ـ 3 ـ
أرخـت الشمس خيوط أشـعتها الذهبية في ليل البحر القاتم .. تتعمقه .. تضيع في دروبه وعطفاته الليلية..
وبدأ الشعاع الفضي يدق الجدران التي نصفها من الزجاج .. ويبعث في فرح وميضاً متصلاً مـن النور البديع يسبح في القلب دون ضجة .. وينساب دون جواز مرور .. وهذه الأيام كل الأشياء تحتاج إلى جواز مرور .. تعلقت عينا نادية بالنافذة وتمسمرت حاملة بـحاراً من الشوق ..
( ما أسهل أن تكون فقيراً .. وما أصعب أن تصبح غنياً ) ودارت بعينيها في أنحاء الحجرة التي تحوى أثاثاً ينم عن حياة متوسطة .. بل هي أقرب للفقر منها للتوسط ..
( حتى زوجي محمود لم يستطع العثور على عمل لائق إلا بالوساطة .. ولو أن حمدي يطمع في أن يمتلك عصافيري لتغني له ما كلف نفسه عناء الهبوط من القمة إلى القاع ليصافح يداً أدماها البؤس والشـقاء .. حمـدي قامر من أجلي بالهبوط .. ومحمود قامر بالأموال .. وحين تشـعر أنك تقامر بثمن رغيف الخبز .. عندها تدرك حجم البؤس المتربع في جهات النفس الأربع ، وتستطيع بأطراف أصابعك أن تتبع خيط الدم والوهم الذي نلهث في الابتعاد عنه ولا نفلح ) .
ازدادت حدة الضوء . سـقطت الأشعة على السرير ..
سرير الزوجية ( لا زلت أتذكر يوم العرس .. عم الصخب والتصفيق والغناء .. مزيج من الاضطرابات الصوتية ، يوهمونني بأنها عرس وأفراح .. حاولت أن أختار زوجي غنياً لكني لم أفلح .. فرضيت بمحمود الموظف المتوسط الحال .. ظل يلاحقني سـنوات فوافقت . كان معنى موافقتي أني فشلت في رفض محمود . انهزمت ، وانتصر محمود . لكن من قال إن المرأة تهزم حينما تكون جميلة ؟ وظفر بي محمود بعد طول انتظار وحرمان . كالأرض القحط تنتظر مواسم الأمطار .. وأمطرت عليه تيها وتكبراً .. وتحقق له أن عليه أن يتوخى رضائي عن كل حركة .. تجرع كل شيء .. بل أنا التي تجرعت كل شيء .. ألم أرض به زوجاً وهو لا يكاد يوفر لي متطلبات الحياة اللازمة ؟! .. كم تمنى ابناً لـه مني .. صرخت فيـه إنه معتوه .. أيحق لرجل معدم مثله أن ينجب أطفالاً يدفع بهم إلى الطرقات الموحلة في المخيم لتدوسهم عجلات المرض والفقر والجوع .. سيكونون نقمة .. وسيلعنون البطن التي انتفخت بهم .. وكل اللحظات مع محمود كـانت يأساً مجنوناً من هذا الفقر .. وحلمت بالمال .. والثروة .. حتى الحلم بالغنى ممنوع ) .
اللحظات تنخر العظم والضمير .. والضمير مات منذ أن نصبت الأسلاك الشائكة .. ونخز العـظم في جسد نادية لا يذكرها إلا بالفستان المثير الذي كانت ترتديه يسرى ليلة أن سهرت معها في حضور حمدي ( ترى في أي عاصمة يحط حمدي رحاله الآن .. وفي أي فندق ينام ؟ .. وأي حجرة استوعبت ضخامتـه .. الضخامة ليست ضخامـة اللحم والعظم لكن ضخامة المال .. لذلك يقولون إن أطفال المخيم فقراء لأنهم فقدوا ضخامة المال .. وضخامة اللحم ، لكنهم لم يفقدوا ضخامة الانتماء .. ويظل الأطفال اكثر شرفاً من حمدي .. ومن محمود ومن يسرى .. ومني ) .
طالعتها الألوان الباهتة على قماش الأثاث .. وفستانها النحيف المهترئ ، الذي ظلت ترتديه من شهور .. وأثار انتباهها محمود الذي دلف إلى الحجرة وهو يستر نصفه السفلي ، بينما ظل نصفه العلوي عارياً ممزوجاً بالأضواء ، وبدت عضلاته ذاوية وقد تناثرت قطرات الماء على وجهه إذ كان خارجاً لتوه من الحمام ( أين حمدي ؟ أين حمدي من فقر محمود ؟ وسـمير .. سمير سـيبقى سـراً لا أبوح به لأحد .. سمير له حكاية طريفة وممتعة .. إنه كالسيارة التي تحملك أينما تريد بأي سرعة تريد .. سرعة 60 كيلو متراً في الساعة .. تتباطأ الأفكار .. وكـل شيء يتـمطى على الأسفلت ، 80 كيلو متراً يزداد التمطي والتثاؤب .. 100 , 120 ، 140 ، سكون .. ينقطع خيط السرعة .. ) ..
ـ ناوليني قميصاً .
ـ أناولك قميصاً ؟ أتريد الأحمر أم البرتقالي ؟ الأسود أم الكروهات ؟
ـ كفى .. إنك لا تكفي عن التهكم والسخرية .. لا تكفي عن تأنيبي لحظة واحدة .
قالت بصوت متعال معوج :
ـ أنـت لا تمتـلك سـوى قمـيصين .. غسـلت أحدهما .. والآخر هو الذي نزعته عن جلدك الذي كان وسخاً .
" يغيظني هذا الرجل . . لكأنه للآن لا يـعرف مـدى فقـره الذي يعشعش في جذوره فجاء يـماطل ويـكابر ، لكأنه من صنف الرجـال الضخمين الذين لا يعرفون عدد ما يملكون من أشياء . "
توقفت عيناه على عينيها . لحظات تحد . اغتاظ منها . تصلب شعر رأسه . ارتعش ، ثم تهاوى وصمت .. فهو يعرف أنه الخاسر .. وتجرع مرارة النظرات وصمت ( ما أسخف هذه المرأة لم تعلم ما أقوم به من أعمال .. صحيح أني لا آخذ عليها أجراً .. لكنـها تسري في دمائي .. حتى هدية سهام لم أستطع شراءها .. وهذا السهر والقمار ما هو إلا ستار لما أقوم به .. الدنيا عندي هي العمل .. وهي عند نادية المال .. أمـا سهام فمعدن آخر .. معدن المسحوقين الذين أنا من صلبهم .. كم مرة حكت لي أحزانها .. فنحن فقراء نحفظ مآسينا .. طاردني وجه والدهــا فـي ليالــي وحـدتــي .. طاردنــي بعفويـة مرات .. وبعمـد وسـبق إصـرار مـرات كثيرة .. يحذرني .. ومم لا أدري .. ولأن ترتكب أكبر حماقات العصر .. في عصرنا .. أهون من أن يسموك الناس فقيراً . ويتجاهلون رغم كل الأحزان وجه المخيم الذي عاشوا فيه .. هؤلاء نسوا أنفسهم .. ونسوا أبخرة البول التي تصعد من الماء الآسن والقنوات تصدع الرأس وتدير الدماغ .. ووجه والدها يطاردني .. يود اصطيادي والشرف المهدور سأظل أفتش عنه ) ..
عاد يطالع صفحة وجهه حيث تبدلت ملامحه ولم يجد مناصاً من معاودة ارتداء قميصه المتسخ وقال في عجب :
ـ لا أدري لماذا يخلق الله أناساً فقـراء وآخـرين لا يعرفون حجم أموالهم ..
ـ ………
تبقى ناديـة صامتـة ، وتتذكر وجه حمدي ، ( في أي فندق يجلس الآن .. ؟ ماذا يشرب .. ويسكي .. بيرة .. يتصفح صحيفة .. يدخن سيجارة فاخرة ) ثم أجـابته مستفزة :
ـ يقولون الخالق يعرف لمن يغدق الثروة !
ـ ألا نستحقها نحن .. ولو بعضها .. أو ما يسد الرمق .. ؟
لم يكمل . توقف . أحس بذاته المعدمة . وتذكر وجه رئيسه المكروش . تصلب . تقيأ ذكريات تجرحه . تؤرقه ، تلعن سنسفيل أجداده الذين عاشـوا أيام الانتداب على فلسطـين مخز ذلك اليوم .. فقد كانت سهام تستعطف المدير .. تصورت كرشه انضغط في نحافتها أو نحافتها انضغطت في كرشه .. وكان يمصمص شفتيه المزرقتين من كثرة الدماء التي يمتصها من سباياه .. ثار عليها وثار علي لأننا نستغل الآلة الكاتبة .. كـاد يـطردنا لولا حمدي الذي توسط في الأمر .. كل الأشياء تحتاج إلى وساطة لكني أحسست بنكبة سهام التي استغلها المدير حينما علم بفقرها فسلب من كرامتها ما سلب .. وكبل منها ما كبل .. وباع في سوق العذاب ما باع .. وكان ينصرف دائماً وهو يهرش كرشه ورقبته كالأجرب .. وتمر في رأسي الأجساد في المخيم .. وبحجم العشق الذي يتفجر في أعماقي كان بؤس سهام .
( وفي الليل يعرف كل الناس كيف ينبشون أحزانهم ومواجعهم وبحجم أحزان الناس كانت أوجاع سهام وكنت ألتجئ إليها أخفف مــا بـي ، و أخفف عنها ) . وبولع الخمـر علــى فراش العهر حيث تتعرى امرأة أكثر من قذرة تفوح منها روائح رخيصة كان وجع سهام .. المرأة التي كانت تتعرى لها ثلاثة أولاد وبيت دعارتها هو بيت الزوجية .. كنت أهرب إليها من قهري .. وفقري .. وأيامي .. ) .
وتفرقع بالقرب من المكان أصوات انفجارات ثلاثة هزت المكان ، فسقطت عن وسط محمود قطعة القماش التي ستر بها نصفه السفلي وبانت عورته .. لم يتحرك .. تتابعت صليات رشاشات قريبة .. لحظات وهدأ كل شيء ..
وكانت عيون نادية معلقة على عورة محمود .. ( بحجم الذل القابع في المخيم تكون عورتنا .. بحجم الأفكار العرجاء في الأروقة هي عورتنا .. عورتنا صارت في وجه الشمس .. وحمدي يدور في مدن العالم يأكل خبزاً وزبداً ولحماً ... ويشـرب ويسـكي .. ويسهر ويسكر ويعربد .. ولا تعجبه إلا فنادق الدرجة الأولى .. وأطياف منازلنا في الدرجة الألف بعد الأخيرة .. لكأننا يا رب صديد الطين الذي تبقى من الخلق .. ماذا فعلنا حتى يعاقبنا الرب بهذا البؤس الممزوج بخبز الأطفال فيأكلون دماً ويبقون عالة على إعانات الأمم المتحدة .. سأظل أدور وراء دولاب حمـدي أينما توجه .. لا بد أن أوقف الفقر ) ..
وارتفعت طلقات حادة .. ثم صوت مكبـر الصـوت يـعلن منع التجول .. وكركعة عربات عسكرية من أحجام مختلفة تـجوب الشـوارع الطينية القليلة في المخيم ..
وأطلت نادية من النافذة .. الناس يهرعون إلى بيوتهم .. ووقف محمود عارياً .. فاغراً فاه كالمصعوق .. لقد تأخر عن موعد سهام .. والمنشورات ماذا ستفعل بها ؟! وقف لصق نادية ونظر من النافذة فلاحت له مئذنة المخيم .. وصوت مكبر الصوت يختلط بالطلقات ، ممنوع التجول على جميع الرجال التوجه إلى مدرسة المخيم .
أسرع بارتداء ملابسه على عجل .. ثم خرج إلى الشارع رافعاً يديه إلى أعلى ، واختلط بالنهر البشري المتدفق إلى مدرسة المخيم .. رجال من جميع الأعمار حشروا في المدرسة كأن القيامة قد قامت في المخيم .. والعـربات العسـكرية تجوب الطرقات ، والجنود يتحركون في عجلة وتوجس ، ويسمع محمود صوت شيخ يتكئ على عكازته يقول في سخط :
ـ أكثر من أيام العثمانيين والإنجليز .
همس أحدهم محذراً الشيخ فقال بحدة :
ـ ليس عندي ما أخاف عليه .
عندها لم يدر من أين جاءته الكلمات .
***