الفصل الثاني:

10 0 00

الفصل الثاني:

يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا في كتابه النقدي الفذّ "خيانة الوصايا" : " تُزعجني روايات الاعترافات والتحقيقات و تصفية الحسابات و الوشايات و السير الذاتيّة و الدروس السياسيّة واحتضارات الزّوج و الأمّ و الأبّ و فضّ البكارات والولادات...روايات لا تنتهي حتّى نهاية الزمان لا تقول شيئا جديدا و ليس لها أيّ طموح جمالي و لا تحدث أيّ تبديل في فهمنا للانسان و لا في الشكل الرّوائي، تتشابه في ما بينها و يمكن أن تستهلك كاملة في الصّباح و تلقى كاملة في المساء..."

اللعنة! نقد مُفزع. هل وقعتُ في ما حذّر منه كونديرا؟...هل أنا بصدد تصفية حساب مع الخوانجية؟ هل أنا بصدد القاء درس سياسي؟ هل أروي سيرة ذاتيّة؟...ربّما! اللعنة! ...حسنا سوف أجد لي الآن مهربا...يجب أن أهرب...و لكن إلى أين؟

آه! نعم، إنّه الشّيطان! إنّها الشياطين! هذا ما لم يذكره كونديرا...

هيت لي بالشياطين!...و وداعا سوسو!

في الثقافة الإسلامية، الشّيطان هو مخلوق من نار وهو كذلك زعيم الجنّ. النار تتكون من ثلاثة طبقات آخرها النور و هو الذي خُلقت منه الملائكة. الشّيطان أو إبليس رغم أنّه أقلّ درجة من الملائكة، فقد عيّنه الله رئيسا عليها وذلك نظرا لإخلاصه و كفاحه.

لو لم يكن آدم ـ هذا الكائن الطينيّ اللّزج ـ لكان الشّيطان في أحسن حال و لبقي سيّدا في مقامه.

كانت هذه الأفكار و غيرها تتراقص في رأسي كشعلة شمعة يهزّها الهواء، حين سمعت صوتا داخليّا يقول: شكرا على مشاعرك النبيلة! و لكن حتّى مقامي الآن يعجبني. هو أكثر حيويّة و أشدّ تشويقا! ويبدو أنّنا سبق وأن تجادلنا في هذا الأمر!

و كما توقعت، فبمجرّد ان التفتُّ إلى الوراء وجدت الشّيطان واقفا خلف مقعد مكتبي. كان يحمل في يده كتابا ضخما قديما يشبه تلك الكتب التاريخيّة المجلّدة، التي تحتاج مفتاحا كبيرا لفتح قُفلها المعدني.

إنحنى إنحناءة صغيرة مُحيّيا، فاستغربت أدبه الجمّ، و لكنّه سريعا ما خذلني، وهو يجلب بثقة أو بعجرفة كرسيّا و يجلس إلى مكتبي و في غرفتي دون أن يستأذن للجلوس. لا مشكلة!

كان اهتمامي مُنصبّا على الكتاب الذي بين يديه. ابتسم وهو ينظر في عيني. جعل يربّت على الكتاب وكأنه علبة أسرار و كي لا أكذبكم، فقد كان ذلك أيضا شعوري نحو الكتاب. متى و كيف سيفتحه؟

اتسعت ابتسامته وهو يحوّل نظراته بين وجهي و بين الكتاب ـ ابن اللئيمة لن يتوقّف عن قراءة أفكاري ـ

ما راقني هذه المرّة، أنّ الغرفة لم ترتفع حرارتها كالعادة و لم تصاحب الشّيطان أيضا رائحته القويّة، بل بالعكس فقد انبعثت رائحة عطر خفيفة منعشة تشبه رائحة أعرفها و لكني لا أدري أين أو كيف أو لماذا.

انها رائحة بعيدة، بعيدة جدا. بعيدة في الزّمان و المكان. قديمة جدّا و مستمرّة حتّى اليوم. قديمة قدم النجوم و المجرّات و السُدم. قديمة قدم الحياة نفسها و أيضا جديدة. جديدة كهذا اليوم الجديد. اللعنة! ما هذه الرائحة؟

" إنّها رائحة العقل " أجاب الشّيطان وهو لايزال يداعب الكتاب.

قلت دون أن أشعر: و لكن العقل أمر حديث. هذه الرائحة أقدم من الانفجار الكوني العظيم " البيغ بانغ"

قال مستنكرا : لا شيء أقدم من العقل! أبسط خليّة في رأسك عُمرها من عمُر الكون. و كلّ ما في غبار النُّجوم هو نفسه ما تحتويه جمجمتك و حتّى ما تحتويه خصيتيك.

اللعنة! ليست بي رغبة الآن لخوض جدال فيزيائيّ حول بدايات الكون أو حول "لوسي" اقدم إنسانة اكتشفها علم الحفريّات أو حتّى الحديث عن الجينوم الأناني لريتشارد دوكينز. و رغبتي كذلك أقلّ في معاندة هذا الكائن العنيد. كل ما أرغب فيه حقّا هو أن يفتح الكتاب الذي بين يديه.

يربّت الشّيطان على كتفي، فأقشعرّ. لا يهتمّ. يضع إصبعه في قفل الكتاب و يتمتم كما تُتمتم جدّتي ـ رحمها الله ـ رُقية تقيني من الحسد و عين الشّيطان. تمتم وهي تضع يدها على رأسي و تتثائب قائلة : لقد خرج الشّيطان من رأسك متسلقا كتفيّ مغادرا عبر تثاؤبي ـ ان شاء الله ـ بلا عودة.

آه يا جدّتي المسكينة! لو تعلمين أن الشّيطان نفسه لحما و دما و نارا، يجلس الآن في غرفتي وبمقابلتي وهو يتمتم مثلك، ليفتح لي كتاب الشياطين كلّها؟

إنفتح الكتاب. أصدر القفل تكتكة. يُخرج الشّيطان إصبعه من الثقب و يبعد الغلاف المتين المطهّم بالفضّة عن الصفحة الأولى. يتراءى لي العنوان و لكنّي لا أستطيع قرائته من هذه المسافة. قرّبت كرسيّ من كرسيّ الشّيطان. مددت رقبتي و رشقت بصري في الأحرف السوداء الغليضة المخيفة.

" رحلة في عالم الشياطين...منذ البدء إلى الحين"