الفصل الثالث

5 0 00

الفصل الثالث

أوصل الشرطي الرجل سارق السيارة الى بيته وما كان لِيخطر للشرطي اليقظ الرؤوف أنه يمسك بذراع جانح متمرس ، لا لِيمنعه من الهروب كما كان يمكن أن يحدث في حالة أخرى بل خشية أ ، يتعثر هذا المسكين ويقع بالمقابل وبوسعنا وبسهولة أن نتخيل رعب زوجته من هذا المنْظر عندما فتحت الباب لترى نفسها وجها لوجه أمام شرطي بزيه الرسمي يمسك زوجها السجين الحزين من ذراعه أو هكذا بدا لها الأمر ، لأنه بالحكم على هيئة زوجها البائس فلا بد أنه قد وقع ما هو أسوأ من الاعتقال ، إذ أن أول فكرة خطرَت للمرأة هي أن زوجها قد ضُبِطَ متلبسا وقد اصطحبه الشرطي ليفتش البيت ، أعادت هذه الفكرة رغم تناقضها الظاهري الطمأنينة الى المرأة بشكل ما ، هذا إذا فكرنا أ ، زوجها لم يكن يسرق إلا السيارات وهذه بضاعة بالنظر الى حجمها لن تُخَبَأ تحت السرير .

لم يتركه الشرطي توغل في شكوكها فأخبرها : هذا الرجل أعمى اعتني به . .

لابد أن المرأة قد تنفست الصعداء لأن الشرطي في نهاية المطاف كان يوصل زوجها الى البيت فحسب ، غير أنها سرعان ما أدركت خطورة الكارثة التي حلت بحياتهما ، عندما ارتمى زوجها وهو يبكي بمرارة في حضنها ويخبرها بما سمعته من الشرطي . . .

***

والفتاة ذات النظارة السوداء أوصلها أيضا شرطي إلى بيت أهلها مع اعتبار الفارق في قساوة الظرف الذي حدث فيه عَمَاها ، امرأة عارية تصرخ في فراش في فندق وتخيف النزلاء الآخرين ، بينما كان شريكها في الفراش يحاول الهرب وهو يرتدي سرواله على عجل الأمر الذي خفف الى حد ما من وقع هذا الحدث الدرامي الناتج عن وقوعها فريسة تَهامسات مدعيات الحِشْمَة المنافِقات حول توريط نفسها في طقوس هذا الحب الارتزاقي .

بعد الصراخ الذي أطلقته عندما أدركت أن فقدانها بصرها لم يكن نوعا جديدا من أنواع اللذة غير المعروفة ، لم تجرؤ على البكاء وندب قدَرها عندما خرقوا عرف التعامل مع النزلاء وطردوها من الفندق عنوةً بدون أن ينتظروها لِترتدي ثيابها كلها .

وبلهجة ساخرة هذا إن لم تكن غير لائقة أراد الشرطي أن يعرف بعد أن استفسر عن عنوان بيتها إن كانت تملك أجرة التاكسي ، ففي هذه الحالات لا تدفع الحكومة عنها وحذرها من إجراءات قانونية لن نطيل التوقف عندها ما دامت تنتمي الى أولئك النسوة اللاتي لا يدفعن ضرائب عن دخلهن غير الأخلاقي .

ردت بإماءة من رأسها ، ولكونها عمياء تصورت ، تخيلوا ذلك أنها ، ربما لم يستطع الشرطي ملاحظة إماءتها فقالت مغمغمَة : نعم لدي نقود .

ثم قالت في سريرتها : فقط لو أني لم أفعل ذلك .

هذه العبارة الغريبة التي قد تصدمنا ، لكنها وإذا ما أخذنا في الحسبان إلتفافات العقل البشري حيث لا وجود للطرق القصيرة أو المباشرة ، هذه الكلمات نفسها توضح بجلاء أنما أرادت قوله هو أنها قد عوقِبَتْ بسبب سلوكها المشين ، بسبب تَهَتُكها وهذه هي النتيجة .

كانت قد أخبرت والدتها بأنها لن تعود الى البيت للعشاء ، لكنها في النهاية عادت مبكرة حتى أنها عادت قبل والدها . . .

***

كانت حالة طبيب العيون مختلفة ، ليس لأنه عَميَ في بيته بل لأنه طبيب فما كان لِيستسلم لليأس مثل أولئك الذين لا ينتبهون الى جسدهم إلا عندما يُؤْلِمهم ، حتى في حالة كرب كهذه وليلة الأرق الطويل التي تنتظره كان لا يزال قادرا على تذكر ما كتبه هومر في الإلياذة أعظم قصيدة عن الموت والمعاناة "إن طبيبا يساوي عدة رجال" ويجب ألا نقبل هذا الكلام كميا إنما وقبل كل شيء نوعيا ، كما سنرى لاحقا .

استجمع شجاعته لِيأوي الى السرير دون أن يثير قلق زوجته بحالته ، ولا حتى عندما غمغمت وهي نصف نائمة وتحركت في السرير والتسقت به .

استلقى يقظا عدة ساعات وفي النهاية استطاع أن ينام قليلا ، لكن بسبب الإرهاق التام أَمِلَ لو أن الليلة لا تنقضي كي لا يضطر للقول ، هو من كانت مهنته مداواة أمراض أعين الآخرين ، أنا أعمى .

لكنه في الوقت نفسه كان ينتظر بقلق نور الصباح عارفا أنه لن يراه ، في الواقع إن طبيب عيون أعمى ليس ذا فائدة لأي امرئٍ ، لكن كان عليه أن يبلغ المرجعيات الصحية ، أن يحذرها من هذه الحالة التي قد تنقلب الى كارثة وطنية ، إنه مجرد شكل عمى غير معروف حتى الآن ويبدو أنه شديد العدوى ، عمى كل مظاهره تشير الى أنه قد يظهر بدون أية أعراض التهابية سابقة ذات طبيعة معدية أو تناكسية كما استطاع أن يتأكد من حالة المريض الذي جاء يستشيره في عيادته أو كما في حالته هو شخصياً ، حيث يعاني من حسرِ بصر ولا بُئرية طفيفين لدرجة أنه قرر عدم استخدام عدسات مصححة ، عينان كفتا عن الرؤيا ، عينان عَمِيَتا تماما رغم أنهما كانتا سليمتين تماما ، بدون أي آفة حديثة أو قديمة ، مكتسبة أو متأصلة .

استعاد تفاصيل الفحص الذي أجراه للرجل الأعمى وكيف أن كل أجزاء العين الممكن الوصول إليها بدت من الناحية الطبية سليمة تماما بدون أدنى أثر لِتغير مَرضي ، إنها حالة نادرة جدا لاسيما عند شخص يدعي أنه في الثامنة والثلاثين من عمره ، حتى إنها نادرة عند من يصغره عُمرا .

- لا يمكن أن يكون ذلك الرجل أعمى . فكر لنفسه ناسيا للحظة أنه هو نفسه أعمى ، إنه لَأمر محير حقا كيف أن بعض الناس غَيْريون الى حد بعيد ، وهذا ليس بجديد إذا ما تذكرنا ما قاله هومر رغم تعبيره عنه بمفردات أخرى .

تظاهر بالنوم عندما استيقظت زوجته ، شعر بقبلتها على جبينه بلطف شديد كأنها لم ترد أن توقظه مما حسبته نوما عميقا ، ربما فَكَّرَت لنفسها : يا للرجل المسكين نام متأخرا بعد أن سهر يدرس حالة ذلك الرجل المسكين الأعمى غير العادية وحيدا وكأنه على وشك الاختناق ببطء بغيمة كثيفة تجثْتجثم بثقلها على صدره ، تعميه من الداخل .

أنَّ أنينا قصيرا ولم يستطع أن يغالب دمعتين طفرتا من عينيه ، ربما كانتا بيضاوين . فكر لنفسه . وسالتا الى فودَيه .

الآن فقط يستطيع أن يفهم مخاوف مرْضاه عندما كانوا يقولن له : دكتور أشعر أني أفقد بصري .

وصلته في غرفة النوم بعض الضجة المنزلية ، يمكن أن تدخل زوجته في أية لحظة لِترى إذا\ما كان لا يزال نائما فقد حان وقت ذهابهما الى المَشْفى .

نهض بحذر ، تلمس بيديه بحثا عن مأزره ولبسه ، ثم دخل الحمام لِيتبوَل ، التفت الى حيث يعرف أن المرآة موجودة ولم يتساءل هذه المرة ، لم يقل ماذا يجري ؟

هناك آلاف الأسباب لِتُقف الدماغ البشري عن العمل ، مد يديه لِيتلمس المرآة وكان يعرف أن صورته فيها تراقبه ، بوسع صورته أن تراه ، لكنه لا يستطيع أن يراها .

سمع زوجته تدخل الحمام .

- آه لقد استيقظت .

- نعم .

شعر بها بقربه .

- صباح الخير حبيبي .

مازالا يتخاطبان بكلمات عاطفية بعد كل سنوات زواجهما هذه .

عندئذٍ قال : وكأنهما يمثلان في مسرحية وقد وحان دوره في الكلام : أشك في أنه خير ، إذ أن هناك خللا ما في بصري .

لم تهتم إلا بالقسم الأخير من العبارة .

قالت : دعني أرى .

وتفحصت عينيه عن قرب .

- لا أستطيع أن أرى شيئا .

وهذه بوضوح عبارة مقتبسة وليست من قاموسها ، فهو من كان يجب أن يقولها غير أنه ببساطة قال : لا أستطيع أن أرى ، أعتقد أني التقطت العدوى من المريض الذي فحصته أمس .

مع الألفة ومرور الوقت تعلمت زوجة الطبيب شيئا ما عن الطب وفيما يخص هذه الحالة وبحكم قربها الدائم من زوجها فقد تعلمت ما يكفي لتعرف أن العمى ليس مرضا ينتقل بالعدوى مثل الوباء ، لا ينتقل بمجرد أن ينظر الأعمى الى آخر بصير ، العمى مسألة خاصة بين الفرد وعينيه اللتين خُلِق بهما ، في أي حال فالطبيب ملزَم بأن يعرف ما يقول ولذلك يجري تدريبه التخصصي في مدارس طبية ، وإذا كان هذا الطبيب هنا إضافة الى تصريحه بأنه أعمى يعترف أنه التقط العدوى فمن تكون زوجته لِتشكك فيما يقول مَهما كثرت معارفها عن الطب ، بناءً عليه من الواضح أن المرأة المسكينة التي واجهت دليله الغير قابل للدَحْض ، يجب أن تتصرف كأي زوجة عادية وتُظهر أمارات الأسى الطبيعية .

- وماذا ستفعل الآن ؟ سألته وهي تبكي .

- نحذر المرجعيات الطبية ، الوزارة هذا أول ما يتوجب علينا فعله فإن تبيَّن أنه وباء فيجب اتخاذ الاجراءات اللازمة .

- لكن ما من أحد سمع عن وباء العمى . ألحت زوجته متلهفة للتمسك ببارقة الأمل الأخيرة هذه .

- وما من أحد عَمِيَ بدون أسباب ظاهرة تفسر الحالة ، وعلى الأقل توجد الآن حالتان .

وما أن فرغ من نطق عبارته هذه حتى تغيرت نبرته ، دفع زوجته بعنف ليبعدها عنه على الأغلب .

- ابقي بعيدة ، لا تقتربي مني قد أُعْديك .

ثم ضرب جبهته بقبضته .

- يا للْحماقة ، يا للْحماقة أي طبيب أبله أنا ؟ لماذا لم أفكر في هذا من قبل ؟ لقد أمضينا كل الليلة معاً ، كان ينبغي أن أنام في غرفة المكتب وأُغلق الباب على نفسي .

- رغم ذلك أرجوك لا تفعل أشياء كهذه ، فلا مفر من المَحتوم ، تعال دعني أحضر لك فطورك .

- اتركيني- اتركيني .

- كلا لن أتركك . صرخت زوجته .

- ما الذي تريده ، أن تمشي وتتعثر وترتطم بالأثاث ؟ تبحث عن التليفون بعينين لا تَريان الأرقام التي تبحث عنها في دليل الهاتف ، بينما أقف أنا في هدوء أراقب هذا المشهد ، أتقوقع في شرنقة خشية التقاط العدوى .

أمسكته من ذراعه بقوة .

- تعال معي حبيبي .

كان الوقت لا يزال مبكرا عندما فرغ الدكتور من فطوره وبوسعنا تخيل المتع التي تناول بها القهوة والتوست اللذين أصرت زوجته على إعدادهما له .

مازال الوقت مبكرا جدا على تواجد الناس الذين سيخبرهم بالأمر في مكاتبهم ، فالمنطق والضرورة يقتضيان أن يقدم تقريره عما حدث مباشرةً وبأسرع ما يمكن الى شخص ما متنفذ في وزارة الصحة ، لكنه غيَّر رأيه بسرعة عندما فكر أنه سيقدم نفسه كطبيب لديه معلومة مهمة وعاجلة يريد إبلاغها وهذا غير كافٍ لإقناع الموظف الأدنى مَرتبةً الذي سيتكلم إليه .

أراد الرجل أن يعرف تفاصيل أكثر قبل أن يوصله الى مسؤوله الأعلى والمباشر ، كان واضحا أن طبيبا على قدر من المسؤولية لن يعلن عن تفشي وباء عمى الى أول موظف يقابله وإلا لَتسَبَبَ بحالة ذعر فورية .

أجابه الموظف على الجانب الآخر من التليفون : قلت لي إنك طبيب فإن أردتني أن أصدقك ، طبعا أنا أصدقك ، لكن لدي معلومات تمنعني من إيصالك الى الأعلى ما لم تخبرني بالأمر الذي تود مناقشته .

- إنها مسألة سرية .

- المسائل السرية لا تُناقَش في التليفون فالأفضل أن تحضر إلينا شخصيا .

- لا أستطيع مغادرة المنزل .

- تقصد أنك مريض ؟

- نعم أنا مريض . قال الطبيب الأعمى بعد صمت

- في هذه الحالة عليك أن تستشير طبيبا . علَّق الموظف ساخرا ومسرورا من بفطْنته وأغلق التليفون .

كانت وقاحة الرجل كصفعة ، واستغرق الطبيب بضعة دقائق كي يستعيد هدوءه بما يكفي لِيخْبر زوجته عن الفضاضة التي عُمِلَ بها ، بعدئذ وكأنه اكتشف للتو شيئا ما كان يجب أن يعرفه منذ فترة طويلة .

- غمغم : هذه الطينة التي جُبِلْنا منها نصفها خبث ونصفها استهتار .

أوشك أن يسأل متشككا : ماذا الآن ؟ ، عندما لاحظ أنه كا نيضيع وقته وأن الطريقة الوحيدة لإصال المعلومة الى الجهات المعنية وعِبْرَ طريق آمنة ستكون عِبر مدير المَشْفى الذي يعمل فيه ، يكلمه كلام طبيب الى طبيب بدون وساطة عامل التليفون .

دعه يتحمل المسؤولية ، يحمل نظام البيروقراطية على القيام بواجبه .

تلفنت زوجته فهي تحفظ رقم تليفون المَشْفى غَيْباً .

عرَّفَ الطبيب بنفسه عندما أجابته عاملة التليفون .

بعدئذ قال بسرعة : أنا بخير شكرا لك .

لابد أنها سألته كيف حالك دكتور ؟

هذا ما نقوله عندما لا نريد لعب دور الضعف الجسدي ، نقول إننا بخير حتى لو كنا نحتضر ، وهذا متعارف عليه بأنه استجماع لشجاعة ، ظاهرة لم تُعرَف إلا لدى البشر .

على الجهة الأخرى سأله المدير : حسناً ما الأمر

؟ سأله الطبيب إذا ما كان وحده ، وإن كان هناك من يسمعهما ؟

- لا تقلق من ناحية عاملة التليفون ، فلديها أشياء أهم من الإستماع الى محادثة عن طب العيون ، إضافة الى أنها لا تهتم إلا بالأمراض النسائية .

كان تقرير الطبيب موجزا وكاملا دون كلمات مطنبة أو زائدة أو مسهبة ، أوضح الأمر في سياق تشخيص سريري أكاديمي ، أدهش مدير المَشْفى الى حد ما .

- أأنت أعمى حقيقةً ؟

سأله المدير .

- أعمى تماما .

- على أية حالة قد يكون الأمر مجرد مصادفة فمن غير الممكن حقيقة بالمعنى الدقيق للكلمة وجود عدوى كهذه أياً كانت .

- أوافقك الرأي ، إذ لا وجود لدليل على عدوى ، لكن الأمر لم يكن مجرد أصابتنا بالعمى أنا وهو وكلٌّ منا في بيته بدون أن نلتقي معاً ، فقد تبيَّن في العيادة أن الرجل أعمى وأنا عميت بعده بعدة ساعات .

- كيف بوسعنا الوصول الى هذا الرجل ؟

- إن اسمه وعنوانه موجودان في ملفه في عيادتي ، سأرسل شخصا ما الى هناك في الحال ، نعم سأرسل طبيبا بالطبع ، طبيبا زميللا ، ألا تعتقد بضرورة إبلاغ الوزارة بالأمر ؟

- إن الأمر سابق لأوانه حاليا ، فكر في الهلع الجماعي الذي سيثيره خبر مرعب كهذا .

- العمى غير مُعْدٍ والموت غير مُعْدٍ ، بيد أننا نموت جميعا .

- حسنا ، ابْقِ أنت في البيت ريثما أُعالج الأمر ، بعدئذ سأرسل شخصا لإحضارك ، أود أن أفحصك .

- لا تنسَ أني عميت لأني فحَصْت شخصا أعمى .

- لا يمكن الجزم بذلك .

- على الأقل توجد لدي هنا إشارة ولو ضئيلة الى السبب والأثر .

- لكن لا زال الوقت مبكرا ا=على الاستنتاجات إذ أن حالتين منفصلتين لا تشكلان علاقة إحصائية .

- هذا إن لم يكن هناك وفي هذه اللحظة آخرون غيرنا .

- إني أتفهم حالتك العقلية ، لكن يجب أن نتجنب الاستنتاجات الكئيبة التي قد يتبين أنها عديمة الصلة بالأمر .

- شكرا جزيلا .

- سأكلمك في أقرب فرصة ، الى اللقاء .

بعد نصف ساعة بعد أن حلقَ لحيته بصعوبة وبمساعدة زوجته رن جرس التليفون ، كان مدير المَشْفى ثانيةً إلا أن صوته بدا مختلفا هذه المرة .

- لدينا هنا طفل عَمِيَ فجأة ، إنه يرى كل شيء أبيض ، تقول والدته إنه كان في عيادتك أمس ، إذا لم أكن مخطئا فهذا الطفل مصاب بحوَّل في عينه اليسرى .

- نعم إنه هو إذن دون شك ، بدأت أقلق فالحلة تزداد خطورة حقا ، ما رأيك بإبلاغ الوزارة ؟

- نعم بالطبع ، سأستشير هيئة إدارة المَشْفى .

بعد نحو من ثلاث ساعات بينما كان هو وزوجته يتناولان الغداء صامتين رن جرس التليفون من جديد ، نهضت زوجته لترد وعادت مسرعة .

- يجب أن ترد أنت على المكالمة ، إنها من الوزارة .

ساعدته على النهوض ، قادته الى غرفة مكتبه وناولته سماعة الهاتف ، كانت المكالمة قصيرة .

أرادت الوزارة أن تعرف هوية المرضى الذين كانوا في عيادته يوم أمس .

أجاب الطبيب بأن الملفات الطبية في عيادته تحتوي على كل المعلومات المطلوبة ، الاسم العمر الوضع العائلي المهنة وعنوان المنزل ، واقترح ا ، يرافق مندوب الوزارة الى العيادة .

- لا ضرورة لذلك . كانت اللهجة فَضة على الجهة الأخرى من الهاتف ، ونُقِلَ الهاتف الى شخص آخر إذ أنه سمع صوتا مختلفا يكلمه الآن :

- طاب مساؤك الوزير يكلمك ، أريد أن أشكرك باسم الحكومة على حماستك ، أنا واثق أ ، تصرفك العاجل المشكور سيساعدنا على محاصرة وضبط الحالة ، وأرجو أن تَلْزَم منزلك ريثما نقوم نحن بذلك . نُطِقَت الكلمات الأخيرة بنبرة رسمية مهذبة لكنها أوْحت له كأنه قد تلقى أمراً .

- نعم سعادة الوزير . رد الطبيب .

إلا أن الشخص على الجانب الآخر من الهاتف أقفل الخط .

بعد عدة دقائق رن الجرس ثانيةً ، إنه مدير المَشْفى .

كان يتكلم بعصبية وكلماته مشوشة : لقد أُبلِغْت للتو أن الشرطة قد أفادت عن حالتَي عمى مفاجئ .

- هل هما شرطيان ؟

- كلا رجل وامرأة ، وجدوا الرجل في الشارع يصرخ أنه عَمِيَ والمرأة عميت في الفندق ، يبدو أنها كانت في سرير رجل ما .

- يجب أن تتأكد إذا ما كانا من مرْضاي ، هل تعرف اسْمَيهما ؟

- لم تُذكَر أسماء تلفنوا لي من الوزارة وسوف يذهبون الى عيادتك لإحضار الملفات .

- يا له من عمل معقد .

- أأنت من يقول لي هذا ؟

وضع الطبيب سماعة الهاتف في مكانها ورفع يديه الى عينيه وغطاهما وكأنه يحميهما من شيء ما أسوأ قد يحدث ،

بعدئذ قال بصوتٍ واهنٍ : أنا متعب .

قالت زوجته : حاول أن تنام قليلا ، سأوصلك الى السرير .

- لا فائدة ، لن أستطيع النوم ، إضافة الى أن النهار لم ينقضِ بعد وقد يحدث شيء ما .

كانت الساعة تقارب السادسة عندما رنَّ جرس الهاتف للمرة الأخيرة ، رقفع الطبيب الذي كان يجلس الى جوار السماعة .

- نعم هو المتكلم . قال وأصغى بانتباه الى ما كان يقال له ، واكتفى بهز رأسه قليلا قبل أن يعيد السماعة الى مكانها .

سألت زوجته : من كان المتكلم ؟

- الوزارة ، ستأتي سيارة إسعاف لإصطحابي خلال النصف ساعة القادمة .

- أَذَلِكَ ما توقعت حدوثه ؟

- نعم ، الى هذا الحد أو ذاك .

- الى أين سيأخذونك ؟

- لا أعرف ، المفترض الى مَشْفى .

- سأوضب لك حقيبة .

- ضعي فيها بعض الملابس ، الأشياء الضرورية فأنا ذاهب في رحلة ، رحلة لن نعرف نوعيتها .

قادته بلطف الى غرفة النوم ، أجلسته على السرير .

- اجلس هنا بهدوء وأنا سأوضب كل شيء .

كان يسمعها تتنقل في الغرفة ، تفتح أدراجا وخزائن وتغلقها ، تُخرج منها ثيابا وتضعها في الحقيبة على الأرض ، إلا أن ما لم يستطع رؤيته هو أنها إضافةً الى ثيابه وضعت في الحقيبة عددا من البلوزات والتنانير ، زوجا من السراويل الفضفاضة وفستان وبعض الأحذية النسائية ، خطر بذهنه بشكل مبهم أنه لن يحتاج الى كل هذه الملابس لكنه لم يقل شيئا لأنه لم يكن هذا وقت الاهتمام بتفاهات كهذه .

سمع طقة الأقفال ، وبعدئذ زوجته تقول : انتهيت ، نحن جاهزان بانتظار الإسعاف الآن .

حملت الحقيبة الى الباب رافضة مساعدته عندما قال لها : دعيني أُساعدك فما زلت قادرا على عمل كهذا رغم كل شيء فلست عديم النفع .

بعدئذ توجها الى غرفة الجلوس ليجلسا على الأريكة وينتظران .

كانا متشابكا الأيدي عندما قال : من يعرف كم سيطول فراقنا ؟

فردت عليه : لا تدع ذلك يشغَلَنَّك .

انتظرا قرابة الساعة عندما رن جرس الباب ، نهضت وفتحته لكنها لم تجد أحدا على المصطبة .

تكلمت عِبر الأنترفون : قالت : حسنا سينزل حالاً .

التفتت الى زوجها وأخبرته أن لديهم تعليمات صارمة بعدم الصعود الى الشقة فيبدو أن كل الوزارة خائفة ، دعنا ننزل .

نزلا في المصعد ، ساعدت زوجها على هبوط الدرجات الأخيرة للوصول الى سيارة الإسعاف ثم عادت لتحضر الحقيبة ، رفعتها الى السيارة بمفردها ووضعتها داخلها ، أخيرا صعدت وجلست بجوار زوجها .

استدار سائق سيارة الإسعاف ليحتج : الأوامر لدي أن أصطحبه هو بمفرده لذلك أطلب منك النزول من السيارة .

ردت عليه المرأة بهدوء : يجب أن تصحبني معه لأني فقدت بصري الآن أيضا .