الفصل الرابع

6 0 00

الفصل الرابع

جلباب والدي كان فضفاضاً حين أتيت، لم تكن باستطاعة الريح أن تقشر جلدي، كنت أمارس اللعب معها دون أن أُخدَش، حتى الأتربة والتي غالباً ما تمطرني بحرارة ذرَّاتها، كانت مجرد عارض ما يلبث أن يزول، دون أن يترك في وجهي نتوءاته القبيحة، مع هذا كنت أعلم أن أبي لم يكن سوى محطة لأداء دور أولي، ومن ثم أنتقل إلى وضعية أخرى، غير هذه الحياة التي أمارسها بمحدودية، الطبيعة حدس، وأبناء الطبيعة قلَّ أن يخطئ حدسهم، كان من السيئ أن أعيش دوماً معلقاً في ساعد أبي الأيمن، حتى وإن كان أبناء القبيلة كلهم مثلي، إلا أن استمرار هذا الشيء، يتحول من متعة الأمان، إلى الشعور بفقد الثقة بالنفس، حيواتنا حين تتحول من النشأة المطلقة، إلى تقييد الملاذ، فإنها ببساطة تفقد الحصة الرئيسية من متعة الأنا الوجودية، مع هذا ظللت على ما أنا عليه أنتظر ما يخبئه القدر في خَرْجه، أبي لم يعد يكلمني، كان كثيراً ما يبكي، ويبكي أيضاً بلون أخضر، يتحول هذا الدمع مرة بعد أخرى، ما شاهدته كان أخضراً، يشبه ورق أشجار جارنا الكهل، وحين يأخذه البكاء إلى مبلغ مفزع، يبدأ بهرش ساعده حتى يخرج منه دم أبيض لزج بكثافة متوسطة، لم أكن أقترب منه حين أشعر أنه وصل إلى هذه المرحلة من الحزن، ولم أجرؤ أن أسأله عن سبب ما يفعله بنفسه، في الليلة الماضية، أحسست وأنا نائم بيد تتلمس وجهي بهدوء، لم أفتح عيني مباشرة، تناومت، ثم فتحتها قليلاً، بحيث لا يشعر بي المقابل، كم كانت مفاجأة حين رأيته، لم يكن أحد سواه، كان أبي لكن هذه المرة دمعه ودمه يذرفان، وحين اختلطت على كفه لونا النزيف، خفت عليه، لكني أكملت تظاهري بالنوم، وطفقت أنظر إلى وجهه وكفه، كان يهتز كما تفعل الأغصان حين العاصفة، كنت أرى الخوف في عينيه، وبعد مجهود ومحاولات كثيرة، قبلني في جبيني وقام، أحسست بعدها أن للصباح رائحة ستكون مختلفة بعد هذا المساء، تركت عيناي تجوسان المكان، ثم أغمضتها بقوة محاولة أن أنام ولامناص، اندلعت وساوسي، هل تراه سيموت، أم أنه كره مكثي الطويل فاضطر إلى السفر بعيداً عني، لكن كيف له أن يفصلني منه، أم أن للآباء طُرقاً يستطيعون بها فصل أبنائهم، دون عمليات فصل السيامية الجديدة، أحسست بألم حاد يتغلغل في جزء رأسي الأخير، فجأة وجدتني في لجة الشمس صباحاً، دون أن أشعر أني نمت، أو فقدت الوعي، كان كل شيء قد تغير، وجدت أبي مربوطاً بحبال كثيرة، رأيت عليه ألواناً طباشيرية بعلامات وحروف لم أفهمها، رأيت أني كنت في حبل أقصر من والدي، لكن دون علامات، حاولت أن أبكي، لكن كل شيء رحل، حتى خفقات قلبي تلك التي كان الهواء يتسلى بسماع دقاتها ساعات الوحدة، كانت قد انطفأت، شعرت أن جسدي بارد، وأن أطرافي قد تنمَلَّت تماماً، هل مُتّ، هل هذا هو الموت الذي أخبروني عنه، هل هذه الدوائر السوداء هي ذات الدوائر التي تأتي أوقات النزع، شيء مرعب أن تكون أنت بكل تفاصيلك، لكن في برزخ آخر وواقع لست ممارساً له، دون انتماء هكذا تجد نفسك، مسربلاً بكل الهلاميات التي تشبه خيالات الجدَّات، والكهنة، استفزتني تصلبات شرايين أبي، خشيت أن تكون ميتته أقسى من ميتتي الهادئة، حاولت أن أتحرك، لكن دون فائدة، حينها سلمت للأمر الواقع، وتركت نفسي تتأمل منظر الموت، سابقاً كنت أظن أن الموت رجل أسود، بمنجل متعرج الأسنان بلون فضي يبرق كلما تحرك في يده، لكن أن يكون لطيفاً إلى هذا الحد فهذا ما لم أتوقعه أبداً، لكن لماذا لم يخبروني سابقاً أنه هكذا، تركوني أسير موصولة عنقي بحبل من الخوف، كم هو جميل هذا الموت، وخصوصاً بهذه الرائحة التي لم أشم مثلها أبداً، أحسست فجأة أني أنتقل من مكاني، ثم أتعلق في الهواء، ومن ثم وجدتني داخل صفيح معدني بلون صدئ، بدأت أنظر يمنة ويسرة، بدأت أميز غرباء بملابس مغايرة لمرتادي هذه المناطق، كانوا جميعاً من ذوي السحنات المختلفة، تلك التي تراها أحياناً في تجمعات سنوية، تحمل مخيمات، لكن أن أراها بالقرب هذا، فشيء لم أتوقعه أبداً، كانت أيديهم تفك حبالنا، أحدهم بشارب أشقر، ويد خشنة، جذب الحبل الملتف على جسدي بسرعة وفظاظة، مما جعلني أعرف مسبقاً أنه قد غُصِب لمثل هذه المهمة، لكن حاجة ما كانت تستدعي مشاركاته، لذا لم أحقد عليه، حين علمت أنهم حطّابون من نوع مختلف، ربما كان حضارياً أكثر من أولئك الحطابين الذي يفجرون أدمغتنا بفؤوسهم، علمت وقتها لماذا كان أبي يبكي، ويهرش ساعده، وكم كانت خيبة ظني كبيرة، حينما علمت أن الموت لم يكن قد حضر بعد، وكم تمنيت أن يحضر ولو بأي وصف، وبأي بشاعة، سيكون حتماً أقل من منظر كهذا، سمعت بعد زمن أصواتهم القذرة، بدأت حواسي تستعيد نشاطها من جديد، وأن ما حصل ليس سوى أنَّا فقدنا التربة التي كانت تجمع جذورنا الممتدة حتى مسافات طويلة، لم أنتبه أني قد انفصلت عن أبي، وأن آثار المنشار الحديدي قد اجتث جنبي الأيمن، بدأت أصرخ بصوت عالي وأنا أتقلب من مكان نحو آخر، وأبي يكتفي بأن يشيح عني، كي لا يشعر بحجم القهر الذي حل به، بعد أن كانت شجرتنا يضرب بها المثل في الظل، كان البشر إخواناً لنا، يعلقون على أكفنا قِرَبهم وأسلحتهم، لكن أن يتعرضوا لحياتنا، فهذا ما لم يكن في حسباني مطلقاً، لعنة الأشجار أنها لا تموت، بل تنتقل من حياة نحو أخرى، حسب ما يقترح هؤلاء القتلة، وأسوأ حياة هي أن تغدو رماداً، بعد أن تكون مجرد دفئ لليلة شاتية، تزدحم أكفهم على احتراقك، دون أن تبتل وجنة أحدهم بدمعة رأفة، أبي كان يقول:" لا تهتم لهؤلاء، يبيعك أحدهم، لمجرد حفنة دراهم"، كنت أستغرب حقد أبي، لكني الآن أعلم أنه كان رحيماً في طلق الوصف معهم، أشعر بكمد وأنا اصطدم من جانب إلى جانب، محدثاً هذا الصفيح في رأسي شروخاً، ليس لأحد أن يضمد جراحها، كنت أتتبع نظرات أبي التي تتشبث بالفراغ، لم أظفر حتى بنظرة أتبين منها شعوره، كان السطح الذي تسير عليه هذه الناقلة وعر للغاية، نسيت خلال كل هذا السفر أن أنظر إلى ما حولي من أماكن لم أرها من قبل، دوماً حين تكون الفجيعة مفاجأة، ينسى كل ما سواها، حتى ولو كانت هذه الفجيعة على سطح القمر، الفضول لا يتحرك إلا إذا استرخت الأعصاب تماماً، كنا قد بدأنا الارتفاع قليلاً نحو الأعلى، مما جعلنا نتحرك نحو مؤخرة الناقلة، تتراكم أجسادنا فوق بعض، بدأت أفقد توازني مرة أخرى، وأشعر أني أخذت أدخل في ذات الدوائر السوداء، لكن بزيادات أخرى، ارتفعت كثيراً، ثم بدأت أتدرج بسرعة على سطح الهواء حتى ارتطمت على الأرض، فقدت وعيي مدة غير قصيرة، لأجدني في ظلام دامس، تلفني الحلكة من كل مكان، وكأنها قد خرجت من جسدي، كان الليل مخيفاً كما لم أعهده من قبل، صرخت منادياً أبي، صرخت ثانية، ثالثة، المرة الألف، وصوتي يرتد إلي مرة بعد أخرى، علمت وقتها كم هي الوحدة شاقة، خصوصاً إذا كانت هذه الوحدة غير مبررة أبداً، توسدت الحصاة التي كنت أطفو بدمي عليها، وبدأت استرسل في النوم، الخلائط دوماً تمنحك شعوراً في تصنيف الأمور، حين بدأت أدخل في الدوائر السوداء،توقعت أني حطابين آخرين يأخذوني من حطاب، الشمس لم تكن قد أشرقت بعد، لكن حجاب الصباح كان قد نشر أزقة الضياء في المدى أزرقاً غامقاً، كأنه خليط التربة التي اندمجت بها يوماً، أثار في المنظر شجوناً، وبدأت أتذكر أنه كان لي أب، وقبيلة، وسلالة متوارثة، تمتد بوجود هذا الإنسان، بل هي سابقة له، سمعت في البعيد حداء لرجال بأفواه عذبة، تلمست الأمان من خلالهم، مع أني كنت للتو خارجاً من لعنات متتالية لهذا الصنف من المخلوقات، بدا الصوت بالتقدم، وكأنه يستعد ليفجأني بأنه قد وقف على جسدي،وتهم يداه بأخذي، كنت أرى خطواتهم تمتد في هذه الأرض المتوالية الاتصال، كنت قد ثملت بأصواتهم التي تتلون في هذا الأفق كما يتلون هذا الخط الشفيف من شمس الصباح الأولى، لا أدري لماذا أحببتهم، وتمنيت لو تلقفتني يد أحدهم، ولو ليجعلني مسنداً ليده في السيارة، كانوا يتقدمون بخطواتهم وأنا أتقدم في أمنياتي، لم أعد أفكر بأبي الذي فقدته، ربما تكون هذه الحياة الجديدة مهما كانت قاسية، أجمل من أن تتعلق بجلباب أبيك زائداً دون فائدة، كانوا خمسة حين جاؤوا ووقفوا علي، أخذني أحدهم بيده، وساعده أحدهم على حملي، ثم بدؤوا يقلبونني بين أكفهم، وهم يتعجبون من نوع الشجرة التي انفصلت عنها، ولم يظفر واحد منهم بالاسم الذي سماني إياه جدي، ولم أخبرهم حتماً به، فهمت من همهماتهم أن نوعية خشبي فاخرة، ولم أتمكن من تداخل الأصوات ما إذا قرروا شيئاً يفعلونه بي، أخذوني معهم، حتى وصلنا إلى سيارة أحدهم، والذي تبدو من هيئته بأنه صاحب حس فني رائع، ولمسة يدوية فاخرة، لفني بقطعة من القماش منتهٍ بخيط غليظ يربط في نهاية القماش، أشبه بالكيس، دخلت في عتمة جديدة، ومضى على هذا عدة أيام دون أن أفتح عيني على غير هذه العتمة، بعدها استيقظت على يده، وهو يضعني على منضدة بنية اللون، تبدو من هيئتها أنها فخمة وغالية القيمة، أخذ مجهراً وبدء يتفحص جسدي ويستخدم يدي في تفحصه للنتوءات أو التجاويف التي تسكنني، أخذ منفضة وبدأ يمسح عني الغبار، ثم أخذ قطعة إسفنجية وبدأ يغمسها في محلول، ثم يدهن بها سطحي، استغرقت منه هذه العملية قرابة الساعتين، ثم بدأ يقشر أطرافي، بعدها شعرت أني بدأت أغيب عن الوعي جرَّاء الرائحة التي تبخرت من المحلول، كان كل شيء قد انتهى من المرحلة الأولى، جسدي عار من كل شيء، بدأ يضيف كمية المحلول، ثم طفق ينقش على سطحي، نقوشات كثيرة متداخلة، وبحرفية بالغة انتهى من النقش بعد أربع ساعات متواصلة، ظللت عدة أسابيع وأنا معلق بطرف شرفة، أتلمس فؤاد الشمس وهي تغمس يدها فيَّ، وأنتهي في الليل وهو يسقط علي كسف الهم والوحدة، في الأماكن التي تنعدم من المخلوقات، وهي ما يسمى بالمعامل، وليست أية معامل بل تلك التي تكون خاصة، وليس لأي أحد أن يدخلها، هناك يكون لكل نَفَس طعم الموت ربما كان هذا هو الموت الذي أخبرني عنه أبي، لكن هل يمكن أن يكون للموت مراحل بطيئة ومتسلسلة، لا أظن، فقط كنت أنتظر وأنتظر، أعُد كم يجب علي أن أفقد كي أتدرج في تنصلي من هذا الوقت المتوقف، بعدها دخل علي رجل ملثم، غير الأول، أخذني وذهب بي إلى مكان فسيح يتجمع فيه رجال كثيرون، وسط آلات مختلفة وبأحجام مخيفة، كانوا جميعاً بأكمام طويلة، وبعضهم قد شمَّر عن ساعده، الكل هنا بسحنة واحدة، كمامات، قفازات، بزة زرقاء، كنت أنتقل من آلة إلى آلة ومن يد إلى يد إلى أن وصلت لرجل دقيق الملامح، نحيل الجسم، بارز الوجنتين، أخذني وبدأ يقسم أطرافي إلى أجزاء، خلال يومين كاملين، ظل يقيس أطوالي، ثم يقصها، في اليوم الثالث وجدت جسدي قد تجمع بأربعة أرجل، ومسندة ظهر مجوفة، علقت علي ورقة كتب عليها" خاص بالسيد أحمد"، علمت فيما بعد أن اسمي كرسي، لم تكن هذه التسمية تروق لي، لأن حرف الكاف والذي رأيته وهو يكتب على زجاجة بمادة بنية، تسمى كافين والتي سمعت أنها تجعل من شاربها يقظاً، أكثر من المدة المقررة لجسده، لكن التسميات دائماً ما تكون دون أخذ آرائنا، وإن كنا نحن الذي سنعتاش على هذا الاسم بقية عمرنا، وضعوني أمام الرجل الأول الذي أخذني بسيارته من الغابة، كان في أقصى درجات ابتسامته، كنت أحس بنشوة انتصاره وهو يلمس ساعدي وأرجلي ووجهي الذي بدا مجوفاً بشكل لا أرضاه لنفسي، ظل يمدح نوعية خشبي، ويردد اسم " أحمد "، وأنني سأكون هدية مختلفة عن بقية الهدايا التي قدمها الأصدقاء لأحمد، لست أعرف أحمد، ولا مناسبة الهدايا التي يتكلمون عنها، حاولت جاهداً أو قل مجبوراً على مثل هذه الحياة الجديدة، حسناً لا بأس أن ينتهي بي وضعي كرسياً في غرفة، في لجنة تحكيم، في بهو استقبال لأحد الفنادق، لكن هل سأختار الذين سيجلسون علي أم لا، مقزز أن أجعل لقذر لم يغسل جسده لأكثر من أسبوع أن يجلس علي، أو لعامل بناء أسلمه التعب إلى جذعي، مثل هذا يجعلني أموت عشرين مرة في اليوم، الآن أقسم أن الموت يأتي في صورة رائحة كريهة ليأخذني، حملني أحدهم ووضعني في سيارة كبيرة، وقد ربط أرجلي في إلى الأعمدة البيضاء الصغيرة التي تستقر في صندوق السيارة الخلفي، لأول مرة أرى الشارع، راعني جمال اللون الأسود في الإسفلت، أحسست بأن الوحيد الذي يستفيد من مذاق الإسفلت هو هذه الإطارات التي تلعقه في اليوم الواحد كثيراً، ومن دون أن تفقد طعمه الأول، كل شيء يتمتع بحياته الخاصة، لكن حياة واحدة لمثل هذه الأشياء، أجمل من حيواتنا جميعاً، أحسست بطعم الحرمان الذي كنت أقاسيه في الغابة معلقاً بساعد أبي، الآن باستطاعتي أن أغوي حسناء للجلوس علي، أو وجيه للاستمتاع براحتي، الآن أستطيع أن أعيش في الليل دون خوف، كم هي جميلة هذه المدينة، أرتال الحديد الذي يسير، الكثافات البشرية التي تتكدس داخل الباصات أو السيارات أو على الشارع، أدهشتني اللوحات وتسمياتها الغريبة، كم أتمنى أن يتركوا لي حرية تفحصها جميعاً، فقط لأعلمهم كم يجنون على الحروف حين يخلطونها مع بعض، ثم يزجون بها في قالب كلمة أو جملة، دون أن يكون للمعنى نصيب من التفكير، أشياء غريبة مثل" ملحمة الأناقة، مشغل قوت القلوب للخياطة النسائية...الخ"، تسميات مثل هذه تسبب لك الغثيان من شدة تناقضها، دخلنا شوارع كثيرة، وأزقة أكثر، أعجبتني فكرة الإشارات المرورية، لكن لا أدري لماذا اختاروا هذه الأوان الثلاثة(أصفر، أحمر، أخضر)، هل يدل الأخضر دوماً على إمكانية الشيء، الربيع أخضر ممتد، لكنه لا يسمح لك أن تمر أمامه هكذا دون أن تأخذ منه شيئاً، الأحمر أيضاً لا يدل على المنع المطلق، حتى الأصفر المسكين قلبوه من جماله الحيوي إلى مرحلة في المنتصف متذبذبة، الكل يخاف من هذا اللون، لأنه الدقيقة الفاصلة بين أن تسجن أو لا، حركة عيونهم وهي تتحرك في كل الاتجاهات، شتات فضولهم، الفضول ليس بدرجة واحدة في هذه المدينة، الأب له فضول خاص به، وكذا الأم، والراصد فقط، يهتم بجانب الفضول عند كل واحد منهم، لا أدري أي قدرة يملكها البشر في متابعة كل ما يجري على سطح هذه الأرض بأسرها، بينما أنا بالكاد أستطيع التركيز على ما أشاهده في هذه البقعة الصغيرة من المدينة الكبيرة، من الدولة، من العالم، من الكون، يا لعجب البشر، يبحثون حتى عن ما لا يعلمون ولن يعلموه، مخافة ألا يعلموه، أخيراً أوقفوني عند مكان مكتظ بالناس، أقبل إلى السيارة رجل مربوع القامة، بسحنة مائلة إلى الهدوء، تشرب منها ملامحها بسهولة، دون أن تغص بأنفه مثلاً أو بجبهته العريضة، صافح صاحب السيارة، وتحدث معه عدة دقائق، ثم فك وثاقي وأخذني وهو يحملني كما يحمل طفله الأول، كنت مرعوباً من المكان الذي سأقدم عليه، أحسست بأن هذا المكان سيكون محطتي الأخيرة، لذا حاولت أن أحفظ المكان بأسرع وقت ممكن، كي أُوَطِّن نفسي عليه، أخذت صورة سريعة على محتويات المقهى من الخارج، لكن ما إن دخلت حتى وقفت شرايين جسدي من كمية البكاء الخارجة من الجدران وأطراف السقف، كانت أصواتاً جنائزية، أكثر من كونها نواحاً، رأيت ابنة عمي، وعمتي، وابن عمي، وابن أخ زوج خالتي، كانت أطرافهم ممزقة، وقد ألصقت بخازوق مدبب، حاد، يسمونه المسمار، كانت يد النادل تأخذني إلى مكان مظلم، سرعان ما تكشفت تفاصيله حين أدار مفتاح الإضاءة، فبان في وسط الغرفة المكتظة باللوحات الفنية، مكتب أسود من المعدن الفخم، وبسطح زجاجي شفاف، يقبع خلفه كرسي من الجلد الأسود، عن يمين المكتب كانت توجد طاولة بطول مرتفع نوعاً ما وبعرض أقل منه بكثير، وكأنها مكان لوضع التحف عليه أو تلك التي يضعون عليها "الفازات"، في مقابل هذه الطاولة وضعني، فبدت أطوالنا متوافقة لحد كبير، وكأنا توائم من فرط تشابه اللون والنوعية، فكرت لوهلة أن هذا أبي، لكن لو كان هو لبدأني بالتحية، حين هممت أن أتكلم، همس لي بالسكوت، وأنه يحسن لمن هو جديد مثلي أن يتأدب بآداب التحية، لأن لكل مكان عاداته وتقاليده، وأي خرق لهذا النظام هو تعد على شرعية المكان، من هنا نشأت النفرة، ولم أعد أهتم بوجوده، مع كثرة ما يثرثر علي هذا المسن الخشبي، راق لي هدوء المكان، وخصوصاً تلك اللوحات السريالية التي تشعرني بالكثير من الطمأنينة، لأني بدأت أحلل كل لوحة بتحاليل نفسية، أربطها مرة بهذه الطاولة المسنة، أو بالنادل، بعد أكثر من ثلاثة أيام لا أدري تحديداً في أي وقت، سمعت ضجة في المقهى، وأصوات خطوات سريعة، جاء النادل وفي يده مقشة، وأخذ ينظف الغبار العالق على ملابسنا وأقدامنا وشعورنا الشعثة التي طالت من فرط الإهمال، بعد ربع ساعة دخل رجل بملبس أنيق ورائحة عطر ساحر، مصحوباً باثنين يبدو من هيئة أحدهما أنه مدير أعماله والآخر يبدو حارساً شخصياً أو ربما سائقاً، نظر إلي الرجل الأنيق وابتسامة لا تغادر محياه، بعد أن ثنى ثوبه جلس علي، وأخرج هاتفه النقال، وهاتف أحدهم وشكره على جمال الهدية، وأنه تمنى أن يكون عنده مثل هذا الكرسي منذ أعوام عديدة، وقتها عرفت أن هذا هو " أحمد" الذي كتبوا الورقة في المصنع وعلقوها علي، كان دمثاً في التعامل معي، خصوصاً وأن رائحة عطره كانت نفاذة مما جعلها تعلق بجلدي أياماً كثيرة، علمت أيضاً أنني الكرسي الشخصي للسيد أحمد، وأن له طقوساً معينة في التعامل من أشياءه الخاصة، مما جعلني أمني نفسي بحياة مرفهة ووقت ممتع، خرج بعدها السيد " أحمد"، تبعه وصيفاه ومن ثم النادل الذي كان يرقبني بحرص شديد، أقبل النادل وأطفئ الإضاءة ومضى، كنت أفكر في أقربائي الذين سمعتهم يبكون، هل هذا يعني أني محظوظ بتواجدي هنا، وأنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباتوا في قبضة مسمار لا يرحم، سبب لي هذا الشعور كآبة رهيبة ، وأنا أشعر بحجم التضاد في العائلة الواحدة، قضيت ليلتها بين تفكيري بما أنا عليه وما هم عليه، تذكرت أبي، لكني ما لبثت أن ابتسمت لأني أعرف عناده وصبره، وأنه لا يبكي، البكاء ليس الدموع ضرورة، البكاء هو التضاد بين الفعل والترك، لا أتذكر أني نمت طويلاً، النوم في مكان كهذا يشبه النزول من الدور الثالث عشر إلى الطابق الأرضي، عبر شرفة معلقة في الهواء، دخل النادل مسرعاً وتوقف عندي مباشرة، مسح على شعري، وقال:

" من اليوم سيكون اسمك أدهم، وستكون صديقي، سأخبرك بكل شيء، وسأطلب مساعدتك في كل شيء، ستقترح علي لون حذائي، وستحل لي مشكلة شعري الذي يتقصف، لا تدري أي بركة أنت حين أتيت، بالأمس أعطاني صاحب المقهى، والذي يدعى أحمد، علاوة مالية، لأنك أبهجته كثيراً، منذ زمن وأنا وحيد هنا، وحيد بأقصى معنى يمكن أن تتصور، يقولون أن الإنسان كان يوماً شجرة، لذا فإني سأفهمك حتماً وأنت تحكي لي، ولن أجد أي صعوبة في التعامل معك، بل على العكس سيكون هذا محرضاً الجذر الوراثي على الخروج بعد كل هذه القوقعة، كل هؤلاء الذين تراهم أمامك من معدات، وأرائك، وجدران، وإضاءات قد تكلمت معها، واندمجنا سوية روحاً وجسداً، مع هذا شعرت نفسي وحيداً، الوحدة هي أن تشعر بالانفراد، رغم امتلائك بالآخرين حد القيء، ولهذا مذ رأيتك وأنا أمني نفسي بأن تقبل صداقتي وتصطفيني من بين كل هذه الأشياء، لنعيش حياة مستقلة، بعيدة عن هؤلاء الأموات، سأعلمك كيف تصنع القهوة من حاسة الشم، سأجعلك تفرق بين القهوة البرازيلية والقهوة الفرنسية، ستعرف ما هو البندق وما هي القرفة، ستلمس بيدك قطع الكعك، وستتذوق خلطتي السرية في صنع المثلجات الباردة والتي يحبها الأطفال خاصة، سنعشق الحياة سوية، ونترك ما سواها لحينه، سأحدثك عن المجنون وعن الكهل، وعن العابرين الذين تتزلزل الأرض حين تَكَلُمِهم، لا بد أنك الآن قد مللت الحديث عن هؤلاء وتريد معرفتي أنا، لن أخبرك يا صديقي، كل شيء هنا يحكى بطريق المخاطب لا بطريق الأنا، سأحدثك عن النوم ربما:

"متأخراً حين يبدأ كل شيء يكتسب ضوء الله، أبدأ بكتابة القصاصات التي تكونت خلاياها عبر مشاهد اليوم، أتطلع إلى الجدار وأبدأ أصلب عليه كل ما مر بي من مشاهد وأحوال، الجدار هو الشاهد الذي تأسن الحكايا على كتفه دون أن يمل أو يتكدر، الجدار تاريخ أفقده التهميش صيغته الأصلية، حين صنعت الكاميرا، كانوا يظنون أن حبس الظل الذي تقوم به هو أول اختراع من نوعه في هذا المجال التقني، وغفلوا أن الجدار كان عبر كل التاريخ، الكاميرا التي لا تنسى المشاهد أبداً، لكن استنطاق هذا الجدار هو الجزء الأصعب من تأريخه، أبث أجزاء المشاهد عليه، وأرى انعكاس ظلها على الجدار، من الظِل أتبين عدد الخطوات التي يمكنني أن أقوم بها بعد كل حادثة، أحتاج إلى كثير من التركيز كي أخرج من كل قصة بوفرة معرفية وتجربية جديدة، كل هذا ليس قاصراً على تنمية الجانب العقلي فيَّ، لكنه أيضاً الطاقة الجسمية التي أسير بها، حين أضع كل ما يلوب في رأسي على هذا الجدار، فإني بذلك تخلصت من جميع الأعباء التي يمكن لها ن تسبب لي الأرق أو الصداع، وبهذا تبدأ العين بالتخلص من توترها، ليسري الاسترخاء في جميع أجزاء البدن، أدخل بعد كل هذا في المرحلة الفاصلة بين الصحو والنوم، تلك التي تكون أشبه بالنشوة، أو الإحساس بصعود الروح لتستقر في أحد طبقات الهواء، في هذه المرحلة تحديداً، تكون ابتسامة كبيرة قد ارتسمت على وجهي، لأدخل في مرحلة العفو العام، لن أجد غضاضة أن أُقَبِّل الشاب الذي هرب دون أن يدفع حسابه الخاص، لا بأس أن أشتري هدية وأعطيها الشرطي الذي حرر لي غرامة مالية، لأني سمحت لبعض الزبائن أن يقفوا في طرف الرصيف دون أن أمنعهم من ذلك، سأغفر للقط الذي حرك ساعد الحامل المعدني لتسقط المزهرية وتنكسر، حتى السجناء والذين لم يشملهم عفو عام، أصدرت حكماً بأن يطلق سراحهم، بشرط أن يرتدعوا عما عملوه، بعدها أنظم شوارع المدينة، أخبرهم أن الشوارع هي أول ما يقع عليه نظر الإنسان فور صحوه من النوم، وأن أي خلل في تنظيم الشوارع يعني إعادة الإنسان إلى كوابيس لم تأته في منامه، فيصبح متخبطاً في مرحلة اللاإدراك، مثل هذه الأشياء وإن بدت تافهة، فإنها تأتيني على هيئة هلامية، أشبه بالنبوءات أو الاصطفاء الذهني، عبر كل هذه التحولات أكون قد استغرقت تماماً في النوم، أثناء نومي لا يمكن لك أن تتنبأ بما إذا كان هذا القابع أمامك قد مات أو توقف نفسه، من شدة الاسترخاء الذي أبدو عليه، كثيراً ما يظلم الناس النوم، حين يغلقون عيونهم ويطلبون منه أن يغرقوا مباشرة فيه، وكأن دوره يأتي جبرياً دون إلهام منه، تذكر أنك حين تجعل للنوم قيمة روحية، فإنه يتحول من كائن طلبي إلى كائن ذاتي، ينبع من أقصى درجات روحك رضى"

بذر الريح

نقتات على الحلم، ونترك بواقيه في جيوبنا ساعة الكآبة، كل الطرق باتت مقطوعة الأطراف، منقوصة الأرصفة، تتلاقفني رجوم الشياطين، أعد أصابع الخوف من المجهول واحداً واحداً، وفي كل مرة ينبت إصبع جديد لم أكن قد تهيأت له، تكاثرت الأظافر علي، فمن كثر الدماء، لم أعد اهتم بهذا السائل القاني، مجدولة روحي على أجنحة العنقاء، وابتهالات الأساطير، تلمساً لدرب يؤدي إليك أو نسيم يدلني عليك، كل شيء مستحيل، هكذا يقول الهواء، وهو يُحكم علي قبضة النفَس، لأختنق في كل ساعة مرة أو مرتين، ولا هم يشعرون، هل ترى عيناك فترت يا أبي، هل زاد مد النمش على وجهك، هل تباطأت أقدامك فلم تقو على السير إلا بعكازة صدئة، تعروني الذكرى فأتشرنق في خُدَّاج الألم، بالأمس بكيت طويلاً، للحد الذي خشيت علي صديقتي كثيراً، جاءتني صديقتي وأرتني دفترها الخاص، وهي تكتب عليه دم قلبها، بينما كنت أقلبه إذ وقعت عيناي على هذه الجملة:

" تخيل! كل أمنياتي أن أصلح لك شاياً بالنعناع، وأغسل الكوب بعد أن تنتهي! أشياء بمثل هذا الصغر في خفة عبورها، مع ذلك استحالتها توجع!" يا لله يا أبي..

إني أطلب أقل من هذا، هذا زائد على من هي بمثل حالتي، لا أريد سوى أن أراك ولو للحظة واحدة..

فقط أريد أن أراك.