

لا يمكن إنه في قاعة الإنعاش.. عندما يتم إخراجه منها يمكنك ذلك.

استجابت المرأة لكلامه.. سألته إن كان يمكن أن تنتظر فأجابها بشكل حاسم:

لا .. من الأفضل أن تعودي إلى بيتك، وفي الغد تحضرين، وتحملين معك بطاقة انخراطه في التعاضدية.. لا فائدة من وجودك اللحظة.

ترددت المرأة في تصديق كلامه، نكصت إلى الوراء، تذكرت أنها لا تدري ما إذا كانت الفتاة ستهتم بشكل جيد بالطفل.. اغرورقت عيناها بالدموع، قالت بصوت خافت "يا ربي.. أين كان كل هذا؟.. هل اقترفت ذنبا أستحق عليه كل هذا العقاب؟"

فكرت أنه لابد من إخبار أهلها كي يسندوها في محنتها.. أخرجها صوت الممرضة من شرودها:

عليك أن تحضري له بعض الملابس الخاصة، سيحتاج منامة، وبعض الأشياء الخاصة.. من الأفضل أن تذهبي الآن، ولا تنسي إحضار بطاقته التعاضدية.

غادرت المرأة المصحة تاركة خلفها الجسد المنهك.. تقافزت الهواجس إلى وجدانها.. ورغم الألم الذي يعتصر قلبها، تسللت خفية ابتسامة إلى شفتيها، خفرة، تشي بفرح ما، فجرته الكلمات التي همهم بها زوجها وهو فاقد الوعي. كان ينبس باسمها، لم يتفوه بغيره.. مرت بذهنها عنذئد حياتها كشريط سريع.. رأت نفسها وهي تجلس بجانب زوجها، في عرس بهيج، يتوسطان الحفل.. الفرحة- لحظتها- لم تسعها. كادت تنبت لها أجنحة وتحلق في الأجواء. العيون المتعلقة بهما تؤجج النشوة في أعماقها.. عاشت اللحظة بكل افتنان وهي تنوس بين الريبة واليقين.. حملها يتحقق أخيرا.. عاهدها على أن يظل لها وحدها، لا يمكن أن يفكر في غيرها. لم تكد تستتفيق من نشوة الفرح بالزفاف، حتى طالت أحشاءها تغيرات عميقة، شيء ما أخذ ينمو في داخلها، فكانت فرحته بالخبر حين زفته له لا توصف.. العالم كله غدا ملكها، إنهما أسعد زوجين على وجه الأرض.. كل شيء يتطور بشكل جيد، ولولا دودة الصيد التي تنغل في مكان ما من قلبه لما كان هناك ما يعكر صفوهما.. "لا شيء يتحقق على الوجه الأكمل" قالت في أعماقها، لكن لا بأس فليصد كما يشاء.. المهم أن يتجاوز هذه المحنة.. لا يمكن أن يضيع كل شيء في لحظة واحدة، ليس عدلا أن يحدث ذلك".. شعور عميق يخبرها أن كل شيء سيمر بخير.. تعلمت دائما أن الحياة لا تستقيم دون صعوبات، لابد من الصبر.. الأمور ستتحسن بعد ذلك.. وصلت المحطة الاكتظاظ على أشده.. استقلت الحافلة، ذهنها يترنح في شروده .. الاختناق يخيم على الركاب بفعل الحرارة.. انزوت في ركن ما.. الحادث يجثم على صدرها بكل ثقله.. الطريق يشعرها بقسوة الحياة.. استدركت.. أقنعت نفسها بأن تكون قوية، فكل شيء سيمر بسلام.