-4-
• .. وأنا أنظر خلفي في هذا الليل
في أوراق الأشجار وفي أوراق العمر
وأحدق في ذاكرة الماء وفي ذاكرة الرمل.
محمود درويش
• يا لها من سنين بعيدة، نائية!
سألتقط هذه الأطياف بلا سرد تاريخي متصل
مثل الأمواج التي تروح وتجيء.
بابلو نيرودا
• بعض الذين يكتبون مذكراتهم، يريدون بذلك أن يحيوا سنوات صباهم السعيدة مرة أخرى.
ب. غارشن
• إن الذي بعث غير الذي كان حياً، إنهما متشابهان.
أندريه مالرو
• يا للأشرعة التي تطوى..
سان جون بيرس
ما زال المشهد ماثلاً أمام عيني الفتى..
عربة محملة باثاث البيت، يجرها بغل عبر البرية الواقعة ما بين حي الكامبات وبين حي براكات السريان. ما زال يذكر القبو المؤلف من غرفة واحدة التي نزلت أسرته فيها بعد أن أحيل والده إلى التقاعد.
تساءل كثيراً عن معنى كلمة «تقاعد» إلا أنه لم يعرف معناها إلا بعد سنوات طويلة.. وكل ما يذكره الفتى، بعد أن سمع هذه الكلمة التي قالها والده أكثر من مرة وهو يناقش زوجه، عليهم إخلاء البيت في الكامب. لأنه أصبح خارج الخدمة، أصبح من المتقاعدين، والبيوت هذه في الكامبات هي مخصصة لجنود داخل الخدمة.
يذكر الفتى، أنه لم يعرف يوماً بيتاً له سوى ذاك الكامب. لقد سمع من والدته، أنهما، هي وزوجها، والده، وابنها البكر، عندما جاؤوا إلى حلب، سكنوا في منطقة تسمى«كرم الجبل»، لقد سمع شقيقه الكبير يتحدث عن تلك المنطقة، وعن تلك الغرفة التي سكن فيها مع والديه.. سمعه يقول بكثير من الخيبة: لقد كانت الغربة التي عشتها فظيعة وقاسية، حتى أنها كانت تدفعني في كثير من الأوقات إلى البكاء، طالباً من أمي العودة إلى القرية التي رحلنا عنها.
أما الفتى، فلم يعرف عن أسرته شيئاً في تلك السنوات التي تحدث عنها شقيقه الكبير، لأنه ببساطة لم يكن مولوداً بعد. لم يعرف الفتى، ولا يذكر عن هذه المرحلة شيئاً.. كما إن والديه لم يتحدثا عنها أمامه. بقيت السنوات الخمس الأولى من رحيلهما عن القرية إلى مدينة حلب، غامضة.. وغير جلية الملامح والوقائع، حتى أن شقيقه الأكبر، وكان يكبره بست سنوات لم يخبره شيئاً مفيداً عن تلك المرحلة. أما شقيقه الثاني الذي كان يكبره بثلاث سنوات والذي مات في الأسبوع نفسه الذي ولد الفتى فيه فلم يعرف عنه شيئاً أيضاً..
وقبل الحديث عن مرحلة ما بعد تقاعد والده، كان لا بد للفتى أن يتحدث عن شقيقه الأكبر، أو بالأحرى عن شذرات من حياته منذ أن وعاها وهو طفل صغير لا يتجاوز السادسة.
ولكن هذه الشذرات، يقول الفتى: عندما أرصفها اليوم إلى جانب بعضها بعضاً، لا تبين لي سوى الصورة العامة لحياة أخي البكر، أما تفاصيلها فلا أتذكرها.. هذا من جهة ومن جهة أخرى، أن لهذه التفاصيل بعض الخصوصية، والخوض- برأيي- فيها ليس مفيداً، وأيضاً ليس أخلاقياً. لأن لكل واحد منا خصوصياته لذا سأهمل الحديث عنها.
أولى هذه الشذرات وكأنها خيال يعبر ذاكرتي: تلك الهرة البيضاء التي كان أخي قد اشرف على تربيتها، لا أذكر متى أو كيف ضم تلك الهرة البيضاء إلى حياته، بصفة خاصة، وإلى حياة الأسرة بصفة عامة. أتذكرها كيف كانت تعود من الخارج، تنتقل بيننا فرداً فرداً، تشم رأس كل واحد منا، ونحن نيام في الفراش، كانت ما إن تصل إلى أخي حتى تدس نفسها إلى جانبه لتنام معه حتى الصباح.
ذات يوم عدنا من القرية في أواخر الصيف، قبل أن تفتتح المدارس أبوابها، لم نجد الهرة في البيت.. أنا لا أذكر إن كان أخي قد ترك الهرة لدى بعض أصحابه الذين يماثلونه في السن عندما سافرنا إلى بيت جدي في القرية، أم أنه تركها في البيت، أو خارجه.. أما لماذا لم يأخذها معه إلى القرية؟ فلا أعرف جواباً لهذا السؤال. لقد سمعت أمي تتحدث مع من؟ لا أذكر، إنما أتذكر حديثها فقط. كانت تقول: المسكينة، رأيناها متفسخة في البرميل، لعلها كانت تبحث عن الطعام في داخله، أما عندما حاولت الخروج منه فلم تستطع، فماتت جوعاً وعطشاً، يا لها من مسكينة.
ظل أخي حزيناً على هرته البيضاء شهوراً طويلة، ليس هذا وحسب، إنما كان يحس بتأنيب الضمير لإهماله لها في ساعة سفره. كنت أسمعه يقول: ما الأمر الذي ألهاني عنها في ساعة السفر؟ لم يجد جواباً على تساؤله هذا أبداً.
هذا الأخ، كما قلت، كان يكبرني بست سنوات، فأنا لا أذكر أن علاقة قامت بيني وبينه كأخين إنما كانت أشبه بعلاقة الابن بالأب.. خاصة في وضع غياب أبي الدائم عن البيت! كنت أشعر بأن هناك سداً ما يقف بيني وبينه. لا أذكر بتاتاً أننا تجولنا معاً أو لعبنا سوية أو تحادثنا غير الأحاديث التي كنا مضطرين للحديث بها. لذا أهملته تماماً كنت أعتبره غريباً بالنسبة لي.
هذا الغريب، كنت شاهداً على عدة قصص حب عاشها، أذكر منها اثنتين بشيء من التفصيل. الأولى يوم كنا في الكامب مع فتاة شركسية، كانت تربطه بأخيها الذي يماثله في السن علاقة صداقة قوية. ورغم أنهما- أي أخي والفتاة- كانا صغيرين، لا يتجاوز الواحد منهما الخامسة عشرة إلا أن قصة حبهما شاعت في الكامب كله واستمرت حتى رحيلنا عنه، ولم تنته أبداً.. رغم أنها أخذت مساراً آخر، أي ظلا بعد زواجه وزواجها صديقين.. لا أعرف إن كانت الفتاة قد تحسرت على أخي مثلما كان هو يتحسر عليها وظل كذلك حتى اليوم. أما الفتاة الأخرى فكانت مسيحية، بعد انتقالنا إلى براكات السريان، كانت جارة لنا، كانا قد أحبا بعضهما، ولقد حاولت أن تستخدمني مراسلاً بينهما، إلا أني تملصت من المهمة بتهذيب.. إلى اليوم الذي رأيت فيه تحول أخي عنها، لماذا؟ لا أعرف. ولم أعرفه حتى اليوم. لقد رأيتها أكثر من مرة تبكي أمام النافذة، وهي تحاول بكل الوسائل أن ترده إليها. إلا أنه لم يرضخ لدموعها، حتى أنني كرهته لذلك وقلت عنه: له قلب من حجر..
هذا الأخ الذي قلبه من حجر، فشل في دراسته مثله مثل معظم أبناء جيله من أصدقائه الذين عرفتهم فانخرط في العمل بعد ذلك.. هذه المرحلة من حياته أجهلها تماماً، إلا أنه كان دائب التأنق يعمل طوال الأسبوع ليصرف على نفسه ما كان يتقاضاه من أجر.. عرفت فيه حبه الكبير للسينما، خاصة أفلام فريد الأطرش، وحبه الكبير أيضاً لكرة القدم. كنت أحسده! أولاً لأنه يعمل ويحصل على المال ليعيش حياته مستقلاً عن الأسرة كما يرغب ويشاء، يذهب إلى السينما أو المسبح أو إلى الملعب لمشاهدة مباريات كرة القدم. ثانياً: لأنه لا يرتبط بالدراسة التي أخذت أملّها في تلك السنوات.
هذا الأخ، روّعنا ذات يوم. لقد جاءنا أحد أصدقائه وقال لنا: أن المباحث أخذته من مكان عمله!
وفي تلك السنة 1959، كانت الاعتقالات على أشدها في صفوف الشيوعيين والوطنيين، أذكر اليوم كيف ضحكت لناقل الخبر ضحكة قوية، حتى أنه، أي ناقل الخبر، التبس عليه أمر ضحكتي، فانسحب خائفاً وسارع في سيره واختفائه.. نهرتني أمي بشدة لذلك. فقلت لها: لا تصدقي هذا الأمر. ثم سألتها: لماذا يعتقلونه؟ أولاً لا علاقة له بالسياسة أو بأي نشاط يفضي إلى هذا الطريق.. ولكن أمر الاعتقال تأكد لنا في المساء عندما لم يعد إلى البيت. ذهبنا إلى منزل صاحب عمله وكان في الحارة، سألناه عن الأمر. أكد لنا أمر اعتقاله، ثم أضاف لم يأخذوه وحده، إنما أخذوا معه اثنين آخرين، وذكر لنا اسميهما، لقد نسيتهما، إذاً خبر اعتقال أخيك صحيح يا فتى.. شعرت بالخوف والحزن.
لقد عانى البيت في اليومين اللذين أمضاهما في المخفر للتحقيق معه، ضياعاً تاماً. كان الاضطراب والبكاء والخوف.. كل هذه المشاعر لا تسكن في صدورنا فقط إنما تحلق فوق رؤوسنا أيضاً. وعندما أطلق سراحه حدثنا عن سبب اعتقاله، وهو أن أحد أصدقائه الذين يعملون معه كان شيوعياً، أوفي حكمه، فشمله الاعتقال أيضاً ولم يطلق سراحه إلا بعد أن وجدوا في حقيبته الصغيرة صورة للزعيم.
حتى اليوم أتساءل، لماذا حوت حقيبة أخي تلك الصورة، لأنه لم يكن في يوم من الأيام من المشتغلين في السياسة، أو حب فلان أو علان من القادة السياسيين، ولقد حاولت أكثر من مرة أن أسأله عن ذلك، ولكني لم أجرؤ! كنت صغيراً يوم اعتقاله، ولم أسأله بعد أن كبرت، لأن القضية برأيي لم تعد «محرزة» كما يقولون. لقد أهملت الأمر برمته بعد ذلك.
هذه الشذرات التي أذكرها عن أخي البكر، عمرها أكثر من خمس وأربعين سنة مضت.
سأعود، يتابع الفتى: إلى الحديث عن أيام تقاعد والدي. عندما تسلقت العربة وجلست فوق «عفش البيت» الذي حمّلناه، شعرت لأول مرة بأن أسرتي من الأسر الفقيرة، وعليها الرحيل ككل الفقراء إلى «براكات السريان»لتبدأ حياة جديدة.
ظللت أنظر إلى الوراء والعربة تتقدم إلى الأمام، إلى عكس ما كنت أنظر إليه، حتى شعرت بألم حاد في عنقي مما اضطرني ذلك إلى أن أغير من جلستي، فقمت أدير ظهري للحي الذي نذهب إليه للسكنى، أما وجهي فكان لحي الكامبات الذي نرحل عنه.
كان اليوم بارداً، رغم أن الشمس كانت ساطعة بقوة والسماء، أذكرها تماماً، كانت زرقاء بصورة غريبة، حتى أني لم أرها فيما بعد بتلك الزرقة الزاهية أبداً.. كان والداي يتابعان العربة سيراً على الأقدام، أما سائق العربة فكان يغني بصوت أجش أغنية ما تزال كلماتها الحزينة تدور في أذني من دون أن أقدر على حفظها.
عندما بدأت بيوت براكات السريان بالظهور، بدأت الكامبات بالاختفاء رويداً رويداً حتى اختفت تماماً وراء خط التل المنحدر من أعالي ثكنة «طارق بن زياد» إلى الطريق الإسفلتي الذي يؤدي براكبه إلى قريتي.. عند هذه النقطة تساقطت الدموع من عيني، ثم بعد ذلك انفجرت ببكاء مر وطويل بعد أن عرفت أن مرحلة من حياتي قد انتهت.
وبعد مرور العربة بين بيوت براكات السريان التي اختفت ملامحها وراء الدموع التي كانت ما تزال عالقة بأهداب عيني، توقفت أمام دار لأنزل من العربة ونبدأ بنقل «الأثاث» إلى غرفة وحيدة معتمة، وضيقة وغائصة في الأرض عدة درجات. هذه الغرفة/ القبو لا أذكر شيئاً من حياتنا التي عشنا فيها لمدة شهور لا غير قبل أن ننتقل منها في يوم شتائي عاصف إلى حوش «نجيب غنيمة»في الحي نفسه.
كانت الحوش مؤلفة من أربع غرف، تقابل كل اثنتين بعضهما بعضاً، تحيط بها حديقة ليس فيها سوى شجرة واحدة مهملة. أما صاحب الدار فكان شيخاً نحيلاً، بخيلاً، يقارب الستين من العمر. هذا إن لم يتخطاها من زمن. كان يضع طربوشاً أحمر على رأسه، ويرتدي طقماً رمادياً في كل الفصول والشهور خلال السنة.
أذكر عندما انتقلنا إلى حوش «نجيب غنيمة»لم يمر شهر على ذلك حتى استدعي والدي إلى الخدمة الاحتياطية على خلفية العدوان الثلاثي على مصر. هذا الوضع رمانا، أقصد كأسرة، في حالة من عدم الاستقرار المالي الذي أثر على حياتنا بشكل كبير. كان والدي قد أعيد مرة أخرى كعسكري احتياط إلى الجبهة، لذا كان وصول الراتب إلينا يتأخر أحياناً أكثر من شهر. فكانت أمي تضطر إلى الاستدانة، أحياناً من الجيران والأقارب، ولكن في معظم الأحيان تؤمّن مصاريف الأسرة وحاجاتها من أصحاب الدكاكين التي كنا نستدين منها، مثل الخضرجي واللحام والفران.. لهذا كانت الأسرة تقع في كثير من المشاكل عندما كان الراتب يتأخر في الوصول إلينا.
هذا الوضع الذي أتحدث عنه، رماني ذات مرة في حالة غياب عن الوعي، لا أعرف كيف..
هذه الحالة إلى اليوم، أتذكرها بكثير من التفاصيل، لأنها كانت قاسية وشديدة الوقع علي بحيث صدعت لي نفسي بالكامل.. لم أعرف كيف غرقت في النوم. ولكني عندما استيقظت وجدت نفسي ألوذ في زاوية من الغرفة الوحيدة التي أسكنها مع أسرتي، وكنت قبل ذلك قد سمعت من أمي تقول: هذا هو الشهر الثالث في تأخر وصول الراتب إلينا. لهذا تراكمت الديون علينا، ولهذا الأمر بالذات امتنع اللحام والفران والخضرجي عن إقراضنا. أما صاحب الدار(غرفتنا) التي نسكن فيها فسأؤجل الحديث عنه إلى فترة لاحقة.
أذكر كنت قابعاً في زاوية البيت، وأنا أسمع صراخ الخباز واللحام والخضرجي بآن واحد، لقد اجتمع الثلاثة معاً، لا أدري إن كان ذلك عن طريق المصادفة أم كان اتفاقاً فيما بينهم؟ اجتمع الثلاثة في جوقة، وراحوا ينوحون من أنهم يريدون أموالهم. ديونهم عن الأكل والشرب الذي قدموه لنا، حتى أن الخباز هدد بأنه سينتحر أمام بيتنا إن لم نسدد ما علينا من دين له! أما أمي فلم يكن بيدها حيلة، راحت تضبط نفسها لكي لا تنفر الدموع من عينيها وهي تقول: ماذا أستطيع أن أفعل لكم، لقد تأخر الراتب؟ لقد.. ثم انفجرت تشهق ببكاء مر.
أذكر، يتابع الفتى: عندما رأيت نشيج أمي ودموعها، صرخت وأنا مشدود إلى الحائط بأعلى صوتي وجسدي كله يرتجف خوفاً وذعراً. سكت الثلاثة والتفتوا إلي باستغراب غير مصدقين ما سمعوه من صراخ! ظلت شفتي العليا ترتجف طويلاً بعد الصرخة التي أطلقتها، وبدأت دموعي تنهمر بغزارة على خديّ. ثم ما لبثت أن غبت عن الوعي.
بعد هذه الواقعة لم يتقدم الثلاثة من البيت، لمدة تزيد عن الشهرين، ولكن خلالهما كانوا قد قطعوا عنا اللحم والخبز والخضار.. وما إن بدأ الجوع يعمل في بطوننا ويرمي أجسادنا إلى الهزال والضعف حتى سرح والدي وعاد إلى البيت.
هذه الصورة تكررت في أحلامي بأوضاع مختلفة في ليالي سهادي الطويلة.. هكذا تخيلت الأمر، ما لبث أن تسلل إلى داخلي صوت لم أعرف صاحبه، يقول لي: لا تحاول أن تخدع نفسك، فأنت لم تحلم إنما تذكرت فقط.. لأن الصورة التي تحاول أن تقنع نفسك بها، على أنها حلم، كانت واقعاً، لقد عشته لحظة بلحظة.. ثم سألني الصوت بشيء من الاستفزاز: حاول أن تكذبني إن استطعت؟
تراخت أعضائي فعدت أجلس على طرف السرير، وأنا أتذكر الصورة التي خيل لي أني رأيتها في الحلم. نعم، لقد تذكرت، يؤكد الفتى لنفسه: تلك الصورة لحظة بلحظة.. ولكني لا أعرف كيف مرت تلك الدقيقة المخادعة التي دفعتني إلى النسيان.. نسيان أمر لا يمكن أن أنساه أبداً..
لذا اختلطت حياتي اختلاطاً عجيباً، فلم أعد أميز الحلم عن الواقع، ولا أفرق بين ما عشته وما حلمت به ورأيته في المنام. لقد تداخلت الصور والأشياء والرغبات والأحلام والأحداث اليومية بشكل غريب! كانت حياتي هذه تضعني أمام التساؤل من جديد: أهذا الأمر كان حلماً رأيته أم واقعة عشتها؟ ولكني مع الأسف لم أكن أجد، كالعادة الإجابة الشافية، إذ كنت أترك نفسي، رغماً عني تتخبط في الضياع والتيهان.. فدفعني هذا الأمر إلى الخروج من نفسي والتوجه إلى الآخرين.
لهذا، يتابع الفتى: استيقظت ذات يوم بعد غفوة قصيرة، أو هكذا خيل لي.. قمت متوجهاً إلى المرحاض، ولكني قبل أن أخرج من الممر الواسع العاري الذي يفصل بين كل غرفتين سمعت صوت أمي وهي في جمع من النسوة تقول: المصادفة وحدها دفعتني لرؤية ما رأيت، وسماع ما سمعت. رأيت زينب تخرج من غرفتها والدنيا ما بين الساعة الواحدة والثانية من الليل، استغربت ماذا دفعها لتخرج وهي بكامل زينتها من البيت في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ رأيتها تتوجه إلى بيت صاحب الدار.. وحسب معرفتنا كان إيجار البيت قد تراكم على والدة زينب التي كانت قد تخطت الستين منذ زمن طويل، كانت والدتها امرأة سمينة، عوراء، يدل مظهرها الخارجي على الفقر المدقع القادم من الريف لا غير.
تابعت أمي قائلة: خرجت زينب بخطوات هرة مدربة، من دون صوت أو حس.. وما أن وصلت إلى باب غرفة صاحب البيت حتى تسللت إليه بخفة.
وتضحك أمي وهي تتابع: لا أعرف الأمر الذي شجعني على الانسحاب من الفراش والخروج إلى الصالة، متقدمة من باب صاحب الحوش الذي لم يكن مغلقاً بإحكام.
تضحك أمي وتتابع: صحيح لم أر ما كان يقومان به، إلا أنني، ومن صوتهما، عرفت ما يقومان به.. كان العجوز، على ما يبدو، لا يستطيع أن يجاري زينب، كان يكح وهو عاجز عن إتمام ما كان يقوم به.. لقد ظل المسكين أكثر من ساعة في محاولاته دون جدوى حتى سمعته يقول لها: لقد تعبت، لم تعد لدي القدرة على المتابعة.. وساد صمت ما لبث أن ارتفع صوت العجوز وقال: خذي.. هذه أجور الشهور الثلاثة.. وغداً، أمام بقية المستأجرين ادفعيها لي كأجور الشهور التي بذمة والدتك.
تابعت والدتي: وقبل أن تخرج زينب، انسحبت عائدة إلى غرفتي.
ضجت النسوة بالضحك بينما واحدة منهن تقول معلقة: الآن عرفت سبب الطريقة التي قدمت بها زينب، صباح اليوم، نقود الآجار للقرد نجيب.. لقد استغربت تماماً ما قامت به، شعرت كأنها تريد بذلك أن أرى وهي تدفع له ما بذمتها من المال.
هذه الحكاية التي سمعتها من فم والدتي، رغم أنها حكاية مريرة، إلا أنها مضحكة، لهذا كانت النسوة ومن بينهن أمي، قد أطلقن حناجرهن بالضحك الصاخب، حتى أن زينب خرجت من غرفتها رغم أنها كانت في أقصى الحوش تستطلع أمر ضحكهن.
واليوم أتذكر تلك العائلة وفيما شاهدت من حياتها وما رأيت من عيشها.
لقد جاءت ذات يوم شتائي لتستأجر إحدى غرف الحوش الفارغة منذ ثلاثة شهور، أول الأمر بدت لنا العائلة غريبة! حاول معظم قاطني الحوش معرفة شيء عن حياتها، بعد أن لفت نفسها بالغموض، فلم يستطع أحد من قاطني الحوش انتزاع معلومة مهما بدت صغيرة منها. كانت الأسرة مؤلفة من أخ يعمل في صباغة الأحذية، وأختين، الكبرى، كانت تدعى زينب، أما الصغرى فكانت بنصف عقل كما يقولون، ولكنها كانت ذات جسد بديع متناسق، مكتمل كأنه لأنثى ناضجة، رغم أنها كانت في الثالثة عشرة من العمر.. ولما كانت الأسر الأربع فقيرة، ولها من المشاكل ما يكفيها شر البحث في أمور العائلات الأخرى أهملوا السؤال عن العائلة الجديدة التي سكنت معهم في الحوش، ولم يهتموا بها إلى أن جاء يوم، وتم فيه فضح كل شيء!
كان للأسرة بعض المعارف يترددون عليها، ومن بينهم رجل أربعيني يرتدي قمبازاً وطربوشاً أحمر اللون، عرفت فيه العائلات، كما أشارت أسرة زينب، عماً لها.. وكان يطلق عليه لقب عم البنات.
هذه الصفة لم يقتنع بها أحد من قاطني الحوش. كانت ترى فيه، أي العم، رجلاً غامضاً وراءه حكاية ما! ولكن شهادة لله، كما يقولون، كان مهذباً، وخيّراً، كنا نراه يحمل بين الفينة والأخرى من زياراته للأسرة بضعة أكياس من الفاكهة والخضار والحلويات كلما جاء إلى بيت أخيه المتوفي كما زعموا. ولكن العائلات ما لبثت أن تجاهلت أمره كأنها اتفقت فيما بينها، مادام الرجل يأتي بشرف ويذهب بشرف فما دخلنا نحن، إن أمره كان مريباً أو واضحاً.
ولكنا، ذات يوم، كان الليل في أوله، جاء العم وهو في وضع مزر، لا يقوى على الوقوف، حيث رائحة الخمر تفوح منه..
دخل إلى الحوش بصخب منادياً على زينب أن تأتي إليه.. كان يضحك ويغني، وفي آخر الأمر أخذ بالرقص طالباً من النسوة اللواتي خرجن من بيوتهن أن ترقصن معه.
كانت فضيحة.. بعد أن اتضح للجميع أن العم المزعوم ما هو إلا عشيق لزينب.. ولم تمر أيام حتى هربت الأسرة بعد افتضاح أمرها من الحوش إلى جهة مجهولة.
* * *
يتابع الفتى حكايات حوش نجيب غنيمة ويقول: ذات يوم سمعت إحدى جاراتنا، وكانت تدعى فهيمة، تحدّث أمي عن الأحلام التي تعيشها وهي مستيقظة. استنكرت أمي قول الجارة، وقالت لها: ما أعرفه يا فهيمة، أن الإنسان يحلم عندما يكون نائماً، أما عندما يكون يقظاً فهو لا يحلم، لأنه مفتوح العينين، لأنه يعيش يومه بكل ساعاته ودقائقه حتى ساعة المساء حيث النوم يكون في الختام.. وعندها، تتابع أمي: يمكن للإنسان أن يحلم!
كنت موافقاً على رأي أمي هذا، لأنني بدوري، لم أسمع بأحلام اليقظة هذه التي قالت بها جارتنا. إلا أن الجارة كانت تضحك وتقول متسائلة: أحقاً لا تعرفين أحلام اليقظة أم أنك تحاولين أن تعرفي بما أحلم وأنا يقظة؟
كانت أمي تهز رأسها وهي تقسم بالله، أنها لا تعرف شيئاً عن أحلام اليقظة هذه. ثم كان من أمي أن سألت الجارة: ولكن قولي بحق الله، بمَ تحلمين وأنت يقظة؟
كانت الجارة تنفجر بالضحك وهي تقول: كلا.. أنا الآن لا أحلم، لأن أحلام اليقظة لا يمكن للإنسان أن يحلم بها إلا إذا كان بمفرده، وحده في البيت، مغلقاً على نفسه الباب والنوافذ، أو من كان في برية واسعة، حوله الهدوء والسكون، وفوقه السماء..
تسألها أمي: وكيف تحلمين. ما هي الأحلام التي ترينها؟
تضحك الجارة وتقول: لا تأتيني الأحلام كما تأتي المرء عندما يكون نائماً، إنما أنا، أنا أختار الحلم الذي أريد. وتحدق في عيني أمي وتقول سائلة: هل تريدين أن أحدثك عن حلم من هذه الأحلام؟
تفرح أمي كطفل صغير وتقول: نعم.. هاتي يا فهيمة، احكي لي عن أحلامك.
تبدأ الجارة بالحديث: كثيراً ما حلمت ببيت واسع، أشبه ببيوت الأغنياء، حيث الغرف الكثيرة، الواسعة، والممرات العريضة التي توصل ما بينها.. أحياناً أحلم ببيت واحد، مثله مثل كل الناس الذين نعرفهم، بيت ذي طابق واحد، يعلوه طابق أو اثنان، وآخر تحت طابقك الذي نقطنه، أنزل في زيارة لساكنيه، نشرب القهوة- وتضحك فهيمة وهي تكرر لأمي- أسمعت؟ نشرب القهوة فقط، أو أصعد للطابق الذي يعلو الطابق الذي أسكنه، أجالس صاحبة البيت نتحدث عن جميع أمور هذه الدنيا، لا يتصل بحديثنا مهما طال، حديث الفقر والعوز والمرض.. وأيضاً الذل الذي لا نعرف غيره يا أم عبدو، نتحدث عن مباهج الحياة وحلاوتها، وأيامها التي تركض بنا بين فرح ومرح، نرى أولادنا يكبرون أمام عيوننا أصحاء، موردين، أنيقين لا يعرف أحدهم لباساً به رقع أو مزق، كلما احتاج أحدهم إلى لباس ننزل إلى السوق لنتسوق ما نحتاجه.
هذه الرغبة التي في صدري يا أم عبدو، هي صورة من أحلام يقظتي، أما الصور الأخرى فأشتط في حلمي كثيراً، لا أقبل ببيت ذي طابق، إنما ببيت واسع، كثير الغرف والممرات، تحيط به الحدائق، تعلوه الأشجار، وتخفيه عن أبصار السماء الأغصان والظلال والأوراق. ترفعين رأسك فلا ترين فوقك أي قطعة من السماء، إنما بساط من الأوراق الخضر والظلال الظليلة التي تبعث في صدرك ولحم يديك المعرى البرودة والانتعاش.. في هذا البيت الكبير تلف وتدور في حدائقه أياماً وشهوراً دون أن تمل من مناظرها أو مشاهدها من ماء وأعشاب.. أما عندما تدخل إلى البيت، فتجد الأرياش.. أحلم وأنا مفتحة العينين قابعة وحدي أمام النافذة الوحيدة التي في داري، أحدق عبرها إلى الخارج، أنظر إلى جذع الشجرة اليابسة العارية، فأرى في يقظتي، الستائر المزدانة بالألوان والورود والمشغولة بالتخريم. أرى الأرائك والكراسي المنجدة بالمخامل، أرى الأسرّة المذهبة الأرجل، تعلوها الأفرش الصوفية والأغطية الحريرية، أرى في الأعالي، حيث تتدلى الثريات من السقوف، ويستقيم على الحيطان والجدران الكريستال في مصابيح صغيرة تنيرها بكل الألوان، أرى السجاد العجمي على الأرض تغطي الأرضيات والممرات، سجاد أحمر وأزرق وأخضر وكرزي وأبيض، أرى من حولي الخدم يقومون بكل الأعمال من طبخ وغسل وتنظيف، أرى خادمة خاصة بي وحدي.
تصمت فهيمة وهي تضحك، وعلى محياها شيء من الحزن وأشياء كثيرة من الخيبة والقهر وهي تقول: هل عرفت يا أم عبدو بماذا أحلم وأنا في يقظتي؟
كانت أمي تهز رأسها وعلى وجهها مسحة شرود، كأنها هي بدورها بدأت تحلم أحلام يقظة كما فهيمة تحلم.
لا أريد هنا أن أتحدث كيف انتقلت هذه اللغة التي سمعتها على لسان فهيمة، كيف انتقلت إلي؟ أي كيف أصابتني عدوى الحلم باليقظة؟ قبل الحديث عن جوانب أخرى كنت قد سمعتها هنا وهنالك من الجيران عن جارتنا فهيمة التي ماتت بداء السل بعد ذلك بسنوات طويلة. يقال: إن فهيمة كانت فتاة جميلة، رغم أني لم أجد فيها أي ملمح من ملامح الجمال، رغم أنها كانت ما تزال امرأة شابة إلى حد ما، فهي ما بين الثلاثين والخامسة والثلاثين من العمر.. إلا أنها مرت بتجربة قاسية جداً قبل زواجها. كانت في الخامسة عشرة من العمر عندما اعتدى عليها عشرون رجلاً في يوم واحد، اعتدى عليها العشرون بالتناوب، كانوا قد جاؤوا لمخفر القرية لأمر لم يعرفه أحد. كانت الخمرة قد أخذتهم في دروب الشيطان، هكذا قالوا. أما فهيمة فقد اعتادت أن تأتي إلى المخفر، إلى العم أبو مصطفى، وكان هذا عريفاً، تجاوز الخمسين، كان يرفع لها ما يزيد من طعام وخبز عن عساكر المخفر، لتذهب به إلى أهلها ليقتاتوا به. ولكن العريف في ذلك اليوم لم يكن موجوداً، كان قد رحل إلى المدينة بمهمة. وقد جاء العسكر العشرون منذ الصباح، ومنذ الصباح كانوا قد أخذوا في شرب الخمرة، يقال، عندما وصلت فهيمة إلى المخفر كان عساكرها قد لعبت الخمرة في عقولهم لعباً، فأخذتها أخذاً.. فوجدوا في فهيمة امرأة ناضجة، وليس صبية صغيرة بالكاد نما لها صدر..
بعد هذه الحادثة رحلت أسرة فهيمة من القرية إلى قرية أخرى، وفيها تم زواجها من رجل فقير مثل أهلها، ولكنه حملها مع ولدها الأول إلى المدينة، حيث عمل فيها خادماً في أحد الفنادق.. وما زال حتى الآن رغم بلوغه عمراً كان عليه أن يجلس في بيته ويرتاح.
هذه المرأة هي التي زرعت بذرة أحلام اليقظة في نفسي، فرحت أحلم وأحلم بكثير من الأمور، وكان جل ما أحلم به هو الانتقام من الذين يسيئون إلى أمي أو أبي عندما يأتون ويطالبون بطرق فظة ما استدانه والدي منهم ثمناً للخبز واللحم والخضار.
وكنت، يتابع الفتى: أحاول أن أخترع طرقاً بعينها للانتقام من الخباز واللحام والخضرجي. ثم أختار لكل واحد منهم طريقة معينة للموت.. ولكني كنت ما ألبث أن أنسى حلمي لأتابع حياتي مثلي مثل كل الأطفال الذين لا يتعدى عمرهم العاشرة.
في هذه السن، جلست وردة، وهي الابنة الصغرى لجارتنا فهيمة، وكانت تماثلني سناً أو أصغر مني بعام واحد.. كان جل حديثي معها، أن تحدثني عن والدتها وهي تحلم كما أخبرت أمي. كانت وردة تضحك وتقول: لم أر أمي ذات يوم تحلم. ثم تضيف: ولكني أسمعها في بعض الأحيان تتحدث عن أحلام رأتها في المنام، وتطالب من تحادثهم تفسيراً لها. كنت أستغرب التناقض ما بين كلام وردة وبين كلام والدتها، لما سمعته وهي تحدث أمي.
إلا إني لم أنس الأمر أو أهمله.. فلجأت إلى وداد الأخت الكبرى لوردة، وطلبت منها ما كنت طلبته من شقيقتها وردة. كانت وداد في الثالثة عشرة أو أكبر بسنة. كانت تضحك بخبث وتقول: وماذا تريد من أحلام والدتي؟ تعال لأدلك على لعبة نسعد بها نحن الاثنين.
سألتها بفضول: أي لعبة تقصدين؟
أجابت: تعال معي.
أمسكت بيدي وجرتني صاعداً وراءها إلى سطح الحوش.. حيث السكون التام والعزلة عن الآخرين. حيث أصبح فيما بعد ملعباً دائماً من ملاعب يفاعتنا. كانت قد دفعتني أمامها أول الأمر، وما أن أصبحنا بحذاء الحائط الذي يفصل سطح حوشنا عن سطح الحوش الملاصق حتى سألتني، إن كنت قد لعبت مع أختها وردة لعبة العروس والعريس؟ لم أستوعب ما قالته لأنني لم أشارك في مثل هذه اللعبة من قبل. قلت: لا.. هيا علميني إياها.
ضحكت بخبث وقالت: هل أنت صادق معي، من أنك لم تلعب مع أختي؟
أقسمت لها برأس والدتي، إني لم أفعل. قالت: صدقتك. ثم قالت بعد تردد: أتريد أن نلعبها؟
أجبتها: نعم.
قالت: إذاً هيا اخلع عن نفسك الثياب.
قلت لها مستغرباً: لماذا؟ وما دخل الثياب باللعبة؟
قالت: لأن اللعبة لا يمكن أن تتم إن لم نخلع عن جسدينا الثياب..
التفت حولي بعد أن زحف الخوف إلى نفسي، خاصة عندما تذكرت أن هناك بعض الجيران يصعدون إلى السطح لأمر ما، ومنهم أمي. فقلت بتردد: ماذا لو صعد أحدهم إلى السطح؟
أجابت بحماس: لن يصعد إليه أحد.
ولكني لم أفعل.. وعندما حاولت إرغامي على ذلك، ركضت نازلاً عن السطح.
هذه الواقعة ظلت في نفسي طويلاً، خاصة عندما كانت وداد تحدجني بنظرة فيها شيء من الازدراء، وأحياناً كنت أسمع منها كلمة: جبان..
ذات يوم، كنت مع وردة، في بيتنا، ولم يكن فيه أحد، لقد خرجت أمي إلى السوق ووالدي إلى عمله، سألتها، إن كانت تعرف لعبة العريس والعروس؟
نظرت إلي باستفهام وقالت ببطء: لماذا تسأل؟
قلت لها:إن كانت تعرف، هل لديها المانع في أن نلعبها سوية؟
ضحكت وهي تتمنع قائلة: وأنت هل تعرفها؟
قلت بعد صمت بتردد: يعني..
قالت سائلة: مع من كنت تلعب هذه اللعبة؟
قلت مجيباً: ليس مع أحد..
ضحكت قائلة: إذاً كيف كنت تلعب.. أمع نفسك؟
أجبتها: كلا.
هزت رأسها وقالت: لا بأس. هيا.. وأمسكت بيدي وشدتني إلى الأريكة القائمة بقرب الباب. ثم تمددت فوقها وقالت: تعال تمدد إلى جانبي.
لم أفعل ما طلبته مني. ظللت واقفاً بقربها متردداً. سألتني: ما بك.. ألا تريد أن تلعب؟
أجبتها: أريد.. ولكن ألا تريدين أن نخلع الثياب عنا..
نظرت إلي باستغراب كأنها تسألني: لماذا؟
لم أقو على الصمت وأيضاً على الجواب، لأني لم أكن أعرفه. إنما قلت لها: لا أعرف.. هذا ما أخبرتني به وداد.
ضحكت وقالت: لا بأس.. لنخلع ثيابنا.. لا بد أن وداد تعرف أكثر منا.
هذه الواقعة، طبعاً تلتها وقائع أخرى، لم أنسها حتى اليوم، وأيضاً لم تنسها وردة، لأنني كلما أراها اليوم في شوارع الحي وذلك عن طريق المصادفة، تطرق وجهها إلى الأرض ولا ترفعه إلا بعد أن تتخطاني بعيداً، رغم أنها تزوجت وأنجبت أولاداً وأصبحت جدة أيضاً. كنت أمر بها مرفوع الرأس، أضحك فيما بيني وبين نفسي بغرور.
* * *
أفقنا، نحن سكان الحوش، ذات صباح من صباحات الأيام الأخيرة للربيع،على صوت قرقعة عجلات عربة وهي تقف أمام باب الحوش، لتنزل منها عائلة مؤلفة من بنت وصبيين مع والديهما. هذه العائلة كانت تختلف عن العائلات الثلاث التي تسكن الحوش. هذه العائلة كانت لا تمت إلينا بصلة.. كانت غريبة على جونا، استغربت أول الأمر، كيف لمثل هذه العائلة أن تأتي لتسكن في الحوش الذي تسكنه ثلاث عائلات فقيرة، لا بل معدمة.. ولم تمر أيام حتى عرفنا بعض التفاصيل عن الأسرة وعن الأسباب التي دفعتها إلى المجيء والسكنى معنا.
كان رب العائلة، واسمه حكمت، شقيق صاحب الحوش نجيب غنيمة. جاء من أعماق منطقة الجزيرة، وما مكوثه مع أسرته في حلب إلا محطة أخيرة لانتقالهم بعد ذلك إلى بيروت.
هذه العائلة فتحت عيني على أمور كثيرة.. ولكني قبل أن أتحدث عن هذه الأمور، بي رغبة قوية للحديث عن الأسرة فرداً فرداً.
كان رب الأسرة، رجل يقارب الخمسين من العمر، ولكنه مازال يحتفظ بكثير من شبابه، كان دائم الأناقة، كنت أحسده على ذلك، كنت أقول لنفسي، عندما أكبر سأسعى إلى أن أكون أنيقاً مثل الـ(عمو) حكمت.
وعمو حكمت هذا كان دائم المرح، يضحك كثيراً ولكن بصوت خافت، كثير الثرثرة، كانت ثرثرته في معظمها على أن الإنسان يجب ألا ييأس وأن يقاوم، ولا بد له في يوم من الأيام أن ينتصر.. كان يملك صوتاً عذباً. كنت كثيراً ما أراه، وهو يلف أولاده الثلاثة حوله ويغني لهم أغنيات كانت معظمها لفيروز.. وبعض منها لمحمد عبد الوهاب. أما الأم، فكانت تكنى بـ(مدام ماريا)، كانت نحيلة، شاحبة الوجه، بها مرض دائم، كانت، لا أستطيع أن أقول عنها، تكره الحياة، إنما أستطيع أن أقول عنها، كانت تقول بأن الحياة ظالمة، وتعتبر نفسها مظلومة، لأن الحياة لم تعطها ما كانت تستحقه. لذا كانت دائمة الصمت، سريعة الهياج والبكاء. أما الابن الأكبر(سيمون) فكان يملك موقف والدته وآراءها في الحياة، إنما كان يشبه والده خاصة عينيه. كان مترفعاً، يدخل إلى الحوش ويخرج منها دون الاختلاط بأفراد الجيران. رغم أنه كان شاباً ما بين الثامنة عشرة والعشرين من العمر. كنت ألمس احتقاره لنا، رغم أنه كان يحاول أن يخفي ذلك عنا. كان ووالده كثيري الشجار والنقار. وكثيراً ما سمعت والده ينهي مناقرته معه بقوله: بحق المسيح لن تصبح بشراً يا بني!
أما الابن الثاني، وهو الأصغر، كان مثل أبيه دائم الحركة والضحك، حتى أنه انخرط بين صفوفنا حتى قبل أن نسمح له بذلك.. فجأة رأيناه بيننا كأنه يعرفنا منذ سنوات.
أما البنت فكانت من طينة أخرى تماماً. كان الولد الثاني في العاشرة أما البنت ففي الثالثة عشرة أو أكثر بقليل.. كان الصبي الثاني واسمه صبحي والابنة اسمها راحيل.. وهي على اسم جدتها- كما أخبرتني ذات يوم. كانت راحيل تملك روحاً بريئة، ولكنها على شيء من طبع والدتها، إلا أنها لم تنفر منا نحن الفقراء، صحيح هي لم تنخرط معنا مثل شقيقها الصغير صبحي، إلا أنها شاركتنا طوال أربعة أشهر من بقائها معنا في كل ألعابنا الجماعية.
لقد دخلت إلى بيوتنا، أقصد الغرفة الوحيدة التي كانت تسكنها كل أسرة من سكان الحوش، وأكلت معنا وشربت، ساعدت أمهاتنا في أعمالهن.. إلا أنها كثيراً ما كانت تبتعد عنا وتشرد بعيداً، كنت أشعر بأنها تنسحب إلى عالم آخر، كأنه ذاك العالم الذي جاءت منه، ذاك العالم الذي خرجت منه مرغمة لتعيش فيه من جديد عبر ذكرياتها عنه فقط.
بدأت يقظتي، وأنا أرى حياة جديدة في أسرة العم حكمت.. لأول مرة أرى أسرة تجتمع معاً على طاولة واحدة للطعام، وأمام كل فرد منها صحن وملعقة، يسكب من الطعام في صحنه، ويبدأ أكله منه فقط. لأول مرة أرى عادة خروج جميع أفراد الأسرة وهم يرتدون الثياب الجديدة والروائح الطيبة تفوح منهم وتلاحقهم، وتبقى وراءهم طويلاً بعد أن يكونوا قد اختفوا عن الأنظار، كانوا يخرجون جموعاً للصلاة في الكنيسة من صباح كل يوم أحد.
تعرفت لديهم على بعض الأطعمة التي لم أكن أعرفها سابقاً، ولم أرها فيما قبل أبداً! ذات يوم اقتربت مني راحيل، وفي يدها صندويشة. وقفت أمامي وهي تمضغ ما قطعته بأسنانها من الصندويش. سألتني إن كنت أرغب في بعض من الطعام الذي تأكله؟ فوجئت بسؤالها، لأنني لم أكن أتوقع ذلك. وبصورة عفوية سألتها ماذا تحتويه الصندويشة. قالت: مرتديلا.
سألتها باستغراب: ماذا؟
أجابت: مرتديلا.
سألتها: ماذا تعني.. ومم تتألف؟
ضحكت وهي تقول: أحقاً لا تعرف؟ ثم أضافت، إنها نوع من اللحوم المعلبة، إنه لحم غنم.
ثم قسمت قليلاً من الصندويش، وقالت: خذ ذقه.. إنه لحم طيب لذيذ.
نعم كان لحماً طيباً ولذيذاً.. ومنذ ذلك اليوم بدأت أحلم به، وما إن كبرت حتى رحت لا أستغني عنه إلى اليوم. كما أن هناك بعض الألعاب التي لم نكن نعرفها أبداً، أي قبل تعرفنا إلى هذه الأسرة.. منها لعبة(الباتيناج) هذه اللعبة المعدنية التي تشد إلى القدمين كأنهما فردتي حذاء، ولكن لها دواليب يمكنك أن تسير بهما بسرعة هائلة إن كنت تستطيع الجري عليهما. كان صبحي هو الوحيد الذي يلعب لعبة(الباتيناج) وأحياناً كانت أخته راحيل تنتعلهما.
كنت مبهوراً باللعبة، وأيضاً بحياة أسرة العم حكمت. قلت لنفسي، على ما يبدو أن هناك أكثر من حياة يحياها البشر، وأكثر من طريقة وأسلوب.. كان أبرز هذه الطرق والأساليب، هوالفارق بين حياة الأغنياء وحياة الفقراء، عرفت فيما بعد لا الأغنياء يعرفون حياة الفقراء ولا الفقراء يعرفون حياة الأغنياء، لكل واحد منهم حياته، وطريقته الخاصة في عيشها.. هذه الحقيقة فتحت عيني وأيقظتني مبكراً في سن لا يستطيع المرء أن يميز تمييزاً فاصلاً بين الحلم واليقظة.
ولكني تساءلت ذات يوم، ما الأسباب التي حطت بحياة هذه الأسرة إلى هذا الدرك الذي دفعها إلى أن تقيم معنا وتعيش في غرفة وحيدة مثلنا؟ هذا السؤال ظل غامضاً علي إلى أن جاء اليوم الذي تحدثت فيه راحيل لي عن ذلك.
كان أبي يملك بنكاً صغيراً، يسيّر بالدرجة الأولى شؤون الفلاحين إلى أن جاء يوم أفلس بعد أن افتتح في القامشلي بنك كبير، تحول جميع الفلاحين إليه بفائدة أكبر من الفائدة التي كان أبي يدفعها لهم.
حاول والدي أن يقنع عمي نجيب في أن يمده بالمعونة، إلا أنه رفض، لقد كان عمي دائماً بخيلاً، لا يعرف عمل الخير، حتى أن (أبونا يوحنا) قال له: إن مثل هذه الأخلاق تؤدي إلى النار يا نجيب. أمام هذا التهديد ابتسم عمي ولم يرد على (أبونا)، إنما تركه ومضى مبتعداً عنه.. حاول والدي أن يقوم بمجموعة من الأعمال إلا أنه فشل في كلها، لأن والدي لم يعتد على العمل إلا في البنك، فقد كان منذ يفاعته يعمل في البنوك. هذا وقد طرح والدي الأمر على والدتي سائلاً، ماذا تقترح عليه لينقذ العائلة من الفقر والعوز؟
أمام هذا السؤال عادت والدتي إلى نغمة قديمة كانت تؤمن بها منذ أيام شبابها، ألا وهي الهجرة.. إلى بيروت، ومن ثم إلى كندا، حيث أخوتها الأربعة.
هز والدي رأسه يائساً، فيما مضى كان يرفض فكرة الهجرة رفضاً باتاً. ولكنه، أمام الواقع المر الذي وجد نفسه فيه كان لا بد له من الإذعان.
وهكذا، بدأنا ببيع كل ممتلكاتنا.. وكما ترى فنحن منذ ثلاثة أشهر نعيش في هذه الغرفة الوحيدة بانتظار الوثائق من أخوالي في كندا، هذه الوثائق التي ستخولنا بموجبها للسفر والهجرة.. ثم تابعت راحيل. كنا فيما مضى لا نعلم أن عمي نجيب يملك عدة عقارات تدر عليه مبلغاً كبيراً من المال.. سامحه الله، كنت شاهدة على نقاشه مع والدي، يوم طلب منه أبي إحدى الشقق لنسكن فيها مؤقتاً ريثما تأتي وثائق السفر، ولكنه رفض. قال بحدة: لا أستطيع أن أعطيكم سوى غرفة وحيدة في الحوش. وأمام هذا الأمر لم يكن بيدنا حيلة سوى أن نقبل بهذه الغرفة والعيش فيها.
كنت، وأنا أستمع إلى راحيل، وهي تقص علي جانباً من حياة أسرتها، على قناعة بأنها تتحدث مع نفسها، لا معي، شعرت كأنها استيقظت من حلم جميل كانت تعيش فيه، استيقظت على كابوس مرير قد حط على صدرها. وكما يقول المثل، ارحموا عزيز قوم ذل. نعم كانت راحيل، وهي تحدثني تحاول أن تستيقظ من النوم، من الحلم، من حياة جميلة لم تعرف غيرها طوال عمرها.. وها هي اليوم تعيش مرارتها بعد أن استيقظت.
ولم يمر شهر آخر حتى كانت وثائق الهجرة لدى أسرة العم حكمت، وعندما سافرت العائلة شعرت بشيء جميل يخرج من حياتي، أذكر، يتابع الفتى: أمسكت راحيل يدي مودعة، وهي تقول: أراك بخير.
نعم هاجرت راحيل مع أسرتها منذ اثنين وأربعين عاماً، لم أنسها خلال السنوات الماضية أبداً، كنت أتذكرها كلما أمر من أمام حوش نجيب غنيمة.. هذه الحوش التي ظلت قائمة كما كانت ولكن بعد أن هجرها قاطنوها، لأنها لم تعد صالحة للسكن، ثم بيعت بعد موت نجيب وأقيم في مكانها مبنى بسبعة طوابق فوق مجموعة من المخازن التي افتتحت كـ(بوتيكات) تباع فيها شتى أنواع الأغراض التي كانت غريبة في تلك الأيام التي أتحدث عنها.
نجيب غنيمة الذي ظل عازباً رغم بلوغه السبعين من العمر، فجأة قرر ذات يوم الزواج.. بعد ان حطته الأمراض. تزوج من امرأة تخطت الخمسين، ولم يمض على زواجه إلا ست سنوات حتى مات مخلفاً وراءه ثروة طائلة.. ذهبت جميعها إلى أرملته. أمام هذا الوضع تذكرت راحيل يوم قالت: سيأتي يوم يموت فيه عمي، من دون أن ينعم بقرش واحد مما يملكه من الأموال.
وهذا ما كان.
* * *
لا يذكر الفتى، في أي سنة بالضبط انتقل مع أسرته إلى حوش(جرجس نعيم)، ولكن بعض الأحداث التي عاشها، أو كان شاهداً عليها، أو تلك التي سمع بها، تذكره بأن وعيه تجاه نفسه وتجاه العالم، كان أكثر توهجاً عما مضى عليه من الأيام، بحيث بات يطرح على نفسه كثيراً من الأسئلة، طبعاً دون أن يجد لها أجوبة لديه.. كانت أسئلة متنافرة، لا يربط بعضها ببعض شيء ما. أراد من خلالها أن يجد تفسيراً مقنعاً لكثير من الأحداث والمشاهد، وأيضاً الأقوال التي كانت تحمله على التساؤل والبحث عن الحياة وأمورها.
هذه ليست مقدمة لما سأسرده في الصفحات التالية، يقول الفتى: إنما هي مجرد إشارة إلى أنني بدأت أتخطى حدود الطفولة باتجاه حدود مرحلة اليفاعة واتساع الرؤيا وتشعب الأسئلة وتحولها من أسئلة بسيطة إلى أخرى معقدة. كنت بحاجة، هكذا شعرت، إلى آخرين في المساهمة على الإجابة عنها. هذه الحوش التي انتقلنا إليها، تركت في نفسي انطباعات لا تنسى أبداً، كما أنها كانت مكاناً، بالنسبة لي أو للآخرين، أكثر ألفة بين الجيران، أكثر حميمية، أكثر تعاوناً.. وأكثر جداً وتفهماًُ من كل الأماكن الأخرى، السابقة التي سكنت فيها مع أسرتي.
هذه الحوش، كما أذكرها..
كانت مؤلفة من أربع غرف واسعة، أرضها مبلطة بأحجار كبيرة، مع مطبخ ومرحاض مشتركين للأسر التي تسكن الحوش. أما الحمام فكانت كل أسرة يستحم أفرادها في الغرفة نفسها التي يقطنونها، وعادة كانت عتبة الغرفة هي الحمام، أو تقوم مقام الحمام، وفي الزاوية الشرقية من الحوش الذي كان على شكل مستطيل، بقرب الباب، تنهض شجرة توت كبيرة وباب خشبي كبير وثخين، يغلق في الليل، أما في النهار فكان مفتوحاً على مصراعيه بالكامل.
ما زلت أذكر تلك العائلة التركمانية المؤلفة من والدين عجوزين وثلاثة أولاد، ذكرين وأنثى.. كان الأب قد تخطى السبعين من عمره، يتكلم العربية بصعوبة، كانت اللهجة التركمانية هي السائدة بين أفراد الأسرة. كان الرجل الشيخ، قاسي الملامح، رغم طيبته وإيثاره لحب العزلة عن الآخرين. كان في معظم الأوقات يجلس مستنداً إلى عكازه، أمام باب الغرفة التي يقطنها مع أولاده، يشرب الشاي ويدخن سجائره بهدوء، وهو سارح عما يجري حوله.. أما امرأته العجوز فكانت لا تكف عن الحديث معه، ولما كانت تكلمه بالتركمانية فلم أكن أفهم عليهما، ولكن من الإشارات والتعبيرات التي كنت أراها على وجهيهما، وحركات أيديهما، أعرف أنهما كانا في صراع دائم، حول ماذا؟ لا أعرف. ولم أعرف في يوم من الأيام، إلا أني أخمن اليوم، إنه الفراغ الذي كانا يعانيان منه كلاهما.. فلم يكن أمامهما إلا النكد والنقار والشجار الفارغ الذي ينشأ عادة من لا شيء.
أما الأولاد، فكان الكبير، واسمه مصطفى يعمل في مجال تصليح السيارات، وكان يعرف كل واحد يعمل في هذا المجال باسم(ميكانسيان) وهذه الكلمة/ المصطلح كان شائعاً في تلك الأيام، وكم كنت أشفق عليه، عندما يعود في المساء وهو في ثياب زرقاء مشبعة بالزيوت والشحوم والأتربة، وبيدين سوداوين.. أما الأخ الأصغر، فلم أعرف عمله في يوم من الأيام، ربما سبب ذلك يعود عدم اهتمامي به، لأن الحكاية التي شاعت عن أخيه الكبير مصطفى طغت على أخبار بقية أفراد العائلة.. وتتلخص حكاية مصطفى..
أنه أحب فتاة تدعى أمينة. ولم تعلم أمينة بحبه في يوم من الأيام طوال سنة كاملة، قبل أن يتقدم لخطبتها، ولكنها رفضته ولم توافق على الزواج به.
قبل تقدمه لخطبتها، كان مصطفى في كل يوم، بعد أن يعود من العمل، في ساعة العصر، وهي ما بين الخامسة والسادسة، يغير ثياب العمل، ويرتدي لباساً نظيفاً.. ويلجأ إلى خمارة صغيرة في الحارة، من عادة صاحبها أن يقدم بعض المشروبات الروحية لرواده القلة، علاوة على بيعه الخمر واللحوم المقددة، مثل البصطرما والسجق والصاصيجو والمرتديلا.
كانت دكانه المسماة من قبل روادها(بالحانة الصغيرة)، تتسع لطاولة يمكن لثلاثة أشخاص أن يجلسوا إليها، ليرتشفوا خمرتهم، ويقضموا صندويشاتهم التي كان يعدها لهم صاحب الحانة.. أما مصطفى، فقد رأيته أكثر من مرة في الحانة، كانت حاله تختلف عن حال الآخرين، كان يرفض الجلوس إلى الطاولة، يظل واقفاً بقرب باب الحانة، خلف الضلفة الثابتة المغلقة من الباب. كان بوقوفه هذا، المطل على الشارع، يراقب الزقاق الضيق الذي يقع فيه بيت من يحب.. كان بوقوفه هذا، وهو يتناول كأساً وراء أخرى من الخمر، ويقضم اللحوم المقددة منتظراً خروج أمينة من الزقاق أو عائدة إليه لتسلكه باتجاه بيتها.
أما في يوم الأحد، وهو يوم عطلة بالنسبة لمصطفى فكان يقضي نهاره بالكامل، وهو واقف في مدخل الحانة الصغيرة، وجزءاً من أول الليل على أمل أن تطل عليه لحظة عبورها الزقاق.. ونظراً للكمية الكبيرة التي كان يتناولها من الخمر، في يوم الأحد، يوم عطلته، كان يعود إلى المنزل وهو في حالة يرثى لها، كان في أكثر أيامه يتشاجر مع والده الذي كان يؤنبه للأفعال التي لا يرضى الله عنها، التي يرتكبها.
أما أمه فكانت كثيراً ما تبكي وتنصحه أن ينسى هذه الـ.... وتطلق على أمينة التي سلبت ابنها عقله، نعتاً سيئاً، فكان يجن جنون مصطفى وهو يشتم أمه صارخاً بها: كيف يمكن لها أن تطلق مثل هذه الصفات السيئة على الفتاة التي ستكون زوجة ابنها ذات يوم. ثم كان يتشاجر مع شقيقه وشقيقته، ويثور في البيت ويكسر ويحطم كل ما تصل يديه إليه، ما يلبث أن ينخرط في البكاء مستسلماً بعد ذلك إلى نوم ثقيل.
أما أمينة فكانت فتاة جميلة، تبلغ من العمر الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة.. كانت ابنة لعائلة مؤلفة من ثلاث بنات وذكرين، كانت هي أكبر الأولاد لأم وأب يعمل حارساً، أما الابنتان فكانتا تعملان في الخياطة لدى إحدى الشركات الخاصة. لقد أحبت أمينة شاباً فقيراً، معدماً. كان طالباً في المرحلة الثانوية وكان قد تقدم إلى الامتحان لمدة ثلاث سنوات دون أن ينجح ويحصل على الشهادة الثانوية.. فما كان منه إلا أن ترك الدراسة وبدأ بالعمل من أجل إعالة الأسرة التي كونها، منه ومن أمينة التي رفض أهلها طويلاً الموافقة على زواجها منه. إلا أن أمينة، قررت ذات يوم أن توضب حاجياتها وتتحدى أسرتها علناً وتذهب معه، لتتزوج به.
قضيا أول الأمر أوضاعاً صعبة، ولكنهما بعد مضي عدة سنوات، وكان زوجها قد عمل «مخلصاً جمركياً» فنقله عمله هذا من شاب فقير ، معدم إلى شاب ذي مورد مالي جيد. ولم تمض عدة سنوات أخرى حتى أصبح أحد الأغنياء.
ولكني أذكر، يتابع الفتى: أنهما بعد مضي عدة سنوات، لم ينجبا أولاداً، في البداية لم يعرف أحد ما من الناس، من هو العقيم بينهما.. إلا أن الأمور توضحت فيما بعد فعرف الناس، أنها العاقر.. وأمام موقفها الذي وقفته ذات يوم من أهلها، عندما تحدتهم وتزوجته وهو الشاب الفقير، وعاشت معه في ضنك وعوز، لم يفكر زوجها أن يتزوج امرأة ثانية.. احتراماً لموقفها ذاك، هذا علاوة على حبه لها.. إلا أنها ذات يوم، وعلى ما يبدو لكثرة ما سمعته من الناس، على أنها تحمل وزر زوجها الذي سيمضي دون أن يخلف وراءه ذرية ترث الأموال الطائلة التي بات يملكها، عليها أن تشجعه على الزواج، ثم أكد آخرون لها، وموقفك هذا سيدل على حبك له عن حقيقة مصدرها التضحية لا الأنانية.
وعلى ما يبدو، بعد أن فكرت طويلاً، رأت في أمر زواجه الصواب. ففاتحته بالأمر. في البداية رفض الفكرة تماماً، وقال لها: لو كان الله يريد لنا أولاداً لما حرمنا منهم. إنها إرادة الله يا أمينة.
ولكن أمينة راحت تلح عليه يوماً بعد يوم، حتى استطاعت إقناعه بالأمر في النهاية.. ولكنها، طلبت منه أن يؤمن لها كل أسباب الرفاهية. وافق الزوج.. وحقق لها ما أرادته.
بعد زواجه، قيل عنها كثيراً، أنها أصيبت بحمى الإتلاف، فكانت تتلف الأموال إتلافاً.. في السفر والأماكن العامة والسهرات.. الخ.
ويقال، عندما حاولت الزوجة الثانية، بعد أن ولدت لزوج أمينة أكثر من ولد، حاولت أن تنبهه إلى سلوك أمينة في إتلاف الأموال.. يقال إن زوجها كان فظاً معها. قال لها: هذه أول مرة، ويجب أن تكون الأخيرة التي تتحدثين فيها عن أمينة بهذه الطريقة، فأنا، ليكن بعلمك، أعمل من أجلها فقط.. وأنا سعيد جداً لسعادتها، حتى لو كانت سعادتها في إتلاف أموالي.
وذات يوم، تابع الفتى: كما سمعت، أصيبت بمرض سرطان الثدي وماتت به بعد خمس سنوات من مرضها. وقيل أيضاً إن زوجها قد أهمل عمله.. لم يعد يهمه شيئ من هذه الدنيا.. أما مصطفى، فقد أغرق نفسه في الشراب اليومي بعد أن سمع بزواج أمينة، حتى تلف كبده.. فآثر الانتحار على البقاء في الحياة بعيداً عمن أحب. وقيل، عندما أخبروا أمينة بانتحار مصطفى، نظرت إليهم باستغراب، ثم تساءلت: مصطفى! من يكون؟
* * *
مازال الفتى يقص علينا الوقائع التي عاشها أو سمع بها أو شهد عليها، فقال: في مدخل الحوش، وعلى اليمين، كانت غرفة صغيرة، بباب خشبي قديم، مقشور اللون، كان اللون فيما سبق من الأيام، أخضر.. هذه الغرفة لم أرها إلا مغلقة، أما مفتاحها فكان لدى صاحب الحوش.
ذات يوم، سمعت حديثاً جرى ما بين والدي وصاحب الحوش، حول محتويات الغرفة.. فكان جواب صاحب الحوش: فيها بعض الحاجات الخاصة. خاصة بعدة العمل الذي مارسه طيلة خمسين سنة، قبل أن يحيل نفسه إلى التقاعد بعد أن لم تعد تسعفه صحته.. وفي مرات نادرة رأيته يتسلل إلى داخل الحوش، يقف أمام باب الغرفة القديم طويلاً، يلتفت فيما حوله، مراقباً قاطني الحوش كأنه ينتظر أن يدخلوا إلى غرفهم، قبل أن يفتح باب الغرفة ويختفي فيها، مغلقاً على نفسه الباب بإحكام.
أذكر، أن كثيراً من الجيران، أقصد قاطني الحوش كانوا يدقون عليه الباب وهم يحملون بأياديهم أكواب الشاي، أو اللبن الرائب، أو حتى بعض الأشربة السكرية الباردة إن كان الفصل صيفاً. يطلبون منه أن يفتح الباب من أجل أن يقدموا له الضيافة المستحقة عليهم بسبب زيارته لهم. فكان، وهذا سمعته أكثر من مرة، يرد عليهم: مشغول، لا أستطيع فتح الباب. ثم يطلب منهم أن يضعوا الأكواب التي يحملونها أمام عتبة الغرفة الحجرية.. وما إن يسمح له وقته فيفرغ من الأمر الذي بين يديه، حتى يفتح الباب ويأخذ ما قدموه له شاكراً لهم حسن الضيافة.
كان صاحب الحوش يبقى في غرفته طويلاً، أحياناً تمتد إلى عدة ساعات، حتى أنني كنت في بعض الأحيان أظنه قد خرج ومضى.. إلا أني، فجأة أرى انفتاح باب الغرفة وخروج الشيخ منها، ثم رده للباب بسرعة، كأنه يحاول بذلك أن لا يعرف أحد ما من قاطني الحوش ماذا تحوي غرفته، ويغلق الباب بمفتاح كبير بمقاييس ذاك الزمن.
هذا المشهد، تكررت مشاهدتي له، وبما أني كنت فتى في العاشرة أو الحادية عشرة، فترك في نفسي سؤالاً: ماذا يخفي الشيخ في غرفته الصغيرة هذه؟
وبما أني يافع، وما تزال حكايات جدتي تعشعش في رأسي، جدتي التي لم يمض على وفاتها أكثر من ثلاث سنوات، بما أني، كنت في تلك السنة أو قبلها بسنة واحدة، قد بدأت بقراءة القصص بصورة منتظمة، وكانت في معظمها حكايات كتلك التي كانت جدتي تسردها علي.. لهذا كله، كنت قد أجبت على تساؤلاتي، حول الغرفة الصغيرة وما تحويه..
كانت أجوبتي كلها تخبرني بأن الجن والعفاريت وبعض العمالقة والوحوش الخرافية تملأ الغرفة.. وهذا الأمر، دفعني إلى الاهتمام كثيراً بالغرفة الصغيرة المغلقة، والتفكير بمحتوياتها التي، ربما تكون غريبة، هكذا خمنت، وقد حاولت أكثر من مرة أن أسترجع حوارات صاحب الحوش وأبي حول الغرفة، إلا أني لم أصدق كلمة واحدة مما قالها الشيخ لوالدي.. كنت أقول، لا بد أنه قد خبأ فيها ما كان قد خبأته تلك الساحرة العجوز التي حدثتني عنها جدتي ذات يوم، أو أن الغرفة الصغيرة، ما هي إلا مدخلاً لكهف أو ممر سري أو طريق تحت الأرض يؤدي بك إن سرت فيه إلى مكان ما مجهول من الأرض. ربما يؤدي بك إلى أرض أخرى، أو غابة فيها كل الحيوانات، أو صحراء واسعة شاسعة مغطاة بالواحات التي يعيش فيها الجن الأزرق الذي هاجر من هذه الدنيا إلى أرض أخرى كما أخبرتني جدتي، بعد انتهاء الحرب الطاحنة بينه وبين الجن الأحمر.
لا يمكن، كنت أقول، عن صاحب الحوش أن يكون حريصاً على الغرفة الصغيرة كما يدعي، حريصاً على الدخول إليها من دون السماح لأحد برؤية ما بداخلها إن لم تضم هذه الغرفة كنوزاً ما، أو بعض الأسرار التي يحرص على أن لا يكتشفها أحد! هذه التساؤلات والتخيلات التي كانت تجتاحني، جاء اليوم الذي رأيت فيه بابها مفتوحاً على مصراعيه، على أيدي أولاد صاحب الحوش.
وقبل أن أتحدث، يتابع الفتى: عما رأيت في الغرفة، أود الحديث عن حوار جرى ذات يوم بين ابي وصاحب الحوش، حول أولاده الثلاثة الذين لا يمكن له، أي للشيخ إلا أن يطلق عليهم: أولاد عاقون. كان الحوار قد بدأه أبي بسؤال عن أسباب الشجار والمشاحنات التي يسمع بها من هنا وهناك من الناس بينه وبين أولاده؟
كان صاحب الحوش يؤكد قائلاً: لأنهم أولاد عاقون لا غير..
كيف؟ يسأل والدي.
وكان صاحب الحوش ينتظر من والدي أن يطرح عليه هذا السؤال لينطلق في الحديث طويلاً.. وأستطيع أن أوجز، هنا، حديثه، على أنه قضى عمره، منذ يوم زواجه الأول، وهو في الثالثة والعشرين وحتى الثالثة والسبعين التي تخطاها منذ خمس سنوات، عمل بجد وكد بتفان من أجلهم. وهذا واجبه طبعاً تجاه أفراد أسرته، فهو لا يمننهم بشيء، ولكن، كان يضيف، عليهم، يقصد أولاده، أن يرحموه.. فقد اشترى لكل واحد منهم بيتاً، كما أنه زوجهم جميعاً، وقد بات لبعضهم أولاد شبان وساعدهم في كل خطوة لهم في الحياة، على طريق تأسيس بيوتهم وعملهم.. حتى باتوا، جميعاً من دون استثناء، مستقلين وليسوا بحاجة إليه.. إلا أنهم، يضيف، جشعون. ثم يتساءل: ولكن ما أستغربه يا أبو عبدو، يقصد والدي، لا أعرف من أين جاءهم الجشع هذا؟ فأنا لم أكن في يوم من الأيام جشعاً، وأيضاً أبي، لقد عملنا بجد، وعشنا حياة جيدة، لذا أتساءل عن جد، من أين لهم هذا الجشع، من ورثهم إياه، فأنا لا أذكر أنه كان لدينا في الأسرة جشع ما!
لقد بدأ جشعهم، عندما طلبوا مني أن أبيع البيت الذي قضيت فيه مع أمهم حياتي، وعندما سألتهم، وأنا مندهش لطلبهم ذاك، قالوا، كأنهم كانوا على اتفاق، أو كأنهم قد تباحثوا معاً حول الموضوع وتوصلوا إلى قناعة بما طرحوه علي، قالوا لي معاً: اسكن لدينا.. كل شهر لدى واحد منا.. كل أسبوع، اختر الطريقة التي تعجبك. قلت لهم الأمر الذي أحبه ويعجبني، هو أن أبقى في بيتي الذي عشت فيه مع والدتكم أكثر من أربعين سنة. ثم أضفت لهم موضحاً: أما عندما أموت.. فلكم الحق في امتلاك البيت، وهو لكم إرثاً حلالاً. إلا أنهم يا أبوعبدو لم يتراجعوا عن طلبهم.. صحيح أنهم كفوا عن مطالبتي به، ولكن كان ذلك إلى حين.. ليعودوا إلى المطالبة به، تحت حجة أن البيت كبير وأنا فرد واحد.. وأنت قد أصبحت شيخاً، تحتاج إلى عناية ورعاية. قلت لهم حاسماً: لن أترك البيت إلا في حالة واحدة، وهي خروجي إلى المقبرة لا غير.. فلا تحاولوا. ثم، أضفت، هل شكوت لكم عن حاجتي إلى الرعاية والعناية؟ عندما أطلبها منكم فلا تلبوها لي إلا في حال تحقيق ما تريدونه.
عندما لمسوا مني العناد في رفض بيع البيت، أخذوا يطلبون مني بيع الحوش، هذه الحوش التي تسكنها أنت وأسرتك مع بقية جيرانك.. بحجة أنهم بحاجة إلى رأسمال يريدون أن يوسعوا به أعمالهم. أخبرتهم بالرفض، مقدماً لهم حجة لا يمكن أن يدحضوها، أن أجرة الغرف المستأجرة في الحوش هي التي أعتاش منها بعد أن أحالتني الشيخوخة إلى التقاعد رغماً عني. قالوا، نحن سنتكفل بإعالتك، سيقدم كل واحد منا المبلغ الذي تريده، كل شهر. أجبتهم: لم أتعود في يوم من الأيام على مد يدي إلى أموال ليست أموالي! كفوا عن إلحاحهم في بيع الحوش فترة أخرى من الزمن. ولكني لم أتوقع منهم ذات يوم، أن يصدقوا ما قالته أمهم ذات يوم، من أن الغرفة الصغيرة التي في الحوش، مليئة بذهب ورثه والدكم عن جدكم.
طبعاً، هذه الحكاية كانت زوجتي قد رمتها في وجوههم مازحة، عندما تكرر طلبهم لها، في إخبارهم عن سر الغرفة الصغيرة المغلقة التي يحرص والدنا على زيارتها منفرداً، يقبع فيها ساعات دون أن يخبرنا عما يفعله فيها.
على ما يبدو يا أبو عبدو، ظلت هذه المزحة عالقة في أذهانهم، لم يتوقعوا أبداً بأن والدتهم مازحتهم في ذلك اليوم البعيد.. فظلت الحكاية في عقولهم حتى صدقوها واعتقدوا بصحتها. لذا فقد فاجؤوني عندما سألني أحدهم عن محتويات الغرفة الصغيرة؟ ضحكت بعد أن نظرت إلى وجوههم طويلاً، ثم قلت لهم بطريقة مازحة: ألم تخبركم والدتكم بما في الغرفة الصغيرة ذات يوم؟ وظننت أن الأمر قد انتهى هنا. لم أكن أعرف أنهم أخذوا يخططون للإطلاع على ما تحتويه الغرفة الصغيرة من دون علم مني. وهذا ما كان.. وكم كانت المفاجأة كبيرة لهم عندما لم يروا فيها شيئاً، أقصد جرار الذهب التي ظنوا أنها بداخل الغرفة.. لم يجدوا فيها سوى «العدّة» التي استعملتها طوال ستين سنة قبل أن أحيل نفسي إلى التقاعد تحت ضغط الشيخوخة التي بت عليها. هذه الشيخوخة التي أجبرتني على أن أكف عن العمل كحجار، لم تر مدينة حلب مثيلاً له ذات يوم.. هذه المهنة التي كانت ترتقي إلى مهنة الفن..
صمت صاحب الحوش طويلاً قبل أن يتابع: عندما كنت أجلس وراء قطعة الحجر، وأنا أحمل بيد المطرقة والإزميل بالأخرى، كنت أنسى نفسي، كنت أنسى أني مجرد حجار، إنما فنان أرسم على الحجر وأخط كل ما هو جميل عليه.. ولكن مع الأسف لم أستطع أن أنافس المناشير الحجرية التي دخلت في عمل الحجار من جهة، والشيخوخة التي أناخت قامتي، وأضعفت يدي تحت ثقل المطرقة والإزميل فدفعاني إلى التقاعد.. وعرفاناً مني لكل الأدوات التي رافقتني مدة ستين سنة من عملي كحجار، جمعتها في تلك الغرفة الصغيرة مرتباً إياها، على جدرانها الأربعة، لقد جعلت منها أشبه بمتحف صغير لي، ألجا إليه كلما يشتد بي الوجد والحنين إلى ذكريات أيام عشتها مع أدواتي، ومع القطع الحجرية الجميلة التي كنت، أحياناً أرفض أن أضعها في إحدى الواجهات للبيوت السكنية التي كنت أعمل لها. كنت أحمل حجري المنقوش إلى غرفتي الصغيرة وأضعه فيها، لكي يتسنى لي من أن أمتع نظري بما قمت به في الأيام الماضية.
كانت خيبتهم كبيرة يا أبو عبدو.. أما أنا، فلا أخفيك سراً كانت خيبتي بهم أكبر وأشد.
ما تحدث به صاحب الحوش إلى أبي، يتابع الفتى: ترك لدي انطباعاً عن الظلم الذي لحق به من قبل أولاده. لهذا عندما شاهدتهم ذات يوم، بعد أن جاؤوا معاً إلى الحوش، ووقفوا أمام باب الغرفة الصغيرة، وكسروا المفتاح الذي كان معلقاً بضلفتي الباب، ويشدهما إلى بعضهما بإحكام، اقتربت منهم ثم رحت أنظر إليهم بعد أن أصبحوا داخل الغرفة، وهم يفتشونها تفتيشاً دقيقاً، كأنهم يبحثون عن أمر ما بين الأغراض والحاجيات المتناثرة في الغرفة الصغيرة. كأنهم لم يصدقوا والدهم عندما أخبرهم بما تحتويه الغرفة، كأنهم شكوا في قوله لهم واعترافه بأنهم لن يجدوا فيها سوى عدة الشغل التي عمل بها أكثر من ستين سنة، وبعض الأحجار ذات النقوش الفريدة التي كان قد نقشها ذات يوم على الحجر، وثبتها في هذا المبنى أو ذاك من مباني مدينة حلب الحجرية المميزة في العالم أجمع.
أذكر، بعد هذا العمل الذي قام به أولاد صاحب الحوش، لم يمض سوى أسبوع حتى نقل إلينا خبر وفاته بحادث سيارة. قيل إنه، أي صاحب الحوش كان سائراً في وسط الشارع كالمسرنم.. والخطأ لم يكن خطأ السائق أبداً إنما، هكذا قال من شاهد الحادث، كان خطأ الرجل، صاحب الحوش..
وما أذكره أيضاً،أن أولاده أفرغوا الغرفة الصغيرة من محتوياتها، ثم أجروا عليها بعض التحسينات وعرضوها للإيجار رغم صغر مساحتها.
هذا ما أذكره عن تلك الغرفة الصغيرة التي ظننت ذات يوم أن فيها كثيراً من الخيول البيضاء والسوداء، والجبال المكللة بالثلوج، وبعض الفرسان الأبطال وهم ينحدرون من القرى لملاقاة العدو، أو كما جدتي تقول، وهي تشير إلى الجبال المحيطة بقريتنا، من هنا، عبر هذه الأخاديد كان المتمردون الشجعان يتقدمون لملاقاة جنود الجن الذين ظهروا فجأة في ليلنا بالمئات.
أذكر، يتابع الفتى: وأنا أنظر إلى الباب المغلق للغرفة الصغيرة، كيف كانت جدتي تشدني إلى صدرها، ثم تذهب في غناء عذب طويل عن الشعر والفنون والجبال وزرقة السماء.. وأذكر أيضاً، أنه قبل انتهاء جدتي من غنائها، كيف كنت أبكي لعذوبة صوتها وحزن أغانيها. نعم كنت أبكي. هذا ما أذكره.. ولن أنساه أبداً.
* * *
في الغرفة الرابعة، يتابع الفتى: حيث تقع في الجهة الجنوبية من الحوش، كان خالد يقطن مع أسرته، وهو صبي يماثلني في السن والصف الدراسي.
كانت أسرته مؤلفة من أربعة أولاد إلى جانب والديه.. ومما عرفته عن أخوته، أن أخته الكبرى، وكانت تقارب السابعة عشرة من العمر، كانت شقيقة من غير والده، إنما من زوج أمه الأول.
خالد هذا، كان له أكبر الأثر في حياتي التالية.. رغم أن تعارفنا لم يدم سوى سنة واحدة، وهي السنة التي عاشتها أسرته معنا في الحوش قبل أن تنتقل إلى القرية التي كان منها بالأصل.. أذكر بعد اعتقال والده للمرة الثانية، وكانت لمدة طويلة، غادرتنا أسرته وانقطعت عنا أخبارها.. وكما أشرت أعلاه، أن خالداً كان قد أثر تأثيراً كبيراً في حياتي، بعد أن تخطيت سن اليفاع وعشت صدر شباب الأول. خالد هذا، كان تلميذاً مجداً، لم يرسب طوال دراسته في صفه، لم يحصل في امتحان ما على علامة متدنية في يوم من الأيام، كنا، هو وأنا، نذهب معاً إلى الحدائق أو إلى البرية المحيطة بحينا، وأحياناً كنا نقوم بالرحلة نفسها ولكن مع جماعة من الصبية للعب أو الصيد أو لقضاء ما يمكن لنا من الوقت نهيم على وجوهنا ونحن نتراكض أو نتباطح أو نتدارس.. وخلال هذه الأوقات كان خالد صبياً يختلف عن الصبية الذين رافقتهم وتعرفت إليهم.
إلى جانب الأدب والتهذيب اللذين كان يتمتع بهما، كان يملك عقلاً مدهشاً، فيناقشنا في كثير من القضايا نعجز عن مجاراته في نقاشها. أذكر، كان هو، أول من تساءل أمامي عن أسباب فقرنا وأسباب غنى بعض الأولاد الآخرين؟ كما أنه طرح أمامي أسئلة تتعلق بالله والأنبياء والجنة والنار؟ كان يتساءل عن ماهية هذا الكون الرهيب العجيب، وعن سر الموت والحياة، وبحث الإنسان عن الخلود؟ طرح خالد كثيراً من الأسئلة المحيرة التي لا جواب لدي عليها.
كان صبياً متواضعاً، لم يحاول في يوم من الأيام أن يظهر أمامنا بمظهر الصبي العارف، وأن يوحي إلينا بأننا مجموعة من الصبية الأغبياء الذين لا يعرفون شيئاً في هذه الدنيا سوى اللعب وهدر الوقت بلا معنى أو الفائدة. كان دائماً، هكذا رأيته أنا، متواضعاً ومتسائلاً: هل تعرف، هذه الأسئلة تحرق دمي ليلاً ونهاراً، لأنني لا أستطيع الإجابة عليها، أظل أفكر بها من دون أن أصل إلى قناعة حول هذا الجواب أو ذاك مما كنت أتلقاه من أجوبة.
كنت أمام أسئلته هذه، ولكي لا أبدو له غبياً، أسأله: أخبرني ماذا تريد من ذلك؟
كان يضحك ويقول من دون ادعاء: لا أعرف! ثم يضيف بعد فترة: إنه الفضول.. فضول لا غير.
لم يقنعني، يتابع الفتى: جوابه هذا في يوم من الأيام. كنت أقول لنفسي: حتماً يريد من تساؤلاته هذه أمراً ما. ما هو؟ لا جواب لدي!
أما والده فما تركه في نفسي من إعجاب كان لا يقل عما تركه ابنه خالد لدي.. كان يقارب الخمسين من العمر، يميل إلى قصر في قامته، بديناً إلى حد ما، ذا طبع هادئ، يميل إلى الحوار والنقاش في علاقته مع الآخرين. وقد شاهدته مراراً يجالس والدي وهما يغرقان في حديث كان يبدو لي، أنهما على طرفي خلاف فيه.
كان والدي يغضب أحياناً فيعلو صوته، وهو يحرك يديه بحركات فيها العصبية والنرفزة.. خاصة عندما كان يتعلق الأمر في الدين. كان والد خالد يقول لوالدي: ما يقال غير حقيقي يا أبو عبدو. فأنا لم أتعرض في يوم من الأيام لقناعات الناس الدينية.. ولا يمكن لي أن أتعرض لها في حياتي. لأنها، أقصد القناعات، هي من الأمور الخاصة بهم، فأنا أحترمها وأجلّها.
كان والدي يهدأ عندما يسمع من والد خالد هذا الكلام، ويقول له: ما تقوله حق. فأنا لم أسمعك في يوم من الأيام تتحدث بطريقة تريد فيها هدم أو زعزعة هذه القناعات لدى الناس. كان والدي ما يلبث أن يتساءل: ولكن يا أبو خالد، لماذا يحاول الناس تشويه هذا الأمر عنكم؟
كان والد خالد يجيب: ليس الناس جميعاً، إنما بعض منهم، وذلك لغاية في نفوسهم.
كان والدي يسأله: وما هذه الغاية يا أبو خالد؟
كان يجيب: لكي نبقى أنا وأنت نعيش هذا الفقر الذي نحن فيه.
يهز والدي رأسه بحيرة ويردد كما كنت أردد أنا أمام خالد: ولكن لماذا؟
هذا من جهة أما من جهة أخرى، كنت معجباً جداً بالعلاقة التي كانت بين والد خالد وبين أفراد أسرته، إن كانت على مستوى الفرد مع أولاده، أو على مستوى العلاقة الجماعية مع أسرته.
كانت أسرة متآلفة، محبة لبعضها بعضاً وخلال سكناهم معنا في الحوش لم نسمع منهم في يوم من الأيام صراخاً أو شتائم فيما بينهم كعائلة. أذكر أن والد خالد كان عاملاً في أحد معامل النسيج، كان كثير من الزوار يأتون إليه في البيت، حتى أني سألت خالداً ذات يوم، من يكون هؤلاء الرجال الذين يزورونهم في البيت بصفة دائمة؟ سألني بعد أن أطال النظر إلي: أتريد أن تجالسهم؟
شعرت بشيء من الخوف، فبلعت ريقي، وقلت له سائلاً: لماذا؟
أجابني: لكي تتعرف إليهم..
سألته: ولكنهم رجال كبار، أما أنا.. ثم أضفت: وأنت، ما نحن إلا صبيين صغيرين. فلا أعتقد أن هناك أمراً ما يمكن أن يجمعنا بهم، كما يجمع والدك معهم.
ابتسم خالد وقال: كأنك خفت من الدعوة التي وجهتها لك! ثم أضاف: ألم تسألني عنهم.. لا بأس، يمكن لنا أن نجالسهم أنا وأنت من دون أن نتدخل في شؤون حديثهم. ثم سألني: ما رأيك؟
أجبته بعد أن شعرت بالإحراج منه: ليكن.
ما زلت أذكر رغم مرور سنوات طويلة على ذلك الاجتماع الذي حضرته مع خالد، كيف أني ظللت لمدة تزيد عن الساعتين، أستمع إلى حوارات ونقاشات، وأحياناً نرفزات ما بين المجتمعين، من دون أن أستوعب حرفاً واحداً مما كانوا يتكلمون به.
في اليوم الثاني سألت خالداً بشيء من الحرج: أخبرني.. هل فهمت منهم شيئاً؟ أنا، بصراحة لم أستوعب منهم جملة واحدة مما سمعته البارحة.
ضحك خالد وقال: ماذا؟ أتريد عبر جلسة واحدة أن تستوعب كل الكلام الذي تجمع لديهم عبر مئات الجلسات التي سبقت جلستهم الأخيرة؟
هززت رأسي وأنا أهتف بدهشة: أقسم بالله.. كانوا يتكلمون العربية، ولكني رغم هذا لم..
ولم أكمل كلامي..
ضحك خالد وقال: لا تستعجل الأمور، سيأتي اليوم الذي نستطيع، أنا وأنت أن نستوعب كل الكلام الذي سمعناه معاً ليلة البارحة. ولكن علينا بقليل من الصبر.
أطرقت رأسي وقلت له معلقاً: معك كامل الحق.
ولكن مع الأسف لم يأت ذلك اليوم، لأن أموراً استجدت ظلت لفترة طويلة غامضة علي، لم استطع أن أستوعب أسباب ما حدث إلا بعد فترة طويلة من الزمن.
وكان الأمر قد بدأ، يتابع الفتى: بعدم حضور الرجال الذين كانوا يأتون إلى منزل خالد في الأسبوع الواحد مرة أو مرتين في بعض الأحيان. ثم بغياب والد خالد عن البيت لعدة أيام، ثم القلق والاضطراب اللذين رأيتهما على وجه خالد.. حاولت أن أسأله عن أسباب ذلك إلا أني لم افعل. آثرت أن أفكر وحدي، وأن أسأل نفسي بعد أن سمعت من الناس، أن اعتقالات ما قد بدأت بحق بعض الرجال والشبان والشيوخ أيضاً! وسمعت أيضاً أن هناك بعض النسوة بين المعتقلين إلا أني لم أصدق هذا الأمر، لأنني تصورت والدتي وهي رهن الاعتقال فضحكت لذلك ولم أصدق الأمر.
ما زلت أتذكر الاعتقال كأنه حدث اللحظة..
لا أذكر في أي شهر كنا، ولكن ما أذكره كان الفصل صيفاً، لأنني كنت نائماً على أرض الحوش، ووجهي باتجاه السور الجنوبي له، وهو السور الوحيد لأن بقية أسواره كانت مؤلفة من حيطان الغرف التي نسكنها.
كان السور يميل إلى الارتفاع ويطل على سماء قاتمة مليئة بالنجوم، والصمت أذكره، كان مخيماً.. لا أسمع سوى غناء بعض الصراصير بين فينة وأخرى. لم استطع أن أغفو في تلك الليلة، لماذا؟ لا أعرف.. كانت الساعة قد تخطت منتصف الليل، كنت، وأنا أحدق إلى حافة السور العالي، رأيت فجأة ظلاً لرجل يمتطي السور، ولم تمر دقيقة حتى رأيت آخر يمتطي السور، ثم ما لبث أن سار عليه وتخطاه إلى سطح الغرفة التي يسكنها خالد وأسرته.
أصبت برعب شديد، حتى أني لم أعد أقدر على التنفس بحرية، شعرت بشيء ما يضغط على صدري، وأنا أحدق في الرجلين اللذين حسبتهما أول الأمر لصين لا غير.. ولكني ما لبثت أن سمعت دقاً وقرعاً شديدين على باب الحوش.. وقبل أن يتكرر القرع، كان الضغط الذي يعاني منه الباب من الخارج قد حطم القفل الذي نقفل به الباب، فاندفع الباب إلى الداخل بقوة.
عند هذه النقطة من أحداث تلك الليلة، كان قاطنوالحوش قد أضاؤوا مصابيح الكهرباء وفتحوا أبواب غرفهم.
اندفع إلى الداخل أربعة أو خمسة رجال، لا أتذكر الآن وهم يحملون بأياديهم مسدسات كبيرة، أو هكذا بدت لي في تلك الليلة.
اندفع ثلاثة منهم إلى غرفة أسرة خالد، أما الاثنان الآخران فوقف كل واحد منهما إلى جانب من جانبي الباب من الخارج، ثم راحا يصرخان علينا، أن يدخل كل واحد منا إلى بيته.. قبل أن يلقى القبض عليه.
تراجع الجيران إلى الوراء بتردد، وتحت ضغط صرخات الرجلين ما لبثوا أن دخلوا إلى غرفهم، ولكن بعضهم كان بين فينة وأخرى، يفرج الباب قليلاً ليراقب ما يحدث في بيت جارهم أبو خالد..
أذكر ظللت متمدداً في فراشي خوفاً ورعباً، وأنا أتصور بأنهم، ما أن يروني حتى يطلقوا علي النار من مسدساتهم الكبيرة. وراح الرجال الثلاثة الذين اندفعوا إلى غرفة خالد، يطرقون الباب بقوة وعنف، قبل أن يفتح أبو خالد الباب.. فاندفع الثلاثة إلى الداخل، من دون رعاية لحرمة البيت أو للنساء اللواتي ما زلن في فرشهن. كنت، من مكاني في الفراش المنزوي، أراقب ظلال الرجال وهي تتحرك، في خارج الغرفة، على أرض الحوش، وفي داخل الغرفة، تحت الضوء الشحيح المتساقط من المصباح المعلق بالسقف.
رأيت مرور خالد بينهم وبين أبيه، وهو يحاول أن يدافع عنه، يحاول أن يدفع أحد الرجال الثلاثة خارج الغرفة، ثم سمعت صوت بكائه، وصراخ أمه، وشقيقته تشتما الرجال الثلاثة وتنعتانهم بالسفلة، وبقليلي الشرف والناموس.
سمعت صوت صفعة، وصرخة يائسة مكتومة.. ثم غامت الأشياء أمام أنظاري للحظة، وفي اللحظة التالية التي عادت فيها الأشياء إلى التبيان والانكشاف، رغم غرقها بالظل حيناً، وانغمارها بالضوء الشاحب حيناً آخر.. في هذه اللحظة شعرت بقوة غريبة تدفعني إلى الخروج من الفراش، شعرت بجرأة فجائية دفعتني باتجاه الباب غير سائل عن الرجلين الواقفين بالخارج.. ومع اندفاعي ذاك سمعت صوت أحد الرجلين أن أقف، وأن لا أتقدم، وأن أعود إلى فراشي..
شعرت بصدمة. إذاً هم كانوا يرونني ممدداً في فراشي! لم يكونا غافلين عن وجودي، إلا أني لم آخذ صرختهم بي على محمل الجد.. فتوقفت هنيهة، ثم اندفعت ثانية باتجاه الباب، وبحركة شيطانية استطعت أن أمرق كالسهم من بين أيدي الرجلين إلى الداخل، وأنا أهتف بخالد سائلاً ماذا يحدث؟
في تلك الليلة شاهدت مشهداً لم أنسه حتى اليوم، وأعتقد بأني لن أنساه ما حييت.
كانت المرأتان، أم خالد وأخت خالد محصورتين في الزاوية الشمالية من الغرفة، وأحد الرجال الثلاثة يشهر مسدسه في وجهيهما، وهو يهددهما بالقتل إن تحركتا من مكانهما. أما خالد فكان مطروحاً على ظهره، كأنه غائب عن الوعي، هكذا خمنت، وقميصه عند الصدر مغطى بالدم الذي كان ينبثق من فمه، بعد أن تلقى صفعة، أو لكمة، أو ضربة بعقب مسدس من مسدسات الرجال الثلاثة. أما والد خالد فكان محصوراً بين الرجلين الآخرين، يقبض كل واحد منهما على إحدى أذنيه وشعره، يهتفان به أن يدوس الصورة..
رغم رعبي، أمام المشهد الدامي الذي رأيت فيه أسرة خالد، سألت نفسي عن أي صورة يتحدثان؟
وقعت أنظاري على صورة ملقاة على الأرض، تذكرتها بوضوح، رغم الظلال الملقاة عليها من الرجال الذين يقفون فوقها، أذكر أني وقفت ذات يوم أمامها طويلاً. كانت الصورة لرجل في الأربعين أو أكثر بسنة أو اثنتين. ذي شعر فاحم، وشارب رقيق يزين الشفة العليا وأنف، وهذا ما كان يميزه عن تقاطيع وجهه، أفطس.. كأن صاحبه قد وقع ذات يوم على وجهه فأصاب أنفه ما أصابه من تشويه..
كانت الصورة على الأرض مكسورة الزجاج، والرجلان ما زالا يصرخان بوالد خالد، أن يدوس بقدميه الصورة، إلا أن والد خالد كان يرفض.. وأمام إصراره هذا، أخذا يشدان بأصابعهما على أذنيه، وهما يمسكان بهما ويجرانه باتجاه الصورة، ما لبثا أن رفعاه إلى الأعلى بعد أن يئسا من أن يطأ الصورة بقدميه. رفعاه من أذنيه، وحاولا أن يحطاه فوق الصورة، إلا أن والد خالد رفع قدميه وجعلهما في بطنه رافضاً أن يطأ الصورة.
أذكر عندما شاهدت الدم يسيل بغزارة من بين كفي الرجلين وأصابع يديهما الممسكتين بأذني والد خالد، شعرت بانقصاف شيء في داخلي، فلم أتحمل ما رأيت.. خاصة ذاك الدم الذي يسيل غزيراً على صدغي والد خالد. لم أستطع إلا أن أخرج من الغرفة وأندفع كالسهم المنطلق من القوس، عابراً باب الحوش المحطوم، أصرخ بأعلى ما أستطيع من قوة: حرامي.. يا ناس حرامي..
ظللت ألف وأدور في الشوارع المحيطة بالحوش وأنا أصرخ، حرامي.. فاستيقظ جميع من سمع صوتي وهتافي وصراخي مندفعين رجالاً ونساء وأطفالاً باتجاه الحوش. اندفع الجميع إلى الحوش، إلا أنا، جلست في الشارع بقرب عتبة عالية، وأجهشت بالبكاء.
ما أذكره اليوم، يتابع الفتى: بعد بكائي بثلاثة أشهر تم إطلاق سراح والد خالد، خرج ضعيفاً لا يقوى السير على قدميه لمدة طويلة.. كنت خلال الشهور الثلاثة، أفكر بالواقعة التي حدثت أمامي. كما أني رأيتها مراراً وتكراراً في منامي.
سألت خالداً ذات يوم، إن كان حقاً والده من رجال العصابات التي أشيع خبرها بين طلاب مدرستنا؟ سألته بصعوبة، لأنني كنت أشعر في تلك اللحظة بخجل شديد منه، خاصة أنا الذي أعرفه، وأعرف والده وبقية أفراد أسرته.. رغم قناعتي بأن والده لا يمكن أن يكون رجل عصابة، إلا أن الإشاعة، لا أعرف من أطلقها في المدرسة، كانت قوية.
نظر خالد إلي طويلاً، مما اضطرني خجلي أن أطرق وجهي إلى الأرض.. أتاني صوته حزيناً يقول: ارفع وجهك، وانظر إلى عيني.. أعرف ما تفكر به، ولكن من حقك أن تسأل وتتساءل.
رفعت وجهي ونظرت إلى عينيه كما طلب مني، أنتظر منه أن يتابع ما بدأه. قال: يجب أن تعرف، أن سبب اعتقال والدي، لأنه شيوعي..
شيوعي!
لأول مرة أسمع بهذه الكلمة..
سألته بتردد: ماذا تعني؟
أجابني محاولاً أن يكون بسيطاً وواضحاً في جوابه: أنت تعرف أن المؤمن يحاول أن يعمل الصالح ويطيع الله الذي خلقه، ويمتنع عن إتيان الأعمال الشريرة.. من أجل أن يدخل بعد موته، في دنيا الآخرة، إلى الجنة. هذا ما وعد الله به المؤمنين.
توقف خالد عن الكلام وعلى ملامحه مسحة من الهدوء والسكينة لم أتعود أن أراهما على وجهه في تلك الأيام التي أعقبت اعتقال والده. ثم تابع وهو على الهدوء نفسه: أما الشيوعي فيعمل من أجل أن يبني الفقراء من الناس جنتهم على هذه الأرض!
عندما سمعت منه هذا الكلام ظننت أنه يمزح معي. رغم أني لم أر في قوله ميلاً إلى المزاح. فسألته: هل هناك من يمنع بناء الجنة التي تحدثت عنها على هذه الأرض؟
أجاب: نعم، الأغنياء؟
سألته باستغراب: الأغنياء! كيف؟
أجابني: عبر الرجال الذين رأيتهم وهم يعتقلون والدي..
لم أعلق، لأن الأمر، رغم شرح خالد، بدا لي أكثر غموضاً.
أذكر، في المرة الثانية التي اعتقلوا فيها والد خالد، بقي طويلاً في المعتقل، وبعد مضي ثمانية أشهر جاء أحد أعمام خالد، اصطحب معه أسرة أخيه السجين إلى القرية بعد أن ضاقت الحياة والمعيشة بها. ظل خالد في ذاكرتي، لم أره أبداً، ظل السؤال يلح علي: ماذا حدث له ولبقية أفراد أسرته؟ وما زال السؤال بلا جواب حتى الآن.