( 4 )

6 0 00

( 4 )

كأن شيطان بليد ينزع ملامح وجهي

لا أحتمل كل هذا السقوط

إنها لا تريد أن تصل إلى شيء ، ولا أن يصل إليها شيء ، لا تريد أن يفض خصوصيتها أحد أو أن يعبث بأشيائها الداخلية .. فريدة المرص تنتظرها كل يوم كأنك تنتظر مجيئ " جودو " إنها المرأة التي لن تعرفها أبدا .. مغرقة في انزاوائها وتقدسها لجسدها .. تتلمس حدوده وتفاصيله .. قطعة .. قطعة .. كل ليلة ترتمي في حضنك كأنها امرأة مصروعة ، تريدك أن تخرج الشيطان من جسدها ..

منذ أن تزوجت فريدة وأنا أحضر إلى شقتها في العمارة ذات الشعرين طابق، كان يعني لي الارتباط " بفريدة المرص " أنك خنت كل العلاقات ، أنك أصبحت مستباح الجسد ، وأنك وصلت بالحماقة إلى آخرها ، وأنك قد أدركت هزيمتك أمام نفسك .. لن تصلح الأيدلوجيات مجتمعة في ترميم الجسد المهتئ هذا العرق الذي يتصيب كل يوم منك .. عندما تخرج من عزلتك وتنفتح على عالم فريدة المرص .. عالم مختلف لم تعشه من قبل لا هنا ولا في ابهيت الحجر ، فريدة استطاعت أن تجمع عالمين في جسدها .. أبدو غير راض عن نفسى ، ولكنها صرخة أطلقتها فريدة في وجهك وأزعنت لها .. كرست رغبتها .. قطعت كل المسافات بخطوة واحدة حتى أصبحت بلا مسافة تفصلك عنها .. راجعت مكياجها ودلال الأنثى.. ماهرة هي في وضع زينتها لتجعلك أكثر ازعانا .. وأمام غريزتك المنحطة نسيت القضايا الكبرى, وتفاصيل حياتك مع مديحة .. لا جدوى من افتعال السعال الأن .. بعد أن قذفت كلام عزت فهمي من شباك شقة فريدة .. قذفته وأنت تلهث .. رميته من أمامك حتى لا تراه قابعا ينظر إليك فوق فوتيه غرفة الصالون .

هذه الحياة فانية .. باطلة ، ما جدوى الاحتفاظ بالأشياء الثمينة .. ما جدوى التذرع بأفكار بلهاء عن الخيانة والحب ، وأنت مقبل على نهايتك .. عامان فقط يفصلانك عن تلك النهاية .. ماجدوى أن تنخرط الآن في بكاء صامت مثل الذي بكيته يوم أن حضرت إلى الأتيليه وقال لك الدكتور وهو يضع نظارة سميكة حول عينيه .. كان يتأفف مما تقول ..

يابني.. لن تصلح أن تكون شاعرا.. لديك ذائقة جيدة .. استعملها في القراءة .. ستكون قارئا جيدا للأدب .

بدأ الدكتور الناقد وكأنه يمسك بمسدس محشو يوجهه نحو رأسي، انطفئت كل الكلوبات في رأسي.. انصرفت عن متابعة الأتيليه .. ولم أعد أتعلق بحضور الندوات .. عكفت على القراءة .. حتى عندما ذهبت إلى شقة فريدة أخذت بعض الكتب معي.. لكن فريدة لم تمهلني لكي أصنع شيئا ذا قيمة

- أريد أن نسرع في الإنجاب .

وحين أقبلت ذات يوم متهللة وقد أحضرت معها فستانا أنيقا وأشياء أخرى كثيرة ، ذهبت إلى الكوافير وسوت شعرها ، وضعت مكياجا كثيرا حول تفاصيل وجهها فجعلها أكثر تحديدا .. قالت بعد أن وضعت قبلة بين عيني ورمتني بنظرة سرت خلفها.. قالت وهىيتضغط على حروفها ..

- ما كنت أريده حصل .. أنا حامل . هل تصدق أن كل شيء تم بهذه السرعة ؟! حفيد عائلة البحار ينمو الأن بين أحشائي هكذا أخبرني الطبيب بكل ثقة

كل ما كنت أريده الآن .. أن أرى عزت فهمي عارضت كثيرا حين صارحته برغبتي في الزواج من فريدة المرص .. قال كلاما كثيرا عن الحب ومديحة ، اختلفنا من ساعتها ، صرخت في وجهه وقلت :

أن كل الأفكار والأيدلوجيات التي في العالم لا تستطيع أن تقدم قطعة خبز لرجل جائع .

كلماتي كانت تنغرس في لحمه.. تألم وصرخ.. لم يعرف عزت فهمي ما بي.. أنا أحتاج إلى ولد .. البلد كلها تنظر .. والقدر لن يمهلني.. لا أعرف لماذا ساعتها كنت أريد أن أرتمي في حضن مديحة .. مديحة لم تطلب الطلاق.. كانت أكثر رحمة بي من عزت أحست بشيء داخلي لم يشعر به أحد .. مديحة كانت تقرأني كالكتاب المفتوح .. كنت في حاجة أن أقف أمام خجلها ، أن أردد أمامها أنشودة المطر التي قالها السياب

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتـان راح ينأى عنهما القمر

هذا هو السياب الذي لم يعجب النقاد ، كان واضحا .. وكان شاعرا ، ماذا يمكن أن يفعل السورياليون حينما أرتعدوا كالأطفال بعدما قتلوا كل أبائهم وراحوا يبحثون عن أبٍ جديد .. مثل حكاية الأبن الشاطر في التوراة .. الذي عاد وفي قلبه ندامة وتوبة دينية .. البريق الذي رأيته في عيني فريدة المرص كان كطوق النجاة وهو يغوص في عمق الكحل الأسود في العينين اللتين لمعتا في ذلك المساء الذي أجتمعت له كل النجوم فوق رأس عمارتنا الشاهقة .. مضت فريدة المرص سعيدة بانتصارها .. وحلمت بعودتها إلى إبهيت الحجر وهي تحمل لهم الجنين الذي سيحول حياتهم إلى سعادة .. ستقولى لهم كلمات عن قدرها ، وكلمات عن فضلها في هذا المولود وكلمات أخرى عن أنها أصبحت كل شيء ، ستقول يجب أن تخجلوا مني حين خرجتم خلفنا ذات صباح مشوس بحكايات خرقاء عني وعن أمي، رددتم كلمات سخيفة مثل التي قيلت في خطاب التنحي.. من يستطيع أن يضبط عقارب الساعة الأن ، ويضع الوقت الصحيح .. قالت لي فريدة ذات مساء ونحن جالسين ..

لن يسألني أحد عن شيء طالما أحمل لهم هذا الجنين ، أنا أعرف أهل أبهيت الحجر جيدا ..

المرأة الجميلة تستطيع أن تفعل ما تريده .. وإذا حالفها الحظ ووجدت في طريقها شحاتة البحار فقد أعطاها القدر ما تتمنى .. لم يكف عزت فهمي عن إيلامي كلما التقينا.. لماذا لا تتصور أن التقائي بفريدة المرص هو نوع من العبثية التي كان يقصدها " برخت " في مسرحياته.. الفوضويون يعتبرون التخريب والإلغاء والتدمير وحتى القتل ؟!! أجمل لحظات الحرية .. ربما الفوض التي اجتاحت حياتي فجأة وجعلتني أهجر مديحة وأتزوج فريدة المرص ، وأن أقترب من نهايتي دون معنى.. أن أدخل السجن .. اللحظة المفتوحة التي رأيت فيها العالم بوجهه القمئ يضغط بك أقدامه وحضارته وأفكاره الثقيلة على عزت فهمي لكي ينهش لحمه .. كيف تحولت اللحظات الصغيرة التي تراكمت لحظة فوق أخرى لتصبح في النهاية ركاما من لحظات .. ركاما من زمن يتسع لحديث طويل ويكفي لكي يصنع ألفة بين كائنين بعيدين .. القتهما يد في زنزانة رطبة ذات سقف منخفض .. وفوق رأسهما شباك صغير يطل منه بصيص نور لكنه يقتحم الظلمة الراكدة.. أي لحظة قاتلة فزعة مرتعشة حين رفعت سمية هاتفها وأدارت القرص وطلبتني.

قبضوا على عزت يا أستاذ شحاتة .. اعتقلوه .

أمثال عزت فهمي كثيرون كالعناكب ينسجون النسيج من أجوافهم .. لعن الله السياسة التي تأخد الأصحاب إلى الزنازين البعيدة حيث الوحدة والصمت .. كنت مستعدا أن أموت الآن .. لماذا عدت يا عزت إلى السجن بمفردك؟!! لماذا لم تأخذني معك ؟!.. هل ما زلت لا أصلح لذلك ؟!! .. هل يمكن أن تنساني هناك في القعر المظلم حين تلتقي بآخر غيري، وتتواصل الكلمات بينكما.. لتصنعا سويا شيئا مشتركا.. هل ستحدثه عني أم ستكفي بحديثك عن سمية وعن السادات ؟!. هل ستقول له نفس الكلمات التي رددتها أمامي؟! هل ستخرجان من السجن صديقين ؟! لا أصدق أنك ستفعل هذا أبدا لا يمكن حتى أن أتركك تفعله ..

قررت أن أذهب إلى سمية، وأن نعمل سويا لكي نحصل على تصريح بزيارة عزت ، في البداية كانت الأبواب كلها مقفلة .. لا أحد يسمعنا .. كل ليلة كنت أذهب إلى نادي الصحفيين، أجد سمية جالسة مكانها تتعلق عيناها بالباب .. ربما تظن أن القادم هو عزت فهمي.. أعتدت الجلوس أمامها دون حديث.. هكذا كنت أراها ، وجه صوفي يتألق في عزابه .. يضغط الحزن على الأنف المدبب وعينين تشردان في لا شيء ، مثل وجه الملائكة المرصع بالذهب تبدو سمية .

لاحظت تطفلي.. تلم خجلها أمامي حين تعبث في سلسلة المفاتيح ورأس تمثال الحرية الصغير، تخرج علبة المناديل وتهم بالحديث مرات عديدة فلا تجد غير كلمات مكررة ميتة.

هل سنحاول غدا ؟!

لن نكف عن المحاولة .. يجب أن نراه.. هذا حقنا.

أنت صديق مخلص .

ليس لي صديق سوى عزت .

رغم أن علاقتكا ليست منذ زمن بعيد .

طول الزمن لا يهم .

كيف حالك مع فريدة ؟!

حصلت على كل ما تريده مني.

ومديحة ؟ !

شيء آخر ... الوقت تأخر هيا لكي أوقف لك التاكسي.

ألا تلاحظ .. أنك تفعل كل ما يفعله عزت معي؟!!

صعبة جدا تلك الكلمات إلي ألقتها في حجري تواً .

أنا آسفة لم أقصد .

لا شيء ، هيا بنا .

ظللنا عدة أسابيع كل يوم نمر على المكاتب . طرقنا كل الأبواب .. سمحوا لنا أخيرا بزيارته وحددوا لنا الموعد في التساعة صباح الغد .. كنت أنا وسمية في أول الطابور .. طابور الزيارة الطويل .. الذي كانت تقف فيه مديحة .. الوجوه التي تتطلع إلى لقاء الغائبين تبدو غير مهتمة بما يدور حولها من تحركات العسكر وكثرة الأوامر التي تلقى هنا وهناك .. إذا لم تكن مصرا فلن تصل .. أخيراً نطق الحارس أسمائنا .. كنا في الرابعة عصراً .. قال وهو يدفع أجسادنا بقسوة داخل الغرفة، مكان الزيارة ..

أمامكما خمس دقائق فقط .. لن تزيد .. يجب أن يتم كل شيء في خمس دقائق .

مضينا في الطريق المرسوم لنا بعناية وبحذر.. لم نره.. كان كائنا آخر متكوماً في ركن الغرفة.. كان كالحا ومهترئاً.. الوجه شاحب.. عظام الوجه تبرز في نفور.. كانت أنفاسه ترتفع وتنخفض.. يشهق بسرعة .. كنا قلقين عليه .. مرت لحظة من الفتور .. بسرعة ارتمى في حضني، ضممته إلى صدري ترى ماذا فعلوا بك هذه المرة ؟! لماذا تركتهم يوقعون بك ؟ كانت كلماتك التي كتبتها أخيراً قاسية عليهم .. هذه البلاد لا تستحق مثلك ، إنها تريد أمثالي- وهم كثيرون يا عزت - حين تعلقت به سمية .. رأيت يده غير قادرة على حملها .. كانت سمية تنهار .. بكاء ملعون وكلمات بلهاء .. هي كل ما نملك نقدمه لمن نحب .. المشهد خان الجميع ولم يعد الكلام مناسبا، الكل انخرط في أنين ونشبح لا ينقطع ، انتهت الزيارة لكن بكاء سمية لا ينتهي أبداً ... قالت وهي تدق على المنضدة بيدها في قوة ..

يجب أن نفعل شيئا من أجل عزت .. يجب أن نخرجه من هنا سيموت إذا استمر على ما هو فيه.

حسبتها قوية عندما قالت ذلك مضينا في المساء إلى أحد مكاتب المحامين .. قصدناه بعد أن عرفنا مهاراته في مثل هذه القضايا .. بعد انتظار طويل جلست أنا قبالته وجلست سمية بعيدا.. حكيت له ما حدث مع عزت وكيف أنهم أخذوره وهو الآن معتقل بلا سبب .. ورويت له المنظر الذي رأيناه عليه في آخر زيارة .. كانت ملامح الرجل محايدة وإن بدا عليه شيء من التأثر وسأل ..

هل هذه زوجته ؟!

خطيبته

وأنت ؟!!

صديقه

أسمعا جيدا لما سأقوله .. لن أشغلكما بالحديث في القانون ، يمكن أن نلجأ إلى المحكمة القانون يجيز ذلك ، والقضاء حتما سيأمر بالإفراج عنه ..

كان شيء من الانتباه قد عاد إلى سمية ، وقفت واقتربت منه ، لاحظ الرجل هذه الحياة الخفيفة التي دبت في أوصالنا ..

لا تفرحا هكذا .. الأمر ليس بهذه البساطة .. في بلادنا الحكومة تتحايل على هذه الأحكام التي تصدرها المحاكم ..

صرخت مقاطعا :

كيف يا أستاذ .. الحكم الصادر من المحكمة - كما نعلم - واجب التنفيذ ؟!!

نعم كلامك صحيح ، هذه في القضايا العادية .. أما في قضايا أمن الدولة والسياسة مثل التي فيها الأستاذ عزت فهمي لن تدعه الحكومة يخرج ، سيقومون بإجراءات الإفراج عنه على الورق فقط ، وفي اليوم التالي سيعدون له أمر إعتقال جديد، وستضحك الحكومة ساعتها وتقول لنا هيا احصولوا على حكم جديد بالإفراج على أمر الاعتقال الجديد وهكذا..

الأمر يبدو عبثياً !

هو كذلك .

نطقت سمية فزعة من كلام المحامي.

وعزت هل سيبقى هكذا في المعتقل ؟!

الأمر كما حكيت لكم.. لا أريد أن تضيعا وقتكما في المحاكم.. لا شيء يجدي؟...

عندما انصرفنا من مكتب المحامي,كان مساء أسود يولد فوق رؤوسنا في تلك الليلة , بدت سمية مجهدة , وبدوت كمن يقاوم تنيناً بثلاثة رؤوس , ليس امامنا إلا الاستسلام.. عزت في قبضة قوية.. لن يخرج من هناك إلا بإرادتهم .. تركت سمية أمام باب شقتها .. هبطت درجات السلم مسرعا.. كانت الشوارع فارغة من الناس, وقد هم المتسكعون بالنزول.. كنت في حاجة إلى كوب من القهوة.. مضيت إلى العجوز .. كأنه كان في انتظاري.. وقد أعد أسئلة كثيرة, وعندما أدرت وجهي عنه.. تراجع .. لم اجلس قبالته كالعادة , بل أخذت ركنا قصيا حتى لا أواجهه حمل كوب القهوة فوق صنبية استالس واتجه ناحيتي.

هل سمعت ما قاله نجم.. أنا اتابع هذا الرجل وأقرأ له

هززت رأسي بالنفي.. لم أكن اتابع نجم حقا .

- احنا الشغيلة عرايا جياع - على قد ما ضاع من العمر ما ضاع - لكن قررنا بالإجماع- تغيير العالم والأوضاع .

كلام مثل كلام الشيوعيين المصريين . !

السادات قبض على كثير منهم مثل مصطفى درويش وزكي مراد ونبيل الهلالي وغيرهم .

هل تعرف كيف سخر نجم من النظام لما قبضوا على نبيل الهلالي المحامي. ؟!

قلت لك أنا لا أتابع أعمال نجم !

الهلالي لما قام - قلعوه روب المحامى – لبسوه روب الاتهام

أكمل العجــوز .

هذه المرة سيكون الأمر صعبا على الأستاذ عزت إنهم يبيتون له النية.

بعد آخر رشفة من كوب القهوة , لم استطع الانتظار.. كانت نداءات العجوز خلفي تضيع هباء .. وأنا ماض في طريقي, لم استطع البقاء, والرحيل هو الحل الذي بدا أمامي طائرا يلوح بعد أن ضيق العجوز الخناق علي, أدرت وجهي ناحية مديحة.. فريدة المرص لم تعد تريدني بإلحاح, حصلت على ما تريد مني.. ثم أنني قصرت في الأيام الماضية في حق مديحة, أهملتها, دلفت من باب الشقة , كان كل شيء في مكانه.. لم يتغير شيء لدى مديحة , لم تكن تميل أبدا إلى تغيير حياتنا , ولم يكن لديها الاستعداد لبذل جهد لتغيير شيء بسيط .. الشقة منذ زواجنا وحتى الآن لم يتغير فيها شيء .. لديها ألفة ما الأشياء

- أن كل شيء هنا يذكرني بأمر ما حدث بيننا .. هل تذكر تلك اللوحة .. كيف اشتريناها سويا؟!

تلك المرأة تنغرس في داخلي تملأني حتى النخاع .. نائمة في سريرها مثل ملاك أبيض على الكمودينو كتاب " ثقافتنا في مواجهة العصر ".. بعض الأوراق المبعثرة , قلم حبر.. علبه سجائر ممزقة, زجاجة دواء لا أعرف اسمه, إيشرب رمادي يتدلى من فوق طرف السرير.. وصوت موسيقى خفيف ينبعث من المزياع , أوراق كوتشينة مبعثرة فوق السجادة , جاكت أزرق ملقى على حافة السرير .. حين اقتربت, لسعتها انفاسي الساخنة .. انتفضت كأن سكينا انغرس في عظامها , فتحت عينيها وأغمضتهما سريعا في مواجهة الضوء .

لماذا جئت .. ؟ فريدة طلبتك في الهاتف .

قاطعتها .

أنا لا أريد فريدة , أنا جئت إليك . . أريدك يا مديحة أن تعرفين ..

اسمعني جيدا, فريدة حملوها إلى المستشفى.. يبدو أن في الأمر شيء.. يجب أن تذهب ..

كنت أحسبها تحاول ابعادي عنها فقط , لم أنزل سريعا إلا بعد أن تأكدت انها تقول الصدق ,.. هرعت إلى المستشفى, كانت فريدة المرص ترقد هناك في غرفة العمليات, والأطباء حولها يحيطون سريرها , وأنفاسها تعلو وتهبط, امسكت بالممرضة التي خرجت على عجل.

ما الأمر ؟ أنا زوجها .. ماذا حدث لفريدة ؟

سيكون الأمر على ما يرام .. اطمئن .

تركتني ومضت ماذا حدث ( لفريدة) .. تركتها .. كانت طبيعية وبصحة جيدة , كانت سعيدة بجنينها .. هل تعرضت لحادث سطو ؟ ! الأمور في البلد هذه الأيام غير مستقرة .. إعلان الأحكام العرفية.. الشوارع فارغة.. ارتفاع الأسعار الذي جاء فجأة.. وجعل الناس تهب في وجه السادات.. لماذا لا يتحولون إلى لصوص يخطفون كل شيء ؟!! بصعوبة بالغة وصلت إلى هنا .. السادات نعت مليون مواطن وفقا لتقديرات وكالات الأنباء العربية وليس راديو موسكو فقط بأئهم حرامية !.. قالت الهرام .. أن هذه الانتفاضة اندلعت في القاهرة وفاقوس والبدرشين والسويس ومدينة قنا ومدينة المنيا وشبرا الخيمة.. رأيت بنفسي بعض ما حدث .. لم يأت العنف من الجماهير , ولكنه جاء من الحكومة , الحكومة هي التي بدأت, حين تدافعت قوات كبيرة من الأمن المركزي على الشوارع , وأخذت في تفريق المظاهرات الحاشدة.. مستخدمة الهراوات الغليظة والقنابل المسيلة للدموع.. دافعة الناس عن انفسهم بالحجارة .. تصاعد عنف رجال الأمن , وبدأ أطلاق الرصاص على المتظاهرين وبأراقة الدماء .. ومع مطلع يوم 19 يناير, عادت المظاهرت على نطاق أوسع, وبصورة أكبر حدة, مجتاحة كل أحياء القاهرة, وهو ما سمعت أنه حدث في الأسكندرية أيضا, والعديد من المدن المصرية الأخرى, وبدأت أعمال التخريب وظهرت في الساحة جماعات كثيرة استغلت تلك الهبة , واندست بين الناس وقامت بمعاونة بعض الصبية والمتشردين بأعمال النهب وإشعال الحرائق وتحطيم المحال التجارية ووسائل المواصلات والعربات .. والعجيب أنني لا حظت اختفاء رجال الأمن عن كل المواقع وكانها تعطي الضوء الأخضر للمخربين .. كنت احكي ( لسمية ) وهي جالسة أمامي على الطاولة لا تحرك ساكنا , كانت في شرودها أجمل من كل كتب الحداثة والبنيوية , حين احضر النادل القهوى .. تابعت يده التي تتحرك في ألية اعتادها الرجل من كثرة عمله .. كان بطيئا بعض الشيء لذا لفت انتباهنا .. عندما شعر بنا , وضع كوب الماء بعصبية وانصرف .

منذ أن اتصلت بي في الهاتف وقالت بصوت مكتوم .

اسمع يا شحاتة.. هناك خبر لن تصدقه.. عزت مات في السجن.. هل تسمعني؟! لم يعد هناك شخص تعرفه أسمه عزت .. ارجو أن تصدق ذلك ..

أحاول قدر استطاعتي أن انسى وقع تلك الرماح التي شقت صدري ساعتها, وبدأ أن الرأس تطفح من كل مكان .. بدوت كمن يسقط في فراغ دائم , لا أحتمل كل هذا السقوط .. وكأن شيطان بليد ينزع ملامح وجهي.. لماذا أصروا على ذبح عزت؟!! قالت سمية إنهم احضروا جثمانه ليلا دون أن يشعر بهم أحد ذهبوا أولا إلى قسم الشرطة, وهناك أرسلوا في طلب خاله مدرس التاريخ.. امسكوه بعنف.. ووقع على أوراق كثيرة قدموها إليه .. لم يقراءها .. نظروا إلى توقيعه فوجدوه مرتعشا طلبوا منه أن يوقع ثانية بخط واضح .. بحروف لا تقبل التأويل أو المناقشة .. طلب الرجل أن يراه .. يراه فقط قبل أن يضعوه في التراب , رفضوا .. قالوا له أن مهمتك هو أرشادنا على قبر عائلته وسندفنه بهدوء , لا نريد ان يحضر أحد الجنازة الحكومة اعدت كل شيء .. الكفن , الجنازة .. كلها على نفقة الحكومة .. لم يسأل الرجل عن سبب موته .. لكنهم قالوا له أنه مات نتيجة أزمة قلبية حادة.. أطلعوه على أوراق كتبها طبيب السجن في تشخيص سبب الوفاة.. ألقوا جسده في قاع القبر .. وأخذوا يسدون عليه بالطين والحجارة, وضعوا طينا كثيرا , كانهم كانوا يخشون خروجه من جديد ..

مددت يدي وأخذت الرشفة الأولى من كوب القهوة , كانت ارتعاشة قد سرت في بدني.

ماذا سنفعل يا سمية ؟!!

سنزوره

سنزوره

عبد الناصر قتل سيد قطب والسادات قتل عزت فهمي.

تراجعت للـــــوراء .

فريدة المرص تطلب الطلاق ؟!

معذورة !

منذ أن خرجت من باب المستشفى بيدين فارغتين.. انقلبت حياتها كانت ثائرة هائجة طوال اليوم .... هي تعذب نفسها كثيرا , تعاقب جسدها الذي فرط في الجنين.. حين اخبرها الطبيب انها فقدت الجنين بسبب تسمم الحمل ... كاد الأمر برغم بشاعته أن يمر بسلام , إلا أن الطبيب بعد أن تنحنح وصمت طويلا عاد إلى حديثه في هدوء , كان الأمر يحتاج إلى موازنة بين حياتك وبقاء الرحم , كان لابد من إزالة الرحم ..كنا مجبرين على .. ذلك استسلمت وكأنها كانت تتوقع عدم نجاحها.. لكنها لم تكن تتصور أن تكون النهاية بهذه البشاعة, وبتلك القسوة ,حيث فقدت كل شيء ,

فريدة تحولت في ساعات النهار إلى وحش يدهس كل شيء في طريقه , لم تترك في الشقة شيئا إلا حطمته .. في الليل تتحول إلى قطة يتواصل انينها حتى الصباح .

قالت لي أنها كانت تحلم بهذا الولد .. الذي سيعطي لحياتها معنى وقيمة, قالت انها تدرك أن حياتها السابقة لم يكن لها قيمة عاشتها لنفسها .. ولتحقيق وغباتها حين تزوجت بالرجل العجوز الثري احتملت معه عمرا ليس بالقصير, وهي تجلس تحت قديمه وهو يعاملها كخادمه وليست زوجة .. حين مات العجوز الثري خرجت المرأة الشرسة من جلوها , تمردت واعطت لنفسها كل الحقوق..

كانت تجلس بجواري وانا اتابع زيارة السادات للقدس.. كنت قلقا من هذه الزيارة.. فاجأتني فريدة بتعليقها.

- عبد الناصر سبقه وأكل الشيكولاتة والبرتقال من يد اليهودي إيجال باديين أثناء حصاره في الفالوجا .

كانت حروفها متكسرة شائهة, لم أعهدها تتحدث في السياسة بكل هذه الثقة

العجوز الثري كان يحب السياسة , وكان يكلمني كأني طفلة بلهاء.. لا تتعجب

لم تعد الحياة في كنف فريدة ممكنة , أردكت أنها أنهارت .. فاتحت سمية في أمر طلاقها .. وقلت إنها تضغط علي من أجل الطلاق أما أنا فقد إدركت أن نهايتي قد قربت.. لم يعد لي شيء.. فقدت الولد.. وفقدت عزت فهمي.. هو عام حزن إذن.. حتى أبهيت الحجر لم يعد لي شوق للذهاب إليها.

نظرت بإمعان إلى لوحة الإسبانى فرانسسكو جويا " أحلام العقل " التي وضعتها مديحة في واجهة الصالة.. كانت تصورني رجل منهك القوى .. جلس على كرسيه إلى جوار منضدة .. مادا ساقيه على الأرض ملتفة منهما ساق على آخري , والرأس مستورا بالزراعين .. منكب على سطح المنضدة, وحول الجسد المهدود .. هومت كائنات غريبة , مخيفة , منها زوات الجناح كأنها الخفافيش , ركبت عليها رؤوس البوم .. ومنها الرابض على الأرض ربضة الفهد المفترس يتحفز لفريسته.. لا أعرف لماذا أحسست أن فرانسسكوجويا كان يقصدني, كان يشير إلى هذا الرجل المنهزم .. هذا الرجل الذي استسلم لقدره ولمصيره .. لم ينجح في تحقيق شيء على الإطلاق .. لم يعد يصلح لشيء .. خسر مديحة وخسر الولد وخسر عزت فهمي.. ليتني استطع أن أخرج من هذا الكابوس المسمى الجسد.. أن أمضي فاردا ذراعي في الهواء .. اتنفس هناك في السماء العالية بعيدا عن رطوبة الأرض وسقيعها .

بالأمس رأيت جدي علي البحار.. جائني مبتسما .. كعادته, شكوت إليه ما حدث لي.. أمسك بلحيته البيضاء وعبث بها, وكان يستمع لي ويبتسم ابتسامة طائر عجوز .. الأمر لا يحتمل يا جدي هذه الابتسامة, أنا أنهار.. لم يعد لي وقت.. أنا اقترب منك.. ربما بقي لي عام أو أقل في هذه الدنيا.. هل تسمعني يا جدي؟! ربما لأنك في عالم آخر لا تشعر بما أنا فيه.. لكن لماذا لا تساعدني.. الراوي يتحدث كل عام عن كرامات هي لك.. العام الماضي قال أن غمامة مشت تظلك من الشمس المحرقة.. قال أنك وأنت هناك ساعدت المحتاجين.. كان يبدو كمن لا يعبأ بحديثي, كنت أحثه أن يفعل شيئا.. لكنه هم وانصرف .. وضع في يدي شيئا لا أعرفه.. ما هذا الشيء يا جدي؟! هل هي عطية؟! هل هو شيء ثمين ؟! هل احتفظ به ؟! أنا لا أفهم إشاراتك , أنت تكلمني بلغة لا أفهمها .

حين أسرعت في اليوم التالي ولحقت بالأتوبيس لكي أذهب على إبهيت الحجر, مضيت إلى قبر جدي حين وقفت أمامه انخرطت في بكاء طويل.. حزن بحجم طائر العنقاء خرج من صدري.. ملأ سور المقابر كلها , سمعت زنجرة الأنعام والسباع الوحوشي والهوام والحشرات من حولي, كان نشيجي طويلا.. وأنيني يصل إلى السماء..

مضيت في المساء بخطوات متعبة مجهدة إلى شارع البحر الأعظم .. حيث نادي الصحفيين كان المتسكعون قد رحلوا من الشوارع مضيت حيث قابلت عزت فهمي أول مرة, ربما أجده في انتظاري بابتسامة رائعة ! ويقول :

لقد ضحكت على الحكومة.. لم أمت.. عدت من جديد إليهم.. لن يصدقوا.. لكن أنا ماهر في ذلك , وقد فعلتها كثيرا..

لم تكن الطاولة شاغرة كما كنت اظنها, كانت سمية تجلس .. ما الذي أتى بك يا سمية في هذا الصباح الباكر؟! هل مازلت مثلي تنتظرين عزت فهمي؟! تنتظرين القادم.. تضعين عينيك على باب النادي.. فربما يأتي عزت.. وإذا أتى يجب أن تكون عيناك هما أول شيء يراهما هنا .. مثلي تنتظرين.. حين رأتني أندهشت ملامحها, فأمسكت برأس تمثال الحرية تعبث به جلست قبالتها وأجهتها.

هل تتزوجينني يا سمية ؟!!

لا أعرف ما الذي ساق هذه الكلمات على لساني.. كيف اجرؤ أن أقول ذلك؟! هممت أن انصرف .. أن اعتذر له , لكن لم أجد كلمات مناسبة, كنت أود أن أقول لها أنني أصبحت مجنونا, لا بل كنت أود أن أقول لها أنني أصبحت عاقا, اتنقر لأعز أصدقائي, ربما تجمدت كل الكلمات على شفتي, لكنك حتما ستقرأيها , وستعرفين ما أود أن أقوله , ربما لم أفلح أن أصبح شاعرا.. أن أكتب ديوانا من الشعر كما قلت لعزت.. لكنني حين قررت ذلك.. لم أجد ما أقوله.. لم أجد في قلبي شعرا, كما كنت اعتقد وأحلم.. كان بداخلي شيء آخر.. لم يكن شعرا على الأطلاق.. ربما كان كائنا مثل الخرافة , ربما كانت حواديت أمي, أنا أصبحت مثل عربة لا أكتب الشعر ولا أفقه في السياسة, أصبحت عربة بلهاء تسير حيث يريدها الآخرون أن تسير لا كما تريد.. ربما تظنين أننى أتحدث كفيلسوف عجوز.. لكنها ليست كذلك.. أنها أفكار متراكمة تسقط مثل سور الحديقة بلا سبب .. ربما الولد أو الموت ... ربما مديحة .. لم يعد هناك شيء.. إبهيت الحجر.. حتى أبهيت الحجر.. حتى أنت يا سمية.. حتى عزت فهمي...