الفصل الأول

8 0 00

الفصل الأول

كانت الحرب على وشك الوقوع في لبنان، وكان ذلك يسلينا كثيرًا نحن الصغار والكبار. كنا ننتظر، كلنا، بفارغ الصبر، أن يتفجر الوضع. كان ذلك رد فعلنا على حياة البؤس التي نحياها أكثر من استخفافنا بالموت، فالحرب كانت شغلنا مثل باقي أشغالنا، وكانت تجعلنا نقضي وقتنا، فما قيمة الوقت في أعيننا؟

لم نكن نتعلق بالآمال الكاذبة، فلم تكن لنا آمال، وهكذا كان كل شيء ذريعة لتسليتنا، أتفه الأشياء وأخطرها. ربما كان ذلك لأننا لم نكن لا من بيروت الغربية ولا من بيروت الشرقية، ولأننا لم نكن نعتبر لا مسيحيين ولا مسلمين، فحينا يقع على الخط الفاصل بين البيروتين، في قلب العاصمة. كنا، نحن السكان الملعونين، الأكثر شطارة، فلم نكن نقول لأحد إلى أية طائفة ننتمي، "انتهازيون أبًا عن جد"، كما كانت تقول العمة مريم. لتخلط عالمها، كانت العمة مريم تضع حول عنقها الصليب وآية الكرسي، فيعتبرها المسيحيون مسيحية عندهم، ويعتبرها المسلمون مسلمة عندهم. كمُلابَسة ليست مؤسفة، كان اسمها اسمًا للطائفتين، ولو لم تكن تُسَمَّى كذلك لاخترعت اسمًا موافقًا للظروف، لتخدع الجميع. بالمقابل، كان الكل يحاول خداعنا. كان كل طرف من أطراف النزاع يحاول كسبنا إلى جانبه، بما أن لا هوية محددة لنا، وللمصلحة الاستراتيجية التي كان يمثلها حينا.

كان تقي الدين الشيعي كما يدل اسمه عليه أول من جاء يعظ عندنا، مع أنه لم يكن إمامًا. كانت العمة مريم تعرفه –ونحن كلنا- منذ كان طفلاً صغيرًا. في ذلك الوقت، كان يأتي عندها مع أمه، عندما لا تجد أمه ما يأكلونه، فتذبح لأم تقي الدين الدجاجة التي يعطيها إياها كتائبي كبير لخدمة تقدمها له تعبيرًا عن تشكراته الحارة، فالدجاجة بالنسبة لهذا الكتائبي البخيل أرخص من كيلو لحم بكثير. كان عليها أن تبقي لنا بعضها نحن أبناء إخوتها وأعمامها الذين كنا نعيش عالة عليها وكنا كثيرين. وكما كانت عادتنا عندما نشبع، كنا نلعب ببنادقنا الخشبية لعبة الحرب، وكان تقي يخسر دومًا لكثرة ما كان خوافًا.

في خطابه إذن، كان تقي العظيم يعدنا بالثروة والعدالة إن وقفنا إلى جانبه، فكانت العمة مريم تقول له إن كل الحي معه. لكن ما أن كان يذهب حتى كانت تسخر منه. كنا نسخر منه كلنا. خواف الزمن القديم هذا يريد أن يجعل من نفسه علينا زعيمًا في الوقت الحاضر! وعن أية عدالة كان يتكلم؟ عن أية ثروة؟ كانت العمة مريم تسأل. بالنسبة لها العدالة والثروة لا تعيشان بوفاق.

بعد تقي الدين كان يأتي دور بطرس الأحمر. كانت العمة مريم في الزمن الماضي تنظف بيتهم ثلاثة أيام في الأسبوع في بيروت الشرقية، وكانت كذلك تذهب لإحضار بطرس من مدرسة الراهبات على الساعة الرابعة عندما تكون أمه مشغولة مع صاحباتها في جمعية "خبز ورحمة"، حتى أنها كانت تصحبه إلى الكنيسة يوم الأحد إن فضلت أمه الذهاب "لتناضل". كان الصغير بطرس يذرف دموعًا حارة إذا ما فاته القداس. الآن، وقد صار أحمر، كان يعدنا هو أيضًا بالثروة والعدالة إن وقفنا إلى جانبه، وكانت العمة مريم تقول له ما تقوله لتقي، إننا أزلامه. بعد ذهابه، كانت تحكي كيف كان هذا الشيوعي، وهو صغير، يبكي ليذهب إلى القداس! وكانت تحكي كذلك عن قسوة أمه، وتضحك. كانت تتذكر عندما عملها تحته في جناح الكنيسة، لا لسبب إلا لأن الخوري، مخطوفًا بوحي رباني، قد رفع صوته. كنا نبكي من الضحك.

أبو أرز، القيادي الكتائبي، لم يكن أبدًا يخلف موعدًا معنا. كان يزورنا هو الآخر، فلم يكن يشك، بما أن حينا يقص بيروت من وسطها، في أن أولى الطلقات ستنطلق منه. كان يقرر، دون أن يأخذ رأينا، أننا كلنا مسيحيون، كلنا كتائب. لم يكن يتكلم عن ثروة وعدالة، لكن عن واجب ونظام. كانت العمة مريم تصفق له، كنا كلنا نصفق له. كانت العمة مريم تعلم أنه سيوزع ظرفًا من النقود، وكانت الثروة من المحتمل أن تكون معه، ويا لها من ثروة! لم تكن تتجاوز بضع ليرات لبنانية لكل واحد منا. أما العدالة، فلم تكن تهمنا. منذ وجدت بيروت، والحي يتعامل هكذا مع أبي أرز وأبي أبي أرز وأبي أبي أبي أرز، وسيتعامل في المستقبل مع أرز، ابن أبي أرز. وما أن كان يدير لنا ظهره حتى تصف العمة مريم القيادي الكتائبي بالغبي، غبي وغني فضلاً عن ذلك، فكنا ننفجر كلنا ضاحكين.

برفقة أبي المشارق، لم يكن كمال الدرزي يتأخر عن الظهور عند العمة مريم، كان يعتبرها زعيمة كل الحي. بعكس الآخرين الذين كانوا يأتون ليتأكدوا من دعمنا إياهم، كان يريد أن يثبت لنا أنه سيبقى إلى جانبنا مهما حصل. هكذا هو يفهم "الاشتراكية"، كما كان يقول الدرزي، معتقدًا أنه هكذا يؤدي رسالته على أكمل وجه كما يدل عليه اسمه. "اشتراكيتك أنت، يرد الآخر باحتقار، أنا ماوي." "نعم، لكن الماوي من المشرق عليه أن يدين لي بالولاء." كان الاثنان يبدآن بالجدل في هذا الأمر النافل، فتهدد العمة مريم بعدم دعمها إياهما. كنا نبلع اعتراضاتنا عليها بصعوبة، ونحن نفكر فيما سنخسره، فتجاملنا العمة مريم، وتقول إنها ستدعم الاثنين. منذ أجيال، وهما هكذا، الواحد تطرفي والثاني اشتراكي، على الطريقة الدرزية طبعًا. وفي الختام، كانا يكافئان كل الحي بمئات صناديق السجائر التي كنا نبيعها في السوق السوداء.

بالمقابل، كان القائد الفلسطيني عبد السلام يأتينا بمئات صناديق الأسلحة. عشية أمس، كانت العمة مريم قد شاهدته بين المدعوين عند أبي أرز، وهي تساعد في تحضير الوليمة. كان من المفروض أنهما ألد عدوين في الكون، هو وأبو أرز، وكنا نتظاهر بعدم معرفتنا ذلك، فأقل الأشياء أن تعرف كيف تغمض عينيك عما يتعارض عند واحد يوزع كلاشينكوفات بكل ذلك الكرم، كلاشينكوفات كنا مفتونين بها، فنلعب في الأخير لعبة الحرب حق اللعب. كانت العمة مريم قد خافت فجأة، تجهم وجهها، وانشغل بالها، عندما فكرت في تَبِعات هذه الحرب. لم يكن باستطاعتها ألا تحب عبد السلام، كنا كلنا نحبه، حتى ولو لم يكن يحبنا بالفعل. كان الأكثر ذكاء بين كل القياديين الآخرين، ولم يكن هناك غيره ممن يستوجب فخرنا.

خلافًا لما كان يدل عليه اسمه، لم يكن عبد السلام يتمنى سوى الحرب. ولأنه كان ماهرًا في التخطيط، كان يدفع خصومه إلى الإطلاق أولاً، ليدَّعي أنه ضحية الرعب ونصير السلام في نفس الوقت. كان يعلم أن الحرب الأهلية تقترب، لأنه كان محركها بشكل من الأشكال. كان يستبق الأحداث، هدم بيروت، بناء بيروت، ارتفاع أسعار الإسمنت، ولهذا السبب عندما التقت بعيني برناديت عيناه، ابنة أكبر تاجر إسمنت في البلد، قرر إغواءها. لم يكن لزيارته لنا هدف آخر غير أن يطلب من العمة مريم مساعدته على إيقاع برناديت في شِباك العاشق الزائف الذي كانه، فلم تكن الكلاشينكوفات سوى وهمٍ خادعٍ لإلهائنا.

العمة مريم، التي تعرف برناديت جيدًا، ابنة عم بطرس الأحمر، كانت قد دعتها عندها عندما كان عبد السلام يوجد "بالصدفة" هناك. ما أن رأت برناديت سلاحه حتى اختلجت، فلم تكن تعلم أنها على صلة برامٍ للنار، وخافت من وقوع حادث. أبعدت بأصابعها المرتعشة السلاح، واستأذنت الحضور بالانصراف، دون أن تبالي بنداءات العمة مريم. تذرعت بواجب حضورها القداس مع أسرتها، وغابت. لم نعد نراها خلال وقت بدا لنا طويلاً جدًا. أرسل عبد السلام في طلبها بعض الفدائيين، فذهبوا إلى الكنائس، وذهبوا إلى الشواطئ، تحدوا الموج، تحدوا القروش، تسلقوا حتى الصخور، بلا جدوى.

في الليل، كنا نراقب، بصحبة عبد السلام، المكان الذي كانت تسكن فيه. كان يبدو أن برناديت قد اختفت تمامًا. الشيء المهم الوحيد الذي لاحظناه كان التصرف الغريب لأبيها. كنا نتساءل عما يمكن أن يكون قد وقع لها، كنا مستعدين لكل شيء لنعلم.

في الصباح، عادت إلى الظهور أخيرًا. تقدمت مباشرة من عبد السلام بوجه شاحب، وأخبرته أن أباها كان على وشك الإفلاس، وأن أمها تقضي نهارها في الصلاة كآخر استجارة. كانت برناديت قد بادرت بالذهاب إلى قصر أبي أرز الجاثم في الجبل لتعرض وضع أسرتها. كان قد رفض استقبال أبيها، وفيما يخصها، كان قد احتجزها بضعة أيام. رغم التواطؤ الذي كان يربط أبا أرز بالعمة مريم، كان رئيس الميليشيا المارونية الأكثر بطشًا. هو أيضًا كان ماهرًا في التخطيط. كان يصل دومًا إلى إخضاع الجميع وضمان ظهره. هكذا كان قد نجح في نزع مِلكية أبي برناديت. كان يضارب كعبد السلام على تفجر سوق الإسمنت بعد الحرب. كان هذا المنافس الحقيقي لذاك.

كانت برناديت تبكي. كانت تشد صليب المعمودية المعلق على عنقها. كان رجال أبي أرز قد رموها ساخرين أن تقترح على أبيها الصعود إلى نوتردام لبنان، فالله وحدة القادر على إخراجه من هذه الورطة.

طمَّن عبد السلام خواطرها:

- لا تقلقي. كل شيء سيكون على ما يرام غدًا!

- كيف يمكنك أن تقول هذا؟ استشاطت برناديت. سيكون الوقت متأخرًا.

- أبوك رجل قوي!

- لن يتردد أبو أرز عن قتله.

- لن يقتله. سأحميه لأني أحبك.

- أنت لطيف، لكن...

- اسمعيني! سأتكلم مع أبي أرز أولاً، وإذا لم أصل إلى شيء، ذهب رجالي لمحاصرة الميناء لمنع تهريب الأسلحة.

نظرت إليه. تابعت أنها قد حاولت تحذير أبيها من أبي أرز مؤكدة أنه لا يسعى إلا لاحتكار سوق الإسمنت. أبوها الذي كان مؤمنًا جدًا لم يكن يصل إلى أدراك أن الطيبة التي يُعَلِّمُهَا الإنجيل لم تكن لأبي أرز سوى وسيلة لدعم سلطته.

إن كان قد تشوش من كلام ابنته، فهو لم يكن يصدقها. كان يفكر أنها تبالغ.

سكتت، ثم أضافت موجهة الكلام إلى عبد السلام:

- هل تعرف ماذا فعل أبي؟

- لا.

- ذهب عند أبي أرز، فوق، في الجبل، ليبلغ عني، فرفض استقباله للمرة الثانية. عند ذاك، نصحه رجال أبي أرز أن يقول كل شيء لأبي مزة.

- أبو مزة القذر!

- نعم، أبو مزة، قبضاية الحي! منافس العمة مريم. هذا الدجال الذي يصطف على المكشوف إلى جانب أبي أرز، الذي يتبرأ من أقربائه، الذي يعتدي على الكل باسم الدين المسيحي، الجاهل بأمور الدين! كان يريد من أبي أن يعيد عليه كل ما قلته عن أبي أرز ليعاقب "الكافرة"!

- أقسم بالله العظيم أن أعاقبه أنا إذا مس شعرة من شعرك! اكتفى عبد السلام بالقول.

كانت مدينة بيروت صامتة. لم نكن نسمع سوى ارتداد الأمواج. كانت بيروت تكره الشتاء. كانت قد اعتادت على حرارة الرمل. أردنا أن نرافق برناديت حتى بيتها، فرفضت متذرعة بأن زعران أبي أرز إذا ما رأوها معنا قتلوها. لم نلح. قبل أن تصل إلى بيروت الشرقية، أشارت بإصبعها إلى أبي مزة، وهو مشغول ببناء سور في قلب حينا. كان في حوزته عدد كبير من أكياس الإسمنت.

- لا حق له، قال عبد السلام بذهول.

ابتسمت:

- لو سمعك تقول هذا لأجاب أنك أنت الذي لا حق لك أن تكون هنا! سيستفزك لتذهب، وإذا بقيت، فسيضربك حتى الموت لو يلزم. اللبنانيون على شاكلة لبنانهم: عبثيون!

- لكنه يقسم الحي، المدينة، البلد، هذا القذر!

كانت برناديت تريد أن تقول شيئًا، عتمت ملامحها، وسكتت. كانت تعرف أن العمة مريم وحدها من تستطيع التدخل، بينا العمة مريم لم تكن تريد أن تعرف شيئَا. كانت سياستها أن تترك منافسها يفعل ما يشاء. كانت تغمض عينيها لئلا تفسد الجو. ثم، بالنسبة لها، كان الكل يساوي الكل. لو كانت هي نفسها مكان أبي مزة لفعلت مثله. قرع جرس، فرفع أبو مزة رأسه من فوق سوره عاليًا، عاليًا، حتى أمكننا الاعتقاد بظهور رئيس الملائكة القديس ميخائيل. عندما مضت برناديت من أمامه، توقف عن العمل، فشعرت عليها بثقل نظرته المليئة بالغضب، حتى دخلت دارها.

بعدما اطمأن عبد السلام على برناديت، ذهب عند أبي أرز. استقبله بحرارة، وقدم له كأس عرق من الصنف الفاخر. تبادل ومضيفه بعض عبارات المجاملة، وبعجلة كشف عن موضوع زيارته.

- أبو مزة يبني سورًا يقسم بيروت قسمين، قال له، أحدهما مسيحي والآخر مسلم.

- ما الأمر إلا محض صدفة، أجاب أبو أرز بصوته الأخن. نريد فقط بناء مساكن شعبية نبدأها بجدار، ونعطي عملاً لعاطلي العمة مريم عن العمل. هناك القليل من الأبنية المشتركة في بيروت لدرجة أن لا أحد يعرف كيف هو البيت بغرفتين. الشقق فارغة، والأزمة خانقة. أعرف أن بناء السور لا يحل المسألة، غير أنه يهدئ بعض النفوس، ويملأ بعض الجيوب، ريثما نصل إلى حل يسمح لكل واحد بأن يجد فيه فائدة لنفسه.

تظاهر عبد السلام بأنه لم يسمع شيئًا:

- بناء سور هذا يعني كثيرًا من الإسمنت. فعلت كل شيء لتضع يدك على إسمنت أبي برناديت، وأنا لن أقدر على نسيان ذلك.

- هل ستقبل نصف السوق؟

- أفضِّل العمل مع واحد آخر، واحد لا علاقة له بك، وأفضَل شخص هو أبو برناديت.

- أنت خائف من أن يعرف رجالك؟

- أنا وأنت صُنعنا لنتفاهم على شيء واحد: الفوائد التي يمكننا أن نجنيها من الحرب. لا تنس أننا في أعين رجالنا ألد أعداء.

- ليكن. سأعيد سوق الإسمنت إلى أبي برناديت، لكني سأحتفظ ببرناديت لي إضافة إلى نصف الأرباح.

- ثلث الأرباح فقط، وبرناديت ستكون خطيبتي، لن تكون أبدًا لك.

- لنتركها تختار أحدنا، يا صديقي.

- سبق أن اختارت، يلعن دين!

تردد متحيرًا، ثم قال:

- موافق.

- أَتْرُك لك حرية البدء بالحرب متى تريد.

قهقه.

- سأشن الحرب، أكد، لكنك ستحطم بيروت حجرًا حجرًا.

- يجب أن نحتفل بهذا.

نهض، وليختم اتفاقهما، أمر ميليشياه بذبح عشرة خراف على شرف عبد السلام. قامت العمة مريم وعشر نساء بالطبخ، وأمضينا، نحن مرافقو عبد السلام وعبد السلام وأبو أرز، المساء، ثم الليل، ونحن نأكل، ونشرب، ونضحك، ونغني.

في الغد، فعل أبو أرز عكس ما اتُّفِقَ عليه، استولى على دكاكين إسمنت أخرى لم تكن لأبي برناديت. أشرف أبو مزة على العملية، بينما واصل أبو برناديت الصلاة والابتهال. لم تكن برناديت قد أرادت الانضمام إليهما، ذهبت إلى الكنيسة، وأخذت تقرع أجراس الاحتجاج. تبعها أبو مزة، نزع صليبها، وخمشها. شاهدت العمة مريم كل شيء هادئة الأعصاب. أما عنا، فكنا ننظر من بعيد، ولا نفعل شيئًا. لحسن الحظ أن الفدائيين لم يكونوا موجودين، وإلا فتحوا النار قبل الوقت المقدر للحرب. على أي حال، لم تكن العمة مريم تريد المشاركة في هذه الحرب. لن تكون هذه الحرب أبدًا حربها. أما نحن، نحن الذين وُلدنا في الشارع، فستكون الحرب حربنا. لكننا لم نكن نعلم في أي جانب. أنا شخصيًا كنت أعلم، لكن ليس أبناء أعمامي، ليس جيراني. بالنسبة لهم، كانت الصدفة هي التي ستقرر. بانتظار ذلك، ذهب أبو مزة ببرناديت إلى حيث لا يعلم أحد، واثقًا من أننا سننساها بسرعة. مع ذلك، أعلم أبو أرز عبد السلام أن المصير الذي تنتظره برناديت وأبوها، مهما كان، لن يمنعهما من اقتسام سوق الإسمنت بعد الحرب.

جمع رجال أبي أرز كل ناس الحي، وخطبوا فيهم قائلين إذا دخل الشيطان في قلب أحدهم، حلت اللعنة عليهم كلهم. أشاروا بإصبعهم إلى ناحية عبد السلام جاعلين منه المسئول عن الشيطان الذي أقام في قلب برناديت. طلبوا منهم أن يشكروا الرب الذي أنقذهم من الشيطان. ثم ذهبوا كلهم، مسيحيون ومسلمون، إلى الكنيسة، وليس هذا من العجب في شيء. كما سبق لي وقلت لكم، على شاكلة العمة مريم، لم نكن لا مسيحيين ولا مسلمين، ويمكننا أن نكون الاثنين على أحسن وجه.

قضينا وقتنا في ملاحقة أبي مزة الذي كان ينهب كل دكاكين الإسمنت، الواحدة بعد الأخرى. كان عبد السلام يحلم بامتلاك بعضها، لكنه طرد بسرعة هذه الفكرة. كان أبو أرز موافقًا على اقتسام السوق معه بعد الحرب لا قبلها. كان هامش التدليس الوحيد الذي بقي لعبد السلام أن يمسك بأبي أرز غير مباشرة، بإثارة رجاله على أبي مزة. كان أبو مزة قد عاد إلى بناء السور، وكان يتباهى بالكشف عن عضلاته الموشومة بعظمتين وجمجمة. كان رجال عبد السلام يريدون قتله، هدم السور، والعثور على برناديت. قالت لهم العمة مريم إن الوقت لم يحن بعد لمهاجمته. لم تقل لهم هذا لانتهازية، ولا لبعد نظر، وهدأتهم ببعض قناني العرق من الصنف الرديء.

لم تعد لدينا أخبار عن برناديت، وكان بناء سور أبي مزة يتواصل. رغم ما يبديه أبو أرز من أحسن حال بخصوص عبد السلام، لم يعد سور ابن "الأَحْبِة" هذا يمثل تهديدًا لعبد السلام فقط بل ولنا كلنا كذلك، على الأقل للذين كانوا يأملون بالانضمام إليه. عاد أبو المشارق لرؤية العمة مريم برفقة كمال الدرزي، تقي الدين، وبطرس الأحمر. كان عبد السلام قد سبقهم عندها. رغمًا عن تحفظات أبي المشارق، اتفقوا على أن يردوا أبا مزة إلى الصواب محاولين الحوار، لأن "لغة السلاح مدمرة"، أقام تقي الدين الحجة بحكمة.

- هناك بؤس وجوعى بما فيه الكفاية في هذا البلد دون أن يضفي السلاح إلى هذا العذاب أكثر، زايد بطرس الأحمر وهو يلثغ.

- نعم، لنجرب أولاً الحوار، قال عبد السلام كالملاك الملوح بغصن زيتون، وإذا لم ننجح، فمن واجبنا أن نتخذ إجراءات قسرية.

- إجراءات قهرية! إجراءات قهرية! طن أبو المشارق بصوته الضخم، ليس هناك غير السلاح ما يمشي معهم.

- عنده "حأ" أبو "المشارئ" نوعًا ما، رمى كمال الدرزي بلهجته اللبنانية المهجَّنة بالنبرة الدرزية.

- لن نلجأ إلى السلاح إلا كملاذ أخير، أجاب عبد السلام وهو يتولى مهمة ملاك السلام. على أي حال، يجب أن يسقط الجدار.

- موافقون.

لم تكن العمة مريم موافقة. بالنسبة لها، لم يكن غريمها خطرًا إلى هذه الدرجة. كانت تعرفه جيدًا. كان يريد أن يبدي فقط ما هو قادر على فعله، وسيقف الأمر عند هذا الحد. لن يقسم الحي أبدًا، ولا المدينة، ولا البلد. لن يهاجم أبدًا طالما هو يعرف أنها هنا.