- 1 -

11 0 00

- 1 -

كانت الشمس تميل إلى الغروب حينما كانت الأمور تتطور نحو الأسوأ باستمرار بين الفتيان الثلاثة: بورجيه من جهة. وتوتمان وبريجان من جهة أخرى. وكانت سامورا تقف إلى جانب أخيها ضد منافسيه.. وأخيراً حدث ما خشيت منه. اختطف أخوها الكرة، وطعنها بسكين كانت معه، بعد أن أدخلها توتمان في شباكه، فربح إصابة ضده. هجم توتمان وبريجان عليه، لكنه أشهر سكينه وراح يتراجع إلى الخلف، بينما كان وجه سامورا يشتعل بالخوف عليه. أسرع بيرجان إلى حجر يريد أن يرميه به. وقفت سامورا في وجهه لتمنعه، ولكنه تخلص منها، وركض إلى الخلف قليلاً ورمى بورجيه بالحجر. كان بورجيه قد سلم ساقيه للريح فاراً، تاركاً أخته سامورا تعالج الأمر مع خصميه.

حاول توتمان أن يلحق ببورجيه، بينما أسرع بيرجان إلى سامورا. صاحت به: انتبه يا بيرجان، لست أنا خصمك، إنه أخي بورجيه. لكنه لم يلتفت إليها، أمسكها من كتفها، ورماها إلى الأرض وهو يصرخ: سأمزق ثيابك كما مزق أخوك بروجيه كرتي. وقفت بسرعة، وراحت تدافع عن نفسها. لكن توتمان – الذي رجع بعد أن يئس من اللحاق بأخيها بروجيه – أمسكها من الخلف، ثم رمى بها إلى الأرض. بينما كان بيرجان يشد ثوبها ليمزقه.

اشتعلت بالغضب، وقفت وراحت تهجم عليهما كاللبؤة. إن ثوبها لا زال جديداً، وأبوها لم يشتره لها إلا بعد سنة من الرجاء.

كان أخوها بورجيه ينظر من بعيد. كانت تناديه ليساعدها، لكن الجبان لم يلتفت إلى نداءاتها. تركها مع خصميه، فيئست من أن يساعدها، فزادت ضراوتها. ألقت ببيرجان إلى الأرض، وكادت تسحق عظامه. لكن توتمان دفعها عنه، وهرب وإياه بعيداً.

وقفت وهي تلهث، نظرت إلى ثوبها الجديد، فلم تجد فيه أي خرق. ابتسمت، لقد انتصرت. لكنها شعرت بضربة شديدة من حجر سقط على رأسها. ثم رأت تنهمر على الأرض. ثم غابت عن الدنيا.

اقترب منها أخوها بورجيه بسرعة. فلما رآها كذلك قال في نفسه: يبدو أن سامورا قد ماتت، أسرع إلى البيت، لم يخبر أحداً بما جرى، خوفاً من أن يناله عقاب أبيه.

أفاقت سامورا من غيبوبتها، فرأت الظلام مخيماً على الدنيا وقفت تريد الرجوع إلى بيتها، لكن قواها لم تساعدها. فدماؤها لا زالت تنزف بعنف. أحست برأسها كأنه جبل. صارت ترى الأشياء مزدوجة. حاولت الصراخ، لكن صوتها كان ضعيفاً. زحفت على الأرض تريد أن تصل إلى البيت قبل أن ينزف دمها كله، صاحت بكل ما لديها من قوة: يا بورجيه.. أخي بورجيه تعال إليّ. لكن بورجيه كان يشخر في فراشه كأنه خنزير. وأخيراً حانت النجاة.

سمعت سامورا ضحكات أمها من بعيد. التفتت فرأتها تغازل صديقها شاتران، ثم رأت شاتران يضم أمها بعنف. صاحت سامورا: ماما.. ماما.. أنقذيني يا ماما.. أنا هنا يا ماما. توقفت ضحكات أمها. تلفتت حولها، فلم تر في الظلام أحداً. عادت إلى حبيبها تغازله كأنها لا تريد أن يلهيها عن حبيبها أحد. لكن صرخات سامورا تكررت.

أسرع الصديق شاتران. نادته أمها: لا تلتفت إلى سامورا يا حبيبي، أظن أن هذه الملعونة تريد أن تشغلنا، إنها كاذبة. لكن شاتران لم يلتفت إلى سانيت رأى دماء سامورا فصاح: إنها صادقة يا سانيت، رأسها كله دماء. أسرعت الأم فلما رأتها غضبت، ولكنها ما كانت تستطيع إلا أن تسرع خلف شاتران الذي أسرع بسامورا إلى سيارته. وضعها فيها، وركبت سانيت معه رغماً عنها، وأسرعا إلى المشفى لإسعافها.

مضت خمسة أيام وسامورا لا تحس بأحد، كأن رأسها لفافة من ضماد. وفي اليوم السادس فتحت عينيها فرأت أما تقبع في زاوية الغرفة، وأبوها يقبع في الزاوية الأخرى.

- اقترب منها شاتران وابتسم لها.. واقتربت منها فرانسوا عشيقة أبيها وابتسمت لها. أما أبوها وأمها فكانا يغليان من الغضب. عجبت سامورا لهما.

دخل الغرفة رجل كبير السن، يحمل في يده ورقة طويلة. اقترب من سرير سامورا ووضع الورقة في إضبارتها(1) وهو يقول: هذه ورقة حساب الجريحة سامورا. أرجو أن تدفعوا الحساب للمحاسب غداً على أبعد حد، لأن سامورا ستغادر المشفى غداً.

اقترب بيتان الأب من سرير سامورا، وأخرج ورقة الحساب من الإضبارة وراح يتأمل فيها. ثم تمتم: ألف وخمسون فرنكاً فقط. مط شفتيه، ثم التفت إلى سامورا بغضب وقال: أيتها الشقية، لا أرى منك إلا المصائب، يا ليتك مت كي أستريح منك. بكت سامورا بصمت، ثم قالت: يا ليتني مت حتى لا أزعجك يا أبي.

صاح بورجيه أخوها: إنها شريرة.. ضربت توتمان وبيرجان، فضرباها بحجر. اقتربت أمه منه وقالت له: وتعرف أنهما شجا رأسها وتتركها يا بورجيه؟!.. ارتبك بورجيه، بينما كانت شهقات سامورا تتزايد، ودموعها تملأ وجهها. غادر شاتران عشيق أمها القاعة، كما غادرتها فرانسوا عشيقة أبيها.

صاح أبوها موجهاً الحديث إلى أمها: ادفعي الحساب لابنتك، فتحولت الأم إلى مثل الوحش، وصرخت: ولماذا أدفع أنا تكاليف علاج ابنتك. صرخ بها إنها ابنتك كما هي ابنتي!!.. وأنا الآن في ضيق مالي، ادفعي الحساب أنت. صرخت سانيت الأم: لا أدفع فرنكاً واحداً، إنك تنفق أموالك على عشيقاتك، وتدّعي أنك في ضيق مالي؟!.. صرخ بها: لا دخل لك بحياتي الخاصة. لن أدفع فرنكاً واحداً. وغادر المشفى وهو يقول لنفسه: ليس من المعقول أن تتخلى سانيت عن ابنتها!!.

لكن سانيت الأم لطمت ابنها بورجيه على وجهه، وصرخت به: هيا إلى البيت، وسنرى كيف سيدفع أبوك الحساب. خرجت من الغرفة، ثم عادت إلى سرير سامورا، وأخذت قائمة الحساب من الإضبارة، وكتبت عليها: إن عنوان والد سامورا هو:

(7- شارع شارل).

يرجى الاتصال به من أجل دفع تكاليف علاج سامورا وغادرت الغرفة وهي تقول في نفسها سنرى من سيدفع التكاليف؟!.

بقيت سامورا في الغرفة وحدها، لم يبق في صدرها عويل إلا أخرجته، ولما أخذ صوت بكائها يرتفع أدخلت رأسها في أغطية السرير، وراحت تصب الدموع، وتكبت أصوات نشيجها الشديد:

أخوها تركها للموت بلؤم. وأبوها تمنى لها الموت. وأمها تركتها للعذاب.. أما العاشق والعشيقة فقد انسحبا بلطف.

امتلأت سامورا بالخوف والحزن، تساءلت: ماذا سيفعلون بي في هذا المشفى إن لم يدفع أبي وأمي ما كلفه العلاج من تكاليف؟!.. تصورت الطفلة سامورا أنهم سيحبسونها ونسيت كل شيء حين دخلت الممرضة تحمل إليها الطعام والعلاج. عجبت الممرضة، لماذا تغطي سامورا رأسها بأغطية السرير؟!. مسحت سامورا دموعها، وكشفت وجهها المحتقن بالدماء. سألتها الممرضة بلهفة: هل يؤلمك شيء يا سامورا؟!.. أين ذهب أبوك وأمك؟!.. عاد النشيج إلى سامورا.. فأسرعت الممرضة وأحضرت الطبيب الذي أعطاها حبة من دواء، فنامت سامورا، وكم تمنت ألا تفيق.