(1)
حطت الطائرة بمطار ايمدغاسن المسمى مصطفى بن بولعيد بباتنة. هذه كانت المرة الأولى التي أرى فيها هذا المكان. و بعد كل الوقت الذي قضيته بعيدا شعرت بالألفة و شعرت لأول مرة منذ وقت أني أنتمي لمكان ما و لزمن ما. كم كان الناس كثرا، النازلون من الطائرات، المسافرون و أكثر منهم المستقبلون. لم اعد أسمع الفرنسية كثيرا فالعربية و حتى الشاوية حلت محلها. وقفت أتأمل المكان، لا أعرف إن كنت أحاول التعرف عليه أم أني أبحث بداخلي عن روحي التائهة بأرضها. لمحت فتاة في الثالثة من عمرها، جالسة بكرسي على نفس موقفي، تتأمل و تتعرف. اكتشفت مراقبتي لها فابتسمت في وجهي بخجل و دون أن أعي ما أفعل اتجهت نحوها كما لو أنها مستقبلتي بهذا المطار، جلست بالقرب منها. وضعت قبلة صغيرة على جبينهاو سألتها" أين الماما؟"
" هي لم تعد تسكن معنا.لقد رحلت "
" وماذا عن البابا؟"
" هو هناك، يوصل عمتي"
" ما اسمك يا حلوة؟"
" ياسمين..."
إنها تحمل نفس اسمي. صدفة غريبة جعلتني أغوص في الماضي الذي لم يبق منه غير الصور و الذكريات العالقة بأرواحنا. تأملت الفتاة البريئة و هي لا تزال على حالها تراقب المارة بفضول. رأيت نفسي فيها، رأيت البراءة و العفوية التي كانتا بداخلي واستحالتا اليوم إلى عقد. أنا لم اعد أنا، انتهى كل ما كان بداخلي، انتهت المسلمات و ما عادت إلا تفاهات، الحقائق لم تعد حقائقا. لم تعد الأسئلة بجواب واحد، واضح، صارت ألف احتمال و احتمال لها نفس القوة و الدقة. كنت أعتقد أني اعرف كل شيء أما اليوم فما عدت متأكدة من شيء.عادت بي الذاكرة إلى سنوات الدراسة الأساسية الأولى، وقتها كل ما كنا نعرفه عن السياسة أن عدونا واحد هو فرنسا، تربينا على هذه الحقيقة منذ نعومة أظفارنا. لكن فجأة ظهر أمامنا عدو جديد اسمه بوش و أمريكا.طبعا فقد اندلعت حرب الخليج الثانية فاخذ كل موقعه بمناصرة والوقوف مع فريق ما. في الجزائر لم يكن لدينا الخيار فسياستنا كانت واضحة نحن مع العراق وصدام حسين ظالما أو مظلوما.هذا الأخير أصبح بطلنا الجديد وصواريخ سكود هي محور حديث الجميع حتى الصغار منا. قبل هذا لم اهتم بما يبث على شاشة التلفاز غير الرسوم المتحركة أما في تلك الأيام فالتلفزة الوطنية تفتتح في الصباح الباكر على غير العادة وتبث لنا صورا عن الدمار بالعراق. مرت أيام ونحن نستيقظ على وقع أخبار الحرب وبطولات العراقيين، شغلنا الشاغل كان العراق بالبيت كما بالشارع وحتى بأقسـام الدراسة. كنا نتأثر بكل ما يقال ونصدق كل ما يروى من بطولات خرافية. وحتى أننا كنا نتمنى أن نساعد العراقيين، قدمنا التبرعات ودعونا الله أن يمد يد العون للعراقيين وينصرهم على الأمريكيين. لم نقدر على فعل أكثر من ذلك لا بل هناك شيء آخر قمنا به، أذكر أننا دخلنا الأقسام على الساعة الواحدة ظهرا بعدها تبعنا المعلم وأخبرنا أن الفترة المسائية مفتوحة للأشغال اليدوية. دعانا لننجز شيئا نعبر به عن مساندتنا للعراقييـن. البعض حاول رسم صورة لصدام حسين والبعض بدأ بصنع صواريخ سكـود مـن الورق المقوى، أما أنا ففكرت في إنجاز شيء مختلف ومميز في تلك الأثناء طلبت مني سمية أن ننجز عملا ثنائيا وافقت دون تـردد بشرط أن ننفذ فكرتي.
لقد قمنا برسم علم أمريكي، استغرب الجميع ما فعلناه فالبعض كان يرى أنه من الأجدر أن نرسم علما عراقيا، والبعض بدأ يدقق في العلم الأمريكي ويحسب عدد النجوم المرسومة، وجد أنه تنقص العلم نجمتان فعددها يمثل عدد الولايات الأمريكية وآخر قبـل أن يعد عدد الخطوط الحمراء نبهنا أنه يجب أن تكون ثلاثة عشر خطا. لم يستطع هذا الأخير الرد على سؤال أحدهم, لماذا ثلاثـة عشر خطا؟
مع كل هذه المناقشات والتدخلات كنت أشعر أن الفضول يكبر شيئا فشيئا، حتى لدى سمية. مالداعي لأرسـم علمـا أمريكيا؟ أحدهم تجرأ وقال هذه خيانة فأنتما تحبان أمريكا، كم أغاضتي هذه الملاحظة وجعلتني أصرخ في وجهه: وما دخلك بي؟ نعم فأنا أحب أمريكا وفرنسا وأكره العراق والجزائر، مالذي ستفعله؟ بدأ الكل يتهامس، فما قلته للتو خطير ومثير لكن لم يجـرأ أحد منهم على التفوه بكلمة. أحسست بسمية الجالسة بجانبي مشدوهة، تريد أن تقول شيئا ولا تستطيع، ترمقني بنظرات مريبـة كنت أشعر بها ولا أستطيع أن أبرر شيئا لأن أي تبرير سيجعلني الخاسرة في تلك الحرب الكلامية. مرت دقائق ولم أحتمل خصوصا نظرات سمية وربما خفت أن تتراجع عن العمل معي فاقتربت منها وقلت أني سأخبرها عندما نخرج لماذا رسمت هذا العلم الأمريكي. شعرت بالرضا كما أحسست بسمية راضية أيضا رغم أني لم أبرر شيئا بعد.
انتهت الحصة وخرجنا من الأقسام. لحقت بي سمية وانفردنا في زاوية من زوايا الفناء و قلت: "ستأتين معي للبيت لنحـرق هذا العلم فهذا ما يفعله المتظاهرون لكي يهزموا أمريكا." كنت مؤمنة بأن حرق العلم هو هزيمة جديدة لأمريكا. أعجبت سميـة بالفكرة بل وتحمست أكثر مني أو هكذا بدت لي. رافقتني للبيت أخرجت علبة ثقاب وأحرقنا ذلك العلم، تملكني إحسـاس جميل و أنا أقوم بذلـك وفي تلك الأثناء سألتني سمية: هل حقا تحبين فرنسا وأمريكا وتكرهين الجزائر والعراق؟ أجبت: طبعا لا، فانا قلت ذلك لأني أكـره سمير فهو يحب مضايقتي كثيرا. وقتها اعتقدت أنها صدقتني لكني لاحقا اكتشفت أنها كانت مجرد متملقة فهي بقيت لسنوات تخـبر الجميع باني أحب أمريكا وفرنسا.
انتهت حرب الخليج وهزمت أمريكا على الأقل بالنسبة لي.....