٢
أشد الغمِّ عندي في سرورٍتيقَّن عنهُ صاحبُهُ انتقالًا وانصرفت «ماري» إلى غرفة طفليها، ولبثت هناك ترعاهما حتى أخذها الرقاد، فعادت إلى القاعة والشيخان فيها يلعبان «ويلعب بهما الزمان»، فجلست على مقربة منهما متلهية بالزركشة عن خطرات البال، ولكنها لم تستطع قرارًا، بل كانت تنهض المرة بعد المرة إلى الشباك، فتنظر إلى السماء، فترى بقايا الغيوم مُبَدَّدة في فضاء الأفق، وفضالات البروق متكسرة على صفحات الجو، وتنظر إلى الأرض، فتبصر الماء والوحول مما تخلف من السيول، فتطير نفسها شعاعًا وينخلع قلبها ارتياعًا، فتدعو الله في سرها أن يذهب عنها الخوف والقلق، ويعيد زوجها بالسلامة، فلما أتت الساعة العاشرة ليلًا غلب عليها الاضطراب وتولاها الاكتئاب؛ فقالت موجهة إلى والدها الخطاب: لم يعد بعد «ڤكتور» يا أبتاه.
– لا تجزعي يا بنية، فلعله اختار أن يبيت في «سرڤيل».
– وقال الكونت: لو كنت في سنِّه لفعلت ذلك لا محالة.
– ولم يا سيدي؟!
فتواردت خواطر الشيخين عند سماعهما هذا السؤال من «ماري»، فضحكا منه معًا فاستنفرت، وأعادته ملحة في طلب الجواب؛ فقال الكونت: تسألين عما يدعو «ڤكتور» إلى أن يبيت في «سرڤيل»؟ فاعلمي أن هناك نساءً حِسانًا يسألنه ذلك لا محالة، وما يهون على الفتى مخالفة أمر الحسان.
فأصابها سهم هذا الجواب في قلبها فجرح وبرح؛ لأنه لم يخالج فكرها من قبله أن في الدنيا امرأة غيرها يرتاح «ڤكتور» إلى رضاها، ويسره أن يبيت في مغناها، ولم تكن تعرف الغيرة ولا العادة الفاسدة التي تجيز للرجال على وجهٍ ما خيانة نسائهم؛ فعظم تأثير هذا الخاطر فيها غير أنه كان لحسن حظها سريع الزوال، فإن «ڤكتور» لم يبت في «سرڤيل» بل عاد إلى المنزل في تلك الساعة فسكن جأش «ماري»، ولكن لم تَزُلْ من نفسها آثار الانفعال، أما هو فلم يلبث في القاعة إلا قليلًا، ثم طلب الانصراف معتذرًا بما ناله من التعب والمشقة في النهار، ودخل مخدعه من غير أن يمر بغرفة زوجته خلافًا لما جرت به عادته من يوم عرسها إلى ذلك اليوم.
ومذ حينئذٍ أيقنت «ماري» بفتور محبة «ڤكتور» واستيلاء الملل منها عليه، فكان محصل ما يمر بها من الخواطر مماثلًا لقول الشاعر:
لعيني كل يومٍ فيها عَبْرةٌتصيرني لأهل الحب عِبْرةعلامة شِقْوتي في الحبِّ أنيثقلتُ عليه لا من طول عشرةٍ فكأن للأنفس الطاهرة والقلوب الرحيمة دليلًا منها على فتور المحبة قبل حصوله، أو أن للفتور أسهمًا دقيقة خافية تمس القلب متوالية عليه فتخدشه خدوشًا يتصل بعضها ببعض، فتصير جرحًا كبيرًا. نعم، إن الرجل الأديب إذا أحسَّ من نفسه بفتور المحبة حاول إخفاءه، وتمالك ما استطاع خوفًا على المرأة التي لا تزال تحبه، أن يصيبها سهم الصدود، ولكنه ربما وقع غير مختار فيما يدل على فتور حبه، ولا يكاد يبين فترى منه عين محبة ما لا يراه سائر الناظرين.
إن العيونَ على القلوبِ شواهدٌفبَغِيضُهَا لك بَيِّنٌ وحبِيبُهَاوإذا تلاحظتِ العيونُ تفاوضَتْوتحدثتْ عما تُجِنُّ قلوبُهَاينطقنَ والأفواهُ صامتةٌ فمايخفى عليكَ بريئُها ومُريبُها وإذا كان الأمر كذلك فيمن يحاول الكتمان ولا يجهر بالصدود والهجران، فما الظن بمَن يصد جهرًا ولا يلقي على الهجر سترًا؟! ولا جرم أنه يصيب مهجة مُحِبِّه بسهم ما لجرحه التئام، ويوقد في قلبه من اليأس نارًا ذات ضرام، ولكثر ما تصيب هذه السهام قلوب النساء فتقطع منها أسباب الهناء والرجاء، وما يلزمهن في معرفة الإعراض والفتور غير كلمة أو إشارة مما يشف عن ذات الصدور.
ولما كان الغد وجاء وقت الطعام صباحًا واجتمع آل البيت على المائدة أنبأهم «ڤكتور» بعزمه على السفر إلى مدينة بواتيه، فقالت «ماري» بانكسار واحتشام: لعلك تروم السفر لشأن يدعوك إليه؟!
فقال: نعم. ثم حول وجهه عن زوجته لكيلا يقع نظرها عليه، فتلمح علامة الارتباك فيه؛ فقال له والده: ومتى تعود يا بني؟
– بعد ثلاثة أيام!
فشق ذلك على «ماري»، ولم تتمالك أن صاحت مستفهمة منكرة: ثلاثة أيام؟!
– نعم، وما موجب العجب والاستنكار؟
فأثر هذا الجواب في نفس «ماري» تأثيرًا شديدًا، فبكت وقالت: آهٍ يا «ڤكتور»! إنا لم نُمتَحن بعدُ بمثل هذا الفراق، ثم ضجت بالبكاء وألقت بنفسها على زوجها، فتلقاها وضمها متأثرًا مما ألمَّ بها من الغم، ثم رام تطييب خاطرها، فقال: إن كنت لا تصبرين على فراقي، فلست براحل عنك يا شقيقة الروح.
– أحق ما تقول؟!
– حق لا ريب فيه … فقال الكونت «ديلار»: إن كان في سفرك مصلحة، فلا ينبغي العدول عنه يا بني.
– نعم، فقد أنبأني وكيلنا بالمدينة أن بعض الناس طلب منه مقدارًا من المال قرضًا، فرأيت من المصلحة أن أسير إلى المدينة بنفسي لأنظر في الأمر وأفعل ما يقتضيه.
– إن كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن تمنعي زوجك من السفر وتعارضيه في قضاء ما يجب عليه، فأنتِ أم وُلْد صغار مسئولة عنهم في الحال والمآل، فلا تذهلي عن ذلك، ولا تميلي مع هوى النفس.
– فأجابت وهي آسفة كاسفة البال: صدق والدك يا «ڤكتور» فلا بد من ذهابك إلى المدينة.
– وهل تغالبين الأسى وتجلدين؟!
– نعم، أتجلد ما استطعت.
– إذن أسافر بعد الطعام شاكرًا لكم هذا القبول، وستعلمون أني لست بأقلكم رغبة في قرب اللقاء.
وسار «ڤكتور» بعد ذلك مخلِّفًا عند زوجته وَحْشَة الفراق، وكان قد حدث منذ الأمس في ذلك البيت ما غيَّر حالة أهله تغييرًا سيئًا، إذ وُجد في نفس كلٍّ منهم شيءٌ يخفيه، وسر يكتمه على الباقين. نعم، إن ذلك السر كان خفيفًا غير ذي بال، ولكن أول خاطر يكتمه المرء عن ذويه يكون كالحبة تدفن في الأرض، فتنبت وتنمو فتصير شجرة ذات فروع وجراثيم، فلو كشف أهل هذا البيت أسرارهم، وأزالوا حُجُب الكتمان عن أنفسهم أول الأمر لأمكن رجوع الهناء والأنس إليهم، ولكنهم كتموا خواطرهم وحجبوا سرائرهم؛ فتفرقوا مبتئسين متفكرين، فلم يعاودهم الصفاء، ووقفت «ماري» تنظر إلى العربة وهي سائرة بزوجها على عجل حتى غابت عن نظرها، فرجعت إلى غرفة أطفالها ينشد لسان حالها:
مستجير الهَوَى بغير مُجيرِومَضِيم النَّوَى بغير نصيرِفهو ما بين عمر يوم طويلٍيلتظي وعمر يومٍ قصيرِلا أقولُ المسير أرَّق عينيكان هذا العذابُ قبلَ المسيرِ واستولت الكآبة على أهل «مرلي» في غياب «ڤكتور»، فانقطعت «ماري» عن الغناء وهي تشتغل، وامتنعت من مداعبة طفلها في المرج الأخضر على بساط النبات الغض كما جرت به عادتها إلى ذلك الحين، بل كانت تطوف دهاليز القصر مكتئبة متمشية على مهل، وتدخل البيعة فتدعو الله وهي ناظرة إلى الطريق، ويُلِحُّ عليها والدها وحموها بالذهاب إلى «سرڤيل» لرد زيارة الباريسيات فتأبى، ولكن يعود «ڤكتور» فتسير معه، إنها قد واعدته بألَّا تخرج من البيت قبل رجوعه.
ثم عاد «ڤكتور» ومن خلفه في العربة صندوق فيه أثواب جديدة، وأسباب زينة لم يكن يلتمسها من قبل، فلما وقع نظر «ماري» على ذلك الصندوق وعلمتْ بما فيه، سألت زوجها عما دعاه إلى شراء تلك الأثواب فقال: إني أخجل من جيراننا أن أزورهم بثوبي القديم، فأكون فيه كالرجل الباقي من عهد الطوفان، وقد علمت أنهم يستهزئون بي من أجل ذلك، ولست أريد أن يستهزئ بي أحد من الناس.
فلم تجبه «ماري»، ولكنها لم تقنع بما قال، فبقي في نفسها شيء من سوء الظن، فلما أصبحت ورأته بلباس غرفة النوم معتدل القوم صبيحًا متأنقًا لم تعجب به كما تعودت إلى ذلك اليوم، بل داخلها الظن بأنه لم يتأنق في ملبسه ليحسن في عينها، وإنما تكلف ذلك لشيء جديد في نفسه لم تُحِط به علمًا.
والرَّيْبُ للنفس داءٌإن طَالَ أعيَا شفاؤُهْكالسُّمِّ في الجسمِ يسريحتى يعز دواؤُهْ ثم جاء وقت الغذاء، واجتمع له أهل البيت على المائدة، فتجاذبوا هناك أطراف الكلام، فساقهم الكونت «ديلار» إلى الحديث عن جيرانهم سكان «سرڤيل»، وزعم أن لم يبقَ مانع من زيارتهم، بل إنها وجبت فلا ينبغي تأخيرها إلى ما بعد الغد، فالتمست «ماري» أن تتخلف عن أسرتها بدعوى انحراف المزاج، فأبى «ڤكتور» ووالده إلا أن تسير معهم وما زالا بها حتى أجابت.
ولما أتى الوقت المعين للزيارة نشط لها أهل المنزل وخرجوا إلى موقف العربة، فكان اختلاف أحوالهم ومناظرهم من أغرب ما رأته العين؛ فإن الشيخين كانا بزيِّهما القديم، كأنهما من بقايا أمة قد خلت، و«ماري» على حالها من السذاجة التي تلازم نساء القرى، وتجعلهن مغمزًا للمدنيات ولو كن حسانًا، أما «ڤكتور» فإن ثوبه الجديد لم يكن منطبقًا عليه تمام الانطباق، ولكن اعتداله الطبيعي كان ساترًا لهذا العيب فلم تذهب جدة الثوب برونق بهائه، وحسن روائه، ولكنه ظهر فيه محتاجًا إلى شيء من العادة ليكون رشيقًا.
ولما وصل القوم إلى «سرڤيل» تلقاهم أهل القصر، وخصوصًا مدام «مرسيل» — أم الفتيات — ومدام «ڤلمورين» — الباريسية الحسناء — بأحسن مما لقوه في المرة الأولى من القبول والإكرام، وكانت مدام «ڤلمورين» لابسة لفافًا من الحرير الهندي والتفتاء الوردي مطرفًا بالكشاكش ترفل فيه بلا كلفة ولا قلق، فيعلم الناظر إليها أنها ليست بدخيلة على الرونق والزينة وأبهة النعيم، وكانت يداها الجميلتان مستورتين بكفوف صفراء تسر الناظرين، وشعرها اللامع الأسود كجناح الغراب مسترسلًا على كتفيها غير معقوص ولا مضفور، وكان على صدرها من الجواهر الكريمة ما يروق للعين حسنًا ونفاسة، وعلى جملتها من آثار النعمة والشرف والكياسة الباريسية ما لا يقلد ولا يوصف بلسان، فهي على حد قول سكريب «أحسن ما فيها أن حسنها غير محدود».
من حُسنِها أنْ ليسَ يُوصَفُ حسنُهَاوجمالها ألَّا يُحد جمالُهَاهي آيةُ الحُسنِ التي قد أعجزَتْوصَّافها من حيث عزِّ مثالهاترنُو بمقلة جُؤْذَرٍ نبَّالةٍوارحمتاهُ لمن تُصيبُ نبالُهاوتهزُّ من تحت الغلائل قامةًمن غير شكٍّ قاتل عسالهاومن استجارَ بعطفِها من طرفِهاألقى له شَرَكُ الغرامِ دلالهافإذا رَنَت وإذا انثنَتْ وإذا دنَتْفتنت فما من حيلةٍ نحتالُهَا وكان «ڤكتور» ينظر إليها نظر الحائر المندهش، وهي تتصبَّاه غير عامدة بما تظهر من الرشاقة، وما تبدي من حركات الدلال، فتارة تفتح حُنْجُور عطرها فتشمه، وهي غنية عن الطيب، وطورًا تنزع الكف الأصفر عن يدها الرشيقة، فيظهر بياض أناملها تحت سواد خاتم من الميناء، حتى عظمت بها فتنة «ڤكتور»، واشتدت منها غَيْرة «ماري»، وهي مع ذلك تعطف من رياض الحديث كل فن، وتقطف منه لكل سامع زهرة تنفي عن القلب الحزن حتى انشرحت بمعاني كلامها الصدور كما قرت بمحاسن وجهها الأنظار.
فحديثُهَا السحرُ الحلالُ لو انَّهُلم يجنِ قتل السامعِ المتحرزِإن طالَ لم يُمللْ وإن هي أوجَزَتودَّ المُحدَّث أنها لم تُوجزِ فأحست «ماري» بانحطاطها عن هذه المليحة حسنًا وجمالًا ورشاقة وظُرفًا، فأخذتها الغيرة على «ڤكتور»، ونالها من ذلك ألم عظيم، فعقدت نيتها على أن تلزم البيت من بعد هذه الزيارة؛ فلا تكون عرضة للغبن في الموازنة بينها وبين الباريسية الحسناء، ثم بذلت مجهودها في تقصير الزيارة حتى خف قومها للانصراف، ولما خلت بهم في العربة غلب الكمد عليها فبكت بكاءً مُرًّا، فأثَّر بكاؤها في نفس «ڤكتور» فصاح: ما بالك تبكين؟! ماذا أصابك؟!
– لا شيء، إن الحر قد اشتد عليَّ، فأورثني صداعًا أليمًا، عدمت به الجلد لا جرم أني غير صالحة لمعاشرة الناس، فلن أحضر بعد هذه المرة مجلس اجتماع.
فقال الكونت «ديلار»: نعم رأيتك في منزلنا ﺑ «مرلي» أسعد منك الآن وأهنأ، ولكنك مخطئة فيما عزمتِ عليه، فأنتِ في ريعان الشباب، ولا تليق وحشة العزلة بهذا العمر، ثم إنك أم وُلْدٍ صغار، فإن لم تخرجي من المنزل، ولم تدخلي مجالس المعاشرة؛ فمن ذا الذي يتولى تهذيب أولادك كما يقتضيه أدب الاجتماع.
– «ڤكتور» يفعل ذلك ويحضر المجالس عني.
– لا، لستُ أرضى بهذا لستُ أرضى.
فعاودها البكاء، فقالت: سوف نرى. ولم تزد.
ومرت بهم بعد ذلك عدة أيام، وهم بحسب الظاهر على سابق حالهم من الراحة والسكينة، و«ڤكتور» يخرج كل يوم للتنزُّه ويعود قبل المساء، فيكب على قراءة بعض الكتب، ولا ينظر إلى شيء آخر مما بين يديه، أما «ماري» فكانت أشد تفكيرًا وأعظم قلقًا واضطرابًا من ذي قبل، تتأمل في أحوال زوجها وترقب أعماله الغريبة؛ فيحصل في وهمها من التصورات وفي نفسها من الانفعالات ما لم تشعر بمثله إلى ذلك الحين، وكان الحب دليلها في سبيل الاعتبار والاختبار، فعلمت أن «ڤكتور» قد مسه الضجر، وتولاه الملل؛ فصار من همها أن تسليه وتواليه.
وهيهات لا يرجى السلوُّ بحالةٍلطفلٍ هوًى فيه الغرام محكِّمُدعته إلى حجر المحبة غادةٌرآها عن الدرِّ المنضد تبسمُوذاق حلاواتِ الحديث وشاقهبوجه التي يهوى جمالٌ منمنمُوليس له صبرٌ فيرجى فطامهإذا بعُدت والطفلُ بالصبر يُفطمُ وبينما هم ذات ليلة على المائدة، إذ جاءهم رسول بكتاب من «سرڤيل» تدعوهم فيه مدام «مرسيل» إلى ليلة أنس ورقص وصفاء تمثل فيها بعض الروايات، ثم تكون مأدبة شائقة تحت سرادقات مما يذكِّر بعجائب ألف ليلة وليلة، وكان اهتمام أهل «مرسيل» بإعداد أسباب الحسن والبهجة لتلك الليلة الموعودة قد عُرِفَ واشتهر بين أهل الناحية حتى صار موضوع أحاديثهم وسمرهم نهارًا وليلًا، فقال الكونت: إن الخياطات في هذه الناحية غير صُنُعِ الأيدي وغير قادرات على إحكام الزي، فينبغي أن نكتب إلى باريس بطلب ثوب جديد إلى «ماري»، فإني أريد أن تكون مثل مدام «ڤلمورين» حُسنًا ورواءً.
– لا حاجة بي إلى ذلك يا والدي؛ إذ لستُ بذاهبة إلى «سرڤيل».
فقال «ڤكتور»: وكيف هذا؟
– إني مثقلة، متعبة بالحمل؛ فلا أستطيع الذهاب، ولا أصبر على ضيق الثوب الجديد، فسِرْ أنت لتحدثنا بما تراه هناك من العجائب والغرائب.
فألحَّ «ڤكتور» والشيخان عليها في العدول عن هذا العزم، فصرفت الحديث إلى المزاح، وتضاحكت من عناد نفسها كثيرًا على أنها لم تتحول عنه، وكان الضجر مستحوذًا على «ڤكتور»؛ فاتخذ عناد زوجته وسيلة لإظهار الكدر فنهض وهو يقول: افعلي ما تريدين.
ثم ألقى البندقية على كتفه، وخرج من المنزل متوجهًا نحو «بروغ»، متنزهًا بين المروج والآثار القديمة، وكانت ناحية «بواتو» إلى ذلك العهد مرقشة بأطلال بالية ورسوم منازل عافية، منها ما هو باقٍ من عهد الرومانيين، ومنها — ولعله الأكثر — من بقايا الأعصر المتوسطة، وسكان هذه الناحية يتناقلون عن تلك الأطلال أحاديث خرافة تدل على أن ذكرى بيت «لوزينيان» الشهيرة محفوظة عندهم بالرواية، ينقلها الأبناء عن الآباء حتى كأن ذلك البيت لا يزال في عالم الوجود، فهم يسمُّون كل طلل في ناحيتهم «مرلوزين» نسبةً إلى امرأة من بيت «لوزينيان» يحسبونها من الجن، وهي في الواقع زوجة «مل» و«لوزينيان» فرَكَّبُوا في تسميتها الاسمين، وقالوا «ملوزين» ثم حَرَّفوا هذا المُركَّب فصار «مرلوزين» وسموا به الأطلال كما تقدم القول.
وكان بالقرب من «بروغ» برج قديم منفرد من بقايا قصر عظيم، كان في الحقيقة ﻟ «مرلوزين» المذكورة تصرف وقتًا من العام فيه، وتقيم سائره بقصرها الكبير المعروف، وذلك البرج عالٍ، حسن الموقع، يطل منه على ما حوله من الأرض، ويرى الجالس فيه نواقيس كثير من قُرَى الناحية، ويشرف على السواقي المتفرقة من الجدول وما يليها من البروج والبساتين.
وكان «ڤكتور» كثيرًا ما يقصد هذه الجهة في تنزهاته، فيهيم تحت قناطر القباب الخالية، أو يجلس على تلال هذه الجدران البالية، فيذَّكر مجدها السابق وعزها القديم، ففي اليوم الذي ذكرناه وصل هذا المكان، وهو أضيق صدرًا منه في كل يوم، فصعد الهضبة المؤدية إلى البرج على مهل، فسمع من فوقه صوت غناء، فوقف له ورعاه السمع، فعلم أنه صوت امرأة غير قروية، وذلك بما وجد فيه من حسن التوقيع، والتلحين، والرقة التي يلزم فيها من العلم بفن الألحان ما لا يتحصل إلا في المدن الكبيرة، وكان اللحن شجيًّا يثير الأشجان، فأثَّر في نفس «ڤكتور» حتى كاد يبكيه، وما برح واقفًا حتى انقطع الصوت عنه، فمشى متفكرًا فيه إلى أن بلغ رصفة كالدرج تنتهي إلى مدخل البرج، فرفع هناك عينيه، فأبصر على خطوات منه فتاة بثوبٍ أبيض وخمارٍ من اللَّاذ أدق مما تنسج العنكبوت، يلعب الهواء بأطرافه فتعلق بغصون الآس النابتة على جدران الأطلال، وكانت هذه الفتاة جالسة محدقة بالوادي هائمة الفكر فيه، وبين يديها علبة ألوان ورقعة صورة مبدوءة تدل على أنها جالسة هناك للتصوير، فلما أحست بحركة «ڤكتور» التفتت إلى جهته، فَعَلَتْ وجهها حمرة الخجل، ووثب على «ڤكتور» من تحت قدميها كلب صغير نبَّاح، وكانت هذه الرسَّامة الفتاة هي المركيزة «دي ڤلمورين» الباريسية الحسناء.
رسامةٌ قد جرى توقيع حاجبهابظُلمِ أهل الهوى والأمر ما رسمتْتحكَّمت في قلوبِ العاشقين كماشاء الجمالُ ولم تعدِل بما حكمتْكريمةٌ غير أن البخلَ عادتُهايا حسن باخلةٍ في الحسن قد كرمتْوافت لترسمَ أزهارَ الرياضِ ضحىفكان في خدِّها بعضُ الذي رسمَتْواستقبلتْ أقحوانَ الروض فابتسمتْعن مثل ما صوَّرت منه وما علمَتْفقل لواصِفِها ما أنت منصفهافقد علتْ عن معاني وصفها وَسَمَتْما البدرُ إن سفرتْ؟! ما الغصنُ إن خطرتْ؟!ما الظبي إن نفرتْ؟! ما الدرُّ إن بسمتْ؟! فاضطرب «ڤكتور» عند رؤيتها، وصار بين الخجل والوجل من أن يكون أورثها انزعاجًا، فاعتذر والتمس العفو ما استطاع كلامًا فقالت: أتيتَ على الرحب، فإني جئتُ هذا المكان مستصحبة «تريم» رفيقًا — وأشارت إلى الكلب — فأنسيت نفسي تأملًا في جمال هذا الوادي، لا جرم أن بلدكم بلد نعيم وبهجة يُحمَد في مثله المقام.
– إن بين «سرڤيل» وهذه الأطلال بُعدًا غير قليل، فكيف جَرُؤتِ على الخروج إليها بغير محامٍ؟!
فأَوْمَأَتْ إلى كلبها وقالت: وما شأن هذا؟! لا تستخفن به فهو ينبهني، وكفى بالتنبيه وقاية، فإن كثيرًا من أخطار هذا الوجود متى علمت لم تعد شيئًا محذورًا.
– صدقتِ إلا أن في غاباتنا أفاعيَ سامة لا يدفع شرها مثل هذا الرفيق.
– ما الشر وما الخوف من الشر؟! أيحسن بي توقع البلاء وحرمان النفس من لذة الحياة خوفًا منه، وأن أترك من أجله التنزه على انفراد وهو أبهج ما لدي؟ إني أحب الحادثات والغرائب، فإذا أتيت مكانًا فدأبي أن أجوس خلاله وألم بكل بقعة منه، فأسير منزهة فيه متسلحة بعلبة الألوان والمروحة وكتاب الرسم كما ترى، لا أخبر أحدًا ولا أستصحب رفيقًا رغبة في العزلة والحرية، وفرارًا من الكلفة الملقاة علينا نحن النساء بحكم العادات، وهربًا من ضيق الصدر في متسع القاعات.
فاجتماع الأحباب صفو ولكنكَدَّرَتْه مَئُونة الاحتشامِ فهنيئًا للرجال أنهم سعداء بالحرية والاستقلال.
فعَجِب «ڤكتور» من هذا الكلام غاية العجب؛ لأنه لم يرَ المرأة من قبله إلا باعتبار أنها خلق ضعيف محتاج إلى الهداية في سبيل الحياة، فلم يتصور إمكان ظهورها بشيء من الاستقلال والحرية، وإقدامها على تذليل العقبات الحائلة بين فكرها وتجليات الذكاء، وجملة القول أنه لم يكن يعرف من النساء غير قعائد البيوت، فلما سمع كلام المركيزة عرف المرأة الحسناء، فغلبت عليه الحيرة والدهشة فقال بعد الصمت: كيف كيف لا تخافين؟!
– وممَّ أخاف؟! أمن حية تلسعني كما أنذرتَ؟ أتحسبني حريصةً على هذه الحياة التي حُظِرَ بها علينا — نحن النساء الضعيفات — أن نعيش كما نريد؟ لا لعمري؛ فهي حياة غير جديرة بالحفظ، فإن ضاعت فلا أسف عليها.
حرصُ الرقيقِ على الحياةِ حكىحرصَ البخيلِ وما له مالُفالعمرُ آمالٌ وليس لمنفي الرقِّ يفني العمرَ آمالُ فازداد «ڤكتور» حيرة في أمر هذه الفتاة، كيف ينالها الملال من الحياة؟! وكيف لا ترهب الموت وهي في ريعان الشباب ونضارة الحسن وتمام النعمة؟! فتساءل عما تحتاج إليه في نيل السعادة، وعن سر شوقها إلى الاستقلال، وما الذي تفعل إن حصلت عليه، فكانت هذه المسائل كلها أسرارًا غامضة عنه، فاتسع بها مجال التصور لديه؛ فتسابقت خواطره فيه وما يسبق الخاطر هاجس القلب في مثل تلك الحال إلا إذا كان من القوة بمكان.
ولم يكن علم المركيزة بأحوال «ڤكتور» كافيًا في بيان ما أثر كلامها في نفسه، على أنها أحست منه بانفعال غير معهود، فمالت إلى استطلاعه منه ثم لم تجرُؤْ على ذلك، فالتزمت وإياه السكوت حتى سكن خاطرها واطمأنت نفسها، فقالت: لعلنا نراك ومدام «ديلار» — تريد زوجته — في «سرڤيل» يوم تشخيص الرواية.
– أما أنا فلست أتأخر عن هذه المسرة، وأما زوجتي فهي مثقلة متألمة فلا تستطيع الفوز بهذا الإرب.
– إني أراجع دوري في التشخيص منفردة له متنزهة، فهل تعرف الروايات التي سنشخصها؟
– ما رأيت إلى الآن تشخيص رواية، ولا قرأت من الروايات إلا منظومات أدبائنا المشهورين.
– يا عجبًا! ما رأيت إلى الآن تشخيصًا؟!
– كيف يتيسر ذلك ولم أتجاوز حدود هذا الوادي.
فحدقت المركيزة ﺑ «ڤكتور» تحديق المستغرب لما بين يديه، فإنها لم تكن رأت من قبله رجلًا من طبقته، يجهل كل ما لم يره مدونًا في الكتب، ويكون على حاله من الجمال الباهر والذكاء الظاهر ولا علم عنده بكونه جميلًا ذكيًّا، ثم أدركت — بما فيها من فراسة النساء — أن سجاياه الفطرية الفائقة لو أُخرجت من مضيق ذلك الوادي لأثمرت خيرًا، وصارت بعد حين من محاسن الوجود، فاجتمعت قوى فكرها على الرغبة في استقدامه إلى «باريس» فقالت غير مختارة: ينبغي أن تجيء «باريس».
– أريد ذلك ولا ينبغي لي.
– وما السبب؟
– عفوًا، إني لا أستطيع الجواب.
– لك الأمر.
فاحمرَّ «ڤكتور» مما قاله خجلًا وخاف أن يكون أساء الأدب في امتناعه عن الجواب، أما هي فتلاهت عن ذلك وقالت: لا بد أن يكون لهذه الأطلال قصة غريبة.
– إن لها قصصًا كثيرة، ولكن لا يجدر بالذكر غير واحدة منها.
– أتريد أن تقصها علي؟!
– أخاف ألا أحسن الحكاية، ومع ذلك أقول امتثالًا للأمر.
«قد سمعت — لا شك — بحديث الجِنِّيَّة «ملوزين» أميرة «لوزينيان» المشهورة التي كان لها الملك في جانب عظيم من هذه البلاد، فتلك الأميرة كانت تسكن هذا البرج، وههنا حلَّ بها المصاب الذي ما برحت تبكي وتنوح من جرائه منذ خمسمائة عام أو ستمائة فيما يزعمون، وكان لها خلوة في إحدى القباب التي تلوح لنا تحت هذه الهضبة، تنعكف فيها على السحر في كل يوم من منتصف الليل إلى الصباح متحجبة عن الأبصار، علمًا منها بأن لو رآها أحد من الناس على تلك الحال لفسد سحرها أو ضاع، وكان لها عشيق تهواه ويروم أن يكون لها بعلًا، وكان العهد بينهما أن يتركها وشأنها بعد منتصف الليل، ولا يلتمس العلم بمكانها في ذلك الوقت، فثبت المعشوق على هذا العهد مغالبًا فيه هوى النفس حتى غلبه في إحدى الليالي؛ فتبع الساحرة من غير أن تشعر به، ورأى فعلها في الخلوة فانمسخت للحال حية «وبقي من ذلك في يدها أثر لا يزول»، فلما بدت للرجل على تلك الصورة أُغْمِيَ عليه من الخوف تحت هذا الدرج، فأتته ورَدَّتْه إلى الرشد، ثم أعانته إلى الرجوع إلى المنزل، فلما أفاق من الإغماء والدهشة صد عن الأميرة وعابها بالسحر؛ فأيقنت بوقوفه على سرها ولزمها إبعاده اضطرارًا، فأمرته بالخروج ففعل محتارًا راضيًا، ولكنه ما لبث أن جد به الشوق إليها، فندم على ما وقع منه، وأرسل إليها يلتمس العفو والسماح، فجنحت إلى ذلك، ولكن منعها شيطانها عنه فردت الفتى خائبًا فتولاه اليأس، فاعتزل في بعض الأديار حتى مات، ولم تكن هي تستطيع الموت؛ فبكت وملأت غابات هذه الناحية نواحًا، ومذ حينئذٍ اشتهر صراخ «ملوزين»، وكان نواحها إنذارًا بموت أحد من بيت «لوزينيان»، فلما انقرضوا صارت تنوح إنذارًا بمصائب الناس، فإذا نزلت بالبلد نازلة سمعت الفلاحين يقولون: لا عجب فقد سمعنا صياح «ملوزين».»
فلما فرغ «ڤكتور» من حديثه قالت مدام «دي ڤلمورين»: لقد اختارت هذه الساحرة لنفسها حياة شقية، ولم تجد من لذة الوجود ما يهون تسليم النفس للشيطان.
– يزعمون أنها ما زالت حية، وكيف كان الأمر فهي لا شك حية الذكر!
– ثم كيف يقال إنها كانت تحب وتعشق، ولو صدقت في دعوى الحب لضربت بعصا السحر وجه شيطانها، ولم تترك من تهواه، فليس في الأرض ولا في الجحيم ما يغني من الحب.
فإن المحب يعاني الصدودَويقضي الوعود ويرعى العهودَاويصبر في الحب صبرَ الجليديلين الحديد ويدني البعيدَاويفني الوجود وفاءً وجُودًاويحسب ذاك الفناء وجودَافإن عاش عاش حميدًا سعيدًاوإن مات مات فقيدًا شهيدَا وما فرغت باريسيتنا الحسناء من هذا الكلام الصادر من القلب حتى أخذها فيه حياء النساء، فعلت وجهها الزاهر حمرة الخجل، وكان «ڤكتور» أشد منها استحياء على أنه كان حائر الفكر، تائه اللب، يحسب نفسه في منام، وما يسمعه أضغاث أحلام، ويرى تلك الحسناء مستولية على لُبِّه تتصرف فيه كيف تشاء، فتدفعه في طرق لا يعرفها إلى غايات لا يدركها؛ فيهيم في تلك المسالك هيام طرف الناظر من قمة الجبل الرفيع.
ومالت الشمس إلى الغروب وهما لاهيان ذاهلان عنها بما كانا يتجاذبان من أطراف الحديث من بضع ساعات، وكانت مدام «دي ڤلمورين» تتوقد في كلامها ذكاءً، وتلتهب حدةً، وتذوب تصورًا، وتسيل رقة مقلبة أوجه الحديث، متفننة في ضروبه، متنقلة في أساليبه، تجدُّ فتثير الأشجان، وتمزح فتذهب الأحزان، وتظهر العلم حتى يقال هذه آية الدهاء والذكاء، وتوهم الجهل حتى يقال هذه غاية السذاجة والصفاء، و«ڤكتور» مستهدف لتلك السهام بلا اختبار يحميه ولا اعتبار يقيه، ثم تنبهت الباريسية الحسناء لميل الشمس إلى الغروب، فخفت للانصراف، وقالت ﻟ «ڤكتور»: قدرٌ عليك أن تكون دليلي في مسالك هذا البلد، وأن أراك بين يدي كلما كنت محتاجة إليك حتى عجزت عن القيام بحق الثناء عليك، فهل لك أن تبلغني منزلنا غير مأمور؟!
فخف لذلك وانشرح وداخَلَه السرور والفرح؛ فقال: لكِ الأمر وعليَّ الشكر. وانحدرا من الهضبة حتى بلغا شاطئ الجدول والنسيم تزف إليه والغصون تميل عليه.
غديرٌ دار نرجسُه عليهورقَّ نسيمه وصفا وراقَاتراه إذا حللتَ به لوردٍكأنَّ عليه من حدق نطاقَا فقالت المركيزة: إن بي ظمأ وهذا ماء زلال، فقال «ڤكتور»: بل على خطوات قليلة من هذا المكان عين ماء أصفى من هذا الجدول وأشفى، فإن شئتِ صرنا إليها، فهي من أبهج متنزهات البلد. فأجابته إلى ذلك، فدخل بها بين ألفاف الأشجار على منحدر الهضبة حتى بدت لها العين من تحت قبة متهدمة يتكسر الماء على أحجارها، ومن حولها شجرات كبيرة من السنديان وارفة الظلال، وهي رائقة صافية كعين الديك أو مرآة الحسناء يتخللها النبات الأخضر، كأنه ترصيع الزمرد على صفحات الماس، وعلى الأرض مما يليها بساط سندسي زركشته يد الربيع بلآلئ الأزهار وجملة العين وما حولها فتنة للأبصار.
فجلست المركيزة تشرب الماء بكفها البيضاء، فناولها «ڤكتور» متهيبًا راجف اليد حُقَّة حمراء تسر الناظر آيلة إليه من أمه يحملها لورود الماء في الصيد، فتأملتها وأعجبت بحسب لونها وشكلها وما فيها من النقش، ثم أعادت النظر إلى العين وأطلقته في مجال جمال الوادي فرأته كما قيل:
وقانَا لفحةَ الرمضاءِ وادٍسقاهُ مضاعفُ الغيثِ العميمِنزلنَا دَوحَهُ فحَنَا عليناحنوَّ المرضعاتِ على الفطيمِوأرشفَنَا على ظمأٍ زُلالًاألذَّ من المُدامةِ للنديمِيصدُّ الشمسَ أنَّى واجهتنافحجَّبَهَا ويأذنُ للنسيمِيرُوعُ حصاهُ حاليةَ العذارَىفتلمسُ جانبَ العقدِ النَّظيمِ فقالت: لله هذا المكان ما أبهجه وما أبهاه! ولقد وددت لو كانت لي هذه العين لأبني عليها قبة تحار في حسنها العين، فهي أصلح مكان رأيته لهيام النفس في أودية التصور والخيال، فهل تعلم لمن هي؟
– لخادمك يا سيدتي فإن المكان بجوار قصرنا، وهو مما وهبني والدي يوم تزوجت.
– أتريد أن تبيعني هذه العين؟
– أقدمها خدمة على مقداري، وحسبي من العوض القبول.
– لا، لست أريد إلا الشراء، وكفاني أن أكون ملكة في هذه المملكة الصغيرة، فأنقض فيها، وأبرم وأفض، وأنظم، وأبني، وأهدم كما أريد، فبكم تبيعها مني؟
– بصورة من رسم يدك.
– قبلتُ على علم بأنك مغبون، ومن الغد أرسل الفَعَلة إلى هذا المكان للبناء.
– ونسميها عين التلاقي.
– أحسنتَ … ولكن قد مضى الوقت وأقبل الظلام؛ فسر بي إلى البيت.
فأجاب ممتثلًا وسارا صامتين والهوى يتكلم في قلب «ڤكتور» بما لا يكاد يفهم، وكأنه يقول:
أراكِ فاستحيي فأطرق هيبةًوأخفِي الذي بي من هواكِ وأكتمُوهيهاتَ أن يخفى وأنت جعلتِنِيجميعي لسانًا في الهوى يتكلمُ أمَّا «أليس» — وهو اسم الباريسية الحسناء — فكانت مشغولة النفس بما مر بها في ذلك اليوم تقلب فيه الخواطر متقلبة بين التصورات بما فيها من الميل إلى الغرائب، لا تنظر في عاقبة الأمر ولا تتنبه لحقيقة شأنها وحالة «ڤكتور»، فيا أسفاكم في النساء من حسناء يضلها الخيال؛ فتنقاد له خفةً وطيشًا، فتُرمَى بالذنب وتُتَّهم بفساد النفس، وما هي في الواقع والحقيقة إلا ذاهلة عن عاقبة الأمر، ولو فطنت لكل ما يترتب على العدول عن سراط الواجبات من فقد السعادة، وزوال الهناء، وضياع الراحة لما اتخذت غير ذلك الصراط سبيلًا.
ولما وصل الرفيقان أول طريق «سرڤيل» شكرت «أليس» ﻟ «ڤكتور» سعيه، وآذنته بالفراق بعد إذ واعدته باللقاء في الغد عند العين قائلة: وهناك أخبركَ بما عسيت أن أعزم على إنشائه في العين وما حولها، وألتمس رأيك فيه، فإن حقوق الجوار واجبة الرعاية، ثم ودعته باسمة وشردت عنه في طريق القصر شرود الغزال.