- 3 -

12 0 00

- 3 -

العمل في المشفى يبدأ مبكراً، يبدأ في الساعة الخامسة.. استيقظت سامورا قبل الخامسة بساعة.. إنها تحب العمل.. رأت زميلتها سوندا لا تزال نائمة.. إنها شابة عمرها عشرون عاماً.. قالت سامورا: أنا سعيدة.. سأستعين بسوندا.. وأكتسب منها الخبرة اللازمة.

أسرعت إلى ملابس العمل التي أعطوها إياها فلبستها.. وجلست تنتظر، سرّحت شعرها.. وغسلت وجهها.. ورأت نفسها في المرآة جميلة حقاً.. قالت: سيساعدني جمالي لأشق طريقي في أعمال ناجحة..

طُرق الباب.. ودخل شاب وسيم.. إنه رئيس المشاغل.. أندريه، اقترب منها وقال: أهلاً سامورا.. هل أنت مستعدة للعمل؟.. أجابته: طبعاً.. جلس إلى جانبها.. كان يتفرّس فيها بشكل عجيب.. تمتم: لا شك أنك ستتعبين.. لأن العمل هنا شاق.. لكن قد أجد لك عملاً مناسباً.. أجابته: شكراً لك يا سيدي.. كان يشرد وهو يتأمل عينيها.. وخصلات شعرها.. شعرت سامورا بالفرحة.. هاهو جمالها يخدمها منذ اليوم الأول، اقترب منها أكثر فأكثر.. همس لها: أين ستسهرين الليلة يا سامورا؟.. عجبت من سؤاله. إنها لم تسهر ولم تعرف السهر!! لم تجبه.. امتلأ وجهه بابتسامة ماكرة وقال: إن شئت أن تسهري معي.. فسوف أكون مسروراً جداً.. أجابت سامورا: حسناً.. سأسهر معك.. صافحها بحرارة.. وغادر الغرفة بينما كانت سوندا تتحرك في فراشها.. رنت الساعة معلنة تمام الرابعة والنصف، فقفزت سوندا من سريرها.. رأت سامورا.. فصاحت بها: صباح الخير يا سامورا.. أراك قد سبقتني.. يبدو أنك نشيطة.. أؤكد لك أن نشاطك هذا لن يستمر أكثر من شهر.. خصوصاً إذا كانت سهراتك كثيرة.. لم تجبها سامورا إلا بعد لحظات قالت لها: أرجو أن أبقى نشيطة دائماً.. قهقهت سوندا وهي تغسل وجهها.. وقالت: أرجو ذلك.. أرجو ذلك..

كانت سوندا تتأمل سامورا وهما تتناولان الطعام.. كانت مندهشة لجمالها.. قالت لها: كم عمرك يا سامورا؟.. ولم تنتظرها حتى تجيب بل تابعت.. خمسة عشر عاملً.. أليس كذلك.. لكن سامورا أجابت: بل أقل من ذلك بسنتين، وضحكت كأنها قد انتصرت.. تلوّن وجه سوندا بالشحوب.. وسألتها: ولماذا تعملين يا سامورا منذ هذه السن.. أين أبوك.. أين أمك؟.. شحب وجه سامورا وامتعضت.. فسارعت سوندا وقالت: عفواً يا سامورا.. ما قصدت أن أسئ إليك.. قد تندهشين إذا قلت لك إنني لا أعرف لي أماً ولا أباً.. فأنا لقيطة.. كمعظم العاملات في هذا المشفى.. لكنهم قالوا لي إن لك أباً وأماً.. أليس كذلك؟! ابتسمت سامورا ابتسامة صفراء وتمتمت: نعم.. نعم.. فسارعت سوندا إليها وضمتها وقبلتها وقالت لها: أهنئك يا سامورا.. فأنت أحسن حظاً منّا جميعاً.. لم تدر سامورا بماذا تجيبها.. لكنها قالت في نفسها: أبي وأمي موجودان، إنني لا أدري ماذا ينفعني وجودهما.. لقد تركاني وذهب كل منهما إلى عشيقته.. سمعت سوندا نقول لها: لا شك أنك أسعد منّا.. يا ليت لي أباً.. وأماً وأخاً.. قد يسيئون إليّ.. لكن هذا بسيط مقابل أن لا أعرف لي أماً.. ولا أباً.. ولا أخاً.. ولا أختاً.. نظرت إليها سامورا بحزن عميق وهمست: وهل نحن مجبرون على العيش إمّا بلا آباء.. أو بآباء ظالمين.. قالت سوندا: يا ليتهم يعطونني أباً وأماً وأخاً.. ثم يذبحونني.. رنّت الساعة معلنة تمام الخامسة.. فأسرعتا إلى الباب.. ووقفتا أمامه.

حضر مدير قسم الكي جابون، وقال: أهلاً سامورا.. أهلاً سوندا.. من سوء حظ سامورا اليوم أنّ المصعد معطل.. ستتعب كثيراً بنقل الغسيل من المناشر إلى غرف الكي.. لكن ما العمل؟!.. هذا حظها!.. قالت سوندا: هل أعاونها يا سيدي.. أجاب: لا بأس.. لا بأس.. لكن بعد أن تكملي عملك في تهيئة المغاسل وأدوات الأطباء.. وتلمعي سائر الأحذية.. هيا إلى العمل يا سوندا.. وتعالي معي أنت يا سامورا لأدلك على مكان المناشر.

أسرعا معاً.. سارا ربع ساعة.. كان رجلاً جاداً.. فلما وصلا إلى المناشر قال: انظري يا سامورا. هذا الغسيل قد جفّ.. يجب نقله إلى غرف الكي.. في الطابق السابع.. نظرت فرأت ألوف القطع ذات الألوان المختلفة منشورة.. قالت في نفسها: هل سأنقل هذا كله إلى الطابق السابع؟!.. همس: هيا يا سامورا.. بعد ساعة ستبدأ الكاويات بالعمل.. إياك أن تؤخريهن.. إن تأخرت تأخرن.. وإن تأخرن تأخر المشفى كله عن العمل.. على كل حال سأتفقدك كل نصف ساعة.. أمسك بيدها وقال: تعالي معي.. عجبت له.. لم يترك يدها.. بل راح ينظر إلى وجهها بدهشة.. كأنه يراها لأول مرة.. قال لها: لا تزال يدك غضة يا سامورا.. أنت دافئة.. سحبت يدها منه بلطف وقد احمرّ وجهها.. سألته بجد كيف سأبدأ العمل؟! أجابها: تطوين قطع الثياب بسرعة.. وتضعينها في هذه الصناديق.. وتنقلينها في هذه العربات.. إلى أول ذلك الدرج.. ثم تصعدين إلى الطابق السابع بعد أن تحمليها وهناك يستقبلك الكواؤون والكواءات ليأخذوها منك.. هيا إلى العمل.. ابتعد وهو يقول لها: أسرعي يا سامورا الوقت ضيق.. والعمل كثير.. على كل حال.. سآتي إليك بعد نصف ساعة..

قفزت سامورا إلى قطع الثياب وراحت تطويها بسرعة وترتبها في الصناديق.. فكرت.. وقالت لنفسها: إن طويت جميع الغسيل فقد يتأخر الكواؤون.. ويتعطل المشفى كله عن العمل.. سأطوي بعض الصناديق.. وأوصلها إلى الكوائين ليعملوا.. ثم أعود إلى الطي.. ملأت سنة صناديق وأسرعت فحملت واحداً منها وأسرعت إلى الطابق السابع.. وصلت وهي تلهث.. لكنها لم تبال.. دخلت غرفة الكوائين فلم تجد أحداً.. فرحت.. وضعت الصندوق عند إحدى طاولات الكي.. وأسرعت هابطة إلى المناشر.. وما زالت تنقل صندوقاً بعد صندوق حتى نقلت عشرين صندوقاً في ساعة واحدة..

كان العرق يتصبب من وجهها.. الذي أصبح كأنه قطعة من أرجوان لكنها كانت تريد أن تثبت لهم أنها عاملة ممتازة.. حملت صندوقاً جديداً بعد أن ملأته بالثياب المغسولة.. وراحت تركض به خارج المناشر مقتربة من الدرج: سمعت مدير قسم الكي جابون يصيح خلفها: أحسنت يا سامورا.. أحسنت.. أنت عاملة نشيطة.. هيا أوصلي الصندوق وارجعي سأنتظرك في المناشر..

امتلأت نفس سامورا بالزهو.. لقد أثبتت منذ اليوم الأول أنها عاملة نشيطة.. نسيت تعبها.. وزادت من ركضها.. عادت إلى المناشر.. وجدت هناك مديرها جابون يقف أمام صناديق الملابس، يعمل في طي الغسيل المنثور، فلما اقتربت منه. نظر إليها بدهشة.. زاد العمل من جمالها، وجهها كالبدر.. وخصلات شعرها المشعثة السوداء تأخذ بالألباب.. وتنفسها العميق بعد التعب الشديد يبرز صدرها أكثر وأكثر.. وقفت أمامه برهة.. ثم هربت منه إلى عملها.. سألها وهو يتأملها: أين ستسهرين الليلة يا سامورا؟.. أجابته: دعاني مدير التشغيل إلى السهر معه.. اقترب منها وهمس إياك أن تستسلمي له. إنه ماكر خبيث.. لم تفهم سامورا شيئاً.. سألها: وغداً.. هل تسهرين معي يا سامورا؟.. عندي شريط لأغنية جديدة رائعة.. سنرقص على أمتع الألحان.. ماذا تحبين من الشراب يا سامورا لأحضر لك؟!.. لم تجبه بحرف.. تابع: أعرف أنك صغيرة.. وغير مجربة.. لكنني لست ذئباً.. لم تجبه.. لأنها لم تفهم كلمة من كلامه.. كل الذي فهمته أنه يدعوها إلى سماع أغنية جديدة.. ويريدها أن ترقص عنده على أنغامها.. وهي تحب الرقص.. وتحب الأغاني.. قال لها: سأحضر لك شراباً رائعاً.. خمراً معتقاً منذ عشرين سنة.. ما رأيك يا سامورا؟!! سال لعابها.. إنها تسمع عن الخمر لكنها لم تتذوقه في حياتها الطويلة مرة واحدة.. إنها تشرب الرديء من الخمر الذي كان أبوها يحضره إلى البيت.. إنها دعوة رائعة.. ستشرب الخمر المعتق كما يشربه الملوك وأصحاب الملايين.,. ابتسمت، وقالت بدلال: سنسهر غداً في شقتك.. عجبت له حين أسرع إليها يصافحها بحرارة.. كان يحاول أن يضمها.. لكنها هربت منه.. حملت صندوقاً من صناديق الغسيل وأسرعت إلى الدرج مهرولة بينما كان جابون يتابع خطواتها مسروراً، ونفسه تثور بألف ذئب وألف ثور وتيس.. كان شيطانه يقول له: إنها تستحق عشرين زجاجة من خمر معتق.. لكن كيف العمل حتى لا يصل إليها مدير التشغيل أندريه؟!.. قال في نفسه: إذا أنا أتعبتها في العمل اليوم فسوف لا تستطيع السهر.. لذلك قد تعتذر.. أما غداً فلن أدعها تعمل أي عمل.. حتى تكون مستريحة.. وهكذا تسهر معي حتى الصباح.. خرج من المناشر وهو يغني: ما أحلى السهر.. مال أحلى السهر.. ما أحلى السهر..؟!

- 4 –

كاد التعب يقتل سامورا عندما رنت الساعة معلنة الثانية عشرة.. همست: عملت حتى الآن سبع ساعات.. لكن جسمها كان محطماً.. لقد صعدت إلى الطابق السابع سبعين مرة ثم نزلت.. وقف العمل كله.. وذهب العمال إلى المطعم ليتناولوا طعام الغداء.. ويستريحوا بعدها في غرفهم نصف ساعة..

دخلت المطعم.. فالتفت إليها العمال والعاملات كلهم.. سمعت سوندا تناديها: سامورا.. تعالي إلى هنا.. أسرعت سامورا إليها.. وراحت تتناول طعامها كالبرق.. إنها متعبة.. وتريد أن تستريح شعرت بوطأة العمل المرهق منذ اليوم الأول.. أكلت نصف طعامها.. وقامت مسرعة إلى غرفتها.. شدتها سوندا إلى كرسيها وقالت: كل طعامك يا سامورا.. إن عملك متعب.. إنك بحاجة إلى الطعام حتى لا تمرضي.. نظرت إليها بامتنان.. لكنها تركتها وقامت متثاقلة تريد أن تذهب إلى غرفتها، فالتعب قد هدّها هدّاً.. تناولت سوندا طعامها بسرعة.. وقامت لتلحق بسامورا.. وجدتها مطروحة كالميتة على سريرها.. إنها تئن من التعب.. اقتربت منها وقالت: يبدو أنك قد تعبت كثيراً يا سامورا.. لكن هذا اليوم هو يوم شاذ.. فالمصعد معطل.. ولو كان غير معطل لكان العمل مريحاً.. جلست على سريرها وراحت تتأمل وجهها الجميل.. ثم أسرعن إلى خزانتها وأخرجت منها حبة، وملأت كوباً من الماء واقتربت من سامورا وقالت: خذي هذه الحبة المنشطة.. قد يخفّ تعبك يا سامورا.. ابتلعت سامورا الحبة مع قليل من الماء وهمست: شكراً لك يا سوندا.. أنت صديقة رائعة.. سأرد لك الجميل يوماً.. قاطعتها سوندا: سينتهي العمل في السابعة مساء.. في السابعة والنصف يجب أن ننتهي من تناول طعام العشاء، وفي الثامنة يجب أن تنامي.. أجابت سامورا: لكن مسيو أندريه قد دعاني للسهر معه الليلة.. سألت سوندا باستغراب عظيم: مدير التشغيل؟!.. يا ويلهم.. ومنذ اليوم الأول يا سا مورا يريدون أن تسهري معهم.. جلست سامورا وقد هيجها استغراب سوندا فسألتها: وما المانع يا سوندا؟!.. إنهم يريدون أن يخففوا عني.. وفي الليلة التي بعدها أسهر مع جابون مدير قسم الكي.. صفرت سوندا صفيراً طويلاً وقالت: عليهما اللعنة.. احذري يا سامورا.. هؤلاء الرجال أنانيون.. لا يريدون إلا متعتهم.. إياك أن تستسلمي لهم.. أحذرك يا سامورا..

كانت سامورا تفكر في حديث سوندا.. حين رنت الساعة معلنة الواحدة تماماً.. فقد بدأ العمل من جديد.. دخل جابون إلى غرفة سامورا فوجدها ممددة على سريرها.. فابتسم وقال:

بدأ العمل يا سامورا، صاحت سوندا: علمت أن المصعد قد عاد يعمل التفت إليها جابون وأجاب: هذا عظيم لو كان صحيحاً يا سوندا.. لكنه عاد فتعطل.. عليه اللعنة ما أسوأه.. تنهدت سامورا بعمق.. كأنها تحمل فوق صدرها جبلاً من الهمّ.. أسرعت خارجة وأسرع معها جابون يلاطفها.. تابعتهما سوندا بقلق ثم صاحت: سامورا.. سنلتقي في السابعة في المطعم.. أليس كذلك؟.. أجابتها سامورا: طبعاً.. طبعاً يا سوندا.. لكن جابون همس لها: ألن تسهري الليلة مع مسيو أندريه يا سامورا.. أجابت: نعم.. نعم.. سيكون ذلك بعد العشاء يا سيدي.. أمسك بيدها بلهفة وقال: أرجو أن تتناولي العشاء معي غداً قبل السهرة.. هل يسرك ذلك يا سامورا؟ سأحضر لك طعاماً رائعاً.. سحبت يدها منه بلطف وهمست: لا بأس إن كنت ترى ذلك..

وصلا إلى المنشر.. فضحك جابون وقال: لقد انتهى العمل في المنشر يا سامورا.. ستوزعين الصناديق التي كواها الكواؤون من الطابق السابع على أقسام المشفى.. وتستلمين الثياب الوسخة وتوصلينها إلى قسم الغسيل.. هيا.. إن شعرت بالتعب فسوف أرسل لك من يساعدك.. تركها.. وذهب..

كان يقول في نفسه: لقد عطلت المصعد بعد أن أصلحوه.. لتهلك سامورا من التعب.. لا أريدها أن تسهر مع مسير أندريه الليلة.. يجب أن لا يسبقني إليها أحد.. بينما كانت سامورا تصعد الدرجات بخفة لتنجز عملها المطلوب.

فوجئت حين رأت سوندا خارجة من المشفى.. عجبت لها.. وتساءلت: إلى أين هي ذاهبة.. أحست بالقلق.. إنها الوحيدة التي تعطف عليها.. أما الآخرون فينظرون إليها نظرات شرهة عجيبة.. وبعضهن ينظرن إليها بحقد.. لم تعرف لماذا.. كانت تحمل صناديق الملابس المكوية بسرعة.. كانت العاملات يبتسمن ويقلن: هذه المسكينة ستندم على ما تبذله من جهد.. أما هي فكانت قلقة لغياب سوندا.. كانت كلماتها الحلوة تطربها إنها تواسيها حين تتعب.. قالت مع من سأتناول طعامي اليوم في هذا المكان الغريب.. ومن سيخفف عني من تعبي في الساعة السابعة والنصف.. قلقت، وحزنت.. لكنها طارت من الفرح حين رأت في الساعة السابعة سوندا تدخل المطعم.. أسرعن إليها وسلمت عليها بحرارة.. فرحت سوندا واقتربت من أذنها وقالت لها: أتيتك بهدية رائعة يا سامورا.. ستفرحين بها لا شك.. عجبت سامورا.. وزاد فرحها.. إنها لم تعرف مثل هذا العطف حتى من أمها وأبيها..

ارتجفت من الانفعال حين ذكرت أمها وأباها.. لكنها قالت لنفسها: وداعاً يا أبي.. وداعهاً يا أمي.. قد لا ألقاكما أبداً.. لكنها عجبت لهذا الخاطر الذي خطر لها.. لم تفق من خيالاتها إلا حين سمعت ضحكة سوندا، انتبهت فسمعتها تقول لها: لماذا لا تجلسين يا سامورا.. نظرت حولها فرأت جميع الرجال والنساء ينظرون إليها.. فاحمر وجهها خجلاً وجلست قرب سوندا مسرعة.. تناولت طعامها ببطء.. عرفت أن نصيحة سوندا كانت لها غالية.. فقد شعرت بالجوع الشديد طوال الساعات السبع الماضية لأنها لم تأمل طعاماً كافياً.. التهمت جميع ما أعطوها من طعام.. ابتسمت سوندا وفرحت بسامورا الذكية ثم قامت معها إلى غرفتهما المشتركة..

تمددت سامورا على سريرها بينما أسرعت سوندا إلى خزانتها، وأخرجت منها علبة رائعة الألوان.. اقتربت من سامورا وقالت لها: هذه هديتي لك يا سامورا..

كادت سوندا تصعق من الدهشة حين قالت سامورا: أهي لعبة يا سوندا.. كم أتمنى أن تكون لي عروس ألهو بها..

انهمرت الدموع من عيني سوندا وهمست لنفسها: ألا لعنة الله على هذا المجتمع الذي أجبرك على العمل منذ طفولتك.. كان يجب أن تلعبي في بيتك.. لا أن تكوني عاملة في أكثر الأعمال تعباً.

عجبت سامورا لها: أسرعت إليها وقالت: هل أحزنتك يا حبيبتي.. لم أقصد ذلك يا سوندا.. سامحيني يا سوندا.. ابتسمت سوندا وقالت: عفواً يا سامورا.. تذكرت أنني لقيطة، فتمنيت أن يكون لي أب وأم وأخوات.. فبكيت..

التفتت سامورا.. ونظرت إلى النافذة.. وهمست: وما فائدة الآباء والأمهات إن كانوا لا يسألون عن أبنائهم وبناتهم.. ولا يدفعون لهم تكاليف العلاج؟!..

اقتربت منها سوندا وهمست والدموع تنحدر من عينيها: لا تحزني يا سامورا.. كفاك من التعب.. إننا كلنا مظلومات في هذا المجتمع الملعون..

التفتت إليها سامورا وراحت تمسح دموع عينيها ودموع سوندا.. ضمتها سوندا إلى صدرها وهي تقول لها: حبيبتي سامورا.. إياك أن يخدعك الرجال.. إنهم لصوص وشياطين وذئاب.. وأنت صغيرة.. وحلوة.. تعالي لأعطيك هديتي.. تعالي.. تعالي يا حبيبتي..

تناولت سوندا العلبة التي أخرجتها من خزانتها.. واقتربت بها من سامورا التي كانت تفكر: يخدعني الرجال؟! هم لصوص وشياطين وذئاب!! لا أفهم معنى هذا الكلام.. بقيت سوندا أمامها لحظات دون أن تنتبه إليها سامورا.. كادت سوندا تبكي من جديد.. ظنت أن سامورا لا تريد هديتها.. كادت تتهاوى على الأرض.. لكن سامورا انتبهت فجأة.. وتناولت العلبة منها وهي تعتذر.. فرحت سوندا.. وفكت سامورا شرائط العلبة.. وفتحتها.. وجدت فيها بنطالاً رائعاً.. طارت من الفرح وهي تقلبه وتنظر إليه.. قالت لها سوندا: أتيتك بهذا البنطال.. لتلبسيه في سهرتك اليوم مع مسيو أندريه.. ولتلبسيه غداً في سهرتك مع مسير جابون.. هجمت سامورا على سوندا تقبلها.. لكنها لاحظت أن سوندا ترتجف من الانفعال.. قالت سوندا وهي تكاد تختنق: انتبهي إليّ جيداً يا سامورا.. فتراجعت سامورا وانتبهت.. رأت سوندا تتكلم كأنها راهب عتيق, قالت لها: سامورا.. إياك أن تخلعي هذا البنطال أثناء السهرة.. عجبت وسألت: ولماذا أخلعه يا سوندا.. بكت سوندا ورددت مرة ثانية: اذكري كلامي جيداً.. إياك أن تخلعي بنطالك يا سامورا.. إن خلعته ذهبت في طريق العذاب الذي ليس له آخر.. إياك ثم إياك.. إن خلعته يا سامورا سوف يزيد اللقطاء من أمثالي واحداً.. هل تريدين أن تزيدي عدد الأشقياء؟!

بكت سامورا، وألقت بنفسها على سريرها.. وزهي تصرخ: لا أريد.. لا أريد.. لا أريد..

اقتربت منها سوندا وهمست: لقد أوجعتك يا حبيبتي.. لكنني أقول لك من جديد: لا أريد إلا سعادتك يا سامورا.. لا أريد إلا سعادتك يا سامورا.. والآن.. أرجوك أن تسامحيني.. فقد تدخلت في حياتك.

قفزت سامورا من سريرها.. وضمت سوندا إلى صدرها وقالت لها: أنت عظيمة يا سوندا.. سأنفذ كل كلمة تقولينها لي.. رغم أنني لا أفهم ما تقولين..

لبست سوندا ثيابها وقالت: سأخرج لألقى خطيبي.. وسأترك لك الغرفة حتى إذا جاء مسيو أندريه وجدك لوحدك.. هيا البسي ثيابك.. والبسي بنطالك أولاً.. وقبل أن أذهب..

غسلت سامورا وجهها.. ويديها ورجليها.. ولبست ثيابها.. ولبست بنطالها.. عندها ودعتها سوندا وذهبت إلى خطيبها الذي ينتظرها.. قالت لها وهي تخرج: يجب أن لا تطول سهرتك يا سامورا.. سألقاك هنا في العاشرة.. فما رأيك.. أجابتها: سأكون هنا في العاشرة حتماً.. أنا متعبة.. يجب أن أنام.. حتى أستيقظ صباح الغد يا سوندا.. العمل هنا شاق جداً..