_ 8 _
كانت مفاجأة تعيسة لأهالي حماة ، عندما سمعوا أن الجيش العقائدي قتل عن عمد طالباً بسبب الهتاف ، وتذكر الناس أيام المستعمر الفرنسي وترحموا عليها ، فلم يكن يدخل المساجد ، ولم يكن يطلق النار على المتظاهرين ، وهم يهتفون بسقوط فرنسا ، ويطلبون رحيلها عن بلدهم ، فكيف يفتح الجيش النار على المواطنين !!؟ بينما لم يفعل المستعمرون ذلك !؟ وهاجت حماة وماجت واجتمع عدد من وجهائها لدراسة الموقف المتدهور ، وبعد التداول قرروا : الإضراب العام لجميع المدينة ، والاستمرار بالإضراب حتى تسقط الحكومة ، وقاسوا عملهم على إضراب الستين يوماً خلال الانتداب الفرنسي ، كما أنهم يسمعون عن الإضرابات في بلاد الكفار المتحضرة ، وقرروا إرسال مندوبين عنهم إلى المحافظات يدعونها إلى الإضراب السلبي ، فسافر الوفد إلى المحافظات ، ثم رجع بخفي حنين ، وقد باشرت حماة بالإضراب قبل سفر الوفد .قبل رجوع الوفد الذي ذهب يحث المحافظات على الإضراب ، دعا وجهاء البلد على اجتماع شعبي في مسجد الشيخ زين ، تحدث فيه الشيخ سعيد حوى ، وهدد الحكومة وتوعدها ؛ فأجج نار الثورة في قلوب الحاضرين ، وباتت المدينة كأنها على قلب رجل واحد ، وقد قررت الإضراب والاستمرار به ، حتى يعم الإضراب سوريا كلها ، وتسقط الحكومة .وفي صباح يوم الاثنين التزم الناس بالإضراب العام ، فأغلقت المؤسسات والدوائر الحكومية والأسواق ، وتحولت المدينة إلى جدران وشوارع من حجارة صماء .وبعد أن استمع مروان إلى تقارير إخوانه الطلاب ، وعرف أن المدينة استجابت للإضراب العام ، وعرف أن الشوارع خالية من المارة الآن ، وهاهي الأمور تمشي كما خطط لها . وبعد الانتهاء من التقارير قال محمود : _ والآن ما العمل ؟فأجاب مروان : _ الاعتصام في مسجد السلطان ، سنجعله مقراً لقيادتنا ، ونذيع منه تعليماتنا للمواطنين ، نحثهم ونشجعهم على الاضراب ، ونقود الاضراب بواسطة مكبرات المسجد ، وبعد الاضراب المظاهرات السلمية ، والاعتصامات المدنية ، حتى نسقط الحكومة . _ وهل يحمينا المسجد منهم !؟ _ نعم ، لم يدخل الفرنسيون إلى المساجد . وهل يعقل أن يفعلوا ما لم يفعله الفرنسيون !!!؟ .وخرج موكب مروان من البارودية إلى مسجد السلطان مع عدد من الطلاب ، منهم محمود ومنقذ وعبد الله وتوفيق يحيطون بالشيخ ، والشوارع خالية ، وقد انفرد أنين النواعير يزمجر في أرجاء المدينة ، بعد أن سكتت سياراتها ، كان الأنين قوياً لغزارة مياه النهر في مطلع الربيع كل عام فأسرعت النواعير وارتفع أنينها ، وبعد أن دخل الموكب مسجد السلطان بدأت إذاعة المسجد تبث إعلاناتها للمواطنين ، وتشرح لهم هوية الحكومة وأهدافها ، وتطلب من المواطنين التضامن في تنفيذ الإضراب العام حتى تسقط الحكومة . ظهر القلق على صفاء ، وهي تصغي إلى إذاعة المسجد وزاد شوقها لرؤية محمود وقد شمر عن ساعديه واستعد للجهاد في سبيل الله ، إنه الرجل الوحيد الذي ترضاه زوجاً لها ، فهي تريد الرجل شجاعاً لا يهاب الموت ، وتكره المخنثين من الرجال الذين يختبأون بين النساء عندما تشتد الأزمات . وعندما تعاظم شوقها لرؤية محمود ، استأذنت والدها وارتدت حجابها لتطمأن على أخوة محمود لأن والديه ذهبا إلى الحجاز لتأدية الحج . فمرت بالسوق الفارغ بخطى مسرعة حتى دخلت دار محمود فقابلتها أخته بالدهشة وقالت : _ كيف جئت يا صفاء !! ؟ _ جئت ماشية على قدمي ، ولم ألق أي أذى ، هل عندكم ما تأكلون !! ؟ _ نعم عندنا خير كثير ، وتمر وماء يكفينا عشرات الأيام . _ هل ملأتم خزان الماء ؟ وهل اشتريتم خبزاً كافياً ؟ والغاز ؟ .. _ جهزنا محمود قبل التحاقه بالمسجد ووفر لنا كل هذه الحاجات . _ وماذا أوصاكم محمود ؟ عندئذ اقتربت أخته من صفاء وقالت : _ كم تمنيت لو لم ينس البلطة ، فإنه يحبها كثيراً ، وكم سمعته يقول : سأقطع بها رأساً كافراً . أمعنت صفاء النظر في البلطة ، فخيل إليها أنها تقطر دماً ، وقد نزعها محمود من رأس أحد الكفار ، فقالت : _ هات هذه البلطة ، سأوصلها له إن شاء الله . ودستها في كيس صغير من القماش ، ثم خرجت متجهة إلى دار إحدى زميلاتها ( من آل الأسود ) الملاصقة لمسجد السلطان ، ولما دخلتها رحبت بها زميلتها _ أهلاً صفاء ، كيف وصلت ؟ ألا تخافين الموت !! ؟ _ الموت يكون مرة واحدة لذلك لا يخيف . وخاصة إذا كان شهادة في سبيل الله . _ ماذا معك يا صفاء ؟ _ هذه بلطة خطيبي محمود وسلاحه المفضل ، نسي أن يأخذها معه ، وهو الآن في مسجد السلطان ، وأذكر أن في داركم نافذة مطلة على صحن المسجد ، فهل تسمحين لي أن أرميها له من النافذة ؟ _ حسناً هذه النافذة .نظرت صفاء من ثقب النافذة إلى صحن المسجد فرأت بركة مسجد السلطان ، وحولها عدد من الشباب يتوضأون استعداداً لصلاة مغرب أول يوم قضوه فيه معتصمين ، وقد وقف بعضهم للحراسة على باب المسجد ، وذاك هو محمود وتلك هي لحيته الصغيرة التي لم تكتمل بعد ، عندئذ تفقدت صفاء غطاء شعرها ، ثم فتحت النافذة ورمت البلطة في زاوية فناء المسجد بعيداً عن الشباب ، ثم أغلقت النافذة ولصقت وجهها بزجاجها تنظر إلى البلطة ._ محمود هذه بلطتك بعينها . قال منقذ . _ نعم هي بذاتها ( ونظر محمود إلى النافذة فرأى وجه صفاء خلف الزجاج ، رأى وجهاً يشع نوراً ،ومع أن صفاء بيضاء نقية ، لكن هذا الوجه يضيء ويبعث نوراً ، وكأنه وجه حورية من الجنة ، ولربما هذا وجه صفاء ( الحورية ) وليس وجه صفاء ( الدنيا ) . تبسم ثغرها لما عرفت أن محمود ينظر إليها ، ورأته عملاقاً عجيباً ، طويل القامة أكثر مما تعرفه ، وقد اكتملت لحيته ، وأضاء وجهه نوراً ، وكأنه في الثلاثين من عمره ، أو في الثالثة والثلاثين . ودون أن يدري محمود تحرك لسانه ونطق يقول بصوت سمعه منقذ (تعالي بثوبك الأبيض يا صفاء)ولما سمعه منقذ قال : _ ماذا تقول يا محمود ؟ فأجاب محمود : _ أحس يا منقذ أن زفافنا قريب ، وقد طالت الخطبة كثيراً . _ ألا تنتظر حصولك على الشهادة الثانوية ؟ _ سأحصل عليها إن شاء الله قريباً . _ أي شهادة تقصد ؟ _ الشهادة ، سوف أحصل عليها قريباً بإذن الله، ثم تزف إلى صفاء ، كم أنا سعيد يا منقذ ، وما أجمل خطيبتي وما أطهرها ، كم سنكون سعداء بعد الزفاف ، وستزيد فرحتي وسعادتي إذا حضرت حفلة زفافنا يا منقذ . _ لا بد من حضوري يا أخي ، سأترك مشاغلي كلها ، مهما كانت ، وأحضر زفافك ، وسأغني لك أغنيتنا الشعبية الحموية ( يا عريس كل ملبس ) وضحكا معاً ، ثم ضم محمود البلطة إلى صدره وقد عاد له وعيه بعد لحظات الشفافية والأحلام الوردية . وذهب إلى مروان وقال : أعاهد الله أن أقطع بها رأس من يحاول دخول المسجد ، ولما دخل محمود إلى المسجد أسدلت صفاء ستار النافذة ، وشكرت زميلتها ، ثم عادت إلى بيتها ، وعيون الحرس القومي وأذناب المخابرات تتابعها وترفع التقارير العاجلة للمخابرات العسكرية . بات الجو ملتهباً في حماة ، وخاصة بعد أن كتب زكي الأرسوزي في مجلة الجيش والشعب كلاماً سمى فيه قصة آدم بالأسطورة ، واعتبر الجاهلية أرفع مقاماً للنفسية العربية ، وفكر بعض الوزراء بإلغاء الأوقاف ، وإلغاء تدريس التربية الإسلامية ، واعتدي على الشيخ عبد الكريم الرفاعي بدمشق ، ثم نزل الجيش إلى حماة ، وأطلق النار على المتظاهرين فقتل الطالب ( سمير جواد ) يرحمه الله ، واعتصم مروان وإخوانه في مسجد السلطان ، وتوافد الناس على المسجد يستمعون إلى البلاغات المذاعة منه ، ثم طلب المحافظ من أعيان البلد أن يجتمعوا لإيجاد الحل ، ثم أمر المحافظ باعتقال الشيخ عبد الله الحلاق وغيره ، وبدأت السلطة تساوم العلماء لإصدار بيان ينهي الإضراب مقابل إطلاق سراح الشيخين المعتقلين . وطرح الشيخ سعيد حوى على المجتمعين في دار عثمان الأمين فكرة حلف الفضول ، كي تقف حماة كلها موقفاً واحداً بكامل قواها السياسية والعشائرية ، ورأى المجتمعون أن يستمر الإضراب السياسي ، والعصيان المدني ، حتى تسانده بقية المحافظات ، ... ولكن السلطة صعدت الأحداث وسنت سنة ما سبقها إليها أحد ، وكان لما سنته الدولة أثره على سوريا لعشرات السنين أو تزيد ، ومازالت سوريا تئـن مما سنته سلطة البعثيين فيها .كانت ليلة الثلاثاء ليلة جديدة فريدة في تاريخ حماة ، تميزت بإطلاق رصاص متقطع من الأهالي ، بعضهم يجرب سلاحه ، وبعضهم يتحدى السلطة ، وبعضهم يصطاد في الماء العكر ، كما قام بعض الشباب المسلم وغيره بقرار فردي دون الرجوع إلى قيادة ، قاموا بقطع الشوارع المؤدية إلى مسجد السلطان بحواجز من الحجارة والبراميل التي تمنع مرور السيارات .وأشرقت شمس يوم الثلاثاء وزحف الخوف إلى القلوب عندما تكاثرت السيارات العسكرية المصفحة والمجنزرة في شوارع حماة ، بعيداً عن الحواجز ، تنثر الرصاص في الهواء ، فيطير الحمام الآمن مذعوراً ، وبين الحين والآخر يطلق أحد المواطنين النار باتجاه الجيش الذي يصب وابلاً من الرصاص على الجدران والنوافذ ، لذلك لجأ الناس إلى الأقبية حيث لا توجد نوافذ ، وإلى الأدوار السفلى من العمارات .كانت الحواجز التي نصبها بعض الشباب في الشوارع كمائن يصطاد بها الشباب ( من أهالي حماة ، وليسوا من جماعة مروان ، ولامن الاخوان المسلمين ، وهذه مشكلة مرسخة في حماة ، وهي التصرفات الفردية في المظاهرات والاضرابات والاعتصامات ) يصطادون بها الجنود إذا نزلوا من مصفحاتهم لإزالتها ، حيث يقنصهم الكامنون فوق الأسطحة وفي بعض البيوت ، وهكذا سقط عدد من جنود اللواء ( 45 ) العقائدي ، خلال يوم الثلاثاء الذي انقضى وكأن الأمور تميل إلى كفة الشعب ضد الحكومة ، واستمرت إذاعة مسجد السلطان تحث المواطنين على الإضراب العام والصبر والمقاومة حتى يسقط النظام الكافر .وكان الغضب ظاهراً على وجه العقيد وهو يشعل سيجارة من أخرى ثم يهتف إلى الرفيق القائد الذي أحضر معه رئيس مجلس الرئاسة ، واتخذوا من الثكنة العسكرية مقراً لهما منذ البارحة ، قال العقيد : _ الرفيق الرئيس يريد أن نقبض على بعض الأشخاص ، يظن أنهم سبب الإضراب ، مع أن المدينة كلها ضدنا ، يأتينا الرصاص من كل جانب ، ويسقط الجنود في كل مكان ، ثم أنا أتلقى أوامري منك يا رفيق وليس من الرئيس ، فأجاب الرفيق القائد : _ تعال عندي ولا تتكلم هكذا على الهاتف . عندئذ توجه العقيد إلى الثكنة الواقعة في الزاوية الشمالية الغربية من مدينة حماة ، وحالما دخل أدى التحية العسكرية للرفيق القائد اللواء ( صلاح جديد ) ثم قال : _ جنودنا العقائديون يموتون عند الحواجز ، نحتاج إلى حزم ، وإلا خسرنا اللواء العقائدي . _ غريب يا عقيد !! ماذا تنتظر !! اهدم البيوت على رؤوسهم ، فقال الرئيس : لا ، انتظر أيها الرفيق ، ما ذنب الأهالي الأبرياء !!؟ فغضب الرفيق اللواء وحملق في وجه الرئيس ثم قال : _ اسكت يا رفيق ، حماة كلها رجعيون ، وما فيها بريء ، يجب هدمها كلها ، إما أن نهدم أو نسحب اللواء العقائدي قبل أن يدمر . وعندئذ قال العقيد : _ نحن بحاجة ماسة إلى الدبابات ، أين الدبابات التي وعدتموني بها !!؟ وحالما سمع الرفيق اللواء ذلك ، أخذ سماعة الهاتف وأمر قائد اللواء الخامس ( الرائد مصطفى طلاس ) بإرسال سرية دبابات ( ت 54 ) حالاً .تحركت سرية الدبابات ( ت 54 ) المزودة بمدفع عيار ( 100 ) ملم ، دفع الشعب ثمنها من قوت أطفاله ، ليحرر بها فلسطين من اليهود كما قالوا للشعب ، وما زالت الأسلحة تتكدس منذ ( 1949م ) تنتظر يوم التحرير كما يظن الشعب العربي ، ثم وصلت الدبابات حماة بعد فرض منع التجول وإطلاق النار على كل من يتحرك بالشوارع . ودخلت حماة من شارع العلمين الواسع ثم وصلت ساحة العاصي تحفر الشارع بسلاسلها ، وتطمس بهدير محركاتها الضخمة أنين النواعير ، ولما سمع العقيد هديرها انتفش مزهواً وقال : اليوم الأربعاء وليس الثلاثاء ، سأهدم البيوت فوق رؤوسكم أيها المسلمون ، ثم هتف إلى الرفيق القائد : _ نحن جاهزون لهدم المسجد ، مسجد السلطان سليم التركي ، رمز الاستعمار العثماني البغيض ، الذي حصرنا في الجبال واضطهدنا ، يجب إزالته يا رفيق ، هذه المآذن دبابيس في عيني أتمنى إزالتها ، فأجاب الرفيق القائد : _ نعم يا رفيق ، وزفر من أعماق صدره وكأنه يخرج حقداً دُفن عدة قرون ، إنه رمز الاضطهاد الذي قهرنا في الجبال ، ومسح آثار دولتنا . _ هل أدمره يا سيدي ؟ _ تريث قليلاً سيأتيك أمر خطي من الرئيس . _ لا أظنه يفعل ذلك . _ غصباً عنه ، هل صدق أنه رئيس حقيقي ( ثم يضحك ) .كان الرفيق الرئيس يدور في الغرفة كأنه يبحث عن حل يحافظ فيه على كرسيه المهزوز في دمشق ، ويقول لنفسه : هل يسمح بهدم المسجد !؟ ألا يشم رائحة الطائفية الحاقدة على الإسلام والمسلمين !؟ رائحة كريهة قوية وواضحة علينا !!؟ نعم ولكنه لا يجرؤ ، سيفقد كرسيه في دمشق ، ثم يتمنى أن يتصرفوا دون الرجوع له ، فينجو من المسؤولية أمام الشعب ، والتاريخ . أما الرفيق القائد فقد وصل بشدة دهائه وخبثه إلى أن الرئيس يجب أن يأمر بهدم المسجد ، أما هو فلولاه لدمرت المدينة كلها ، وهكذا يحمل الرئيس المسؤولية أمام الشعب والتاريخ ، ويحصل هو على وسام من الشعب بأنه أنقذ المدينة من التدمير الكامل . لذل دخل إلى مكتب الرئيس وقال :ـ الدبابات جاهزة تنتظر أمرك لهدم المسجد . فأجاب الرئيس بصوت مضطرب : ـ هل هناك مقاومة من المسجد ؟ ـ نعم رصاص متقطع من المئذنة . ـ إذن نحاصر المسجد ونقطع عنهم كل شيء حتى يستسلموا لنا ، عندئذ غضب الرفيق القائد ودق على الطاولة في وجه الرئيس قائلاً : ـ اين العنف الثوري !!؟ واين ديكتاتورية البروليتاريا !!؟ يجب استئصال الرجعية الداخلية يارفيق ، هل نسيت دروسك !!يجب استئصالهم لنبقى في الحكم ، وتبقى رئيساً لمجلس الرئاسة ، فأجاب الرئيس : ـ لكن هدم المسجد سيؤلب علينا الشعب كله يارفيق . ضحك الرفيق القائد وقال : ـ الشعب يارفيق سيكون كالنعجة في يـدنا ، بعد أن نطرقه عدة طرقات ساخنة سيلين ، ثم نرمي لـه بعض الفـتات من موائدنا فيصفق لنا ، ويتسابق إلى مسح أحذيتنا . فيقول الرئيس : ـ كما ترى يارفيق ، أنت فيلسوف الحزب ومخططه . فيغضب الرفيق مرة أخرى ويقول : ـ لكن أنا لست رئيساً لمجلس الرئاسة ، ولا قائداً عاماً للقوات المسلحة ، هيا اكتب ياسيادة القائد العام ، اكتب أمراً خطياً بهدم مسجد السلطان في حماة ، وسوف يعيد الجيش بناءه من ميزانية القوات المسلحة ، فأنت المسؤول الأول ، وأنت مثلنا يهمك بقاء الحزب والثورة ، ومن أجلهما يسقط كل شيء ، حتى المساجد ، المهم أن يبقى الحزب وتعيش الثورة .انتظر الرئيس وقتاً غير قصير يبتلع الإهانات التي ركبتـه هذا اليوم ، ثم تحسس كتفيه ، ومرت أصابعه على نجومه وطيوره وسيوفه ، ومـر بخاطره مكتبـه في دمشق ، وسياراته ، وزجاجات الخمور المستوردة خصيصاً لقادة الحزب ..... وغيرها ، هذه الامتيازات ستضيع كلها إن هو أصغى لنداء ماتبقى فيه من ضمير ، الذي صار يصرخ ويبكي الماً ويقول : ... تمـرد ....ياأمين ... تمرد قبل فوات الأوان ... انتبه للحقد الطائفي ...عـد إلى الله ... مازال في الجيش من يساعدك لو غامرت ، إنها مناسبة ممتازة ، حماة كلها معك ، وثلاثة أرباع الشعب سيكون معك ، لكنها مغامرة ، والكرسي لذيذ ، وعصفور في اليد ولاعشرة على الشجرة ، وأطعمني اليوم واذبحني غداً ، كلها إجابات شيطانية ملأت سمع رئيس مجلس الرئاسة ، ذو الإرادة الضعيفة ، والتي أنهكها الخمر والفسق والانحراف عن شريعة الله ، لذلك حسم النقاش داخل نفسه وقال : المهم كرسيي في دمشق وليذهب المسجد إلى الجحيم ، وازداد اجمرار وجهه وهو يوقع أمراً خطياً لقائد اللواء (45) يأمره بهدم مسجد السلطان في حماة ، وهرب حالاً من واقعه المؤلم إلى زجاجة الخمر فأفرغها في جوفـه الملتهب ناراً فزادته جحيماً .ولما صار الأمر الخطي في جيب قائد اللواء (45) الذي رقص طرباً ، سيدمر المسجد بأمر من الرئيس ، وستنتصر الدبابة على المئذنة ، يعود إلى بلدته وعشيرته مرفوع الرأس والجبين ، يقول لهم : دمرت أ‘ز مساجد حماة وأغلاها عندهم ، ثم هتف بجهلز اللاسلكي : ـ آلو (11) أنا (1) كيف تسمعني أجب . ـ فأجاب قائد السرية : أنا (11) أسمعك جيدأص أجب . ـ يا (11) طوق المسجد حالاً ، ثم دمر المئذنة والقبة ، واعتقل أو اقتل من يوجد فيه ، واعلمني حالاً . ـ حاضر سيدي العقيد .تكاثرت الدبابات حول مسجد السلطان ، ترافقها المصفحات ودبابة قائد السرية التي كتب عليها بخط عريض أبيض ( يسقط الدين ، ويحيا الحزب ) ثم أمر قائد السرية بعض جنوده بدخول المسجد . لكن الرصاصات القليلة المنطلقة من المئذنة كانت تقتنصهم قبل ذخول المسجد ، عندئذ هتف الملازم أول قائد السرية بجهاز اللاسلكي : ـ آلو (112) هل تسمعني أجب . ـ أنا 0112 اسمعك جيداً أجب . ـ يا (112) ارم المئذنة بقذيفة خارقة في أسفلها ـ حاضر سيدي الملازم أول . وكشر الرقيب قائد الدبابة عن أنيابه القذرة ، ثم بصق في جهة المئذنة ، وجلس مكان الرامي وبعد أن قال الملقم : ـ خارقة جاهز . وأمسك قبضته في جدار برج الدبابة ، سدد الرقيب بهدوء على أسفل المئذنة ثم تحسس الزناد الكهربائي وصاح : يحيا البعث ، وارتجت الأرض واهتزت الدبابة كحصان يجمح ، وتململت المئذنة .ـ آلو يا (112) كرر أحسنت كرر بنفس المعطيات ، فزمجرت الدبابة ثانية وثالثة ورابعة ، بينما كانت المئذنة تميل في كل مرة بلطف وهي متماسكة الحجارة ، حتى لامست أرض المسجد فانفرطت حجارتها ، وخرج منه الأخ المختبئ فيها سالماً ، وفـر من ساحة المعركة ، وعاش بعدها عشرات السنين . ومازال حياً حتى كتابة هذه الرواية ...ـ آلو (1) سيدي وقعت المئذنة . ـ هيا اقتحم المسجد ، مادام القنص انقطع من المئذنة .ـ حاضر سيدي العقيد . وتقدم عدد من الجنود مع طرفي الشارع لاقتحام المسجد ، وقد شـد كل منهم يتده جيداً على الزناد .تحسس محمود بلطلته جيداً ونظر إلى منقذ وقال : ـ جاء دوري ، أوصيك بتقوى الله ، وقفز محمود إلى قرب الباب الرئيسي الشرقي ، ووقف كالنمر منتظراً دخول أول جندي كي يقطع رأسـه ، فيأخذ سـلاحه ويواجه الأنذال . وعندما رأى راس البندقية دخلت رفع بلطته جيداً ثم هوى بها على رأس العسكري فقطعها ، وخطف بندقية (كلاشن ) وفيها ثلاثون طلقة صحيحة ، وبلمح البصر قفز محمود إلأى الشارع يفرغ الطلقات الثلاثين في صدور الجنود المتحفزين لدخول المسجد الذين تساقطوا كالعصافير ، بينما ثبت رامي رشاش المصفحة نيرانه على محمود ورماه بأكثر من مائة طلقة مزقت جسده الطاهر رحمه الله تعالى عند الباب الشرقي لمسجد السلطان ، بعد أن قتل أكثر من عشرة من جنود النظام سقط محمود وهو يردد( أشهد أن لاإله إلا الله ، ,اشهد أن محمداُ رسول الله ، الحمد لله لم يدخلوا المسجد وأنا على قيد الحياة ) . كاد يجن قائد السرية فراح يهذي في اللاسلكي : ـ آلو (1) ياسيدي ، شيطان أو جني ، لا أدري ... ارتعدت أوصال العقيد من هذه الألفاظ ، فتكلم في جهاز اللاسلكي ، لكن قائد السرية لايسمعه لأن يـده جمدت على مفتاح الإرسال ، ومازال يهذي : ملك ، جني ، شيطان ، لا أدري قتل لنا نصف جنود الفصيلة . كرر العقيد النداء عدة مرات : ـ آلو يا (11) ماذا جرى ؟ ومازال قائد السرية جامداً على مفتاح الإرسال ، لذلك دخل العقيد على تردد السرية وقال : ـ آلو يا (112) هل تسمعني أجب ، أنا (1) ـ احترامي سيدي ، أنا (112) أسمعك جيداً ـ يا( 112) قل لي ماذا جرى ؟ هل فطس قائد السرية ؟ ـ لاياسيدي ، قائد السرية حي ، وإنما خرج من المسجد واحد عجيب قطع رأ س العسكري ( ابو عرب ) بالبلطة وأخذ بندقيته وقتل أكثر من عشرين من عناصرنا ، وااحبط أول هجوم على المسجد . ـ وهل قتلمتوه ؟ ـ نعم سيدي قتلناه برشاش المصفحة ، وذاك جسده ممزقاً عند باب المسجد . عندئذ قال العقيد : ـ اسحبوا الجنود من الشوارع المحيطة بالمسجد بسرعة ، وأدخلوهم في الدروع ، وبعد أن هدأت أعصاب الملازم الأول (قائد السرية) ترك مفتاح الإرسال ، فتحول الجهاز إلى الاستقبال وسمع أوامر العقيد وهو يتحدث مع الرقيب . فقال : ـ أنا (11) ياسيدي ، خرج علينا واحد من المسجد قتل أكثر من عشرين عسكرياً منهم الملازم قائد الفصيلة الذي قاد الاقتحام على المسجد ، والرقيب أول قائد الأربجي ، ـ وهل قتلتموه ؟ ـ نعم قتلناه .ـ هل أنت متأكد أنه قتل ؟ ـ نعم سيدي ذاك هو مـمدد عند باب المسجد . قال العقيد : يا ( 11) اسحبوا الجنود من الشوارع المحيطة بالمسجد ، ولاتخرجهم من الدروع ، ثم دمـر قبـة المسجد ، واستمر بالقصف حتى يخرجوا مستسلمين أو يموتوا كلهم . ـ حاضر سيدي العقيد .انهالت القذائف المتفجرة من عدة دبابات على قبة المسجد ، فتساقطت بينما التصق الطلاب عند الزوايا يحتمون من شظايا القذائف الضخمة عيار (100) ملم ، وعندها نظر منقذ في وجـه توفيق وقال : ـ وماذا بـعد ؟ هل نموت هكذا !! لقد سبقنا محمود ، والآن جاء دورنا ، أين زجاجات المولوتوف ؟ ـ هاهي ، ـ سنجعل الفتيل قصيراً جداً ، ولنرمها على خزانات الوقود في الدبابة ، فإذا انفجرت اشتعلت النيران في الدبابة ، ثم تنفجر الدبابة بذخيرتها ، ثم تناول منقذ زجاجتي مولوتوف ، ونظر إلى كوة جديدة فتحتها القذائف قبل قليل ، وأحس بقوة تدب في أوصاله يشعر بها كل من يعانق السلاح ، فأشعل الفتيلين ، ورمى الزجاجتين على دبابتين معاً قبل أن يمزقـه الرصاص ، وعندما كان يتضرج في دمـه سـمع انفجارين متتاليين دوت لهما أرجاء حماة كلها ، وارتفع اللهب من الدبابتين ، وتحولتا إلى كومة من الخردة والفحم والدخان ، بينما ذهل الجنود لهول المفاجأة ، قفز توفيق إلى الجانب الغربي وفجر دبابتين أخريين ، وسقط هو الآخر شهيداً عند الباب الغربي .ـ آلو سيدي (1) دباباتنا تحترق ، خسرنا أربع دبابات في لحظات ، وما عرفنا نوع السلاح الذي دمرها . أجاب العقيد : ـ يا ( 11 ) ياحمار ، ِلم َ لم ْ تدمر المسجد حتى الآن ؟؟ ـ ياسيدي رميت القبة وتهدمت ، لكن واجهنا سلاح عجيب متطور جداً ، أقوى من دباباتنا فماذا أفعل ؟ دخل الرعب قلب العقيد فاتصل مع الرفيق القائد : ـ ياسيدي عندهم سلاح عجيب ، أكيد زودتهم به الامبريالية الأمريكية ، إنه من أحدث أسلحة الترسانة الأمريكية ، صواريخ عجيبـة ، وموقفنا صعب للغايـة ، فأجال الرفيق القائد : ـ ماهذه الانفجارات التي هزت حماة كلها !!!؟ ـ أربع دبابات لنا احترقت بهذه الصواريخ الأمريكية العجيبة . ـ عيب يارفيق !!! ماذا تريد !!! هل نطلب الطيران !!! والله عيب ، نادوا عليهم بمكبرات الصوت ، قولوا لهم سوف نحفظ لكم أرواحكم ، اقسموا لهم بالشرف العسكري ، والقبض عليهم أحياء أفضل من قتلهم ، يجب أن يحاكموا ، وتبين عمالتهم للإمبريالية ، لكن احذروا من غدرهم بكم . ـ حاضر سيدي اللواء . عندما سمع مروان مكبرات الصوت تنادي المعتصمين ، وتطلب منهم الاستسلام ، وقد اختلط الغبار بالدخان مع رائحة البارود ، ودماء الشهداء ، وجثث الجنود في الشارع ، نظر حوله فآلمه منظر أطفال في المدرسة المتوسطة والثانوية ، بعضهم مازال متحمساً للموت في سبيل الله ، وبعض آخر أصابه الذهول لما سمع ورأى ما لم يخطر في بـاله أبداً ... وبعضهم يصرخ خوفاً وهلعاً ...وكانت الساعات التي عاشها مروان في المعركة كافية لتبين لـه أنـه أمام عـدو شـرس ، أشـد كفراً وحقداً من الفرنسيين والانجليز ، وتبين له أن هؤلاء الأعداء لايجدي معهم الجهاد السياسي ، فقد قابلوا جهاده السياسي بالدبابات والمصفحات منذ اللحظة الأولى ، وقتلوا طالباً في المظاهرة لأنه يهتف ، يتكلم ، فهؤلاء لايسمحوا بالكلام ، ومن يتكلم يقتل فوراً بلا محاكمة ، وعرف مروان أن مواجهة هذا العدو تحتاج إلى إعداد طويل لتكون مواجهة عسكرية منذ البداية ، لامواجهـة سياسية ، لقد تغيرت قناعته من هذا الحدث ، كان يريد من اعتصامه في المسجد أن يقود أهل حماة في إضراب ، واعتصامات مدنية ، ومظاهرات ، وغيرها من الأعمال السياسية ، حتى يسقط الحكم العسكري ، وقرر الاعتصام في المسجد لأن الجميع يعرفون أن المسجد لاتدخله القوات المسلحة ، لايدخله الجيش ، كما لاتدخله الشرطة . ولكن هذا العدو حاول دخول المسجد مذ وصوله ، لم ينتظر لحظة واحدة ، ولولا مسدس (نمرة سبعة ) في المئذنة لدخل الجنود المسجد حال وصول القوات إلى المسجد ، ثم لولا أن أعان الله محمود ، وقطع رأس العسكري بالبلطة ، لدخل الجنود بعد أن دكوا المئذنة ، ولما تعذر عليهم دخول المسجد هدموه فوق رؤوس أطفال في المرحلة المتوسطة .تبين لمروان أن هذا العدو لايفهم السياسة ، ولا العمل السياسي ، وأنه أشـد بطشاً بالمواطنين من الفرنسيين والانجليز ، وتبين له كذلك أن عشرات مثل محمود ومنقذ وتوفيق يرحمهم الله تعالى ، سيرغمون هذا العدو على الانهيار ، وسيدمرون جبروته ، وهكذا نبتت فكرة الطليعة المقاتلة في ذهن مروان في تلك الساعة ، عندئذ صف الأولاد والشباب في صفين وخرجوا من المسجد رافعي الأيدي ، ثابتي الجأش والخطى ، وقد آمنوا أنه لن يصيبهم إلا ماكتب لهم .ـ آلو ، سيدي العقيد ، خرج من المسجد شيخ شاب طويل القامة جداً ، خلفه مجموعة من الأولاد ، فأجاب العقيد : ـ هذا هو المجرم الرجعي ، اعتقلوهم وحافظوا على حياتهم لمصلحة التحقيق ، سوف نفضح أمرهم أمام الشعب كله . تكاثر الجنود حول الأطفال الصغار يصوبون بنادقهم نحو صدورهم الصغيرة المؤمنة، ثم فتشوهم واحداً واحداً ، وحملوهم في السيارات العسكرية .قبل أن يصل التفتيش إلى عبدالله قرر أن يخطف البندقية من العسكري ، ويفعل كما فعل محمود الذي سبقه إلى الجنة ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وطمأنه صعود أكبر عدد من إخوانه إلى السيارات ، ولم يبق سوى القليل منهم ، ولن تصيبهم رصاصات المعركة المنتظرة ، وفي لمح البصر ضرب العسكري بقبضة يديـه معاً خلف أذنه فخر صريعاً ، بينما أخذ عبدالله بندقيته ، وعندها خرقت جسده الطاهر رصاصات قائد الفصيلة ، وجثى عبدالله على الأرض واستفاد من البندقية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وقتل بضع جنود العدو قبل أن يموت ، عندما صوب العدو رشاتهم على دماغه يرحمه الله .وسقط على الأرض التي سقط عليها محمود ومنقذ وتوفيق ، فقد ولدوا في عام واحد ، عندما جلا الفرنسيون عن سوريا ، وترعرعوا في بلد واحد ، وتعلموا في مدرسة واحدة ، واستشهدوا في مكان واحد ، ويوم واحد ، وسار موكب الأربع تزفهم الملائكة وحور العين إلى جنة الرضوان برحمة ربهم وإذنه إن شاء الله تعالى . وفي دار الحكومة ( السرايا) فرز الأسـرى حسب أعمارهم إلى ثلاث فئات : مروان والجامعيين ، ثم طلاب الثانوية ، ثم طلاب المتوسطة ، ,أحضر الجيش كميات من الأسلحة وضعت أمام الأولاد والتقطت لهم الصور التي نشرت في صحف اليوم التالي ، وكتب تحت الصور العناوين التالية :جيشنا العقائدي يعتقل مجموعة من الرجعيين استلم الرجعيون أسلحة من إسرائيل والإمبرياليةالمواطنون في حماة يتظاهرون تأييداً للحزب الثوري ـ 10 ـ تشكلت المحكمة العسكرية في حمص ، بقيادة الرفيق الرائد مصطفى طلاس قائد اللواء الخامس ، ومثل أمامها عدد من الأخوة منهم مروان حديد الذي دخل قاعة المحكمة بقامته المديدة ، ولحيته الكثـة ، باسم الثغر ، يشع النور من وجهه ، نور يبهر من يراه فينسيه الزمن ، ويعود به إلى العصور الإسلامية ، قال رئيس المحكمة :ـ مااسمك ؟ ـ مروان خالد حديد ، مسلم عربي سوري ، من مدينة حماة ، تخرجت من جامعة عين شمس مهندساُ زراعياً منذ سنتين ، وسأعمل فلاحاً .ـ ألم تحصل على وظيفة ؟ وأنت مهندس زراعي والبلد بحاجة ماسة إليك !؟ ـ لا أريدها ، كي لا أصبح عبداً للدولة ، فتمن عليّ براتبي منها ، عندئذ ضحك أحد الضباط الحاضرين ، واقترب من الشيخ مروان ، ومـد يـده يريـد شـعرة من لحيتـه ، ومع أن يـديه كانتا في القيـد ، لكنه رفعهما معاً بقوتـه العجيبة وهوى بهما على رأس الضابط فرمـاه أرضاً .هاجت المحكمة وماجت ، وحمل الضابط مغمياً عليه ، وتناول بعض الضباط مسدساتهم للدفاع عن أنفسهم ، إن لزم الأمر ، وتحولت المحكمة إلى معركة ، فدق طلاس بيده على الطاولة بقـوة وصاح بأعلى صوتـه : ـ محكمة ، أخرجوا الضابط إلى المستشفى ، وليلزم كل واحد مكانه ، فهدأت الحال وتابع رئيس المحكمة .ـ لماذا حاربت الدولة ؟ ـ أنا لم أحارب الدولة ، بل أردت أن أفعل مايفعله المواطنون في الدول التي تحترم شعبها ، أردت أن أعلن عن عدم موافقتي على سياسة هذه الدولة ، وأردت أن أشجع المواطنين على الاضراب ، والمظاهرات ، والعصيان المدني ، كما تفعل الشعوب المتحضرة ، حتى تسقط الحكومة ، وتجرى انتخابات نيابية في سوريا ، ويعود لها الحكم الديموقراطي . ـ لماذا لاتعجبك سياسة هذه الدولة ؟ ـ لاتعجبني لأنها تحارب الله ورسوله . ـ كيف تقول ذلك ، نحن مسلمون .ـ مسلمون بالبطاقة الشخصية ، وتحاربون الله ورسوله . ألم تسمع قول الله عزوجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . ـ كيف نحكم بالقرآن اليوم ؟ ـ لقد جعله الله صالحاً لكل زمان ومكان . ـ لكن الانسانية تقدمت يامروان . ـ ربها أعلم بها منك يامصطفى . ـ قل ياسيدي الرئيس . ـ لست سيداً لي . ـ أنا سيدك غصباً عنك . ـ كذبت . اصفر وجه الرائد مصطفى طلاس ، وتفقد الطير فوجده مازال على كتفيه ، وأمعن النظر في عملاق لو فكت قيوده لقطعهم كما يقطع الرجل الجائع رغيف الخبز . وخاف الرائد مصطفى من ضربة مزدوجة مثل رفيقه الضابط الذي وصل المستشفى لذلك عدّل نوع الأسئة وقال :ـ لماذا اعتصمت بالمسجد ؟ ـ لأنني ظننت أنكم على الأقل مثل الفرنسيين ، تحترمون بيوت الله .ـ من يترك عدوه يامروان ؟ حتى لو دخل المسجد ـ هكذا كان الفرنسيون ، لايدخلون المساجد ، وكان الثوار إذا تضايقوا دخلوا المسجد فيعود الجنود الفرنسيون ويكفون عن مطاردتهم . ـ إذن أنت تفضل الفرنسيين على الحكم الوطني !! ـ أقول الحقيقة مع أنها مرة كالعلقم ، كان الفرنسيون يحترمون ديننا أكثر منكم بمئات المرات . ـ نحن حكماً وطنياً يامروان . ـ من قال ذلك !! أنتم وصلتم إلى الحكم بانقلاب عسكري ، ووصل الفرنسيون إلى الحكم بدخول جيشهم من بيروت إلى دمشق ، هل جاء بكم الشعب !! هل انتخبكم أحد !! كانت المساجد مراكز الثورات ضد الفرنسيين ، ولم يهدم الفرنسيون مسجداً واحداً ، وكان العلماء قادة الثورات ، ولكن الجيش الفرنسي لم يدخل مسجداً واحداً ، ولم يعتقل عالماً ، ولم يدمر مئذنة ولامسجداً بالدبابات ، هذه الدبابات يامصطفى اشتراها الشعب بقوت أولاده كي يحرر بها فلسطين ، ولم يشتريها ليهدم بها المساجد . عندئذ ارتفع صوت المؤذن في مدينة حمص لصلاة الظهر ، ( الله أكبر ، الله أكبر ، ......) تردد الأذان من مسجد خالدبن الوليد ، والمسجد الكبير ، ومسجد جورة الشياح ، وغيرها كثير ، وتجاوبت أصداء كلمة التوحيد في أرجاء حمص كلها ، المدينة الوادعـة ، فيصمت مروان ليردد مع المؤذن كما أمر سول الله ، بينما تابع رئيس المحكمة : ـ أنتم عملاء ، وكل المشايخ عملاء للغرب والامبريالية والصهيونية ، ولكن مروان ظل ساكتاً ولم يـرد ، لأنه غارق في كلمات الأذان وشعوره بلذتها ، ويتابع رئيس المحكمة : ـ من الذي دفعك إلى مافعلت ؟ ولايرد مروان ، فغضب الرائد مصطفى طلاس وقال رافعاً صوته : ـ تكلم ، أجبني ، ولكن لايـرد مروان ، فيضرب رئيس المحكمة الطاولة بيـده ثم بالمطرقة بعنف يفزع منه رفاقه الضباط ويقول : ـ نحن في محكمة عسكرية ، ولسنا في زاوية ، لكن مروان كان في عالم آخر ، عالم الذكر يردد مع المؤذن بلسانه وقلبه وعقله ، يردد النداء الخالد ( الله أكبر .... اشهد أن لا إله إلا الله ....... ) ، ولما انتهى المؤذن قال مروان بصوت عال يسمعه الحاضرون : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة ، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته ، واحشرنا معه ، وارزقنا شفاعته ، واسقنا من حوضه شربة هيئة مريئة لانظمأ بعدها يارب العالمين . ثم تكلم مروان موجهاً خطابه للرائد طلاس : ـ أريد مـاء للوضوء . فرد الرائد : ـ ويمكن ستقول سجادة أيضاً !!! فقال مروان : ـ وسجادة أيضاً وهيا قم نصلي ( يخاطب طلاس ) ، ألم تسمع المؤذن نادى للصلاة ، لقد نادى المسلمين للصلاة ، قبل قليل أكدت أنك مسلم أيها الرائد ، هيا نصلي معاً ، غضب مصطفى طلاس وقال : ـ وهل الإسلام بالصلاة ، وطول اللحية !!! الإسلام بالقلب وليس بالصلاة والصوم وطول اللحية ... فقال مروان : ـ كذبت يارئيس المحكمة ، قال رسول الله [ الصلاة عماد الدين ، من أقامها أقام الدين ، ومن هدمها هدم الدين ] أو كما قال ، عندئذ تكلم ضابط وقال : ـ من قال لك أن رسول الله قال هذا الحديث !!!؟ . ـ هذا حديث صحيح ـ وكيف عرفت أنه صحيح !!؟ ( وهو يضحك ) ستقول رواه أبو هريرة ، أليس كذلك !!!؟ ويتابع الضحك ...ها ...ها كلهم كذابون عملاء للبرجوازية والإقطاع ، غضب مروان أيما غضب ، ومشى نحو ذلك الضابط وقال : ـ اسكت ياعدو الله ، يامرتد يازنديق ، وتابع المشي نحوه يريد أن يبطش بـه ، ولكن الجنود أحاطوا بمروان ومنعوه من الوصول إلى ذلك الضابط ، ـ أنت تناقش أم تقاتل !!؟ قال ذلك الضابط . فأجاب مروان : ـ مثلك لايناقش أيها المرتد . ثم يتجـه مروان إلى الرائد رئيس المحكمة ويقول : ـ قلت أريد ماء للوضوء . فيجيب الرائد : نحن في محكمة عسكرية ولسنا في مسجد السلطان ( سابقاً ) قبل أن يهدم . فأجاب مروان : الأرض كلها مسجد لنا ، فكوا وثاقي كي أصلي . الأرض لله ، ونحن عباد الله ، فأجاب الضابط بسرعة : ـ سيدي رئيس المحكمة أرجو أن لايفك وثاقه ( وهو يرتجف خوفاً ) ، والله يأكلنا هذا الوحش !!!ـ أنا لست وحشاً أيها الجبان ، أنا عبدلله ، استمد قوتي من قوتـه ، فأجاب رئيس المحكمة : ـ أنت أسير عندنا ولانفك يديك ، ولايوجد ماء للوضوء عندنا ، نحن في محكمة عسكرية .عندئذ مسح مروان يديه بالجدار المغبر للتيمم ، ثم اتجه نحو القبلة وكبر للصلاة ، كأنه تمثال لايتحرك .غضب طلاس وصرخ : ـ امنعوه من الصلاة ، فتقدم عدد من الجنود ينظر كل منهم إلى الآخر ، وكأنه يقول : كيف نمنع مسلماً من الصلاة !!! وكانوا يرتجفون خوفاً ، وحاولوا شـد مروان من كتفيـه ، أو يحولوه عن القبلة ، ولكن عبثاً حاولوا ، كان كالجبل ، ثابتاً بين يدي ربـه ،وأسقط في يـد الجميع ، فسكتوا وكأن على رئوسهم الطير ، وانتظروا مكرهين حتى صلى مروان الفريضة ، ثم الراتبة ، ثم أتم الأذكار حتى أتم صلاته ، ونظر إليهم وقال : ـ هات ماعندك يارئيس المحكمة .ـ قال طلاس : ـ ماهي صلتك بالإقطاع !!؟ يامروان ؟ ـ نحن مسلمون ، لا إقطاع ولا برجوازية ، هذه اصطلاحات الكفار ، مثلها مثل الشيوعية والاشتراكية ، كلها جاهلية ، ونحن مسلمون ، والإسلام ضد الجاهلية ، يعني ضد الإقطاع والرأسمالية والبرجوازية والشيوعية والاشتراكية ..قال طلاس : ـ سنقطع رأسك إن شاء الله يامروان ( وهو يضحك ) .ـ الله هو المحيي والمميت ، ولن يصيبنا إلا ماكتب لنا ، وموتي على يديكم أكبر شهادة أنالها ، فسيد الشهداء حمـزة ، ورجل قام على حاكم ظالم فقتله .رفعت الجلسة وأعيد مروان إلى الزنزانـة ، وفي خلوته مع نفسه استعرض أحداث الأيام الماضية واستنتج منها ومن خلال ماقدمه الشهداء الأربعـة الأبطال ( محمود ، ومنقذ ، وتوفيق ، وعبدالله ) يرحمهم الله تعالى ، استخلص من ذلك مروان أنه لابد من تربية الصغار في المدرسة المتوسطة تربية إسلامية مكثفة ، يركز فيها على الجانب الروحي ، ثم العسكري ، وذلك بالإكثار من الصلة بكتاب الله عزوجل ، ثم تقوى أجسادهم بالسباحة والتمرينات الرياضية ، كما تقوى نفوسهم لتكون صلبة تتحمل أعباء الجهاد في سبيل الله ، وذلك بالإكثار من التمرينات الرياضية والتدريبات العسكرية كالقفز والمشي الطويل ، ثم تدريبهم على الأسلحة الفردية بأنواعها، ضمن إطار تنظيمي متين ودقيق وفي غاية السرية والكتمان الذي يحيط التدريب والإعداد ، ثم الانقضاض على أزلام النظام بحرب عصابات داخل المدن ، حتى تشتعل الثورة الشعبية ، فيقوم الجيش والشعب معاً ضد هذه السلطة الحاقدة ، ولابد من : 1 ـ جمع البراعم المسلمة وغرس حب الشهادة والجهاد في قلوبهم منذ الصغر .2 ـ تدريبهم تدريباً عالياً على الأسلحة الفردية ، وثبات الجأش ، وبرود الأعصاب عند التنفيذ .. ويهمس مروان لنفسه : عندئذ سوف يقتنع الإخوان المسلمون بتعجيل الجهاد ضد الطغاة ، وسينضمون كلهم جنوداً وقادة ، تحت لواء الحركة الجهادية لأن السلطة ستعلن الحرب على الإسلاميين كلهم ، بعد أن يقوم شباب الطليعة بعملياتهم ضد النظام الحاقد ، وسيضطر الإسلاميون إلى حمل السلاح للدفاع عن أرواحهم وأعراضهم ، ثم قام مروان إلى الصلاة ودعا ربه ( اللهم يامقلب القلوب اشرح قلوب الإخوان إلى ماشرحت قلبي له ، يامقلب القلوب ، أخرجهم عما هم فيه من الدعـة والطمأنينة ، والتسويف ، إلى ساحة الجهاد وميدانـه ، اللهم ثبتنا على دينك ، واتباع كتابك وسنة نبيك ، وامدد اللهم في عمري حتى أرى الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين تقض مضاجع الطغاة وتخيفهم ، إنك على كل شيء قدير ) .
يدخل السجان وينادي على مروان فيقوده إلى ساحة المحكمة حيث دخل رئيسها وأعضاؤها ومازال الجميع واقفين ورئيس المحكمة يقرأ الحكم :ـ بناء على قرار مجلس الرئاسة القاضي بمحاكمة المتهم مروان خالد حديد ومن معه ، وبعد اعترافات المتهم بكل مانسب إليه ، وبناء على قناعة المحكمة ومصلحة الحزب والثورة فقد حكمت المحكمة على المتهم مروان خالد حديد بالاعدام شنقاً ، وينفذ الحكم بعد تصديقه من رئيس مجلس الرئاسة .ابتسم مروان وقال بهدوء : ـ كذبت ياطلاس ... أنا لست مجرماً .. الله يحكم بالموت ولست أنت .. . والأعمار بيد الله وليست بيدك ، والمعركة مستمرة بيننا وبينكم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . ـ 11 ـ ـ تعالي بثوبك الأبيض ... آخر جملة سمعتها صفاء من محمود قبل رحيله عن الدنيا ، سمعتها كالهمس ، كما سمعها منقذ ، ثم رحل محمود ومنقذ إلى الجنـة ، وتسابقت حور العين إليهما ، إلى محمود ومنقذ ، ومحمود رائد الشهداء في العصر الحديث ، الذي فتح باباً تسابقت إليه براعم الشباب ، وهزت كراسي الطغاة في العالم العربي والإسلامي ، وتناقل الناس أخبارهم كالأساطير ، لكن ماذا يريد محمود من صفاء !!؟؟وماذا يقصد بالثوب الأبيض !!؟؟ ذاك الذي فهمته صفاء وحدها . فالأرواح جنود مجندة ، لذلك أعدت صفاء ثوب عرس أبيض ، مع بعض التعديلات الخاصة فصار ثوب زفاف إلى الجنـة ، ثم لبسته ونظرت إلى نفسها في المرآة ، وقالت لنفسها : ـ أين أنت من حور العين اللاتي سبقنك إلى محمود !!؟ ثم تذكرت أن المؤمنة سيدة الحـور في الجنة ، وحور العين وصيفات عندها ، يفوق جمالها جمالهن ، وتفوق ثيابها ثيابهن وحليهن ، ثم بدا لها جمالها بهذا الثوب الأخروي ، فاغرورقت عيناها بالدموع ، فهربت إلى محرابها ، ودعت في صلاتها ( اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك ، وألحقني بمحمود ، إنك كريم ورحيم ، وعلى كل شيء قدير ) ، وبعد أن أتمت صلاتها استأذنت والدها وذهبت إلى دار محمود ، ولما فتحت أخته لها الباب ؛ سبقت دموعها كلامها ، فضمتها صفاء إلى صدرها بحنان وقالت :ـ لا ... لايا أختاه ، محمود شهيد ، بل هو من سادة الشهداء ، لايبكى عليه ، بل نفرح لهذه المنزلة التي أكرمه الله بها ، ونهنأ أنفسنا بالفوز الذي نالـه محمود .ـ كنت أحلم بعرسكما ياصفاء . ـ ادع الله أن يلحقني بـه ، وسيكون عرسنا رائعاً في الجنـة ، ما أجمل العرس هناك ، كأني أرى الولدان المخلدون يحملون كؤوس الشراب وأطباق الفاكهة كأنهم لؤلؤ منثور ، وحور العين عن يميني وعن شمالي تزفنـي إلى محمود ، كل ذلك سيتحقق إذا أهدى الله لي الشهادة ، وليس ذلك على الله بعجيب .ـ ألا توجد حاجات خاصة لمحمود أرثها عنـه ؟ ـ نعم ، صندوق خشبي يهتم بقفله ، ولما حاولت صفاء رفعـه وجدته ثقيلاً ، لذلك أصرت على فتحه فوجدت فيه فتيلاً صاعقاً وكمية من المتفجرات [ وقد عرفت ذلك من دروس الفتوة ] ، ووجدت حزاماً عريضاً أحاطت به خصرها النحيل ، وتذكرت ما سمعته من مدرس التربية الإسلامية عن الشهداء الأربعين الذين أوقفوا هجوم الهنود ( عباد البقر ) على المسلمين الباكستايين ، عندما رأى القائد الباكستاني كثرة القوات الهندية المدعومة من روسيا وأمريكا وعملائها ( ..... ) وتفوق هذه القوات بالعتاد والعدة ، وكانت ظروف المعركة كلها لصالح الهنود ، ورأى ذلك القائد المسلم أن حب الشهادة هو الشيء الوحيد الذي يملكه الباكستانيون ولايوجد عند الهنود ، عندئذ طلب أربعين فدائياً استشهادياً يبيعون أرواحهم لله ، طمعاً في دخول الجنـة ، فتقدم لـه المئات يتزاحمون ويتنافسون حتى انتقى منهم أربعين من الشباب ، وألبسهم هذه الأحزمة الناسفة وطلب منهم أن يكمنوا على طريق الدبابات الهندية ، حتى إذا صاروا وسط الرتـل ( قرابة مائة دبابة ) قفز كل منهم على دبابة وفجر نفسـه على الدبابة ، فاحترقت أربعون دبابة في ثوان ، وتطايرت الشظايا فأحرقت عشرات الدبابات والآليات الأخرى ، وقتل مئات الهنود في دقيقتين أو ثلاث ، وتعطل مسير الرتل الهندي مما ساعد القوات الباكستانية على النيل منه ، وحصر الرتل المدرع الهندي ولم يكن أمامـه سوى الفـرار . * * * * * استرد أمين الفرع وقائد الحرس القومي أنفاسهما ، بعد أن رفع الأهالي الرايات البيض فوق دورهم ؛ علامة على استسلام المدينة ، وبعد أن تمكن الجيش العقائدي من بث الرعب في قلوب أبنائها ، ونمت ثقـة الحزب بالجيش العقائدي ، وزادت آمالهما بمزيد من الجولات على الرفيقات ، لولا حديث الناس عن محمود الذي صار اسطورة ينغص على الحزبيين البعثيين ورجال السلطة لذة نصرهم على الشعب الأعزل ، محمود الذي قطع رأس العسكري بالبلطة ، وقتل أكثر من خمسة وعشرين جندياً من الجيش العقائدي ، وصارت قصته تبث الرعب والهلع في قلوب الكفرة والمرتدين ، وزاد فيها خيال المتحدثين والناقلين ، لذلك صار اسم محمود كافياً لاصفرار وجه كل من أمين الفرع وقائد الحرس القومي والعقيد قائد اللواء (45) يرتعدون خوفاً كلما ذكر لهم اسم محمود صاحب البلطة . ومازالت الآنسة مديرة السيدة عائشة يأكل الحقد والحسد قلبها ، تنفث دخان سيجارة (الكانت ) كلما تذكرت صفاء التي تحدتها باستعلائها عليها ، وقد واتت الفرصة لتنتقم منها ، كلمة واحدة ( لصاحبها ) قائد الحرس القومي تقول له أن صفاء خطيبة محمود (صاحب البلطة ) ، الذي يرعبهم اسمه ، ويتمنون لو أحرقوا كل أرض مشى عليها محمود ، وترددت بين الغيرة والحقد من جهة ، والرحمة من جهة أخرى ، ثم حزمت أمرها عندما وسوس لها الوسواس الخناس ( صفاء رجعية من بقايا العصور الوسطى ، تعيق تقدم المجتمع نحو التحرر من قيود الماضي ، ويجب أن تزول من طريقه ) ، وأخيراً كزت على أسنانها النجسة القذرة ، ذات الرائحة المنتنتة ، وفركت أصابعها ، ثم أدارت قرص الهاتف :ـ آلو ، أعطوني الملازم أول ـ اسعد الله صباحك ، كيف وقتك ؟ ـ مازلنا في حالة التأهب القصوى ، وأنتم في عطلة تهنأون بتعبنا . ـ لاعليكم مادمتم تنظفون البلد من أدران الماضي العفن ، أنا الآن في البيت وحدي ، وعندي الطعـام والشـراب ، و(الكانت ) ... ـ وأنا في الطريق إليك حالاً .ـ أهلاً بالرفيق ، طالت لحيتك ، وصار منظرك رجعياً .ـ لاتذكريني بالرجعية ، فإنهم مرعبون حقاً ، وكلما سمعت اسماً لهم ينخلع فؤادي .ـ لقنتموهم درساً لن ينسوه ياعزيزي . ـ ( يضحك ) الحقيقة أرعبونا وأرهبونا ايتها الساذجة ، أنت لاتفهمين في الحرب . ـ لمَ لا أفهم !!؟ ( ومسحة الغضب على وجهها ) . ـ ألم تسمعي بمحمود !!؟ الذي قطع رأ س العسكري بالبلطة !! ثم أخذ بندقيته وقتل أكثر من عشرين جندياً من خيرة جنودنا العقائديين ، وأوقف الهجوم على المسجد ، وعطل تقدم مجموعة الاقتحام من المشاة ، مما أجبرنا على تهديم المسجد بالدبابات .لما سمعت الآنسة اسم محمود ارتفعت دقات قلبها ، واحمر وجهها وقالت : ـ أعرف محمود وأعرف خطيبته أيضاً !! ـ خطيبة محمود !!! ـ نعم !! من هي !!؟ وما اسمها ؟ ـ صفاء ... طالبة في الثالث ثانوي ، إنها شريكة أفكاره ، تحدتنا في الثانوية ، ونشرت الجلباب بين الطالبات ، غصباً عنا ، تكره الحزب والثورة ، لكنها قوية الشخصية ، عندئذ هب الملازم أول واقفاً ,قال : ـ أين بيتها ؟ يجب أن اسبق الجميع بهذا النصر ـ بيتها في الدباغة ... شارع ... جانب دكان ... ووالدها ( ...) كتب الملازم أول هذه المعلومات ثم استأذن بالانصراف ، فوقفت في وجهه : ـ كيف تنصرف ولم تأكل شيئاً وأنت جائع بالتأكيد !! ألست جائعاً !!!؟ ـ سوف نأكل ونمرح بعد إيصال هذه المعلومة إلى مدير الأمن السياسي ، ويجب أن أكسب هذا السبق العقائدي قبل المخبرين ، ولك جائزة أيتها المناضلة الجميلة .وصل قائد الحرس إلى مدير الأمن السياسي وفور وصوله قال : ـ هل عرفت الفتاة ؟ أجاب : أي فتاة ؟ ـ التي دخلت دار محمود قبل موته وبعده ؟ ـ هل عرفتها أنت ؟ ـ نعم ، إنها صفاء ( ....) خطيبته ، رجعية كبيرة جداً ، وهي شريكة أفكاره ونشاطه ، عنوانها : الدباغـة ، ..... ـ وكيف عرفت ذلك ؟ ـ معلومات موثوقة من مصادري الشخصية ..... بعد يومين كان التقرير كاملاً عن صفاء وعملها ووالدها وبيتها وصلتها بمحمود ، ونشاطها في الثانوية ، وتحريضها الطالبات على لبس الحجاب ، ومحاربة السفور والتبرج بين الطالبات ، واتخـذ القرار النهائي بشأنها ، يجب أن تعتقل ولأنها فتاة سوف تخاف وتعترف بكل شيء ، وستكون ورقـة رابحـة عند المحقق والمدعـي العام . ــ
12 ــ شعرت صفاء بموجات من الغبطة والفرح تغمرها ، حتى بدا ذلك جلياً في وجهها ، فنظرت إلى والدها بأدب جـم وقلب متين وقالت : ـ أبي ، إني اشعر بقدوم حدث عجيب ، نادر في نوعـه ، أرجوك يا والدي أن تنقل أهلي من هذا البيت ، إلى أحد أقاربنا !!؟ ـ لِـمَ ياصفـاء !!؟ خير إن شاء الله !! ـ لا أريد أن ينالهم أذى ، مازالوا صغاراً ، أريد أن يكبروا وينالوا أكبر شهادة في هذا الوجود . ـ هيا نرحل كلنا عن هذا البيت ياصفاء . ونسكن عند خالك حتى تهدأ العاصفة . ـ أرجوك ياوالدي ، خذ أهلي كلهم ماعداي ، ربما كنت مطلوبة ، وإن لم يجدوني هنا ، سيبحثون عند خالي ، وسيلحق الضرر عدداً كبيراً من كم ومن أخوالي ، وأرجوك ياوالدي أن تربي إخوتـي كما ربيتني ، وكأنني أراهم أبطالاً مثل محمود ، ولاتنساني من الدعاء يا أبي ، وسوف نلتقي بإذن الله ...كان لكلامها وقع سحري وغير عادي في ذهن أبيها ، وبتقدير الله ، جعله يعمل بنصائحها وكأنه مريد عندها ، فجمع الأسرة وهيأهم لمغادرة البيت ، ثم دخل غرفة صفاء فوجدها ممسكة بالمصحف ، تحبس دموعاً حارة في عينيها ، ثم تجلدت صفاء وتجلد والدها بقدرة قادر ، وكانت لحظات أكبر من طاقة البشر العاديين ، عندما نظرت صفاء إلى والدها نظرة الوداع ، وما اصعب نظرة الوداع ، ومن يتحملها دون دموع ونحيب سوى الأبطال الذين هيأهم الله بطاقة ربانية ، وانسابت دموعها بصمت ينما جمد وجهها كالصخر ، فضم الأب ابنتـه إلى صدره بحنان الأب وهطلت دموعه وقال : لا تخافي ياصفاء ، سوف أودع أهلك عند خالك وأعود لك يا بنتي ، لن أتركك وحدك ، مادمت تصرين على البقاء في البيت ، سأعود لأبقى معك ، وقلبه يرجف من المصير المجهول الذي ينتظر ابنته الغالية التي رباها منذ الصغر على القرآن وسيرة المصطفى ، وشهداء الاسلام في عهد النبوة ، حتى نقش في قلبها حب الشهادة في سبيل الله ، ولكنه يخاف مما هو أكبر من الموت ، وبمرارة وصعوبة تهد الجبال الراسيات هدأ من روعـه وقال بصوت متقطع : لا أخاف عليك من الموت يا ابنتي !!.. فأدركت صفاء مرماه ، لذا اسرعت إلى خزانتها وفتحتها أمامه فرأى عدداً من القنابل اليدوية ، ورأى الحزام الناسف ، وقالت أمامه بصوت الرجال : ـ سأقتلهم قبل أن تلمسني أيديهم النجسـة ، وأعاهد الله وأدعوه أن لاتلمسني أيديهم القذرة وأنا على قيد الحياة ، ولابعد الممات .وللسلاح رهبة وشجاعة يبثها في الإنسان ، ويجعل نفسه شفافة ترنو إلى السماء وتتغلب على ثقلة الأرض ، لذلك هدأ روع الأب وقال : ـ متى فطنت إلى ذلك !!؟ أجابت : ـ أنا ابنتك ، ألم تربينا على الجهاد في سبيل الله !! ألم تعلمنا أن المسلمين ذلوا وهانوا عندما تركوا الجهاد ؟ هذه من تركـة محمود ، عندئذ ضـمها إلى صدره ثانيـة ، ثم أغمض عينيه واتجـه نحو الباب وهو يقول : ـ أودعتك في خزائن الله الذي ىتضيع ودائعه ) ، ,اسرع الخطى على أمل العودة بعد ساعات قليلة ، في حين دعت صفاء ربها أن يحول دون عودة أبيها إلى البيت ، تريده يربي إخوانها الصغار كما رباها ... * * * استحمت صفاء ، ولبست ثوبها الأبيض فوق الحزام الناسف ، ثم تعطرت وتزينت كما تتزين العروس، وجلست تتلو كتاب الله عزوجل ، بصوت ملائكي مطمئن ، وصورة محمود ترتسم بين الفينة والأخرى على الصفحات أمامها ، ثم أرهفت سمعها فسمعت صوت محود يناديها : ـ لاتنـس الصواعق .... ركبي الصواعق ... فهبت مسرعة مذعورة وقد نست تركيبها ، وركبت الصواعق في الرمانات ، وفي الحزام الناسف ، كما سبق وعلمها محمود على ذلك ، ثم عادت إلى المصحف ، وما أن جلست حتى سمعت هدير المصفحات تدور حول البيت ، بعد أن عزل حي الدباغة ، ومنع فيه التجوال ، وبصعوبة بالغة خرج والدها من الحي ، وهو يلتفت وراءه والدموع تنسكب من عينيـه ، فلن يسمح له بالعودة إلا بعد أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، وسمعت مكبر الصوت ، ( يمنع التجول في حي الدباغة كله ، سنقتل كل من يمشي في الشوارع ، أغلقوا أبواب بيوتكم ونوافذها ) ... ثم وقف رتل من السيارات العسكرية المصفحة أمام بيت صفاء ، وهبط منها ضابط مع عدد من الجنود ، يحرسونه من كل الجهات ، ودق على الباب ، واستمر يدق دقيقة كاملة ولم يرد عليه أحد ..نظرت صفاء من النافذة فرأت سيارة مملوءة بالجنود ، جاءوا ليهدموا بيتها ، ويقتلوا كل من فيه ، وبعد ثوان ألقت القنبلة الأولى عليهم وهي تتلو { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } فوقعت القنبلة في وسط سيارة الجنود ، فتطايرت أشلاؤهم بعيداً عن السيارة ، وفتح آخرون النار هلعاً وخوفاً من المفاجأة فقتلوا بعض رفاقهم بينما دارت صفاء إلى الجهة الثانية ورمت القنبلة الثانية وهي تكرر { ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى } فأصابت الأخرى ودب الهلع والذعر في جنود الجيش العقائدي . ... ـ آلو (1) أنا (12) ياسيدي في البيت عدد كبير من المقاتلين الشرسين ، قتلوا منا حتى الآن أكثر من خمسة عشر جندياً ، بينهم الرقيب والمساعد ، وسيطر العب على الباقين ، سيدي نحتاج فصيلة دبابات لابد منها ...ـ من أجل فتاة ياجبان ، تريد دبابات !!!؟ وصار العقيد يشتم ويعربد ثم صاح دمر البيت بالآربجي ..اقتربت إحدى المصفحات وفتحت الباب بصدمه عدة مرات ، واندفع الجنود داخل البيت فرمتهم صفاء بالقنبلة الثالثة ، وامتلأت الدار بانار والدخان والأشلاء ، ورائحة البارود والدم ، عندئذ أمر قائد السرية جنوده بالابتعاد عن البيت ، وتدميره بالاربجي ...لجأت صفاء إلأى تحت الدرج حيث عضائد الاسمنت القوية ، ولم يبق عندها سوى الحزام ، وبعد دقائق دوى انفجار عنيف غطى كل صوت في المدينة ، ثم صعدت سحابة دخان كثيفة فوق بيت صفاء ، شاهدها والدها ، فلجأ بالدعاء إلى الله أن يرزق ابنـته الشهادة ، وأن لاتقع أسيرة بأيدي الأنذال ، ثم هدأ كل شيء ، وسمع صوت الناعورة يتردد صداه في شواطئ العاصي ، ومازالت صفاء حية ، ولما انقشع الدخان ولم يبق في البيت مايخفيها عنهم ، خرجت ترفع يديها وتعلن الاستسلام ..ومشت ببطء تتخطى الركام ، كتبها ودفاترها ، وأقلام أخواتها وإخوانها ، ركام بيتها الذي نشأت وترعرت فيه . وقد تناثر أثاث البيت والكتب ، ولعب الأطفال ، وتطايرت أوراق المصاحف فداسها الجنود ، وقد صمت كل شيء ، وعيون الجنود مندهشة ترقب صفاء .. وقد أكد لهم قائد السرية أنهم جاءوا لأسرها وليس قتلها ، للاستفادة من المعلومات التي تعرفها عن محمود وجماعته .. ولأنها تمتلك معلوما ت ثمينة عنهم .أما قائد السرية فقد لجم لسانه ، بالأمس واجه محمود الموت علناً يتحداه ، وتبعد منقذ وتوفيق وعبدالله ، والآن هذه خطيبة محمود ، تخرج من الركام كأنها جنيـة ، إنها جميلة جداً كما تحكي له جدته عن الجنيات ، وكان جهاز اللاسلكي يردد :ـ آلو يا (12) ياملازم أول ... ياقائد السرية ..آلو .. آلو .. أنا العقيد ...هل تسمعني ؟ ثم يكرر : آلو .. يا .. يا .. فسمعه ضابط آخر فتناول الجهاز وقال : أنا (12 ) اسمعك جيداً سيدي ، ـ أين (12) فطـس إن شاء الله !!؟ ـ لاياسيدي ، كأنه أصيب بالصمم ...فقال العقيد : ـ قل لي ماذا جرى ؟ ـ ياسيدي العقيد ..خرجت علينا من ركام البيت بعد تدميره بالآربجي عروس بثوبها الأبيض ، ترفع يديها ، تمشي ببطء ، تتقدم نحونا ، ....قال العقيد : ـ ابحثوا بين الركام عن الرجال أحياء وأموات ، واحذروا ، هذه العروس لك يا (121) إن اسرتها حيـة ..تقدم بعض الجنود وأمسكوا صفاء من يدها وقادوها إلى إحدى السيارات وهي صامتة مستسلمة لاتتكلم ، ثم بحثوا بين الركام فلم يجدوا أحداً ، لذلك اجتمع الضباط الثلاثة حولها ومعهم (121) وعدد من ضباط الصف والجنود ،اقتربوا بدافع من حب الاطلاع ، وقد ذهب روعهم عندما نطقت وقالت : قتلتم زوجي .ـ إنها إنسانة إذن وليست جنيـة ، عروس حقيقية ، وثوب عرس حقيقي ، ألا تـرون !!! ، هكذا قال قائد السرية ومـد يـده إلى ثوبها ، وحالما لامست أظافره ثوبها قالت :ـ أنا عروس محمو د ... ودوى انفجـار بعد كلمة ( الله أكبر ) انطلقت قوية من فـم (صفاء ) عالية مجلجلة ... غطى عليها الانفجار ، انفجار الحزام الناسف الذي قطعها أشلاء طاهرة وقطع معها عشرة من الضباط والجنود حولها ...ولما تطاير الجسد الطاهر أسرعت إليه الملائكة تلفـه بشا ش الجنة ، وتطيبه بعطر الخلود ، وتدوس الملائكة على أشلاء عشرة من الأنجاس المجرمين ، قدمتهم صفاء عربوناً للجنة ، وهرب الباقون من الجنود في كل اتجاه وهم يصرخون : جنيـة .. جنيـة .. وليست عروساًُ حقيقة .
* * *
ورددت شواطئ العاصي صدى الانفجار ، وطارت أسراب الحمام جماعات جماعات فوق حي الدباغة ، وازدحمت سماء حماة بالملائكة وأرواح الصديقين والشهداء يشهدون زفا ف ( صفاء) إلى ( محمود ) ، وتمايلت حور العين طرباً تملأ الأفق ، ومئات الوصيفات أسرعن لاستقبال سيدتهن ( صفاء ) وهي تزف إلى سيدهن ( محمود ) ...
ثم علا صوت النواعير يردد نغمات قدسية أشبه بألحان عرس تزف صفاء بثوبها الأبيض إلى محمود .
* * * انتهت في (11 / 3 /1403 هـ )