ـ 1ـ
ارتفع صوت المؤذن عند الظهر في مسجد المخيم . لم يكمل المؤذن . ارتد الصوت في حنجرته لحظات .. صوت الطلقات حجب صوت المؤذن . صوت الطلقات ارتفع فوق صوت السماء .. وواصل المؤذن .
تعجب الناس في المخيم . ما هكذا يؤذن أبو صالح .
ماذا حدث ؟ هل عادوا إلى نشر الفزع في قلوب الأطفال الذين بدأوا في تعلم أبجدية جديدة طغت فوق أبجدية الحروف المعتادة ؟! إنهم معتادون على نشر الضجيج في الليل .. تماماً كالخفافيش ..
توقف البيع والشراء في سوق المخيم .. اندلق الناس في الأزقة مبتعدين ، منهم من أغلق دكانه ، ومنهم من تركه نصف مغلق .. أمام شبح الموت تهون كل الأشياء .. وكل الأموال .. ويهرول الناس هنا وهناك ..
صوت ارتفع في ميكروفون المسجد .. في المخيم لا يجرؤ على التحدث في مكبر الصوت سوى أبو صالح وإمام المسجد في خطبة الجمعة .. ارتفع الصوت .. إنه ليس قرآناً ..
ولا خطبة جمعة .. إنه .. إنه قرآن جديد .. صوت لاهث يصرخ في الناس أن علي المحلاوي قد قتل .. يتعجب الناس .. ينظرون إلى بعضهم البعض في عجب .. علي المحلاوي يقتل ؟! . الحمد لله .
ويتساءل صوت خشن :
ـ من الذي قتل علي المحلاوي ؟ هذا النجس .
ويرد عليه صوت آخر في حدة وتأنيب :
ـ ألا تسمع الصوت .. يقولون إنها الثورة .. الصوت يقول إنها الثورة .. ألا تسمع ؟
يتوقف الصوت . أبو صالح يعود ليؤذن من جديد .
هرول الخلق نحو المسجد .. انتشروا في الطرقات كالجراد .. يريدون مشاهدة الرجال الملثمين الذين اعتادوا القضاء على من هم مثل علي المحلاوي .. لكن الناس لم يشاهدوا أحداً من الملثمين .. شاهدوا آخر آثار حقدهم من جديد على علي المحلاوي . شاهدوا جثته في زقاق قريب من مسجد المخيم .. التفت الناس حولها .. الطلقات اخترقت رأسه .. الطلقات في رأسه .. تصايح الصبية المتزاحمون حول الجثة ، وبصق الكبار في تقزز لمرأى الدم .. هل دم كل الناس يثير التقزز أم أن دم علي المحلاوي نجس ؟! ومن فصيلة تختلف عن فصائل دم سكان المخيم ؟
ونفر الواقفون من منظر الجثة .. وتدفق الدم كاد أن يتوقف .. والأنات توقفت . كان البصاق والدم لا زالا يتسربان من فمه .. ويجتاح الصبية غضب عارم .. رموه بالحجارة بقسوة ، ولم يبرحوا مكانهم حتى فارقته روحه ..
وسمع الجميع أصوات عربات هادرة قادمة من جهة السوق .. فأسرع كل واحد إلى بيته ، وتصاعد صوت بوق سيارة الإسعاف .. هلل الصبية ساخرين وهم يهرولون إلى بيوتهم :
ـ مات … مات …
وينظر الفارون في وجوه بعضهم البعض بعجب وارتياح .
***