الفصل الثاني

9 0 00

الفصل الثاني

رفض أبو أرز كل حوار. كانت أم مريم على حق. كان منافسها يبحث قبل كل شيء عن إظهار قوته. لكنها كانت تبخس قيمته بشكل فظيع. نحن الذين دفعتنا الصدفة إلى التحالف مع عبد السلام، كنا نعرف أن سلاحنا فقط من سيسمح بتدمير سور ابن الأًحْبِة هذا، وسيكون نفس الشيء لتدمير مدينة بيروت. فكر عبد السلام طويلاً: كان هذا ينسف تقسيم سوق الإسمنت المتفق عليه مع أبي أرز. كان يعتبره قادرًا تمام القدرة على تدمير ليس فقط بيروت لكن كل لبنان أيضًا. غير أنه بقي كثير الحذر منه، وقرر أن يمتحنه. إذا كان أبو أرز يحلم بامتلاك العاصمة اللبنانية وحده، فسيكون من واجبه أن يدمر كل أوهامه. عندما دفع حلفاءه، سكان الأحياء الفقيرة، إلى النزول إلى الشوارع مطالبين بالخبز، وهم يهتفون الشعارات المعادية لأبي أرز، راق لعبد السلام تَخَيُّلُ أنه سيأخذ مكانه قريبًا، وأنه لن يتأخر عن السيطرة على الجميع سيدًا مطلقًا.

كان أبو أرز يخاف من مظاهرات الجماهير، فأمر أبا مزة بوقف بناء السور حالاً، ووضع قواته في حالة استنفار. يوم الأحد، انتظر أن يشكل فيض الناس الذاهبين إلى الكنيسة في بيروت الشرقية تجمعًا يعقب هذا الفيض ليخاطبهم. قال لهم إنهم يستطيعون القيام بواجبهم الرباني بكل اطمئنان، لأن رجاله على استعداد لتقديم حياتهم لأجلهم. تأثرت العمة مريم بهذا الخطاب. لم يكن هناك أحد في الوجود يقول لها إنه مستعد للموت لأجلها. عندئذ، خبأت آية الكرسي، وأظهرت صليبها قبل الدخول في الكنيسة، وروحها تفيض حبًا وصفاء.

كان الأمر بوقف بناء السور قد أغاظ عبد السلام كثيرًا. هذا الحائط الصغير الذي لا قيمة له كان يمكنه أن يكون حجة ممتازة ليشن حلفاؤه الحرب. كان يأمل أن توقظ تعبئة قوات أبي أرز الغريزة القتالية عند حلفائه. هذا ما أخبر العمة مريم به حال خروجها من الكنيسة، اعتمادًا منه على ما تكنه له من عاطفة. عندئذ، خبأت الصليب، وأظهرت آية الكرسي. طمنته عن دعمها إياه ودعمنا كلنا، فطلب عبد السلام من تقي الدين أن يهدئ مظاهرات المغضوب عليهم من المحرومين. أفهمه أن أحسن حل، في الأخير، هو القتال. منذ أن استنفر أبو أرز رجاله، أصبحت الحالة لا يمكن انعكاسها. طلب منا بطرس الأحمر بصوت يغلب عليه الحزن ألا ننسى ابنة عمه برناديت. حض أبو أرز ناسه على الذهاب إلى الكنيسة من جديد. خلال ذلك، ذهب إلى أقرب بنك ليسحب بعض النقود. لما رأى أن موظف الشباك وحده، سدد سلاحه عليه في اللحظة التي فتح فيها الصندوق، وجعله يقسم ألا يقول لأحد ما جرى، وإلا أرسله إلى العالم الآخر.

عندما خرج من البنك، لم يكن بإمكان أحد أن يشك في أن هذا الرجل المحترم كان يحمل في حقيبته مبلغًا معتبرًا حصل عليه تحت تهديد السلاح. كان نصف المبلغ المسروق لدفع ثمن شحنة صغيرة من الأسلحة الأمريكية، والنصف الآخر له. وهذا ما كان قد أغاظ أكثر ما يكون العمة مريم.

عند انتهاء القداس، خرج المؤمنون من الكنيسة، والأحاديث تدور حول الهولد-أب الذي انتشر خبره بسرعة على إيقاع التساوق الموسيقي النهائي لِتَتَابُعٍ لباخ. رفع القيادي الكتائبي إصبعه باتجاه عبد السلام، باتجاه حلفائه، وحتى باتجاهنا، العمة مريم ونحن. "اللصوص، هم، رمى، المجرمون، المسئولون عن كل عمل سيء."

كان عبد السلام ساخطًا من الطريقة التي يحرض فيها أبو أرز الناس ضده. كان أكثر سخطًا لاتهامه بالهولد-أب، دون أن يقبض أقل فلس. وهي تفكر في حصتها، هي كذلك، وشت العمة مريم بهوية الساطي.

- إذا كان الأمر كذلك، قال القيادي الفلسطيني لبطرس الأحمر، سنقوم بالسطو على أكبر بنك في البلد. ألم يعاملنا أبو أرز كلصوص؟ ألم يجعل منا مسئولين عن كل الأعمال السيئة؟ ألم يضع على ظهورنا كل الجرائم التي لم نرتكبها؟

- سندحض حجج أبي أرز بطريقة أخرى، قال بطرس الأحمر.

- ليست حججًا بل اتهامات خطيرة. إذا تركناه يفعل، ستكون من السهل عليه تصفيتنا.

أيد تقي الدين عبد السلام، ليس دون وضع كشرط أن تكون أكبر حصة من الغنيمة له، ليوزعها على الفقراء. أخبر أبو المشارق وكمال الدرزي أنهما مع السرقة، حتى إذا ما لم يشاركوا فيها. عاند بطرس الأحمر. وعده عبد السلام أن يجد برناديت إذا ما أعطى موافقته على العملية. وافق، لكنه كأبي المشارق وكمال الدرزي لن يشارك في الهولد-أب. أعلمنا أن حزبه يعد إضرابًا في معمل البسكوت، ضد شروط العمل ورفع الجدار. كان في تقديره أن قرار أبي أرز بوقف بناء السور لا يكفي. بالنسبة له، كان يلزمنا الذهاب حتى النهاية، فندمر الجزء الذي تم بناؤه بيننا وبين بيروت الشرقية. كالعمة مريم، لم يكن عبد السلام يعير اهتمامًا لما يقوله. كان يفكر في السطو القادم، ويعد خطة الهجوم.

اقترب من تقي الدين، وقال له:

- علينا أن نكون يقظين. يجب ألا تكون هناك إراقة دم في أي حال كان، وإلا سيقفز الكتائب على الحُجة ليشنوا الحرب.

نرفز القيادي الشيعي:

- بما أنهم رفضوا الحوار، دعنا نقتلهم عن آخرهم، دعنا نقتلهم عن آخرهم، قال بصوته المهدد، بلا أية شفقة. لِنُرِح العالم من خراهم، هؤلاء الأقذار!

- ستندلع الحرب مهما كان، وليس من صالحنا أن يحصل هذا الآن، أجاب عبد السلام. ينقصنا كثير من الأسلحة، وليس هناك ما يكفي من الناس الذين يشاركوننا وجهة نظرنا.

هدأ الآخر:

- كما تريد، يا صاحبي.

- سنشتري أسلحة بنقود البنك.

- والمغضوب عليهم من المحرومين؟

- ماذا، المغضوب عليهم من المحرومين؟

- نقود البنك لهم، أعني الحصة التي تعود إليّ.

- المحرومون يمكنهم الانتظار، الكتائب لا يمكنهم.

- الكتائب، الكتائب! دعنا نقتلهم عن آخرهم، قلت لك، يلعن دين!

- سنقتلهم عن آخرهم، لكن في اللحظة المناسبة. بالانتظار، سنشتري أسلحة بنقود البنك.

- بنقود البنك؟ تلعثم.

- بنقود البنك، أعاد القيادي الفلسطيني.

- بكل نقود البنك؟ عاد إلى القول مع بعض الأسف في صوته.

- بكل نقود البنك، قال عبد السلام بنبرة لا جدوى فيها. وسنطلق حركات إضراب في المعامل لتدعم قضيتنا كل الطبقة العاملة.

- كل الطبقة العاملة؟

- كل الطبقة العاملة.

- تقول كل الطبقة العاملة؟

- أقول كل الطبقة العاملة، يلعن دين! ماذا يجري لك؟

- لك أفكار شيوعية، الآن؟ قال له بصوته المهدد. ليست عندي أية ثقة ببطرس الأحمر. يؤثر فيك كثيرًا! دعنا نصفي هذا الكافر أو نسلمه إلى أبي أرز مقابل مبلغ كبير من المال يسمح لنا بشراء أسلحة أكثر.

- فكرة جيدة، قال له عبد السلام وهو يبتسم للفكرة العبقرية التي أعطاه إياها. سنحققها في اللحظة المناسبة. الآن، علينا أن نبقى متفقين على ألا تسيل قطرة دم واحدة خلال الهولد-أب.

- أنا متفق، أذعن.

- أفكر أن أحسن طريقة لتحقيق ذلك هي أن نتسلل من مجاري البنك.

- من المجاري؟

- نعم، من المجاري.

- من الخراء تعني؟

- نعم، من الخراء. نحن مضطرون إلى ذلك لنخدع تنبه الكتائب.

- الكتائب، الكتائب! دعنا...

- أعرف، أعرف... نقتلهم عن آخرهم.

- لا أحتمل فكرة أن نمضي بالخراء.

- هناك النقود الموجودة خلفه.

- لكل نقود العالم، فكرة أن نمضي بالخراء غير محتملة لي.

- لشراء الأسلحة التي نحن في أمس الحاجة إليها.

- فكرة أن نمضي...

- لقتل الكتائب عن آخرهم، قالت العمة مريم وقد عيل صبرها، التي بقيت صامتة حتى تلك اللحظة.

- إذا كان الأمر كذلك...

عند هبوط الليل، كنا نتقدم برفقة تقي الدين وبعض من رجاله في نتانة مجاري بيروت. كان تقي الدين يرغي ويزبد في كل مرة تنزلق فيها قدمه في الكنز الغائطي. كان يخاف من جراذين بيروت التي حتى مشاعلنا لم تكن تخيفها. ونحن ندخل في حرم البنك، هاجمنا مجهولون. كانوا يأتون من الخارج. كان علينا استخدام أسلحتنا للقيام بهجوم مضاد. سقط عدد منا ومنهم. كان ذهولنا أكثر ما يكون عندما رأينا كمال الدرزي مع المقتحمين. انفصل أبو المشارق عن مجموعتهم، وجاء ليتفاوض معنا. لم يكونا، لا هو ولا كمال الدرزي، يثقان بتقي الدين. كانا يحقدان عليه، لا علينا. بشكل من الأشكال، كانا قد قاما بهذا الهجوم للدفاع عنا، ليتفاديا أن ينقلب تقي الدين علينا، ويقتلنا، كي ينعم وحده بالغنيمة.

صفرت الطلقات من جديد، فهدَّأت العمة مريم تقي الدين. اتفقت مع أبي المشارق وكمال الدرزي أن ندخل كلنا معًا الحجرة المصفحة. على مرأى الغنيمة، نسينا كل شيء، النزاع الذي كنا قد دفعنا ثمنه باهظًا، الأسلحة التي كنا نريد شراءها، الدموع التي كان المحرومون قد ذرفوها، حتى يأس أمهاتنا، آبائنا، وكل أجدادنا، كنا قد نسينا أنفسنا. كانت الدولارات ترقص. قرأنا في عيني تقي الدين الأحلام الأكثر جنونًا، في عيني كمال الدرزي ابتسامات أحيائه وأمواته، في عيني أبي المشارق حمائم السلام المغتالة. وهم يضمون الذهب، كانوا يعبِّرون بالإيماء عن الارتعاشات الدَّنِفَة لرجل يداعب امرأة. الفكرة المضحكة عن هذا الجماع مع النقود جعلتهم من بعد يصرخون من الضحك. قهقه عبد السلام، هو كذلك. كان سعيدًا أن يرى الرجال يضحكون. عندما مضت لحظة المرح هذه، انسحبنا من حرم البنك، وضميرنا مثقل بكوننا ساهمنا بِهِمَّة في السطو على مدينة كانت تتألم منه بما فيه الكفاية.