ـ 4 ـ
ـ طالت الدقائق الست حتى صارت سنوات .. هل هذا عبور أم ماذا ؟
همس سمير بشوق وهو يتقدم داخل الحجرة :
ـ ألا تثقين بي ؟
أسكتته يسرى بقبلة . وبرزت أنياب الشيطان في الأركان الأربعة ، وتعلقت على الجدران . وعربدت الأفعى ..
قطع الصمت الملون بالعطر صوت رنين الهاتف المتواصل ..
ـ أحدثك من المجدل .. من محطة وقود .
ـ أهلاً حمدي .. متى وصلت مطار اللد ؟
ـ قبل ساعة .. إجراءات المطار شاقة ومرهقة ..
ـ كيف أنت الآن ؟
ـ أشـعر بالـتعب .. أرى السـائق يشـير إلى .. ثلث سـاعة وأكون عندك .
ركض سمير داخلاً ملابسه الملقاة بعفوية .. انقطع لونه .. انسكب على سماعة الهاتف .. لحظات مرت حتى صفق الباب خلفه .
( ترى لماذا عاد حمدي بهذه السرعة ؟! ) وأخذت تضع مزيداً من المساحيق تخفي شحوب بشرتها .. ويطل عليها وجه حمدي من الطائرة .. من المطار .. من حقائب السفر … دامي الأظافر .. طويل العنق .. عيونه حمراء .. ونظرات قاتلة تطل من عينيه .. تسرع ترتدي ملابسها ، رنين جرس . تلقاه بذراعيها .. تتشـبث فيـه بقوة ، تحتمي منه بالالتجاء إليه .. دخل الحمام استحم وخرج .
ـ هل سأل عني أحد خلال سفرتي ؟
ـ بعض الأصدقاء .
أجابته في شك من نواياه !
ـ وهل زارنا أحد في غيابي ؟
اصفر لونها . ولولا المسـاحيق لافتضـح أمرها ..
ترددت ..
ـ زارنا سمير .
ـ كثيراً ما حدثت نفسي بأن سمير صديق رائع .
استاءت للهجته في الحديث . ارتفع لهاثها ، تندى جبينها بالعرق ومال رأسها على الكرسي .. تأوهت ، هرع إليها .. النوبة .. النوبة ..
تحسنت حالة يسرى بعـد النوبـة .. ونـظرات حمدي لم تتغير فباتت تتوقع خطراً وشيكاً .. رفعت سماعة الهاتف وتحدثت إلى سمير :
ـ سمير يجب أن تنقذني .
ـ مـا هــذا الخـوف ؟
ـ حمدي .. إنه قــد .. يقتلني .
ـ أنت مجنونة .. إنها الأمور التجارية .. ضرائب ارتفاع أسعار .. كساد تجاري ..
ـ نظراته .. آه لو ترى نظراته ..
ـ اسمعي أريد أن أراك في مكتبي .
وفي مكتبه :
ـ أنت قوية الإرادة دائماً حتى بدوني ..
ـ بدونك لا أساوي شيئاً .
رن جرس الـهاتف .. السكرتيرة أخبرته أن امرأة تدعى أم إبراهيم تريده أن يترافع في قضية ابن لها ، اعتقل بتهمة انتمائه إلى إحدى المنظمات ، وأن يحاول استصدار أمر بوقف هدم بيتهم في المخيم ..
بصق الكلمات في السماعة مؤنباً السكرتيرة :
ـ أمن أجل هذه القضية التافهة تعكريـن هـدوئي ؟ قولي لها أن تنصرف فإني لا أترافع في مثل هذه القضايا الخاسرة .
والتفت إلى يسرى يحاول تهدئتها .
**
وفي البيت مع حمدي قالت وقد امتزج صوتها بحشرجة :
ـ ألاحظ أنك منقبض هذه الليلة .
ـ الكسـاد التـجاري ، والضرائب التي يخترعون لها كل يوم اسماً.
ـ أنت أفضل من غيرك ، النـاس في المخيمـات لا تجـد شيئاً تدفع عنه ضرائب وما دام الإنسـان يـدفع ضـرائب فهذا دليل أنه يملك شيئاً .
ـ دعيني من الناس .. أنا أفكر في مصالحي ..
ـ ولم مصالحك فقط ؟
ـ هذه لغة التجار .
نهض فجأة وقال :
ـ سأذهب للقاء سمير لإنهاء بعض المعاملات .
تابعته حتى صفق الباب خلفه .
**
وفي المساء ..
انتصب أمامها حمدي .. أنيقاً جذاباً لأول مـرة من أسابيع وقد ندت عنه ابتسامة .. قال مخاطـباً إيـاها وهـي لا زالت تعبث بأسوار ذهبية حول معصمها :
ـ ألا تشعرين بالاختناق في هذه الحجرة ؟ .. هيا .. هيا ..
تطلعت إليه في غير كثير عجب .. وأجابته :
ـ ما هذا .. إنك رائع هذا المساء .. إلى أيـن تنوي ؟
صممت أن تتناسى كل شيء .. وأن تكون عاديـة في كل شيء .. فأجاب :
ـ أشعر بالسأم ما رأيك في جولة بالسيارة ؟
ـ وحوادث التفجير الأخيرة .. ألا تخشى الموت ؟
كادت دقات قلبه تفضحه .. إنها تتحدث عن الموت .. ما هذه الصدفة الغريبة ؟ ( يبدو أنها مظلومة ) .. ثم قال :
ـ إنسي هذا الأمر .. الموت يرفرف دائماً بجناحيه فوق المخيمات فقط .
ـ وأنا .. ألا تدري بأني كنت يوماً مـن سـاكنيها !؟
لـم تدر كيف صدرت عنها هذه الإجابة .. أما هو فوجد فـي نفسـه شـوائب غـريبة لـم يتعرف عليها .. أشياء مجهولة نابعة من كيانه الذي عذبه أياماً وأجهده كثيراً .
ـ أعـرف ذلك .. لا تنسـي أنـك زوجتي .. وتسكنين في حي راق ، وبـيت فاخر .. وهـذه أشـياء تـكفي لطرد الموت والمرض .
كـان يـقف فـي هـذه اللحظة أمـامها مباشرة .. انحنى بالقرب منها وألصق أنفه بأنفها وقال هامساً :
ـ لا تدعي المتعة تفوتـك بتذكر المـوت .. انسـيه .. انسـيه تماماً .
والتصقت شفتيه بشفتيـها .. وضغطـت أصابعها على أصابعه .. استشعرت حـرارة كـلماته .. وحرارة أصابعه .. وحرارة الموقف .. تشبثت بشفتيه لحظات تذيـب فيـها كـل الخـوف القابـع فـي نفسها من أجداده ثم نهضت من مكانها :
ـ لحظة حتى أستبدل ملابسي .
ـ لا تطيلي على .. سأنتظرك في السيارة .. وتذكري وصـيتي الـدائمة .. لا تـكثري مـن المسـاحيق علـى وجهك فنحن في زمن الحرب .
ارتـدت ملابسـها وحـملت حقيبتها حينما سمعت صوت بوق سيارته في الخارج وخرجت إلى حيث يقف منتظراً ..
لحظات وانطلق بالسيارة .
لحظـات صمـت كئيبة تمر وهي ترى أن حمدي يجهـد نفسه في إضفاء جو عادي على اللحظات بدعابات لا تثير الضحك .. امتدت أصابعها تعبث بمفتاح المذياع .. صدر صوت مذيع متشنج يضج صراخاً . أدارت المفتاح وهي تخاطب حمدي :
ـ بـأي مـنطق يتحدث هـؤلاء عن المشكلة ؟ لقد زرت أنت البلاد العربية ما رأيك في أسلوبهم ؟
ـ أو قـلت لك أنـي سياسـي ؟ لا نـجد زعيمين يتفقان على شيء .
ـ ألا يرون أزمتنا الحقيقية نحـن سـكان المخيمـات .. مخيمات البؤس والإرهاق ؟
ـ وسيجلبون الأموال والمساعدات على ظهر من ؟ ألم تشـاهدي بـأم عيـنيك قبـل شهور كيف حمل أحد الرجال شاباً قزماً وأخذ يستجدي المارة له ؟!
ـ لكنا لسنا أقزاماً !
ـ أعرف ذلك جيداً .. تماماً كما أعرف أسعار الحمضيات هذا الموسم .
ـ وما هـي أحـوال السـوق ؟
ـ كاســدة .
ـ إنك جشـع .. أكل هـذه الأرباح وتقول كاسدة ؟
ماذا يقول العمال إذن ؟
ـ أي عمـال ؟! انك لا تفهمين في هذه الأمور .. ( مستفزاً)
ـ عليك أن تفهمني إذن . ألست زوجتك ؟
ـ بــلا ..
وبـعفوية لا يـحتسبها خرجت الكلمـة بطريقة ساخـرة .. وتابع :
ـ هنا لا يهتمون لأوضاع العمال .
ـ لكن هذا يدفعهم للعمل في الداخل .
ـ التجار هنا لا يعنيهم هذا الأمر كثيراً .
ـ حمدي .. ألا ترى أن العمل في الداخل أدى إلى انهيار الأخلاقيات ؟
ـ مــاذا جـرى ؟!
ونظرت يسرى إلى حيث يشير حمدي .. كان منزل من الأسمنت المسلح مكوماً بقايا حجارة وقد انخلع من جذوره .
ـ متى حدث هذا ؟
ـ قبل أيام .. ألا تذكـرين يـوم أن سمعنا الانفجارات .
وعـادت أصابـع يسرى تعبث بـمفتاح المذياع من جديد وقد أشاحت بوجهها المتجهم إلى النافذة .. فـداعب أنـفها نسيم بارد وقد بدأ الغروب يخط طريقه الأسود فوق كراسة الكون .. وفي ذات اللحظة كان حمدي يتحسس شيئاً صلباً تحت سترته ، ويبتسم.
وتعود يسرى إلى الصمت الذي تمدد في أرجاء السيارة .. وجلس على المقعد الخلفي يبتسم في شيطانية من هذا المـوقف الـذي يتضـخم .. ويـعود حمدي يركز اهتمامه على الطريق ويتفادى الاصطدام بسيارة عسكرية .. فاهتزت السيارة بعنف وأوقف حمدي عجلاتـها بحدة .. حتى سيطر عليها .. وأصبح بالقرب من المجلس التشريعي بغزة واستدار من الشارع العريـض إلى الغـرب من نصب الجندي المجهول المحطم . وتابع حمدي القيادة حتى تجاوز مبنى الهلال الأحمر ثم اعتدل إلى الطريق الملاصق لشاطئ البحر .
تطلعت يسرى إلى البحر الأزرق العميق .. وإلى الشاطئ المليء بالصخور في بعض جوانـبه ، وهنـاك وراء الخط الوهمي البعيد كان يتمطى خط الأفق في اللون الأحمر لأصيل الدم الذي لوث عنق السماء ، وبدأ قرص الشمس يسبح في الماء الأزرق ويختفي في أعماق الماء شيئاً فشيئاً ولون السماء يذكرها بدماء هدى التي ساحت على المصطبة الأسمنتية ، في قاعدة توزيع المياه في حارتهم بالمخيم ... هناك تلوث الماء بالدم وهنا تتلوث دماء السماء بالماء الأزرق .. جرائم البشر .. وأقدار السماء تتلاقى فـي اللـون الأحمر .. وترتعش أهداب يسرى على العيون الحلوة .. وحين يصل الأمر إلى حد ارتعاش الأهداب فوق العيون الحلوة تكون الأشياء كلها ضائعة .. وتصبح الحياة لعبة أو ضحكة أو موقف هزلي تشمئز منه الضمائر وتبصق في قرف ( هذا هو حمدي يجلس بجواري وراء مقود السيارة ، يـتمتع بالجـو الهادئ ، لا يعرف اختلاط اللون الأحمر في الماء الأزرق ، إنه لا يعرف إلا اللون الأزرق على الأوراق المالية من فئة المائة ليرة ولا يعرف اللون الأحمر إلا في خاتم مكتبه واسمه على صناديق الحمضيات المصدرة من ميناء أسدود ) .
حمدي ينظر أمامه .. يحدق في حافة الطريق ( سمـير له تصرفات غريبة ، لم أستطع تحديدها في الآونة الأخيرة لا أدري ماذا يمارس هذا العفريت .. لا بد أن لديه أشياء غير المحاماة والقضايا ، سأضع حداً لكل شيء هذا المساء .. بدون ضجة .. يسرى لا بد أن تموت ) .
أفاق على صوت يسرى الذي كان شبه مسحوق .. أشعر بصداع حاد .. هيا بنا نعود .
ـ كما تشـائين .. أظـن أني أحمـل بعض الأقراص المهدئة .. لا بد أن أعصابك متعبة.
تفرست فيه بـحدة . ودت لو تخنقه تقذفه خارج السيارة .. تأملت أصابعه التي بدأت تبحث عن الأقراص في جيب السترة .. اختفت الأصابع داخل الجيوب تباعاً . لم تلحظ الرعشة الخفيفة التـي سـكنت تحـت الأظافر .
نـاولها قـرصين . ابتلعتهما ، وشيطان ضخم كان يقهقه في داخله . بدأت حلقات التجربة تتكامل .. الفرخة صارت تحت السكين .. قريب من شفرتها الحادة ، بـدأ يلف بالسيارة مرة ثانية وقد غزت أردية الظلام كل الجمادات فبعثت الوحشة وارتفع صخب ارتطام الموج بصخور الشاطئ ، انطلق بسيارته عائداً وانسكبت أنـغام من المذياع تبدو نشازاً مع ما يدور في داخل كل منهما ، عيناه مصوبة على الطريق مثبتة على الخطوط الفسفورية ، وشارات المرور . يسرى بدأت تحس بالغثيان وتشعر بدوار يشبه دوار البحر ، وتتحسس جبهـتها بباطـن كفها , وقد استحال جلد يدها ترمومتر يقيس ضغطها النفسي وتوترها ، وحرارتها ووجودها , أحست كأنها تنبض كلها قلب وعروق , وتشم هواء بدون رئتين وتشعر بضياعها في وجودها وبرأس أخرى قد نبتت من رقبتها، قالت بصوت واهن :
ـ حمدي ، لا أستطيع احتمال الألم غثيان شديد يكاد يقضي علي .
ـ لا تتشاءمي هكذا .. سنمر على الطبيب قبل عودتنا للبيت .
وعادت تتلوى في داخـلها الأشـياء ، وتتلوى العجلات التي لم يوقفها إلا ضوء لائحة فسفورية كتب عليها الأمر العسكري ( قف ) وضوء بطارية شـديد اللمعـان انسـكب فوق زجاج السيارة فارتعشت أطراف حمدي فوق المقود ، وحينما اقترب من مكان اللافتة توقف شـاهد بـعض الجنود .. تقدم منه أحدهم وقال بلغة مكسرة :
ـ ( وين بتروخ ) ؟
ـ إلـى الطبيـب .
انبعث الضوء الحاد داخل السيارة ، فشاهد الجندي المسلح زوجته التي تتأوه وقد اصفر لونها بفعل الاعتصار والألم قال بلهجة آمرة :
ـ انزل .
نزل حمدي بدون تلكؤ . ووقف حائراً أمام الجندي الذي كاد يزغده في جنبه وقال له بحدة :
ـ ( افتخ من ورا ) .
أسرع حمدي إلى صندوق السيارة ففتحه ، واندلق الضوء في داخله فلم يعثر الجندي على شيء .. فكأنه اغتـاظ لـذلك ، فعاد يهدر إلى جندي آخر بالقرب منه بلغة لم يفهمها حمـدي .. ثـم توجه إليه الضوء مع أمر جديد :
ـ ( ارفع ايدك لفوق ) .
ورفـع حمدي كلتا يديه . انصلب . تقلصت عضلاته .
السكين على عموده الفقري . لقد احتاط من هذا الأمر .
يبدو أنه سيقع . لماذا تعاكسه الأقدار كلما هم بعمل ضد يسرى ( لا بد أنها مظلومة ) حدث نفسه . لكن الضوء أخرسه .. هم بتفتيشه . تعالت تأوهات يسرى من داخل السيارة .. سمعها الجندي لم يبال . . امتدت يداه أكثر .. انصلبت يداه في الهواء . توقفت . كانت سيارة مسرعة قادمة من بـعيد وقـد بصقت أضواءها على أرض الشارع .
تراجعت ذراعا الجندي . التفت إلى الضوء الجديد ، تحدث مع الجندي الآخر بكلمات سريعة .. توقفت السيارة فأغلقت الطريق .. يسرى لا زالت تتلوى .. والعرق يتصبب على وجه حمدي ( لعنة الله على الكرافة ) .. لن أضعها مرة ثانية .. إنها تكاد تخنقني ) .. كانـت السيارة القادمة سيارة عسكرية .. دار حديث قصير وحمدي لا تزال يداه في الهواء ، وآلام يسرى مكتومة في السيارة . ثم صعد الجندي إلى السيارة العسكرية ، وهبط آخـر مكـانه .. أمره بإنزال ذراعيه ، وصرخ فيه الجندي الآخر :
ـ ( يا الله روخ .. امشي ) .
أسرع حمدي يأخذ مكانه وراء المقود . . وحين نـظر إلى وجه يسرى وجد أنها تعاني آلاماً صعبة ، قرر أن يعرج على أحد الأطباء .. ليس سوى صديقه الدكتور عصام الذي يعالجها من النوبات التي تأتيها ..
صعد حمدي درجات السلم الذي يـؤدي إلى عيادة الطبيـب عصـــام . رحــب بهمــا . وأدخل يسرى على عجل إلى حجرة الفحص . حمدي ينتظر في حجرة الاستقبال وهو مطمئن إلى نجاح أفكاره ( عصام لا بد أن يكون شاهداً لصالحي .. إنـه طبيـب ولا يمـكن أن يكذب ، فرغم جشع الأطباء يبقى عند بعضهم بعض الصدق ، وعصام واحد من هؤلاء .. إذا شك في موت يسرى أحد .. فتكفي شهادة عصام بأن النوبة هي السبب ) .
أطل عصام بوجهه من داخل حجرة الفحص ، وحينما شاهده خرج بجسمه إليه ، واقترب من حمدي كثيراً حتى كـادت الوجوه تلتصق .. همس عصام في صوت خفيض:
- إنها نوبة قلبية حادة كادت تقضي عليها .. حـافظ عليها .. لا تثيرها .. لا تزعجها .. دعها هادئة دائماً .. خذ هذه هي " الروشيته " ..
( نوبة قلبية !! نوبة حادة !! لماذا لم تقض عليها إذن ؟! تباً للأقدار التي تتراجع هكذا كـأخطبوط سـرى السـم في أذرعه الكثيرة فشلها عن العصر .. عزرائيل يأبى إلا أن يحملني مسؤولياته ويجشمني العناء .. أهكذا يا عزرائيل .. أفبعد أن تمتد أصابعك السماوية الساحقة ترتد فجأة بهذا الخزي .. وتنكص على عقبيك ؟! ما أصعب أن ترتد حين يكون الإقدام لحسابي .. أم أنك لا تقدر عليها .. المرأة مخلوق قوي ! لا .. لا يـا عزرائيل .. سـأكشف هذه القسوة بنفسي .. سأثبت فشلك وعارك ) .
ـ بماذا تفكر ؟! تشجع .. خذ هذه هي " الروشيته " يجب أن تتناول الدواء الليلة .
توقفت يد عصام في الهواء لحظـات وهي تحمل " الروشيته " ، حـمدي مشـغول فـي دوامة نفسه حتى أفاق على طرقات الحروف الصادرة من بين شفتي عصام .. التقط " الروشيته " بعنف ، قال مخاطباً عصام :
ـ هل أستطيع أن آخذها ؟
ـ لـقد استراحت الآن وزالت عنها النوبة .. قد تعاودها ثـانية .. وإذا حدث وعادت فاتصل بي على رقم هاتف البيت ، ولا بد أن تدخل المستشـفى في الغد .
ـ حاضر .
ـ هل معك سيارتك أم أوصلك ؟
ـ سيارتي تحـت .
وتقدم حمدي إلى حجرة الفحص .. كانت يسرى قد زايلتها بعض آلامها فهبطت عن السرير .. بمساعدة حمدي.. وأخذا يهبطان درجات السلم حتى لامست أقدامهما رصيف الشارع ، ثم انطلق حمدي بسيارته صوب منزله .
( يسرى اقتربت من الجحيم ثم عادت .. ولا بد أن تذهب بتذكرة سفر بلا عودة هذه المرة . فهذا هو شارع عمر المختار يذهب إلى الجحيم كل ليلة لكنه يعود في الصباح .. كـل ليلة يسـبح في الظلام بمجرد أن يغتسل قرص الشمس في البحر الأزرق ولا يعود إلا حينما تخرج الشمس وتنفض جسدها من الماء الأزرق .. عندها تكون العودة من الشرق .. والشارع يريد العودة لا يهم من أين تكـون .. ولا مـن أي جهة .. الدوريات تنتشر على الطريق والمحال غير واضحة المعالم .. والبشر اختفوا كأنهم ذهبوا في رحلة تحت الأرض ولم يعودوا منها .. ما هذه القشعريرة التي تنتابني الليلة .. منذ زمن لم أشعر بالخوف .. حتى في تلك الحوادث التي أطلقت فيها العيارات النارية من فوق رأسي لم أشعر بالخوف .. أما الليلة .. فشياطين الخوف تتلبس جسدي .. تتقمص داخلي .. تتربع في أركانـي .. ورغم ذلك لا بد أن أحارب الخوف ) .
يسرى تنظر إلى الشارع بفـضول . نسـيم الليل البارد يلفح خياشيمها ، تستسـلم للقدر الذي قررت مـقاومتـه .. ترفـع رايتها البيضاء .. فأنيابه تطل من وراء العدم المطلق .. تطــل سـما زعافــاً .. وتلويثاً .. ولهاثاً ..
( ما عذبني إلا سمير .. ولا أشقاني إلا هو .. في لحظات صارخة حادة أرغمني سمير على التهاوي وأفقدتني ذاتي ) .
مرت الطريق دون أن ينبس أحدهما بكلمة .. خفاش أسود قبيح صفق جناحيه في قلبيهما .. أدخل حمدي السيارة في كراج البيت .. نظر إلى عقارب الساعة حول معصمه كانت تشير إلى التاسعة مساء .. لم يبق على منع التجول سوى ساعة واحدة .. توجهت يسرى إلى سريرها .. جلس حمدي بجوارها لحظات طويلة .. كانت ساهمة .. وهو شارد الفكر .. أغمضت عينيها تستطلع العالم المكبوت والمقهور .. فرت الدقائق كالعصافير السـجينة حين تـجد باب السجن مفتوحاً .. وينهض حمدي من مجلسه بقربها ، أخذ يخلع ملابسـه ويسـتبدلها بملابس النوم .. لا تزال مغمضة العينين ضامة أهدابها السوداء في قسوة .. وقد علا الاصفرار بشرتها ، امتدت أصابعـه تنتزع بـطاقته الشخصية مـن جيب سترته فخرج معها بين أصابعه " الروشيته " .
( بماذا تفكر ؟! تشجع .. خذ هذه هي " الروشيته " يجب أن تتناول الدواء الليلة .. ) .
مرت كلمات عصام في فكره وتمسمرت في دهاليز وجدانه . ( " يجب أن تتناول الدواء الليلة " أي دواء هذا .. إنني لم أشتر شيئاً .. لم أنس .. لكني لم أشتر .. لماذا ؟! ) .
انفتح فم مسعور .. ينفث فـي الليـل كـل الخوف الإنساني .. وتملكته شهوة ليليلة سـرت فـي دمـائه كسيل النمل الأحمر ، ألهبت حواسه التي تثبتت على صليب النار رمز الذبح والتعليق الهمجي .. تطاولت الأسلاك الشائكة حتى طفت فوق حد الرؤية واستحالت دماً مسفوكاً في ساحات المدينة اللاهثة وراء الطيبة المفقودة في الخوذات التترية .. انشق الجرح بذراع سكين مشحوذة من آلاف الأعـوام .. شحذها الجد الأكبر فوق نهد المرأة التي عشقت .. قطع النهد .. مضغ النهد .. لفظ النـهد .. وحـز الرقبة .. وأعلن أن العشق عقوبته استمطار اللعنة على العاشقة المذبوحة بعد صلاة الصبح بسكين الهمجية .
لا زالت يسرى متعبة .. تتداعى النوم .. تتداعى في فكرها صورة سمير .. وحمدي يحدق فيها .. وشهوة الليل تسري كالنمل الأحمر .. تلسع وجدانه .. فينزلق بجوارها على السرير .. تفتح عينيها .. يفتح عينيه .. ترتعش أصابعها .. تصفر .. تلهث .. تتعب .. يرتفع صوت أنينها .. وحمدي يقفز .. " النوبـة .. النوبـة " .. ردد في خاطره .. وبقاياه الخائفة .. يدخل في الحجرات .. يبحث عن شيء .. لا يدري لماذا يرتبك . عزرائيل دخل الحجرة .. ويقهقه عزرائيل .. ويقهقه حمدي .. لكن فـي داخلـه .. يبدو مرتبكاً .. وتراه يسرى مرتبكاً .. تطلب ماء .. يسرع أكثر .. لا يأتي بالماء إلا بعد لحظات .. اللون يذوي .. بشرتها صارت صفراء ويرتفع صوت لهاثها .. قطرات العرق تنسكب علـى وجههـا ورقبتها .. تمتد يديه .. يحاول أن يفعـل شيئـاً يـرفض أن يفعل شيئاً .. يرفض .. يحاول .. يـرفض .. يحاول .. يهرع إلى سماعة الهاتف ، يعود .. وعزرائيـل يقهقـه .. والأقـراص لا تنفع ، والروشيته مرميـة على " الكوميدينة " ، عصام يتحدث في عنف ظاهر ( يجب أن تتناول الدواء الليلة ) .. الساعة صارت تحت أمر منع التجول .. الزمن غارق في الممنوعات .. وهو واقف لا يدري ماذا يفعل .. تتحرك أصابعها في ألم .. يديـر وجهه للناحية الأخرى .. يسرع للهاتف .. لا جدوى .. لا أحد يرد .. أغلق العيادة .. إنـه يعـرف ذلك فلماذا يضيع الوقت ؟ أعطاه عصام رقم هاتف البيت .. فلماذا العيادة ؟ عصام لن يأتي فمنع التجول ساري المفعول .. تتيبس أصابعها أكثر .. يزردها العرق .. تتلوى على السرير ، وهو واقف لا يبدي حراكاً .. قـرر ألا يتحرك .
لماذا يترك عزرائيل ينتقم وحده ؟ سينتقم هو الآخر . وسيكون الأمر واقع بحكم النوبة .. أصابعه تتحرك .. أصابعها تتقلص ، أنفاسه تضطرب .. أنفاسها تسرع أكثر وأكثر .. تغدو لهاثاً .. تتواثب .. السرير يصدر أصواتاً .. صدره يعلو ويهبط .. الشيطان ذو الناب الأزرق توقف فـي عينيه .. قـرر أن يتحرك . أن ينتقم .
يرى سمير عارياً فوق جسدها اللاهث ألماً .. وهذا الفم القرمزي يمتلئ زبداً وتتأوه بحـدة .. وهو واقـف لا يفعـل شيئاً .. النـاب الأزرق يكبر في عينيه .. تمتد يديه .. تنتصب فوق جسدها المطروح على السرير ألماً ..
يقترب من وجهها .. أنفاسه تصفعها .. أصابعه تتحسس عنقها .. ابتلت أصابعه عرقاً ولزوجة .. يسرى لا زالت تتلوى .. وتلوث أصابعه فوق رقبتها .. أجهدها الألم .. أشواك نحاسية تدق في عروقها ومفاصلها .. سكين تذبح أوصالها المرهقة .. لا زالت تنتظر في عينيه .. جنون يسـتفحل فـي عينيها . لم يدر كيف حدث هـذا . تطلع إلى شبح الموت في عينيها .. شئ غريب يسكن نظرات عينيها .. مـا هو ؟ لا يـدري ولسانها انخرس . وتمتد أصابعه .. تلتصق الأيدي .. تتشابك .. يعجبـه أن يعمـل بقسوة .
أشـياء لـزجة تـلتصق فـي أصابعه .. عرقاً .. وزبداً .. ولهاثاً , وبريق مـخيف يصدر مـن عينيها .. شيء تـوقف عن النبض في صدرها . سكتت . لا يدري ما يحدث ، لا زال يلهث قربها .. هذا الجسد لا بد أن يتوقف . توقف . النـاب الأزرق يتـراجع . واكتسى وجهها بصفرة الأموات .. نفرت العروق من وجهها وجبينها ورقبتها .. تكاد تمزق لحم وجهها . عيناها لا زالت جاحظة ، أهدابها مرشوقة في الفراغ .. صوت ضحكات مجنونة تدور في فراغات الحجرة تنتشر في دهاليزه وأعماقه .. همس غريب يدور في المكان .. الضوء يتلون .. قرص الشمس يغتسل في الماء الأزرق .. الناب الأزرق يتراجع وينحسر بعد المد .. ينحسر كل شيء فـي داخلـه . توقف النبض .
يسرى في رحلة الأبدية .. وينزل جفنيها مغلقـاً عينيهـا . .
وفي هذه الأثناء ارتفع صوت صليات رشاشات مختلفة وانفجارات ودوي انتقـل عبـر همس الليل .. الموت صار يتمطى بحجم الضوء الساكن في أركان الحجرة .
***