( 3 )

6 0 00

( 3 )

الحرية لا يمكن أن تكون في تمثال

الحرية كائن خرافي لم يولد بعد

الشارع العجوز الذي يمتلأ بضجيج السيارات ونداء الباعة الجائلين حين ينتصف الليل يهدأ ويغط ساكنوه في نوم عميق ... لا تكاد ترى ببصرك أتيا من بعيد ، حين تطل على الشارع من بلكونة شقتك في الدور الخامس .. تبدو كجرو صغير يتطلع إلى البنايات الشاهقة فلا يدرك ببصره آخرها.. كانت لدي رغبة حميمة في التسكع .. نزلت واضعا الكوفية الزرقاء حول رقبتي.. وتمنيت ألا تشعر بي مديحة، تبدو كملاك أبيض نائم .. حرصت على ألا أحدث ضجيجا يقلقها ، كانت تشعر بتغير طرأ علي بعد خروجي من السجن .. كان صمتها أكثر براءة منها ..

ملأت رئتي بالهواء أمام باب العمارة وترنحت كشارب لم يفق بعد .. تخطيت البناية التي تجاورنا .. استقبلت الشارع الواسع ، رأيت بعض السيارات العائدة مجهدة تحمل أصحابها في تعب.. وضعت يدي في جيبي باحثا عن سجائري .. تذكرت .. رأيتها ولم أعرها اهتماماً ، وأنا خارج كانت على الكومودينو ، تصورت للوهلة الأولى أنني لن أحتاج إليها في هذا الوقت المتأخر .. ما أحلى التسكع .. والتسكع يعني أن تسير بلا قصد وبلا هدف وذلك أجمل ما فيه .. لماذا لم أعرف طول عمري أن لهذا الوقت جمالا خاصا ؟!! لا يدركه إلا العارفون .. كنت أعتقد في ما مضى من العمر أن التسكع للأولاد الصغار الذين لا يجدون شيئا جادا يفعلونه في حياتهم .. هذا كلام فارغ ، من الآن فصاعد سأكون أحد المواظبين على التسكع ، وواحد من أهم المتسكعين ليلا .. عندما يقابلك أحدهم عن بعد تجد في عينيه لغة لا تقرأها بسهولة .. يعرف أنك تشاركه لذة لا يفهمها إلا القليلون من البشر .. يعرف أنك من المخلصين وأنك قد وصلت إلى درجة من فهم الحياة بعمق بحيث فهمت وأدركت معنى التسكع .

لغة تنبىء عن إعجابه بك وأنك قد أصبحت من الصائدين الذين يتصيدون فرائسهم الثمينة ليلاً بينما يغط الغافلون في نوم ساذج .. يرقدون في كهوفهم المعتمة ربما عاما أو أعوما ثم يصحون فيقول أحدهم للآخر ؟

كم لبثنا ؟!!!

يوما أو بعض يوم .

هنا أمام الكشك الصغير الذي تطل حافته اليمنى على شارعنا وحافته اليسرى على الشارع الواسع , يقف المتسكعون برهة لالتقاط الأنفاس ولكي يتزود كل منهم بزاد يكفيه الطريق الطويل الذي لا يعرف نهايته .... نهايته هى بزوغ الشمس , وهو يقف هنا أمام هذا الكشك لأنه ربما لا يجد من يتزود عنده الآن فأصحاب المحلات يرقدون في انتظار الصباح , حين تفتح أبواب الحظائر وتنطلق الخراف الراقدة طوال الليل بحثا عن الكلأ , تفتح أفواهها جائعة شرهة تتدافع لا تعبأ بشيء ولا تلتفت ورائها حتى تعود إلى المساء مجهدة خائفة ومعدتها محشوة عن آخرها تحك انوفها فىالأرصفة من كثرة الشبع . . وقفت أمام هذا الكشك كبقية الواقفين , عندما نظرت إلى الفتاه التي تقف بين الأرفف الصغيرة المرصوص عليها البضاعة بعناية , البضاعة التي يقبل عليها المتسكعون امثالي.. وقعت عيني على أرفف السجائر ودون تفكير عرفت أنه لا يكتمل الأمر إلا بواحدة .. تأكدت من ذلك حين رأيت أحدهم وكان يبدو متسكعا وماهرا في التسكع وقد وضع علبتين في يده ومضى , عرفت أن الرجل يعتزم أن يكمل حتى طلوع الفجر , قلت أكتفي بواحدة .. أطلت بوجهها ناحيتي, كانت نحيفة .. تبتسم في رقة للزبائن وتمسك الأشياء بأطراف أصابعها وهي تقدمها إليك .. لا تنظر إلى النقود .. وتكتفي بعدها بعيدا عن نظرك .. حين تعطيك ظهرها وهى تضعها في الدرج.. تمنحك حيوية حين تضغط على شفتها وتقول :

تفضل .. الباقي.

تنتعش أطرافك حين تهب لسعة هواء باردة من ناحية المياة .

أريد الهاتف من فضلك .

لم أحسب الوقت ولا أعرف كم الساعة الآن, فقد تركتها هناك على الكمودينو بجوار السرير, تعلمت أن الساعة تفسد التسكع ولا يجوز أبدا أن تضعها في يدك وقد تمر ست على ذلك .

الشارع الذي يعج بالضجيج طوال النهار ويرقد الآن كوحش نهم ابتلع كل شيء في بطنه وجلس ممددا في هدوء ينظر إلى الذين يرتادونه ليلا من أمثالي, ولا يقدر على الحراك , ينظر إلينا يفتح عينا ويغمض أخرى من التعب أدرت قرص الهاتف .. جائني صوتها.

آلو . . آلو ..

كانت ترددها بشفتين امتزجا بندى الصباح المقبل .. تركتها ترددها حتى اغلقت الخط .. أدرت قرص الهاتف كمراهق يستجمع شجاعته التي تلاشت حين أتاه صوت فتاته على الجانب الآخر فشعر بالخجل يقتحم جسده .. كانت البائعة تتابعني بطرف عينيها, وأنا أدير قرص الهاتف للمرة الثانية.. أتاني صوتها أكثر يقظة.. يبدو أنها أفاقت من نومها على رنين الهاتف المتواصل

.. ألو ... ألو .. أنت شحاتة البحار ؟ .. أرجوك تكلم

آسف لأنني ايقظتك ... يامدام فريدة

كيف انتظرت طوال هذه المدة , منذ أن أعطيتك الكارت في البنك ؟!!

أريد أن أتعرف عليك أكثر , الاسم ليس غريبا على .

لن يصلح الحديث في التليفون .. وأيدك في أمر هام.

وكيف سنلتقي ؟

دع الأمر لي سوف أعرف كيف أجدك .

علت ضحكتها في الهاتف حتى رأيت ابتسامة البائعة تقع في يدي ... انزعجت في أول الأمر حتى كدت أن أضع سماعة الهاتف في وجه فريدة المرص .. لكن قررت إنهاء المكالمة ..

اتفقنا تصبحين على خير .

وضعت السماعة , كان أحدهم ينتظرها . .اعطيت للكشك ظهري سريعا .. كي أهرب من نظراتها , وتابعت السير في هدوء , لماذا تحدثت إلى فريدة المرص الآن ؟!! كيف خطر على عقلي هذا الأمر ؟!! وماذا تريد مني فريدة ؟!!

نظرت إلى صفحة الماء الرائق ... يمنحك شعورا بالارتياح .. تملأ صدرك من الهواء القادم مختلطا برزاز الماء الذي تقذفه الأمواج الهادئة وكأنها لا تريد ان تحدث صوتا يزعج المتسكعين حولها .

ها أنا سأواجه الآن شارع القصر العينى وإذا سرت أكملته إلى نهايته سأكون في ميدان التحرير , وربما تأخذني قدماي إلى وسط البلد , حيث المحلات المغلقة وأبواب العمارات الموصدة والحراس الذين يتثاقلون أمام مواقع الحراسة .. يختلسون قسطا من الراحة قليلا .. ثم يواصلون سيرهم في رتابة كأنهم يعدون الوقت على أصابعهم .. كان صوت أم كلثوم يتهادى من بين عمارتين شاهقتين وضوء خافت ينبعث من كافتيريا مدفونة بينهما لم يشأ صاحبها أن يضع لها اسما أو لاحظت وجود اسم لكنه طمس مع مرور الزمن .. الرجل العجوز الواقف داخل الكافتيريا .. يفرك عينيه ليزيح النوم عنهما , نظر إلي كأنه يستعطفني للجلوس, قدماي سبقتا توسلات الرجل, هويت على أول كرسى , كان العجوز مدرك بخبرته أن فريسته قد وقعت ولا بد من الانقضاض عليها الآن .. تحرك ناحيتي في خفة لا تتناسب مع سنه ...

عندي قهوة وشاي, ولدي سحلب وحلبة, وإذا أردت شايا بالجليب أو قرفة.. أنا تحت أمرك , لدينا كل ما تريده .

أصبح الاختيار صعبا مع هذه القائمة الطويلة, لم أكن أريد إلا الراحة .. أدرك الرجل أنني لم أسعفه بعد أن طال وقوفه أمامي.

أفضل لك الشاي في هذا الوقت, سأحضر لك كوبا من الشاي .. المصريون يحبون الشاي جدا .. الجميع هنا يطلب الشاي.

أزعنت لرغبته وسعدت لأنه أخرجني من تجربة الاختيار.. قليلون هم من يستطيعون الاختيار يمكنك أن تختار الأسهل بدلا من أن تختار الملائم أو ما يناسبك.. هكذا كان يقول عزت فهمي.. حين كنا سويا في الزنزانة , عندما ألقى به السادات في السجن .

وضع كوب الشاي الساخن أمامي., كان بداخله كلام كثير , رأيت ذلك على شفتيه , حاولت أن أهرب برأسي بعيدا عنه , همس .

لا تقلل من قدر هذه الكافتيريا يا سيدي, هذه الكافتيريا كان يجلس عليها البكوات أيام الملك .. قبل عبد الناصر, انظر إلى كوب الشاي, قليلون هم من يستطعون أن يصنعوا الشاي مثلي.

شهية العجوز للكلام بلغت مداها, لم يلحظ تململي أو لاحظ .. لكنه كان متدفقا في الحديث, فقد وضع الزبون في القفص ولا حيلة له, لن يستطيع الهرب .. نظرت إلى تجاعيد وجهه , كانت تنبئ عن أزمان مضت تجاوزها الرجل .. عالم لم يعد موجودا, أبطال وشخصيات أصبحت تاريخية .. خطوط بعرض الجبهة وجرح قديم في متنصفها .. وشارب أبيض يسويه العجوز بعناية , يفرد ابتسامة تمثال على وجهه , تضيع في تقاطيع الوجه المربع ولا يبقى منها شيء.

السياسيون والصحفيون وكل الكتاب كانوا يأتون إلى هنا , هذه الكافتيريا شهدت الكثير ..

هل تعرف الأستاذ عزت فهمي الصحفي ؟

لا أعرف لماذا خطر على بالي أن أسأله عن عزت فهمي

الصحفي .. ؟ أعرفه هذا أفضل زبون عندى .

اهتز الكوب في يدي.. تناثرت بقع الشاي على ملابسي.. جرى العجوز مسرعا وأحضر منديلا وأخذ يمسح البقع من القميص .. معتذرا عن خطأ لم يرتكبه ..

منذ زمن لا يحضر .. لا أعرف السبب .. أنا دائما أقرأ له مقالاته .. في الأيام الأخيرة كان يقول كلاما جريئا .. وعندما كنت احذره كان يقول لي لا تخف, البلد أصبحت حرة , السادات هدم المعتقلات .. لكنه أختفى.. ربما سافر إلى الخارج .. الصحفيون دائما يسافرون إلى الخارج .

اعطيته الحساب بيد مرتعشة وانصرفت .

سوف انتظرك .. يا أستاذ الكافتيريا تظل مفتوحة حتى الصباح .. إذا عاد الأستاذ عزت سأخبره أنك سألت عنه .

كلمات العجوز تناثرت خلفي .. وملأت فضاء المكان بين العمارتين الشاهقتين حيث يغط ساكنو العمارتين في نوم عميق , بينما يتهادى صوت عبد الوهاب من مذياع يمسكه جندي حراسة

( إما الحياة وإما الردى )

عبد الناصر حمل صخرة سيزييف وصعد الجبل لكنها وقعت منه , أما السادات فحملها لكنه لم يصعد ..

لا أعرف لماذا يظهر لي وجه عزت فهمي الذي تركته في السجن ولا أعرف مصيره.. في هذا الوقت المتأخر ... أطوف الشوارع دونما غاية أو هدف , يظهر بوجهه الذي يشبه بطل ( كافكا ) في رواية " القصر " البطل الذي لا يملك شيئا .. لا أسره ولا وجه ولا تاريخ ولا حتى اسم, أنه مجرد حرف .. السجن لا يصنع إبطالا كما يظن السياسيون , السجن يصنع أنصاف رجال ... مقهورين , عاجزين .. حين قلت لمديحة أن الحاج علي البحار زارني في السجن وكان متهللا .. باسما وضع يده اليمنى على كتفي وأشار لي بعصاته في اتجاه غامض لا أعرفه , اتجاه لا يمكن تحديده بسهولة أو بمجرد النظر سريعا , لم تسعفني الذاكرة كي أروي ( لمديحة ) كل شيء عن كرامات جدي, لكن ما أتذكره جيدا الآن أن جدي كان له يد في خروجي من السجن وإطلاق سراحي.. كنت على يقين من هذا .. أدركت ثقل هذا الكلام على مديحة , لم اعد اتفوه به أمامها .. امسكت عن الحديث في هذا الموضوع .. كانت مديحة سعيدة لذلك ..

تهلك الموطفون في البنك حين رأونى قادما من الباب .. كثرة العناق والمصافحة كادت تخنقني حين وضع عم عثمان القهوة أمامي وشممت رائحتها عرفت أنني فعلا قد عدت إلى عملى ..

القهوة في كوب وليست في فنجان يا أستاذ شحاتة ..

ابتسمت وضحك الرجل واستدار للأنصراف , ثم عاد ومال على أذني كأنه تذكر شيئا..

المدام سألت عنك كثيرا ..

مديحة ؟!!

لا يا أستاذ.. المدام التي زارتك هنا ..

أه .. نعم تذكرت , أنه يقصد ( فريدة المرص ) لماذا تحوم حولي ابنة إبهيت الحجر ؟!! وماذا تريد مني؟!!

كيف استطاعت ابنة المرص أن تصل إلي في وسط كل هذا الزحام الذي يبتلع كل شيء , وكيف أصبحت تمتلك كل هذا الجمال ؟

كان ابتعادي عن البلد نقمة أدفع ثمنها بمفردي.. هل فريدة في مأزق وتريدني أن أقف بجوارها أساندها كما يفعل أهل إيهيت الحجر حين يقفون مع بعضهم في الشدائد ؟ هل مازالت فريدة المرص تحتفظ بهذا العقل الساذج الذي يفكر بطريقة أهل إبهيت ؟ أن هذه الطريقة لا تصلح إلا هناك في البلد وعند أهلنا , أما هنا في القاهرة فلا .. لم أعد احتفظ بتلك التقاليد , وضعتها في المرحاض حين حضرت إلى هنا .. وأصبحت كائنا آخر .. هل يعقل أن تتصور فريدة ذلك ؟!!

تتصورني أحد فتوات نجيب محفوظ ؟! أو ربما تتصورني كأحد شخصيات " شجرة اللبلاب"؟!

أخطأت فريدة ابنة المرص , لقد حولتني القاهرة إلى كائن آخر .. لا يبالي كثيرا بالمشاعر ولا بالفتيات اللاتي تتراص أجسادهن ليلا على رصيف شارع البحر الأعظم .. المساء هنا عامر بعيون يقظة وقلب ينبض حتى الصباح , ليس كمساء إيهيت الحجر الساذج الذي هو للكلاب التي تنبح في البراري وللذئاب التي تعوي.. أما البشر فداخل قبورهم الإشارات هنا حين تنفتح تلهث السيارات وهي تتخطاها في قفزة واحدة, أما أبهيت الحجر فلا تملك إشارات ولا ليل ولا مقاهي ولا سيارات .. إبهيت لا تشاهد المساء إلا في ليلة جدي علي البحار, أما بقية العام فالمساء للنوم...... أين وجه أبي ؟! لماذا لا اتذكره ؟! أو أعرف ملامحه ؟ لماذا تهرب من ذاكرتي كلماته؟ مات شابا صغيرا وألقاني هنا في المدينة التي لا ترحم .. لا ترحم صغيرا مثلي.. رحل هو, حيث لا يعود المسافرون أبدا.. تركني مثل صقر صغير لم يتعلم التحليق , ولم يتلق فنونه .. فلا يعرف كيف يفرد جناحيه ؟ ويترك الهواء يحمل جسده متنعشا مثل بقية الصقور .. تركني ألهث وراء المترو الذي لا يعبأ بهموم الراكبين , ولا يهتم بمشاعرهم أبدا, يلقهيم على أرصفة المحطات دون اكتراث, كأنه يلقي بضاعة مهملة أو بعض النفايات , أبهيت الحجر لا تعرف المترو وليس هناك محطات .. محطة المترو هي أول شيئ أقصده بعد أن أنزل من العمارة حيث رحلة الذهاب إلى البنك وسوف ينتهى بي الأمر عائدا إلى ذات المحطة , ربما تختلف الوجة لكنها نفس الأجساد التي تبدأ يومها يقظة وتعود مجهدة نافقة , نفس الاهتزازوات الرتيبة المنتظمة .. كل شيء يبدو عاديا لا أفكر في شيء إلا النوم , بعد تناولى الغداء سوف أدخل مباشرة إلى غرفة النوم وأغلف الشبابيك فلا أدع الضوء يتسلل إليها حتى يكون النوم هادئا ومريحا .. ومديحة اعتادت ذلك وتعودت عليه .. حين أدخل إلى النوم تعرف مديحة أنه لا يجوز مطلقا أن توقظني مهما كان السبب الأمر لا يقبل النقاش وهذا النوم الهادئ هو ما يتطلبه عمل طوال الليل في التسكع لكي يكون التسكع مريحا ومؤديا لأغراضه يجب أن تنام بعد تناول الغداء مباشرة , فيكون جسدك تواقا إلى النوم والراحة .. وعندما تقوم , ستجدك نشيطا ويزيدك نشاطا ويقظة فنجان القهوة ولا تنس أن القهوة يجب أن تكون في كوب وليست في فنجان .. لأنها في الكوب يكون طعمها ألذ ردائما تشعر برعشة خفيفة عند أخذ الرشفة الأولى من القهوة , ربما لا تحس بهذه الرعشة في الرشفات التالية:

حين وجدت يدها ترفع المخدة التي اعتدت وضعها على أذني حتى أصمهما عن سماع أية أصوات تتسبب في انشغالي عن النوم أو تحدث نوعا من الأرق .. فلا يكون النوم صافيا مريحا .. حين وجدت يدها ترفع المخدة تربعت على السرير فجأة.. كانت عيناها تحدقان في .. كأنهما طائران فرا من عشهما توا

مديحة ! . ما بك هل حدث شيئ ؟!!

العمدة ينتظرك ومعه شيخ الجامع

أين ؟

من الصالون

هنا في شقتنا ؟!!

نعم

كانت رمية من غير رام .. لم أعتد مثل هذه الزيارة .. موعد ليلة جدي علي البحار مازال بعيدا .. هل هناك ترتيبات يجب عملها مبكرا هذا العام ؟!! قلت .. ربما . . مديحة كانت تعد لهما الشاي, حتى انتهي من ارتداء ملابسي أسرعت إليهما متهللا كعادة أهل إبهيت الحجر في استقبال ضيوفهم حتى أشعرهم بدفء اللقاء .. عانقتهما بعد المصافحة ورحبت بهما أشد الترحيب واستعملت كل الكلمات والجمل التي تقال عندنا في البلد عند الجلوس مع الضيوف , أما مديحة .. قدمت لهما الشاي والعصير .. قدمت لهم الكيك ووضعت سلة من الفاكهة أمامهما وذهبت إلى المطبخ لكي تصنع العشاء للضيفين فلابد من أكرامهما بإعداد الطعام لهما .. هكذا كنت انصح مديحة دائما حين يحضر إلينا أحد من البلد وقلت لها .. لا تتأخري أبدا عن ذلك .

أخذ العمدة ومعه شيخ الجامع يحكيان ما جرى في البلد بعد ليلة جدي في العام الماضي, وكيف أنهما يرغبان هذا العام في دعوةالمأمور ورئيس المدينة ليشهدا الاحتفال كيف أن كثيرا من القرى المجاورة أعلنت أنها ستشارك بوفود عنها في الليلة .. كان حديثهما ممتعا وكانا يعاملانى كطاووس مدلل .. كل مرة كانا يسألانى عن رأيي فيما يقولانه كنت أجيب على الفور بأنني أوافق طبعا على كل شيء دون مناقشة .. كان يقينا ما يدفعني لأن أسأل نفسي عن السبب وراء الزيارة المفاجئة .. حين جلسنا على سفرت العشاء, كان العمدة وشيخ الجامع يتبادلان النظرات . . لاحظت ذلك جيدا عن غير قصد .. هذه النظرات تدل على رغبة في شيء ما لم يعلنا عنه إلى الآن .. قال شيخ الجامع الشيخ سيد ياسين وهو يسرد الأخبار كعادة أهل إبهيت الحجر حين يجلسون على مائدة الطعام .. لا يصمتون مثلنا , بل يتكلمون في كل شيء , راح الشيخ سيد ياسين يحكي وهو يبتسم للعمدة وأنا أتابعه رغم ما أبديه من أنشغالي في الأكل .

اسمع يا حضرة العمدة .. وأنت يا أستاذ شحاتة .. أنا قرأت في الكتب القديمة التي ورثتها عن والدي الله يرحمه .. حكاية عن سيدنا معاوية .. طبعا تعرفانه .

رد العمدة سريعا :

سيدنا معاوية الذي أخذ الخلافة من سيدنا علي. ؟

نعم هو بالضبط .. والحكاية تقول أن سيدنا معاوية عندما أراد أن يأخذ البيعة من بعده لابنه يزيد وليا للعهد , قام أحد عماله وهو يزيد بن المقنع وقال " أمير المؤمنين هذا .. وأشار إلى معاوية.

" فأن هلك فهذا " وأشار إلى يزيد .

" فمن أبى , فهذا " وأشار إلى سيفه .

فقال له سيدنا معاوية " أجلس , فإنك سيد الخطباء "

ضحكنا من قلوبنا ثم رأيت نظرة رضا من العمدة لشيخ الجامع , ففهمت أن في الأمر شيء وقال العمدة بعد أن مهد له الشيخ سيد ياسين بحكايته عن معاوية .

وأنت يا أستاذ شحاتة لمن ستأخذ البيعة من بعدك ؟!!

كان السؤال فخا كأنه ألقى بي في محيط من الأمواج.. أحس الرجل بما فعل حين رأى شرودي وإنكسار رأس .

أنا أقصد هل أتى ولي العهد حتى نبارك ويبارك أهل البلد معنا ؟!

لم يشأ الله بعد يا حضرة العمدة .

تنحنح الشيخ سيد ياسين بعد أن هم ليغسل يده وتابعته حتى اقترب من أذني

لا تغضب منا يا أستاذ شحاتة .. أنت تعرف مكانة جدك الحاج علي البحار وليلته وأنت حامل الراية الآن ولكننا يجب أن نطمئن على هذه الليلة كرامة لجدك ولأهل البلد الذين أصبحت لهم مكانة بين البلاد عندنا .. ولا نريد أن يضيع كل هذا فجأة من أيدينا وقد أكرمنا الله بجدك وبك .

ولماذا يضيع كل شيء يا شيخ سيد ؟!!

الأعمار بيد الله يا ولدي .. لكن أنت تعرف أن أعمار عائلة البحار قصيرة وأنتم لا تعيشون كثيرا , لا تلومني يا ولدي على قسوتي في الحديث معك .. لكن هذه هي إرادة الله, وأنت مؤمن .

واصل العمدة حديث الشيخ سيد بعد أن تلعثم الرجل وتاه في حديثه .

أنت يا أستاذ شحاتة مقبل على الأربعين بعد سنوات قليلة , وكلنا يعرف أن أفراد عائلة البحار لا تتجاوز الأربعين أبدا , حتى حبك علي البحار صاحب الليلة وأبوك من بعده الحاج جلال البحار مات شابا ولم يتجاوز الأربعين , وأنت إلى الآن لم تنجب فإن فقدناك لم نجد من بعدك من يحيى الليلة .. يجب أن تتصرف وبسرعة.

إستاذنا وأنصرفا , بعد أن أدركا أنه لا يمكن بعد هذا الحديث أن يجلسا معي أبدا فقد ألقوا بالجرو الصغير في فضاء الصحراء الشاسعة , رحلا إلى البلد وتركانى .... لم تفهم مديحة شيئا مما حدث, تركتني بعد أن أحست بعدم قدرتي على الكلام مع أحد حتى معها.. أحسست بروحي وهي تنسحب من أجزاء جسمي من رأسي ويدي وبطني.. أحسست بالآلآم تحركها في شراييني حتى شعرت بها تتجمع في أصبعي الصغير .. كنت أرى ملك الموت يجلس متربعا على السرير في غرفة النوم المظلمة ينتظرني, أرى نهايتى أمامي.. خطوات قليلة أمشيها إلى المقصلة حيث الجرو الصغير سيذهب بنفسه طواعية إلى الذبح .

لم يكن يشغلني هذا الأمر .. ولم أفكر فيه من قبل ولكن كيف ؟! كل الشواهد تؤكد أن كلام العمدة والشيخ سيد ..... هذا هو أبي مات شابا ومن قبله جدي.. لا يوجد أحد من أفراد عائلتي.. أنا آخر سلالة عائلة البحار أنا مقبل الآن على الموت مرغما.. أيام قليلة تفصلني عنه , عام أو عامان .. ربما شعرت بلهفة إلى الخروج .. كدت أختنق .. أحست مديحة بي مضطربا على غير عادتها.. كانت تفتح الباب لتطل علي ثم تغلقه مرة ثانية في هدوء .. تتصورني نائما.. بل أنا يقظ يا مديحة.. ماذا سيكون رد فعلك يا حبيبتي إذا عرفت أن نهايتي أوشكت؟ نهاية مثل نهايات الروايات التقليدية حيث يموت البطل بلا سبب , السبب الوحيد هو أن المؤلف قرر أن يميته بقتله عن عمد, يزهق روحه فجأة لكي تشتعل الدراما في الرواية , حتى يصفق له القراء والنقاد كيف اتصور أن كل شيء سينتهي فجأ؟ ألا يوجد ناقد حاذق يرفع يده ويهزا من هذه الروايات؟!! مثل الناقد الدكتور الذي جلس على منصة الاتيليه يقرأ أشعاري ويهزأ.. يضحك بسخرية يمد يده ويعبث بأوراقى .. يصفتها بالكلام الأحمق الساذج , يطوح بعضها في وجهي ويقول .. اين الشعر في هذا الأوراق ؟! .. كنت صغيرا أبحث عن شيء أحبه , لم أجد غير الشعر , كتبته كعصفور صغير يدق بمنقاره في صفحة الماء حين يرى نفسه وكأنه يصارع طائرا آخر , الموت قادم إلي أيها الناقد المحترم .. ألا يمكن أن يخطأ فريسته هذه المرة .. عائلة البحار أعمارها قصيرة.. الموت قادم ليخطفني من حضن مديحة .. لن أفارقك يا مديحة, سوف ألقى نفسي في حضنك, سوف أجلس بجوارك الأيام الباقية لي في هذه الدنيا.. سوف أمنحك حبا لم تعرفه أمرأة ولم يقدمه رجل من قبل .. عام أو عامان هو ما بقى لي في العالم بكل ضجيجه وصخبة .

حان وقت التسكع .. وضعت الكوفية حول رقبتي ونزلت غير راغب في أن تقع عين مديحة علي وأنا في هذه الحالة .. حين قبضت على مقبض الباب أتاني صوتها من المطبخ .

ماذا كان يريد العمدة وشيخ الجامع ؟

ليس شيئا مهما.

هل أنت خارج الآن كعادتك ؟

نعم .

آه.. لو رأت مديحة الدموع التي ملأت عيني والارتعاشة الخفيفة التي تنتابني وأنا أبادلها الحديث .,كنت ماضيا في تسكعى , لا أعبأ بشيء .. العينان مصوبتان إلى الأمام والقدمان تتحركان في آلية كأنها تسير على إيقاع طبلة منتظم كخطوات الجنود في طابور السير المعتاد , وصلت إلىالكورنيش في زمن أسرع .. بدوت كمن لا يفهم التسكع ولا يدرك معناه .. مكثت وقتا طويلا في النظر إلى صفحة الماء الرائق الذي تنعكس عليه الأضواء الآتية من بيعد , حين توقفت السيارة بجواري وشعرت بها لم أعبأ بسائقها ولم ألتفت إليه كنت مشغولا بمتابعة الأشياء الصغيرة بنهب كعادة المتسكعين .. أتاني صوتها من السيارة .

أستاذ شحاتة البحار .

التفت على عجل .. كانت فريدة المرص تجلس على مقعد القيادة فاردة شعرها الذي يتمايل على كتفها ويتحرك حركة خفيفة حين يدفعه الهواء البارد الذي يتسرب من شباك السيارة .. عيناها يطل منها نجمان صغيران يسطعان في سماء زرقاء .. كأنك يا فريدة ( فيا ) , الفتاة الجميلة التي أرتدت أروع الأزياء .. دخلت إلى أثينا وهي جالسة على المحفة في عظمة ومن حولها الأعوان والأنصار يهللون بجمالها , كانت ( فيا ) قادمة بكل هذا الجمال لتعيد بيزسترانوس إلى هضبة الأكروبول, أى إلى مقعد الحكم في أثينا .. عندما رآها صولون المعارض اعتزل السياسة وعاد إلى أثينا ووضع أسلحته خارج باب داره كرمز لاعتزاله الأعمال السياسية وانقطع لنظم الشعر في ( فيا ) , أى سلطان لهذا الجمال الذي أدهش هيردوت وحيره, لأن الاثنيين صدقوا هذه الجميلة بسذاجة .....( فيا ) اخضعت الجميع من أذكياء أثينا واعطت للجبار بنرسترانوس تسع عشرة سنة من حكم أثينا كم , تشبهين ( فيا ) يا فريدة ؟! .. لماذا تطارديني؟!! ماذا تريدين يا فيا منى ؟! أنا لست في حالة مزاجية جيدة

إلى أين ؟!!

لا تسأل

انطلقت , تجوب شوارع القاهرة يمينا ويسارا كأنها مثلي من المتسكعين , ويبدو أن التسكع بالسيارة يعطيك فرصة أكبر لتجوب كل الشوارع وتمرح كما تشاء ... ضغطت على الفرامل فجأة فاندفعت أجسادنا إلا الأمام ثم عادت . . ضحكنا .. التفت بموجهها المضيء واقتربت مني أكثر .. بدت كمن يحاول أن يستجمع قواه.

شحاتة .. أرجو أن تسمعني دون أن تجيب .. لا أريدك أن تجيب الآن .. دع لنفسك فرصة .. المهم أن تفهمني.

لم يكن لحديثها المتحفظ بهذه الطريقة معنى على الأطلاق حتى الآن .. وهي تبدو خجلة كعذراء لم تخرج من بيتها لتواجه رجل .. ليس بوسعي أن أفعل شيئا , أنا مستسلم لك يا فريدة .. أنا في حالة سيئة يجب , أن تفهمي ذلك

لماذا تطيل النظر إلي ولا ترد ؟!!

قولي ما تريدين يا فريدة .. أنا ضائع كما ترين .. تائه سوف أكون لك أذنا ..

أريد طفلك أن يكون مني.

اعتدلت في جلستي بجوارها.. انزلت زجاج السيارة بعض الشيء حتى يسمح للهواء الآتي من على الماء بالدخول كى يزيل بلورات العرق التي هاجمت جبهتي, لم انطق ولم أفهم ما تقول.. أمسكت يدي

أنا اعرف أنك تحب مديحة .. لكن مديحة لن تنجب لك الطفل .. أنت تريد الطفل .. تريد من يخلفك الآن وبسرعة .

العالم كله يقع أمام عيني الليلة

لدي مال كثير .. لكني أريد أن أعود إلى إبهيت الحجر , وأنا أحمل طفل عائلة البحار . . أحمل صاحب الليلة , من يخلف الحاج علي البحار في مقعده .. فشلت مديحة في ذلك , وأنا أولى منها بهذا الطفل .. أنا ابنة إبهيت الحجر .. أنا في حاجة إليه .. هو كل شيء بالنسبة لي.. ربما لا تفهم الآن .. لكنها الحقيقة .

تركتني وانطلقت بسيارتها بناء على رغبتي الملحة , نزلت كأعمى يتحسس الخطوات لكن لا يعرف اتجاهها .. تركت لقدمى الحرية في أن تسير كيفما شاءت .. ماذا تريد ابنة المرص مني؟! تريد طفلا .. هى لا تريدني بل تريد طفلى فقط , لها كل الحق .. فأنا ذاهب عن الدنيا .. ارتميت في حضن الرصيف المقابل .

كنت أبكي .. أبكي ودموع كثيرة تنسال , أين انت يا جدي ؟!! لماذا تترك حفيدك كجزع شجرة ضاع شارد , ككلمات صامتة لا تتحرك .. كحروف بلهاء متحجرة لا ترمز إلى شيء .. جدي. لماذا تردد كلمات لأفهمها , كأنها تخرج من توها من بئر لا قاع له , أنت تتعمد أن تصورني في لوحة شائهة , طفل ساذج .. طفل معتوه , يركض وراء دمية .. لماذا تحدثني عن أشياء لا أفهمها ؟! ماذا يعني قولك أن القرب الذي اعرفه في القرب الذي تعرفه كمرفتك في معرفتي؟!! أنا أعرف أنك ربما تردد كلمات النفرى .. تقول انا الذي لا يرومه القرب ولا ينتهي إليه الوجود.. لماذا تتعمد إيذائي ؟!! هل تتصورني انني غير قادر على إنجاب حفيد لك ؟!! أنت تفهمني بالطبع .. ربما أقول كلاما لا يروق لك .. ؟ عندما تنزل لحتيك قليلا إلى أسفل أعرف أنك غير راض عني .. يجب أن تفهمني جيدا, الخشوع ليست كلمة تقال , الخشوع حالة .. لا لا الخشوع اكثر من ذلك , ربما أبدو الآن غير قادر على تحديد ما أريده بالضبط .. لكنك تتفق معي أنني لكي اتقن الخشوع لابد أن أجيد أشياء أخرى غير التفاصيل الخارجية , أنا أقصد الداخل .. أعني أن هناك ما هو أعمق, ما هو يمكن أدراكه إذا اتقنا لغة أخرى.. الكلمات لا تبدو منضبطة .. لا استطيع أن أجد سياقا ملائما الأن لما أود قوله .. النوم هو السبب .. كنت بحاجة ملحة إلى النوم.. عندما ايقظتني مديحة لاستقبال العمدة وشيخ الجامع كنت لم آخذ حقي في النوم.. لذا يبدو الأرهاق واضحا علي.. كانت مديحة توقظني برفق كانها كانت تفعل ما يفعله سكان جزر " فيجى " فهم يعتقدون أن الروح تفارق الجسد عند النوم بشكل مؤقت, وهم لا يوقظون شخصا نائما إلا للضرورة القصوى .. إذ أن الروح ربما تكون بعيدة آنذاك فلا تتمكن من العودة في الوقت المناسب , وإذا كان ولابد من ايقاظ الشخص .. فهم يفعلون ذلك تدريجيا , حتى يعطوا للروح فرصة للمجيئ .. ودخول الجسد مرة أخرى , ويحكى أن أحد الأزواج كان نائما ذات مرة وكان يحلم أنه على جزيرة أخرى وعندما أيقظته زوجته فجأة سمعته يصرخ مناديا روحه أن تعود عبر البحر , وقرأت أن الفرد العادي ينفق ثمانى ساعات مستلقيا على ظهره غارقا في النوم , وعندما يصل إلى سن الستين يكون الإنسان قد انفق أكثر من عشرين عاما نائما في الأيام القادمة لن أترك نفسي للنوم .. ليس أمامي وقت طويل يجب أن أظل مستيقظا طوال الوقت , فقد تفارقني الروح ولا تعود أبدأ.

كانت قدماي قد ساقتني إليه رغما , حين رآني تهلل بدأ كأنه ينتظرني.. هرول ناحيتي كطفل صغير .

كنت متأكدا أنك ستعود إلى هنا .. أنا أفضل من يعمل الشاي في مصر .

هذه المرة دعني اختار من فضلك ؟

أطلب ما تريد .

قهوة .

سوف احضرها حالا

اسمع .. لا أريدها في فنجان أريدها في كوب .

يبدو أنك خبير في شرب القهوة .. كل الزبائن الذين يدمنون شرب القهوة يطلبونها في كوب ......

تابعت من بعيد يديه لمرتعشتين وهو يضع الكنكة على النار ..كان رفيقا لها ينظر إليها يتلمس لحظة الفوران , والذين يصنعون القهوة بإتقان يدركون تماما أن أهم لحظة يجب التركيز عليها وأعطاها كل الاهتمام هي لحظة الفوران , فإذا كنت تريد أن تصنع قهوة جيدة فيجب أن تهتم بمتابعة القهوة هي في الكنكة وإذا تلمست علامات الفوران فكن جاهزا .. حتى ترفعها في الوقت المناسب وبعضهم يقولون أن رائحة ما تشتم عندما تكون القهوة جاهزة .

قلت بصوت مرتفع .

هل رأيته ؟!

نعم . .وأخبرته أنك سألت عنه.

لكنك لا تعرف أسمي؟!!

لكنه يعرفك .. بعد أن وصفتك له بالضبط فإنا اعرف زبائني.. تمرست على ذلك سنوات طويلة.

صب القهوة أمامي وبعد أن اطمئن على كل شيء .. بدت علامات الرضا عندما رأها مستوية في الكوب كما يريد .

تذوق .. هذه القهوة ستعرف أنني أفضل من يصنع القهوة في مصر المحروسة .

كيف حاله ؟!

كان طبيعيا ,وعندما ما سألته عن سر غيبته طوال هذه المدة, قال .. إنه كان في مأمورية تخص العمل , الصحفيون يلزمون الصمت حين تحدثهم عن سر مهنتهم .. أما إذا حدثتهم عن السياسة فلا يكفون عن الحديث أبدا.

ضحك وبإدلته ابتهاجه بابتسامة خفيفة .

هو يريدك .. ترك لك رسالة معي

أين هي؟!

هنا

وأشار العجوز إلى رأسه.

لقد حفظتها .. يبدو أنه يعرفك جيدا الأستاذ عزت في انتظارك غدا في نادي الصحفيين في شارع البحر الأعظم .

هل قال لك غدا ؟!!

نعم يا أستاذ شحاتة .. معذرة فقد عرفت الاسم منه .. سوف أتركك تتمتع بشرب القهوة .

انسحب العجوز من أمامي , فقد رأى زبائن يقدمون على الكافتيريا, كيف عرف عزت فهمي أنني سأحضر اليوم إلى هنا ؟! حتى يترك لي رسالة أن أحضر إليه غدا .. أخذت رشفة من كوب القهوة يبدو أن عزت حريص كل يوم على الذهاب إلى نادي الصحفيين, هكذا فهمت وربما .. يقابل سمية هناك .. بل قطعا هذا هو مكان التقائهما .. لا أعرف لماذا خطر على بالي قول " ذو الرمة "

تمام الحج أن تقف المطايا على خرقـــاء واضعة اللثام

ضحكت , وقلت كيف جعل ذو الرمة من زيارة فاطمة حبيبته أحد مناسك الحج من تركة كان عليه هدى ونقص حجة , وذو الرمة يشبهنى , فقد مات الرجل عندما أكمل الأربعين وقال

فلم أر عذرا بعد عشرين حجة مضت لى وعشر قد مضين إلى عشر

وكان قد أحس وفاته قد قربت وعرفها , وأنا مثله تماما فقد عرفت منيتى , ورأيت أخر أيامي في الدنيا .. أه لقد نسيت شيئا عظيما كيف لم أفكر في ذلك من قبل ؟!!! لابد أن أصنع لنفسي قبرا يليق بآخر رجال عائلة البحار .. لابد أن ارسل للعمدة والشيخ سيد ياسين لكي أطلب منهما ذلك.. أريد قبرا يليق بحفيد عائلة البحار .. قبر يتنماه كل ميت .. وينظر إليه الزائرون في خشوع .. الأمر يحتاج إلى بعض الترتيبات .. مع العمدة , وسوف اختار موقعه بنفسي وأزرع حوله الأشجار, حتى يستظل بها العابرون من أمامي وربما يقفون دقائق معدودة يقرأون على روحي الفاتحة .

أنا لم أترك حفيدا من بعدي .. لم أستطع ان أنجب لعائلة البحار من يأخذ لها البيعة كما أخذها معاوية لولده .. الناس في البلد غاضبون , ثائرون لذلك .. ولكن ما حيلتي ! ما حيلة شحاتة البحار ؟!!!ها هي فريدة المرص تضع نفسها تحت أمرك , لتنجب منها الولد الذي يحظى بالشرف , شرف عائلة البحار ويحمل على كتفيه الفضل والرفعة , وينال ما نلت من إحترام وحب , وما ناله جده علي البحار من احترام الناس وحبهم .. وإذا مت ولم تنجب فلن يكون هناك ليلة لجدك وستضيع معك عائلة البحار .

فريدة ابنة المرص لا يصح أن تأتي بالحفيد .. لقد هجرت البلد بعد شائعات وشائعات.. كيف تعود إليهم وفي يدها شرف نسبها إلى عائلة البحار .. نسب كالماس لا تخالطه شائبة .. المهم هو الولد .. الحفيد.. وليس مهما كيف يأتي؟! أنه ابن عائلة البحار صاحب الليلة , وسوف تفرح به إبهيت الحجر كلها .. بعد موتي سيكون هو صاحب الليلة , لن تقام إلا بحضوره, سيقف بين يدي العمدة وشيخ البلد ليشهد كل شيء بنفسه .. سيتطلعون إلى قسمات وجهة .. سيسمع الولد كلام الراوي عن سيرة جده علي البحار , وسيعرف كل شيء عن علي البحار , لكنه أبدا لن يعرف شيئا عني أو عن أي فرد في العائلة .. العائلة كلها علي البحار .. الحاج علي البحار هو الذي وهب هذه العائلة هذا الشرف , ومنحهم هذا الفضل الذي يفتخرون به على سائر الناس , وتتباهى به إبهيت الحجر على سائر القرى والبلاد المجاورة .. وجدي علي البحار قدر في حساباته كل شيء , لأنه كان واسع الرؤية فقد اوقف عشرين فدانا لهذه الليلة .. وضع عائدهم في يد العمدة وشيخ الجامع, هما اللذان يتصرفان في كل النفقات , هذه وصيته , عائد الأفدنة لا تستطيع أن تأخذ منه شيئا لننفقه على أنفسنا .. مديحة حين عرفت ذلك قالت لي وهي تضحك أمام أبيها

أنت ثري مع وقف التنفيذ .. مثل ملكة بريطانيا , تملك ولا تحكم .

أوقف جدي كل ما يملك من أرض على ليلته, ولم يترك لنا شيئا كنا نعيش مثلنا مثل بقية الناس ,ولو ترك لنا جدي الحاج علي البحار كل هذه الأفدنة لكنا من الأثرياء .. ولم يكن لي حاجة أن آتي إلى هنا لكي اعمل موظفا صغيرا في بنك .. حتى البيت الكبير ذو البوابة الواسعة العريضة التي نقشت عليها كلمات جدي مرصعة بماء الذهب .. وإذا دخلت وجدت حديقة واسعة وعلى اليمين اسطبل صغير لحصان جدي. وعلى اليسار مندرة للزائرين وعابري السبيل والغرباء .. كان جدي علي البحار كريما بلا حد .. ثم إذا دخلت إلى البيت الكبير وعبرت الباب الأوسط وجدت على يمين الداخل غرفة جدي وبجواها المصلى وبعدها مباشرة غرفة للكتب ولأشياء جدي الخاصة جدا, لا يمكنك أن تدخل هذه الغرفة أبدا, لن يسمح لك عم فضل بالدخول مهما أغريته بالمال أو بالكلمات الواسعة في مدحه .. النوافذ واسعة زجاجية لا تسمح بمرور الضوء إلا قليلا.. النوافذ بعيدة عالية.. تتطلع إليها ببصرك ربما تشعر بالاقتراب منها , أو أنه يمكنك ملامستها بيدك ,حين تصعد درجات السلم الخشبي العريض الذي يواجه الصالة الكبرى في البيت , هناك تصعد إلى الدور الثانى ,حيث لا يوجد سوى الفراغ الواسع وهمهمات الريح .. هكذا أراد جدي ان يكون الطابق الثانى بلا أبواب وبلا نوافذ, تسمع صرير الريح في ليالي الشتاء وتشعر بشيء من الرهبة , لا يمكنك أبدا مهما قيل لك أو عن شجاعتك أن تصعد إلى الطابق الثانى .. سيتملكك الرعب وتأخذك الرهبة وتمنعك نفسك عن المجازفة ستسمع حديثا عن الحيات والثعابين التي تأتي إلى الطابق الثانى وربما ترى رأس الشيطان التي تشبه مرضعة "فرانكشتين ".. وحتما حين تنصت جيدا ستسمع انين جدي الذي يتردد حتى الآن في الجدران القديمة,. سوف لا ترتاح إلى ما يقولون لكنك ستصدق حتما ان هناك خفافيش تحلق كل مساء حول الطابق الثانى وإذا تسللت بنظرك إلى فوق فسوف لا تجد سوى الفراغ المخيف .

الوحيد الذي لا يأبه بكل ذلك ويصعد إلى هناك هو عم فضل, ولا يصعد إلا ليلا دون ان يحمل مصباح في يده , سمعت الشيخ ياسين يقول .. أنه ربما يصعد ليقدم الطعام للزائرين من المخلوقات الأخرى التي تطوف بالبيت صباحا ومسارا , قال انهم حراس , وقال ربما يكونوا جنودا .

لم أفكر أبدا في الصعود ,ولم أندم على أنني لم اصعد إلى الدور الثانى أبدا , إنه ضرب من الجنون أن تصعد إلى المجهول إلى الخوف نفسه.. الشي الوحيد الذي غافلت فيه عم فضل ودخلت إليه هو حجرة جدي كان عم فضل يرفض أن يدخلها أحد بعد جدي.. يقول أنه لا يجب أن يفتح الباب فتضيع أنفاس الرجل الأخيرة التي ضمتها هذه الجدران .. أنفاس كلها بركة وفضل .

وضعت كلام عم فضل جانبا ,ودخلت , حالة من الخشوع تملكتني.. أرهقت بها .. تصببت عرقا انتقلت من مقام إلى مقام .. كنت أحس بأنفاسي ساخنة.. قلت ما قال أدونيس

الأشـــياء

حبلى بالأشياء

المصحف .. مسبحة ..عمامة جدي.. كأنه وضعها عن رأسه الآن .. كنت أرى شيئا يشبه الدخان يتصاعد .. تتمدد أدوات الكتابة .. القلم , المحبرة , قرطاس مطوى بعناية , كتب موضوعة على رف صغير .. تندفع قدماي إلى الخلف حيث الباب .. أخرج كأنني لص فزع .. جريت مسرعا حتى وقفت عند حوض الماء الكبير بالقرب من المدخل .. لم أعد إلى هذا الفعل أبدا.. قررت ذلك ... حين هبطت من السلم العريض واجهت الممشى على اليسار , كان ظهره لي ووجه سمية أمامي, كانت خصلة من شعرها الأسمر تتحرك على جبهتها , تنظر إلى عزت كأنها تنظر إلى فضاء واسع لا ينتهي أتاني همس عزت فهمي, كأنني سمعته يردد قول " لوركا الأسباني "

ما الإنسان دون حرية يا ما ريانا ..؟

قولي: كيف استطيع أن أحبك

إذا لم أكن حرا

كيف اهبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟!!

كأنني أشاهد دمية صغيرة تتحرك بينهما .. كان كما تركته في عتمة السجن .. حين نزعه الحارس من أمامي.. كان مشرقا بحزن .. أما سمية فكانت ترتدي بلوزة بيضاء على بنطلون جنز أزرق وتمسك بسلسلة يتدلى منها رأس تمثال الحرية .. لم أشك لحظة واحدة انها سمية .. نعم صوت فيروز كما شبهها عزت في السجن , جالسة أمامه كقطعة من جمال باريسي أو صورة رومانسية بديعة يستخرجها الناقد من قصيدة لأحمد ناجى.. بدت مشرقة ككل كتب التراث التي قرأتها. . أحس عزت بوقوفي خلفه , نظر إلى الخلف فجأة .. وارتمى في حضني سقطت كل كتب السياسة من يده ومضى فاتحا ذراعيه لي وبلهجة ساخرة نظر إلى سمية

زميل الزنزانة .. الأستاذ شحاتة البحار . . لقد حدثتك عنه ..

ارتفعت هامتي قليلا بعد أن جلسنا على الطاولة , طلب النادل ليحضر لي مشروبا وقبل أن أتكلم قال ضاحكا

قهوة في كوب وليست في فنجان .

حدثني بارتياح عن أشياء كثيرة فعلها بعد خروجه من السجن وسألني مندهشاً .

وأنت كيف خرجت ؟!!

فتحي أبو شنب .. اعترف عندما واجهه المحقق بأن توقيعي مزور

مبروك

وأنت كيف خرجت ؟!

كما قال لي مأمور السجن حين استدعاني لمكتبه، قال بلهجة عسكرية .. هذه قرصة أذن لك حتى تنتبه.

تراجع بظهره إلى الوراء،مستندا على جانبي المعقد ، فاتحا صدره للهواء كأنه لم يشبع من أشيائه الخاصة بعد ، كان يبدو قلقا كقائد عسكري منهزم. فرك يده وأمسك بدمية سمية وضعها في كفه وقبض كل أصابعه عليها كمحاولة لاستخراج مدينة ميتة، ابتسم بمشاعر منهكة وقال فجأة .

هل تعرفان قصة الرجل الذي ادعى النبوة على عهد المأمون ؟

هزت سمية كتفيها بالنفي ، أما أنا فلم أجب .. أكتفيت بارتخاء صامت لشفتين لا تفجران أسئلة ذات أهمية .. أخذت رشفة قهوة .

عندما أحضر المأمون الرجل مدعي النبوة ليستجوبه وليستمع منه بنفسه .. ألتمس منه الرجل مدعي النبوة أن يصحبه بضع خطوات ليرى مشهدا رائع الدلالة .. ومن شرفة مرتفعة وقف مدعي النبوة وبجانبه المأمون .. وأومأ الرجل إلى أحد أتباعه فرفع الستارة .. وإذا بقطيع من الناس يربو على المائتين يخرون راكعين عندما شاهدوا مدعي النبوة التفت الرجل إلى المأمون وقال له : رجل يجد هؤلاء الرعايا المطيعين ثم تستكثرون عليه النبوة ..؟ إني استحق الشكر لأني تواضعت ولم أنصب نفسي إلها ...

إنطلقت مني ضحكة مبتزلة أما سمية فأخرجت علبة المناديل وسحبت واحداً بسرعة ووضعته على فمها وظل عزت صامتا مثل المدن الحجرية التي وصفها أبو سنه .. قلت في صفاقه

كنت أظنك تهمس في أذن سمية بكلمات الحب ، لكنك لا تكف عن الكلام في السياسة .

وحدث سمية في حديثى فرصة للنيل من الصحفي المشاغب

لا أعرف من يحب أكثر أنا أم السياسة ؟!

أجبتها سريعا

بل لا أنت ولا السياسة

من ؟!

السادات .

تراجع عزت فهمي إلى الوراء من كثرة الضحك وسألني بقوة

هل تمانع أن تأتي سمية معي إلى ليلة جدك علي البحار

ألقاني الملعون في بحيرة ساكنة خالية من الطيور والناس .. مثلي مثل الذين يتصارعون على فراء الدب قبل إصطياده ، لم يكن بوسعي أبدا أن أرد على ما قاله.. كانت الدموع التي تقع مرغمة قد تولد الآن في عيني، ولولا مراوغتي إياها حتما ستسقط أمام سمية، ستسقط كجثة عامل اهتزت قدماه على السقالة فسقط .

أشار عزت لسمية ، وعندها وقفت ، ووقف بجوارها ، بينما ظللت جالسا .

- سأوقف تاكسي لسمية ، وأعود إليك حالا ، يجب أن تعود إلى بيتها ، الوقت تأخر .

أدرك عزت ما ألم بى ، لابد أن أصارحه بكل شيء ولن أصمت ، عزت سيفهمني، سأقول له أن الأيام الباقية لي في الحياة قليلة، ولأبد أن أنجز كل شيء .. الولد هو أهم شيئ يجب أن أفكر فيه ، أما عن حديثي في رغبتي في أن أكتب ديوان شعر أتحدى به النقاد فلم يعد مهما الآن ، ربما يتوارى قليلا، وربما لا أكتبه أبدا ، الشعر ليس مهما ، لقد قرأت مقالاً يقول فيه الناقد " ما جدوى الشعر " .. لم تقوم لعائلتي قائمة إذا لم أنجب الولد الآن .. عزت أنت تفهمني أو حتما ستفهمني أمامي خيارات كثيرة .. لكن لا وقت لي.. أفهم أن مديحة هي التي تأتي بالولد لعائلة البحار.. أنا مهدد بالموت في أية لحظة .. هل تقول أن القاعدة لها شواذ.. هذا كلام النحويون يا صديقي.. إنهم يستثقلون أشياء .. ربما أحس بتعاسة تقترب من حلقي.. وفريدة التي ألقت خجلها، وصعدت السلم حتى آخره.. تدلت كحبل مجدول.. تمسك بكتفي.. فريدة أبنة المرص تريد أن يرث ابنها عائلة البحار ، تريد أن تعود إليهم بخطيئة ولا يستطيع أن يرميها أحد بحجر ، تريدهم أن يحملوها فوق المحفة مثل " فيا " .. أعرف أنه عندما يأتي الولد ستنتهي سيرتي بين الناس، سيلتفون إليه .. سأكون مثل حجر صلد في قاع بحيرة ساكنة.. لن يقرأ أحداً أسمي في جريدة يومية واحدة.. ولن تعرف القاهرة شيئا عن وجودي.. لن يخبرها أحد عني، ستظل مثل الغول الذي يظهر في كتب الأساطير يأكل المارين عندما لا يجب أحد على سؤاله .. وعندما أموت سيضعوني في قبر مهجور، لا تصل إليه قدم.. قبر جدي فقط هو الذي يعرفه الجميع ويلتف حوله الناس أما قبري أو قبر أبي فلن يزرعوا عند قدمي شجرة واحدة .. الآن فقط أشعر بالبرودة التي يشعر بها جسد أبي ، أحس بالمهانة التي يشعر بها جسد مهجور في قبر بعيد لا تحضر إليه الإ قدم تائه أو غريب ضال ، أتفهم الأن ما يحدث لجسد يتمزق عشرات المرات وهو يرانا ويعرفنا لكننا لم نره .. هل تعرف وجه أبي يا عزت ؟!! لم يزرني في نومي أبدا ، أبي لا يستطيع أن يخرج من قبره أبدا للتنزه وقضاء أوقات لطيفة.. روحه تلفها أفكار سوداوية ، أفكار مثل النقاد البلهاء أو بعض السياسيين الحمقى ، أفكار لا تستطيع أن تتحرك مثل جنين ، لا تستطيع أن تمرح مثل الأطفال في الحدائق .. أفكار ليس لها رأس أو معدة أو قدمان .. تبدو كمخلوق مشوه .. هل تفهمني يا عزت .. ؟!!

أنا عندما فكرت أن أكتب شعرا .. كنت أبحث عن شيء يأخذ يدي.. يمنحني حرية لا يعرفها فقهاء السياسة .. الحرية التي يكتبون عنها في الكتب ليست هي.. الشعر الذي كتبته ومزقه الناقد هو ما كنت أقصد .. الشعر الذي أريده هو كائن مثلي يرتدي البلطو الصوف في الشتاء ليحتمي من البرد .. يدخن مثلي ويكون شرها حينما لا يجد نقودا في جيبه تكفي لقضاء سهرة مع مديحة .. الشعر الذي أريد أن أكتبه يا عزت كائن مثلي- كما قلت لك - يذهب إلى مطعم "جاد" حين يجوع ويشرب القهوة في كوب وليس فنجان ، يلتقط أنفاسه حين يشعر بالتعب ، وجه فريدة المرص جميل مثل تمثال بارد .. ليس متوهجا كصباح جديد تمنحك مديحة رؤيته كلب يوم ، فريدة قلقة مجهدة .. تتنفس كميت .. ستقول لى إن ذلك لا يمنعها من أن تنجب الولد الذي تطلبه .. نعم أصدقك يا عزت وأنت تفهمني جيدا .. لكنك ككل السياسيين لا تقع أعيونهم إلا على تمثال الحرية في أمريكا .. تتخيلون أشياء ساذجة .. الحرية لا يمكن أن تكون في تمثال أبدا الحرية كائن خرافي لم يولد بعد .