٢
مضى على ذلك شهران تعافى في خلالها أندريا، وكان لا يزال مقيمًا في منزل أخيه، ولكنه كان يتقشف تقشُّف الزاهدين أمام أخيه، ويجلد نفسه بالسياط، لا يطالع غير الكتب المقدسة، ويشتغل النهار كله في محل تجاري، فيعطي جميع ما يكسبه لامرأة أخيه كي توزِّعه على الفقراء، ولا ينام في الليالي الباردة إلا على الأرض، وهو يُجرِي جميع ذلك دون أن يدع أحدًا في المنزل يقف على ما يصنع بنفسه لشدة مبالغته بالتكتم في الظاهر، غير أن أخاه أرمان كان يراقبه مراقبةً شديدة فيقف على جميع ما يصنعه، ويخبر امرأته بما يراه، فكانت تعجب بندامته إعجابًا شديدًا، حتى باتت تحسبه من الأبرار الصالحين وتشفق عليه إشفاق أخيه، وطالما طلبت إلى زوجها أن يلحَّ عليه ويُكرِهه على تغيير خطته والإشفاق على نفسه، فكان يظهر لها عجزه عن إرجاعه، حتى وثق الزوجان أن حياته لا تطول.
وفيما هما يتباحثان ليلةً في شأنه، قال أرمان لامرأته: لقد خطر لي رأي أرجو أن أتمكَّنَ به من إنقاذ حياة هذا الأخ التائب.
– وما عسى أن يكون هذا الرأي؟
– تعلمين أني حين سفري وإياك إلى إيطاليا عهدت إلى أصدقائنا فرناند روشي، وليون رولاند والأخت لويزا أن ينوبوا عني بإغاثة البائسين، ودفع نكبات الفقر عن أولئك العمال والعاملات الذين تصدهم المروءة عن الالتماس وارتكاب المحرمات، ولا يجدون من رواتبهم القليلة ما يردون مكائد الدهر ويدفعون به غدر الزمان، أولئك هم الفقراء والفقيرات، وليس الفقير ابن السبيل الملتمس ما بأيدي الناس.
– أعلم جميع هذا.
– ولقد وفَّى أولئك الأصدقاء بجميع ما عهدت به إليهم، فوقَوا كثيرات من البنات غوائل السقوط، وأنقذوا كثيرًا من الفتيان من مخالب اليأس، فجرى ذلك مشروع الخير في مجراه، ولكن مشروع العدالة لم يُنفَّذْ بعدُ.
– ماذا تريد بهذا القول؟
– أصغي إليَّ، لقد التقى منذ عشرة أعوام رجلان في مرتفع يشرف على باريس، فأشار أحد الرجلين بأصبعه إلى تلك العاصمة وجعل يقول: «يا مدينة باريس العظمى، ويا ملكة العواصم، بك اجتمع النعيم والهناء، وبساحتك استقرَّ البؤس والشقاء، يا بابل القديمة إن الذنوب فيك تحثك بالفضائل، وأصوات الضحك تقترن بأنات البكاء، وأغاني الحب تمتزج بدموع اليأس، والقاتل السفَّاك يمشي على الأرض التي يمشي عليها الوَرِع الزاهد، وقد عجزت شريعتك عن معاقبة المجرمين، وعجز أولو البر فيك عن إغاثة البائسين، فما عُوقِبَ مسيء، ولا كُوفِئ محسن، ومَن لك برجل موسر شريف يغل يد الظالم، ويجتر قلب البائس، ويرثي لدمع الأرملة، ويحن لشقاء اليتيم.»
ثم أشار الآخَر بأصبعه إلى العاصمة قائلًا: «يا ساحة الملذات، ونعيم الدنيا وقطب الأماني، لقد وُصِفْتِ بجمال نسائك، واشتهرت بالبدائع، فمَن لي بالذهب الكثير أستغوي بها الفتيات الطاهرات، وأشتري به النفوس الشريفة فأصرفها إلى الغواية، وأستخدمها فيما أريده من التمتع بملاذ الشباب.»
إن هذا الرجل، بل هذا الداهية الذي كان يتفوَّه بهذا الكلام كان أخي أندريا الذي بات اليوم من المساكين، وكان ذلك الرجل المشفق الذي كان يتمنى الثروة لإنفاقها في سبيل إغاثة الملهوف زوجك أرمان، وقد ظفر كلانا بما كان يرجوه ويتمناه. أما وقد تاب أخي توبة لا رجوع بعدها إلى المعاصي، فقد رأيت أن أستخدمه لردع شرور الفاسقين؛ فإنه إذا كان قد رجع عن الغي والضلال والمنكرات فإنه أعلم بأصحاب الآثام، وأبصر بطرق منع الشرور، ومثل هذا الرجل الحاذق الذي يُعَدُّ من النوابغ إذا جرَّدَ قريحته لمقاومة الشر يدفع كثيرًا من البلاء عن أخيه الإنسان.
ثم إنكِ تعلمين أني معين بوليسًا سريًّا لهذا الغرض، فإذا عيَّنتُ أخي رئيسًا لهذا البوليس السري يبلغ بحسن إدارته أقصى درجات الكمال.
فاستصوبت حنة هذا الرأي وقالت: لا أظن أن أخاك يأبى قبول هذه المهمة، فأنه إذا كان يزهد للاستغفار، فإن دفاعه عن الأبرياء ومقاومته للشر تدنيه أكثر من التقشُّف.
وفيما هما يتباحثان إذ دخل خادم الكونت وأعطاه غلافًا ضخمًا يتضمن كتابًا مسهبًا، ففضَّه أرمان وجعل يقرأ ما فيه كما يأتي:
إن بوليس سيدي الكونت السري أخذ الآن بالبحث عن جمعية سرية عُقِدت حديثًا في باريس، وقد ظهر أن هذه الشركة متشعبة في جميع العاصمة، ولم نقف بعدُ على شيء من طرقها في الإجراء، ولا عرفنا رئيسها وأعضاءها. غير أنه تبيَّنَ لنا أن الغرض من هذه الشركة أن يتحصل أعضاؤها على جميع الوسائل السرية المشوشة لنظام العائلات؛ فيستخدمونها للإنذار والتوصُّل لما يريدونه من الأغراض، وقد بذلنا الجهد للوقوف على أسرارها فلم نظفر بعدُ بشيء، ولكنَّا لا تفتر لنا همةٌ عن اقتفاء أثرها.
ولم فرغ أرمان من تلاوة هذا الكتاب أخبر امرأته بمضمونه وقال: إن الله أرسل لنا أندريا لمقاومة هؤلاء اللصوص.
ثم دعا خادمه وأمره أن يذهب ويدعو له أخاه أندريا.
إن مَن عرف الفيكونت أندريا، أي السير فيليام، أي أخا أرمان دي كركاز، أي ابن الكونت دي فيليبون، على ما مثل في رواية الإرث الخفي السابقة ينكره متى رآه الآن، وقد امتقع لونه وهزل جسمه، وهو بملابس تدل على الزهد، فإذا مشى أرخى نظره إلى الأرض، وإذا تكلَّم نطق بصوت ضعيف، وإذا نظر إلى محدِّثه نظر إليه نظرةَ الضعيف للقوي، وقد ذهب رواؤه القديم، وخمدت جذوة نظراته الجهنمية.
وكان لا يجسر أن يطيل النظر إلى امرأة أخيه، كأن مرور أربعة أعوام لم يمحُ آثارَ ذنوبه وإساءته إليها، فلما قَدِم إلى أخيه وقف أمامه وأمام امرأته وقفةَ الذليل وقال: ها قد أتيتُ فماذا تحتاج مني؟
– إني دعوتك لأني محتاج إليك.
فبرقت عين أندريا بأشعة الفرح وأضاف: حبذا الموت في خدمتك.
– إني لا أطلب إليك أن تموت بل أن تحيا.
وقالت امرأة أخيه: أي أن تعيش كما يعيش الناس.
ثم أخذت يده بين يديها وضغطت عليها بحنوٍّ وإشفاق، فاحمرَّ وجه أندريا وحاول أن يجذب يده وهو يخاطبها: لستُ أهلًا يا سيدتي لحنوك، فما أنا غير أثيم شريد.
فتنهَّدَتْ حنة ورفعت عينيها إلى السماء وهي تضيف: لا شك إنه من الأبرار.
وأضاف أرمان: إنك تعلم أيها الأخ العزيز أني موقف نفسي ومالي لعمل الخير، وأنا أرجو مساعدتك لي في هذه المهمات.
فارتعش أندريا وأجاب: أيبقى الخير خيرًا إذا تدنَّسَ بيدي الأثيمة؟
فردَّ أرمان: إني لا أطلب إليك أن تعمل الخير، بل أن تساعدني على مقاومة الشر.
ثم دفع إليه التقريرَ الذي ورده من البوليس السري.
وبعد أن قرأه أندريا وهو يظهر العجب والدهشة، أضاف أرمان: إنك قد شقيت في توبتك وندمك شقاء عظيمًا كان شفيعًا لك إلى عفو الله، والآن فعُدْ إلى ما كنتَ عليه من النشاط والذكاء والجرأة النادرة كي تستطيع أن تقاوم أولئك اللصوص.
وأطرق أندريا هنيهة ثم أجاب: سأكون ذلك الرجل.
فَسُرَّ الكونت غاية السرور وقال: الآن قد وثقت من كشف الستر عن هذه الجمعية الهائلة.
وفيما هم على ذلك فُتِح الباب، ودخلت منه امرأة لابسة ملابس سوداء كما تلبس الراهبات، ولم تكن هذه المرأة بل تلك الفتاة غير التى عرَفَها قرَّاء روايتنا السابقة باسم باكارا، وقد مات كل شيء من تلك الفتاة التي كانت من أشد بنات الهوى غدرًا، ولم يَبْقَ فيها حيًّا غير جمالها النادر الذي لا يقيدها بشيء، وقد استبدلت اسمها القديم باسم الأخت لويزا، على أننا نستسمح القراء ونبقي لها اسمها، فتبدو لهم بذلك الحال الغريب الذي كانت تسعى أن تخفيه بالملابس الضخمة، ولكن الوردة لا يستر جمالها ما يحيط بها من الشوك، غير أن هذه الفتاة التي عرفت أسرار الهوى، ثم تابت بعد أن حبسها أندريا في مستشفى المجانين لم تُبْقِ من مظاهر التجمُّل غير ذلك الشعر المنسدل على كتفيها كالأراقم السوداء.
ولما دخلت باكارا هشَّتْ إليها مدام دي كركاز ومدَّتْ لها يدها للسلام، فظهرت على وجهها علائم الخجل، كما بدت هذه العلائم على وجه أندريا. فقام أرمان وأمسك بيدَيْ باكارا وأخيه وخاطبهما قائلًا: لقد كنتما شيطانين على الأرض تتعاونان على الشر، فأصبحتما بعدَ توبتكما ملاكين، فتعاونا الآن على الخير.
ثم وضع يد باكارا بيد أخيه، فنظرت باكارا إلى أندريا وهي تقول في نفسها: لقد خُدِع أرمان وخُدِعت امرأة أرمان؛ فإن مثل هذا القلب لا تصل إليه التوبة.