- 5 -
أسرعت سامورا إلى الهاتف حين رن.. إنه مسيو أندريه ينتظرها في سيارته خارج المشفى.. أسرعت.. وركبت إلى جانبه.. وانطلقا بسيارته الرائعة..
نسيت سامورا كل همومها وأتعابها.. حين راح مسيو أندريه يتجول بها في حدائق باريس الرائعة.. وأخيراً وصلا إلى قصره الجميل..
كان يسألها طوال الطريق عن عملها.. وكيف وجدته.. ويسألها أسئلة مختلفة.. بعضها فهمته.. وبعضها لم تستطع فهمه..
سألها مثلاً: كم لك من الأصدقاء يا سامورا.. فأجابته: لا أعرف إلا توتمان وصديقه الشقي اللذين شجا لي رأسي. لا أعرف غيرهما. ابتسم مسيو أندريه بخبث، وبدت على وجهه الفرحة، سألها: وماذا تحبين من الخمور يا سامورا؟.. أجابت: لم أشرب طوال حياتي إلا البيرة. وأنواعاً رديئة من الخمور ما أحببتها!.. ضحك مسيو أندريه وقال: ستشربين الليلة ألذ أنواع الخمور يا سامورا. فرحت وقالت: شكراً لك يا مسيو أندريه على هذا الكرم. أنا سعيدة بالسهر معك يا سيدي.
وأخيراً دخلت السيارة حديقة (فيلا) مسيو أندريه، عجبت حين أسرع وفتح لها باب السيارة، ومدّ يده ليساعدها كي تنزل.. لكنها لم تدر لماذا تصورت كأن يده الممتدة هي يد ذئب.. نزلت دون أن تمسك يده..
شعرت بالخوف حين دخلت قصره، رأت خدّامه يبتسمون بخبث، ويتفرسون فيها كالوحوش.. سمعته يوشوش لهم وشوشات غامضة. تمنت لو كانت سوندا معها. لكنها كادت تنسى كل شيء حين بدأت الموسيقى الراقصة تصدح.. وحين كان الخدم يدورون حولها يطلبون رضاها. أُطفئت الأنوار الصاخبة، وأُضيئت الأضواء الخافتة الملونة، تمنت لو رقصت على هذه الأنغام.. وفي هذا الجو السحري الممتع.
التفتت دون قصد فرأت غرفة النوم مفتوحة.. ورأت داخلها الفرش الرائعة.. واللوحات الثمينة، وباقات الزهور التي تنضج بالعطور. تمنت لو نامت هناك.. أدارت وجهها وقد شعرت بالتعب كله..
اقترب منها مسيو أندريه، قال لها: ما رأيك في كأس من الخمر العتيق يا سامورا؟! ابتسمت ووافقت، فحمل زجاجة، وصب لها حتى تشرب، فشربت كأساً، وكأسين، شعرت بالنشوة، وتمنت أن ترقص.. فلما مدّ لها يده يدعوها للرقص وقفت معه والطرب يهزها من أعماقها، أخذ عنها معطفها، نظر إليها، ثم قبلها عشر قبلات.. كان ثملاً.. فرحت بذلك. إنه يكرمها بعمله اللطيف هذا، وأخيراً أمسك بيدها وتوجها إلى باحة الرقص رأت غرفة النوم بكل تفاصيلها.. فتمنت لو تنام.
نظر إليها مسيو أندريه من أولها إلى آخرها وهمس: حبيبتي سامورا.. هل تشعرين بالبرد.. هل آمرهم أن يوقدوا الشوفاج؟!.. إنني لا أشعر بالبرد. أجابته: وأنا لا أشعر بالبرد أيضاً. سألها ولماذا هذا البنطال إذاً؟..
يبست سامورا كقطعة من خشب، وصار وجهها مثل الشمع. ذكرت وصية سوندا لها، وشعرت بتعب الدنيا يحل جسمها، صاحت: أشعر بالتعب، أكاد أموت.. أرجوك خذني إلى غرفتي في المشفى.. أريد أن أنام.. قال لها: أهلاً بك.. تنامين عندنا الليلة.. تعالي انظري إلى غرفة نومي الفاخرة.. قالت برجاء: أرجوك.. رأسي يكاد يتحطم من الألم.. إنني مرهقة.. أجابها: كما تحبين يا سامورا.. هيا اخلعي ملابسك ونامي هنا.. تيبست مرة ثانية.. وأصبحت شاحبة كالموتى.. لكنها تحولت إلى لبؤة كاسرة.. قالت بحزم: أريد أن أذهب إلى المشفى فوراً.. وإلا قتلت نفسي.. سألها مسيو أندريه كما تحبين يا سامورا.. لا أريد أن أزعجك.. لكننا لم نسهر الليلة.. لم نرقص.. ولم نشرب.. ولم نلعب.. ولم.. ولم.. ولم.. هل تعدينني أن تسهري عندي غداً؟؟.
أجابته: لقد وعدت المسيو جوبان أن أسهر معه غداً.. انتفض مسيو أندريه وقال متصنعاً الهدوء: أنا سأعتذر لك منه.. قاطعته: لكنني أظن أنني لن أستطيع السهر طوال عمري إذا كان عملي المتعب سيستمر..
وقف بكل حزم وقال: إذاً.. لن تخرجي من هنا قبل أن نكمل سهرتنا.. أو تعطيني وعداً أن تسهري عندي غداً..
شعرت سامورا بالخوف.. تمنت لو كانت معها سوندا.. قالت له: سأسهر معك غداً.. بشرط أن تعتذر لي من مسيو جوبان.. ضحك مسيو أندريه وقال: لك ما تريدين.. واقترب منها بسرعة يريد أن يضمها ويقبلها.. فابتعدت عنه فزعة.. وفجأة رن جرس البيت..
توقف المسيو أندريه قليلاً كأنه يتساءل من القادم، بينما كانت سامورا تنظر إليه برعب.. أسرع أحد الخدم وقال: سيدي مسيو أندريه: سوندا مع خطيبها يطلبان مقابلتك.
فرحت سامورا.. وأشار المسيو أندريه أن يدخلهما.. لبس ثيابه.. وذهب لاستقبالهما، بينما كانت سامورا تسرع إلى معطفها وقبعتها..
دخلا.. نظرت سوندا بلهفة باحثة عن سامورا.. فلما رأتها.. أمعنت النظر فيها حتى تأكدت أنها لا تزال تلبس بنطالها.. همست: سيدي مسيو أندريه.. والدة سامورا تنتظرها في المشفى.. قاطعها مسيو أندريه: لو أتيتما بها إلى هنا لتسهر معنا.. أجابت سوندا: كنا نتمنى ذلك يا سيدي.. وقال خطيب سوندا: قالت أنها لا تستطيع ذلك.. وأخبرتنا أننا إن تأخرنا فسوف تذهب.. أسرعت سامورا وقالت: لا.. لا.. يجب أن أراها.. وغذاً نسهر معاً.. ابتسم مسيو أندريه بحسرة.. وقال: حسناً كما تريدين.. هل أوصلكم إلى المشفى؟!.. أجابته سوندا: لا نريد أن نزعجك.. فخطيبي لديه سيارة صغيرة..
ركبوا.. فأسرعت السيارة نحو المشفى.. بينما كانت سوندا تقترب من سامورا وتسألها: هل أصابك مكروه يا سامورا؟ أجابتها: لا.. لا.. لكنني أشعر بتعب شديد.. قاطعتها: لقد خفت عليك.. فاخترعت قصة أمك.. فأمك لم تأت لتسأل عنك.. لكنني حرصت على إخراجك من السهرة بهذه الحجة.. فهل أزعجتك يا سامورا؟!.. أجابتها سامورا: لقد شعرت بالخوف الشديد.. رغم ما رأيته من ترف في قصر مسيو أندريه.. لقد دعاني إلى النوم عنده في غرفة نومه.. ولا أدري لماذا رأيت فيه ذئباً مفترساً.. ذكرت أقوالك لي يا سوندا.. وتمنيت لو كنت معي..
وصلوا إلى غرفتهما في المشفى.. وودعهما خطيب سوندا.. وألقت سامورا بنفسها على سريرها.. بكت وقالت: يا ليت كذبتك كانت صادقة.. يا ليت أمي تزورني وتنقذني من هذا الجحيم.. ثم استسلمت لنوم عميق.. غطتها سوندا.. وأطفأت النور.. وأوت إلى فراشها لتستريح.. خنقها البكاء.. لكنها نامت رغماً عنها من عناء يوم شديد.