الفصل السادس
حديث في حرش صغير
وقد طابت الإقامة لسليم وكليم في هذا الحرش الصغير، فصارا كل يوم يقصدانه مرة أو مرتين للاستظلال به من حر الشمس؛ ولكنهما لم يكونا يجلسان في الظل ربع ساعة حتى يبردا فينهضا إلى الشمس فيَسْخَنا فينهضا إلى الظل، وهكذا على التتابع، وكانا يصرفان الوقت هناك بالحديث ومطالعة أطايب الكتب.
فبعد أن مضى عليهما بضعة أيام في هذه المعيشة نظرا إلى نفسيهما ذات يوم، وهما في ذلك المكان، فإذا بهما قد صار جسمهما ممتلئًا قوةً وصحةً، وتورَّدت وجناتهما، واكتسبا من هواء الجبال ثوبًا زاهيًا غطى ثوب الاصفرار والضعف الذي كستهما به المعيشة المدنية، وكانا ينظران إلى نفسيهما في المرآة ولا يصدِّقان؛ فالتفت سليم إلى كليم وقال: إن الذين يعيشون في السهول والمدن في الشام وغيرها يخطئون أشد خطأ إذا كانوا لا يصعدون مرة في العام إلى جبال كهذه الجبال لتجديد قواهم ودمائهم.
فأجاب كليم: أنا موافق على رأيك بعد ما شاهدته في صحتي من التحسن، تالله إنني أحسب نفسي أنني كنت ميتًا وبُعثت، فإنني آكل ولا أشبع، وأشرب ولا أروى، وأمشي ولا أتعب، وأحيانًا أخشى لنشاطي وخفة جسمي أن أطير في الهواء. فضحك سليم وقال: ما رأيك بأصحابنا في الشام ومصر الذين يقصدون جبال سويسرة وبلاد أوروبا في الصيف، ويتركون هذه الجبال التي فيها المعيشة أرخص ما يكون؟ فقال كليم: مَن جهل شيئًا لا يحفل به، فهم يجهلون فضائل هذه الجبال، هذا عدا عن أن طريقها وعرة.١ وفي هذا الحين وصل إلى الحرش شابان، فصاح كليم بهما: أهلًا بالخواجه فاضل والخواجه حنانيا. ثم جلس الشابان بإزاء رفيقيهما وأخذا في الحديث معهما، وكانا من رفاق كليم وأبناء وطنه، وهما مصيفان في القرية.
وكان حنانيا شابًّا تدل هيئته على (البساطة) ولكن في الزوايا خبايا، وكان بلحية ضاربة إلى الشقرة، وهو كثير التنحنح كلما فاه بعبارة، وكان رفيقه فاضل يُكثر من ممازحته ومداعبته وكذلك كليم، وقد كان حنانيا يُسَرُّ بهذه المداعبة على ما يظهر؛ لأنه لم يكن يستاء منها ولو جرحته أحيانًا، وكثيرون — وفي جملتهم المؤلف — كانوا يعتبرون أن هذا الأمر ناشئ بالأكثر عن (طيبة) قلبه.
أما فاضل فقد كان شابًّا هادئًا يحب الجد كما يحب المزاح، وقد كان في عينيه ما يدل على صفاء قلبه، وفي أساليبه وكلامه وسكوته ما يدل على أنه رُبِّيَ في عائلة ذات نعمة، وكان من المشهور عنه أنه شديد الإخلاص والرغبة في نفع غيره، فلم يكن أحد يسأله شيئًا في طاقته ويقعد عنه.
ولما دار الحديث بين الرفاق الأربعة قال فاضل: إن رفيقنا حنانيا ابتاع اليوم كرْمًا، فقال سليم: وكيف ذلك؟ فقال فاضل: جرت عادته أنه كلما رام أن يأكل عنبًا يقصد هذه الكروم الممتدة أمامنا من القرية إلى حرش الأرز الصغير المشرف عليها، وكلما شاهد عنقودًا جميلًا جلس كالثعلب بجانبه، وتناول منه أنضج حبوبه وأكبرها، ولا يزال يفعل ذلك حتى يشبع، ففي هذا الصباح بينما كان (يفطر) بهذه الطريقة نظره (ناطور) الكرم فصاح به وأسرع إليه، فأجابه صاحبنا بكل (برودة) قلب: ماذا تريد؟ فقال له (الناطور): اخرج من الكرم. فقال له بغضب: ولماذا؟ هل هو كرمك؟ قال: بلا شك. فقال له صاحبنا: أرني (الحجة) التي بيدك لأتحقق ذلك، ولعمري إن هذه خير الطرق للشبع من العنب بدون دفع بارة واحدة.
فقال كليم: إذن لا يَظلم أهل القرية كثيرًا ضيوفهم بمعاندتهم والرغبة في التخلص منهم إذا كانوا كلهم (على نسق) صاحبنا حنانيا.
فقال حنانيا: أنا لست سلًّا ولا بروتستنت ليستطيعوا طردي، فإنني قاعد هنا على صدورهم إلى أن يحلو لي السفر، ثم فلنترك الآن المزاح. هل بلغكم عزم أهل القرية على التجمهر لإخراج المرضى من قريتهم؟
فقال سليم: وما قولكم في قصدهم هذا؟ ألا ترون فيه شيئًا من الحق؟
فأجاب فاضل بحدة: عفوًا عفوًا، إن لأهل القرية الحق في إبعاد المرضى عنهم، كما أن للمرضى؛ وخصوصًا المصدورين، الحق في اختيار الحدث للإقامة فيها؛ لأن هواءها أجف الأهوية، والأطباء يأمرونهم بأن يسكنوها، ومن الخشونة والهمجية أن يداس حق الضعفاء إرضاءً للأقوياء.
فقال سليم: فما الحيلة لإرضاء الفريقين؟ أليس هناك يا ترى طريقة جامعة؟
فقال فاضل: كنت أفكر منذ مدة في هذا الأمر حين سماعي ذلك الخبر، فحللت هذه المشكلة، وذلك أن يُبنى فوق القرية تحت الأرزات التي هناك (مستشفى للمرضى) مؤلف من عشرين أو ثلاثين غرفة جامعة لكل الشروط الصحية على نسق المستشفيات الصحية للمسلولين في أوروبا (سانتوريوم)، وحينئذ يجتمع المرضى من تلقاء أنفسهم في هذا المستشفى بدل أن ينتشروا في منازل القرية، ويخاصموا الأهالي لاستئجارها.٢ فقال كليم: لقد أصبتَ؛ فإن هذا خير حل، وحينئذ يكون من حق الأهالي إجبار المرضى على الانفراد بذلك المستشفى، وإلا فكُل مقاومة منهم تعد خشونة وقسوة؛ إذ الأرض ليست أرضهم ولا الهواء هواءهم، بل هما لله؛ أي إنهما مشتركان بين جميع البشر، وإذا لم يقم أحد لبناء هذا المكان الصحي، فإنني أؤكد أن الحدث لا يقصدها في المستقبل غير المرضي فتخسر خسارة غير قليلة.
فقال سليم: نعم، إن السل آفة هائلة، والناس يرهبونه كما يرهبون نيران جهنم.
فقال حنانيا: ولكن من أين تنشأ هذه الآفة المهلكة التي كثرت في بلادنا؟ ثم أليس من دواء لها؟
فقال سليم: لقد اطلعت منذ أسبوعين على آخر الأبحاث والآراء في هذه الآفة، ومنها يظهر أن السل يصاب به نصف البشر على الأقل، فبعضهم يشفى منه دون أن يدري به٣ وبعضهم يموت؛ ولذلك سموه (داء الإنسانية)، وفي فرنسا وحدها فقط يموت به في كل عام ١٥٠ ألف شخص، أما سبب هذه الآفة فهو الإفراط في كل شيء، الإفراط في السكر، الإفراط في الزواج، الإفراط في التعب والهم، الإفراط في السهر، وسوء المعيشة وقلة الغذاء وفساد الهواء … إلخ. ويقولون إنه ينتقل بالوراثة، وهذا رأي ضعيف، وكأن آفة السل تمثال أسود للشقاء والعذاب منصوب في ساحة تؤدي إليها كل طرق الشقاء والغلو والإفراط والفساد. أما دواء هذا الداء فبسيط جدًّا، وأنا أحب أن يُنادى على السطوح على مسمع من جميع المرضى المساكين أن داءهم قابل للشفاء خلافًا لما بلغهم، بل إن شفاءه أسهل من شفاء الحمى التيفوئيدية والجدري وغيرهما، ولكن على شرط أن يُتدارك من أول ظهوره، فقولوا للمرضى به: لا تحزنوا ولا تخافوا، إن داءكم بسيط إذا أحسنتم مداواته، ولكن إذا أهملتموه قضي عليكم لا محالة.
وإن قيل: كيف تحسن مداواته؟ فالجواب: لا دواء له غير شيء واحد، وهو (الهواء النقي والغذاء الكافي)، أما ما يقال عن العلاجات والأدوية فهو كله تدجيل في تدجيل، وكثيرًا ما تناول المصدورون أدوية فنفعتهم شهرًا أو شهرين ثم انتكسوا بعد ذلك من فعل الأدوية، وانتهى أجلهم.٤ فترْك الدواء إذًا هو كل الدواء، ومعرفة وقت ابتداء الداء هي السر الوحيد في الشفاء. ولا ينبغي للمسلول أن ييأس من شفائه أبدًا؛ فإن بعض الأطباء داوى بعض المرضى بالسل ٢٠ سنة، وكانوا ينفثون الدم مع البلغم، ومع ذلك رزقوا أولادًا وعاشوا عمرًا طويلًا، ولكن المسلول العازب عليه أن لا يتزوج، وإن تزوج ولم يكن (حكيمًا) غلبه داؤه.
أما النساء المسلولات فالحبَل فقط يضرهن ضررًا شديدًا ويغلِّب داءهن عليهن، ومن ذلك كله يظهر أن الاعتدال وحسن المعيشة في الهواء النقي الجاف في الجبال مع قليل من الرياضة الخفيفة هي الدواء الوحيد الشافي من هذا الداء.
وما أتى سليم على هذا الكلام حتى نظر أبو مرعب راكضًا نحو الحرش ينهب الأرض نهبًا؛ فاشرأبت إليه الأعناق وقال كليم: خير إن شاء الله ما وراء أبي مرعب! ولما وصل أبو مرعب صاح وهو يلهث تعبًا: هل بلغكم الخبر؟ فقالوا: ماذا؟ فقال: قد وجدنا كنزًا. فقال سليم: وما هذا الكنز؟ فقال أبو مرعب لاهثًا: كنز عظيم. فقال كليم: فأخبرنا ما هذا الكنز؟ فجلس أبو مرعب وقص عليهم ما يلي:
كنت الآن هناك مع ترجمان الجماعة، وإذ كنت أسأله عن المستر كدن، نكدن، كيف يلفظ اسمه؟ فأجاب كليم: (كلدن). فقال: تمَام (كلدن)، فأجابني الترجمان أنه غني عظيم تقدر ثروته بخمسين مليون ليرة، وإذ كنت أسأله عن أخلاقه وصفاته أخبرني خبرًا غريبًا، فقال لي: إن هذا الرجل يخرج في السنة مرة من بيته في شيكاغو إلى المدينة وجيوبه ممتلئة بأوراق البنك، ولا يزال يوزع منها على الذين يجدهم في طريقه حتى تنفد، فربما وزع مليون فرنك في ذلك النهار؛ ولذلك يسميه الناس نهار كدن … نكدن، كيف اسمه؟ فقال سليم ضاحكًا: (كلدن). فقال أبو مرعب: نعم نعم (نهار كلدن)، وقد أخبرني الترجمان أن الذي ابتكر هذه الطريقة وحثه عليها شاب مستخدم في محله يدعى (المستر كرنيجي)، وكثيرًا ما يرافقه في ذلك النهار، فما قولكم إذا جاء صاحب الملايين غدًا وعلم بأنني أنقذت رجال حاشيته، ألا (يفتح يده) ويرينا جوده وكرمه؟
فضحك الحاضرون، وقال سليم: أشير عليك يا عمي أبا مرعب أن تطلب منه أن يصنع (نهار كلدن) مرة في الحدث. فقال أبو مرعب: والله هذا رأي في غاية الصواب، وسنطلب ذلك منه كلنا. ثم نهض أبو مرعب وأسرع ليجتمع ببعض رفاقه من أهل القرية ويتفق معهم على هذا الطلب.
فلما غاب عن أصحابنا التفت كليم إلى حنانيا وقال: ماذا تفعل يا حنانيا إذا صنع المستر كلدن (نهاره) في الحدث؟
فأجاب فاضل عن حنانيا: أعوذ بالله! إنَّ صاحِبَنا حنانيا يقطع نفسه عشرين قطعة في ذلك اليوم ليصادفه صاحب الملايين عشرين مرة.
وكان حنانيا يضحك في أثناء ذلك وهو ساكت.
ولما عاد الأصحاب الأربعة من الحرش وجدوا خمسين قرويًّا جالسين حول أبي مرعب تحت بيته وهم يبحثون في طريقة يقنعون بها المستر أن يصنع (نهاره) في الحدث، وقد أخذوا منذ تلك الساعة يلاطفون رجال حاشيته ويكرمونهم أحسن إكرام، وما برحت المصالح تغير قلوب الناس في كل زمان ومكان.
هوامش
(١) كانت كذلك في زمن هذه القصة، أما اليوم فالمركبات تسير إلى أعالي الجبل كما تقدم، فعسى أن يكون في هذا الكلام ما يحبب إلى كرام المصريين والسوريين التصييف في أعالي لبنان فوق بيروت أو طرابلس بدل سويسرة وأوروبا.(٢) بني هذا الرأي على المبدأ الذي يجري عليه اليوم جمهور الأطباء والشارعين في الغرب، وهو ليس للهيئة الاجتماعية أن توجب على الطبيب التصريح بعلة مرضاه لتعزلهم الحكومة عن الناس إلا متى بَنَتْ لهم الحكومة مستشفيات صحية مجانية يجدون فيها كل عناية.(٣) عُرف ذلك من تشريح الجثث في مستشفى باريز.(٤) هذه المعلومات عن السل مأخوذة من رسالة مطولة حديثة للدكتور دارنبرج، وهي من أهم ما قيل في هذا الموضوع. الفصل السابع
لا تريد المرور على بيروت
وفي هذه الأثناء كان المستر كلدن وزوجته وابنتان لهما وحاشيتهما الكثيرة صاعدة على الطريق عند دير حنطورة الموصلة إلى عين السنديانة.
وكانت الابنتان في مقدمة الركب وكل واحدة منهما على جواد، ووراءهما أمهما على جواد أيضًا، يليها الأب على فرسه وبجانبه وكيل أشغاله، ووراءهم الحاشية والخيام والبغال تحمل الأثقال.
وكان المستر كلدن كهلًا في الخمسين من العمر، وهو جميل الوجه، طويل القامة، أحمر اللون، أشقر الشعر، متَّقِد العينين بالذكاء الأميركي المعروف، وفي كل حركة من حركاته وكل كلمة من كلماته شيء يدل على النشاط والحدة.
أما زوجته فقد كانت في نحو الثلاثين من العمر، وكانت بيضاء الوجه كالثلج المعمِّم قمم لبنان، سوداء الشعر والعينين، رشيقة القوام كغصن البان، خفيفة الحركة فوق جوادها الرشيق كأنها غزال على غزال.
فكان هذا الزوج وزوجته يمثلان ضربَي الحسن في العالم: الحسن الأميركي الأشقر والحسن الشرقي الجامع بين اللون الأبيض الناصع واللون الأسود الفاحم.
والغريب أن ابنتيهما جاءتا واحدة على شكل أمها وواحدة على شكل أبيها، وكانت إحداهما في التاسعة من العمر والأخرى في السابعة، وكانتا ثابتتين على ظهر جواديهما ثبات الفوارس، ولا عجب في ذلك؛ لأنهما رُبِّيَتَا تربية أميركية.
ولما حاذى الركب ديرَ حنطورة كان المستر كلدن في حديث مع امرأته، وقد تنحَّى عنه وكيل أشغاله، وكان يقول لها: لماذا تكرهين بيروت يا إميليا إلى هذا الحد؟ حقًّا إنني صرت أخجل من قومي فيها لعدم استقبالنا إياهم. فأجابت زوجته والحزن بادٍ في وجهها: حقًّا إنني ندمت يا جورج على سياحتنا هذه. فقهقه المستر كلدن وقال: كيف تندمين الآن بعد أن بكيتِ سنتين على هذه الزيارة، وفي كل يوم كنت تتنهَّدين وتقولين: هل أرى بلادي مرة قبل أن أموت؟ فقالت إميليا والدموع في عينيها: لا تمزح يا صديقي في مسألة كهذه المسألة؛ فإن قلبي في غاية الألم. نعم كنتُ أشتاق في بلادنا إلى البلاد التي رُبِّيتُ فيها، ولكني أول ما وصلت إليها تغيَّر قلبي فعلمت حينئذ أنه قد كُتب لي التعاسة على هذه الأرض؛ فإنني إذا أقمت في بلادنا أميركا شعرت أنني غريبة فيها، وإذا جئت بلادي الأصلية شعرت أيضًا أنني غريبة، فشأني شأن طائر نسفت الزوابع عشه واستأصلت الشجرة التي كان يأوي إليها، فلم يبقَ له أمل في الراحة وإن وجد عشًّا أحسن من عشه الأول، وشجرة أفضل من شجرته الأولى، وليس معنى كلامي هذا أنني غير راضية بحالتي الحاضرة، فإنني من فضلك ونعمتك في ألف فضل وألف نعمة، ولكنَّ ماضيَّ شديد الضغط على نفسي.
وهنا انحدرت الدموع من عينيْ إميليا، فصاحت بها ابنتها الأولى: عدنا إلى البكاء يا ماما، إذا لم تسكتي فإنني أبكي أيضًا. وقال لها زوجها: الحقَّ أقول لك يا عزيزتي، إنني لا أعرف سببًا لهذا الحزن واليأس، فإنك تعلمين أننا صنعنا كل ما في إمكاننا فلم نعثر على أثر لأبيك، وقد عرضْتُ عليك ألف مرة أن ننتقم من أعدائه فكان جوابك: ما الفائدة من الانتقام؟
فهنا أغرقت إميليا في البكاء وقالت: نعم، ما الفائدة من الانتقام؟ فإنه لا يرد لي أبي، ولو عثرت على أبي فرُبما كنت طاوعتك على الانتقام إرضاءً له؛ لأنه تَعذَّب كثيرًا في أثناء حياته، ومن العدل أن يُعذَّب معذِّبوه، وإن كنتُ لا أحب عدلًا كهذا العدل، ولكن ماذا كان جواب الباحثين عنه في جبهات البرازيل؟
قال: لم يجدوا له أثرًا، وأنتِ تعلمين أنني نشرت منشورًا في جميع أقطار الأرض في الشام ومصر وأوروبا وآسيا وأفريقيا، ووعدت بدفع مائتي ألف ريال جائزة للذي يجد (الخواجه متَّى حاروم) ويدلنا عليه، وها قد مر على هذا المنشور سنوات، وألوف من الناس يبحثون عبثًا؛ طمعًا في الجائزة، فاعتقدي يا حبيبتي بعد الآن أن أباك الكريم قد توفي إلى رحمة الله وسبقنا إلى الآخرة؛ لأنه من المحال أن يكون حيًّا ولا نعثر عليه بعد هذا التفتيش، ولا تنسيْ أننا كلنا ضيوف في هذه الأرض، وأن وطننا الحقيقي فوق، فتعزَّيْ ولا تحزني حزن الذين لا رجاء لهم.
فأطرقت إميليا برهة تبكي بسكوت، ثم قالت: ليس بكائي للموت، بل بكائي للغلطة العظيمة التي ارتكبتها، وهذا ما يعذِّبني ويضغط على نفسي وضميري؛ فإنني تركت أبي في أشد الأوقات عليه، حين تخلت عنه الأرض والسماء، وابتعد عنه الأقربون والأبعدون، فكنت أقساهم عليه وأجحدهم لجميله؛ لأنني كنت أقربهم إليه، وإنني أخشى أن يكون قد مات في الشيخوخة والضعف والفقر والوحدة وهو يلعنني.
فهنا رام كلدن أن يصرف فكر زوجته عن هذه التذكارات المحزنة، فقال ضاحكًا: أما أنا فلا أعتبر سفرَك من بلادك إلى أميركا غلطة يا إميليا؛ لأنني لولا هذا السفر لما التقيت بك واقتنصتك، فأنا أشكرك لتلك الحدة التي حملتك على السفر، ولا يزال يحلو لي أن أتذكر معك اليوم الذي لقيتك فيه في واشنطن.
فقالت إميليا مُبتسمة: دعنا من هذه الذكرى. فقال: لا، بل دعيني أتكلم بحياتك، فقد خرجتُ في ذلك اليوم لأعمل (نهار كلدن) ومعي المستر كرنيجي كاتم أسراري، فبعد أن ذهب نصف ما في جيوبي من الأوراق وصلتُ إلى الساحة القريبة من دار الحكومة، فوجدتك سائرة في طريقك مع إحدى بنات جنسك، فمددت يدي إليك بورقة قيمتها خمسمائة دولار، وقد فعلَتْ فيَّ عيناك ما لا يفعله السحر؛ ذلك أنكم أنتم الشرقيين لا تعرفون مبلغ التأثير الذي يؤثره فينا الجمال الشرقي الخاص بكم، فكان جوابكِ أنكِ رفعتِ يدَك ولطمتِني على وجهي لطمة أرتْني (نجوم الظهر) كما يقولون في لغتك؛ لأنك ظننتِ أنني رجل بذيء يقصد إغواءك بماله؛ فكبر قدرك منذ ذلك الحين في عيني، وأريتِني بهذا الفعل جمالكِ الأدبي بعد أنْ رأيت في وجهك جمالك الأنثوي، وأنت تعرفين التتمة، فبالله خبِّريني كيف اجترأتِ على لطم رجل قوي مثلي قادر على سحقك بقبضة واحدة؟
فقالت إميليا: تعلمت ذلك من معلمتي في المدرسة، فإنها قصت علينا يومًا أن أحد الوقحين عرض عليها في سوق نيويورك مالًا فجاوبته بلطمة على وجهه ففر كالهِر المطرود. فقال كلدن حينئذ رافعًا رأسه افتخارًا: هل من ينكر بعد هذا فضل مدارسنا في الشرق؟!
وقد سُر المستر كلدن من أجوبة زوجته؛ لأنه قدَر بذلك على صرف أفكارها عن موضوعها الأول، ولم يعد يسألها لماذا كانت تكره الإقامة في بيروت والسفر إلى صور وصيدا.